وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا لَمْ يَزَلْ عَدَدَ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَعَدَدَ مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ جُمْلَةً وَاحِدَةً، فَلَا يُزَادُ فِي ذَلِكَ الْعَدَدُ وَلَا يُنْقُصُ مِنْهُ. وَكَذَلِكَ أَفْعَالُهُمْ فِيمَا عَلِمَ مِنْهُمْ أَنْ يَفْعَلُوهُ، وَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ.
وَالْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ، وَالسَّعِيدُ مَنْ سَعِدَ بِقَضَاءِ اللَّهِ، وَالشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ بِقَضَاءِ اللَّهِ.
_________________
(١) هذه الجُمل من هذه العقيدة المباركة شروعٌ من الطحاوي ﵀ في مسألة القَدَرْ. ومسألة القَدَرْ والبحث فيها من المسائل العظيمة جدًا؛ لأنَّ الخلاف فيها بين أهل السنة والجماعة وبين المخالفين كثير ومتنوّع. والطّحاوي لم يُرَتِّب الكلام على مسألة القَدَرْ ولم يتناوله تناولا منهجيا واضحا بيِّنًا بل فرَّقَهُ وذَكَرَ جُمَلًا منه، ولهذا فإننا سنذكر إن شاء الله تعالى كل ما يتصل ببحث القدر في هذا الموضع إنْ اتسع له الوقت، ونُحيل فيما نستقبل على هذا الموضع الذي نأتيه عند قوله (وَأَصْلُ الْقَدَرِ سِرُّ اللَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ) . قال (وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا لَمْ يَزَلْ عَدَدَ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَعَدَدَ مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ جُمْلَةً وَاحِدَةً، فَلَا يُزَادُ فِي ذَلِكَ الْعَدَدُ وَلَا يُنْقُصُ مِنْهُ. وَكَذَلِكَ أَفْعَالُهُمْ فِيمَا عَلِمَ مِنْهُمْ أَنْ يَفْعَلُوهُ.) هذه الجملة أخذها انتزاعًا من عدد من أحاديث المصطفى ﷺ. وتلك الأحاديث متنوعة وثابتة في أَنَّ الله ﷻ خَلَقَ الجنة وخَلَقَ لها أهلًا وعَلِمَ ما هم عاملون، خَلَقَ النار وخَلَقَ لها أهلًا وعَلِمَ ما هم عاملون، وأنَّ الله سبحانه قَبَضَ قَبْضَةً إلى النار وقبض قبضة إلى الجنة، وأنّ الله سبحانه لما استخرج ذرية آدم من ظهره قال (هؤلاء إلى الجنة وهؤلاء إلى النار) فلا يُزاد من ذلك العدد ولا يُنقَصْ، والأحاديث في هذا كثيرة متنوعة. لكن المراد من ذلك هو ذِكْرُ أعظم مراتب الإيمان بالقدر ألا وهي مرتبة العلم. حيث ذَكَرَ أنَّ الله سبحانه عَلِمَ عدد من يدخل الجنة وعدد من يدخل النار، وكذلك عَلِمَ أفعالهم. (فعَلِمَ العدد): يعني عَلِمَ الأفراد وعَلِمَ الأعمال. والأعمال يدخل فيها القول والعمل والاعتقاد والأحوال جميعا، من جميع تصرفات أصحاب الجنة وأصحاب النار. وهذا فيه إجمال لذكر هذه المرتبة العظيمة وهي مرتبة العلم. قال بعدها (وَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ) هذه الجملة ثبتت في الحديث عن النبي ﷺ حيث قال ﷺ «اعْمَلُوا فكُلٌّ مُيَسرٌ لما خُلِقَ لَه» (١) يعني بذلك قول الله - ﷿ - ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل:٥-٧] . ومعنى (كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ) أنَّ الله - ﷿ - خَلَقَ الجنة وخَلَقَ لها أهلًا وهم في أصلاب آبائهم، فهؤلاء أهل السَّعَادة سَيُيَسَّرُونَ لعمل أهل السعادة، خَلَقَ النار وخَلَقَ لها أهلًا وهم في أصلاب آبائهم، فهؤلاء سَيُيَسَّرُونَ للعسرى؛ لعمل أهل الشّقاوة. وقوله (كُلٌّ مُيَسَّرٌ) لا تفيد الجَبْرْ؛ وإنما يعني أنَّ الله سبحانه علِمَ أنّ هؤلاء سيعملون بعمل أهل النار وكَتَبهُمْ من أهل النار، وأنهم لِمَا في نفوسهم من الخُبْثْ سيكونون من أهل النار، فسيتركهم الله - ﷿ - لأنفسهم؛ يعني سيخْذُلُهُمْ، فإذا خذلهم يُسِّر لهم سبيل الضلال. يعني أنَّ التيسير لأهل الجنة فيه زيادة فضل والتيسير لأهل النار فيه سلب الفضل. وهذا يعني أنْ لا جَبْرَ، وأَنَّ الجميع مُعامَلُون بعدل الله - ﷿ -، وأنَّ أهل الجنة عاملهم الله ﷾ زيادة على عدله بأن منحهم فضلًا ويَسَّرَ لهم وأعانهم على الخير. قال (وَالْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ) الأعمال بالخواتيم يعني بذلك ما جاء في قول النبي ﷺ «فإنّ أحدَكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلُها، وإنّ أحدهم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» (٢) لهذا كان كثير من السلف إذا ذَكَرُوا الخاتمة بَكَوا كثيرًا، وقال بعضهم (قلوب الأبرار مُعَلَّقَةٌ بالخواتيم يقولون بماذا يُختَمُ لنا؟) (٣) وهذا التعلق بالخواتيم، وهذا الإيمان بهذا النوع من القدر، يجعل العبد المؤمن صاحب يَقَظَة وحرص على إيمانه؛ لأنّ الله سبحانه لا يظلم النّاس شيئًا، والعبد يُيَسَر لعمل أهل الشقاوة إذا اختار هذا الطّريق، فإذا جاهد نفسه فإنّ الله سبحانه أعظم فَضْلًَا ومِنَّةً وكرمًا، ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩]، وقال سبحانه ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧] . [] . يعني مدافعة نوازع الباطن في النفس. قال (وَالسَّعِيدُ مَنْ سَعِدَ بِقَضَاءِ اللَّهِ) يعني أنَّ السّعيد هو من جعله الله سعيدًا إذْ قَضَى عليه أنْ يكون من المخلوقين، وهذا يُشير به إلى حديث (نفخ الروح وأنَّ الملك يأتي إلى الجنين ويقول: يا ربي شقي أو سعيد؟ ويؤمر بكَتْب أربع كلمات، بكتابة رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد) (٤) . وهنا في قوله (بِقَضَاءِ اللَّهِ)، (مَنْ سَعِدَ بِقَضَاءِ اللَّهِ) يعني به القدر. وهذا على أحد الوجهين أو أحد القولين في أنَّ القضاء والقدر بمعنى واحد، وسيأتي تفصيل لهذه الجملة والفرق بين القضاء والقدر. وهذا أيضا هو معنى قوله (وَالشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ بِقَضَاءِ اللَّهِ) . ولهذا نقول: إنَّ هذه الجملة فيها تقريرٌ لمرتبة العلم، والكلام على هذه المرتبة يمكن أن نرتّبه لك في مسائل:
(٢) سبق ذكره (٢١٥)
(٣) سبق ذكره (٢١١) في قوله ﷺ (لا هو في النار)
(٤) شعب الإيمان (٨٦٦) / حلية الأولياء (١٠/١٢١) / تاريخ دمشق (٢٠/١٩١)
(٥) البخاري (٣٢٠٨) / مسلم (٦٨٩٣) / أبو داود (٤٧٠٨) / ابن ماجه (٧٦)
[ ٢٢٣ ]
[المسألة الأولى]:
أنَّ عِلْمَ الله جل وعلا كما ذكر (عَلِمَ اللَّه فِيمَا لَمْ يَزَلْ) يعني أنَّ عِلْمَ الله أزلي وأبدي، وأنَّ عِلْمَهُ سبحانه أوّل، وهذه كلّها بمعنى واحد.
[ ٢٢٤ ]
[المسألة الثانية]:
أنّ عِلْمَ الله ﷻ من حيث هو صِفَةٌ له سبحانه مُتَعَلِّقٌ بكل شيء، كما قال سبحانه ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [النساء:٣٢]، وقال ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وقال أيضًا أ ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٠] وقال سبحانه ﴿وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر:٧]، ونحو ذلك من الآيات.
فعِلْمُ الله أمتعلق بكل شيء، وكلمة (بِكُلِّ شَيْءٍ) هذه فيها شمول للأشياء.
والشيء يُعرَّف بأنه ما يصح أن يُعلَمَ أو ما يصح أن يَؤُولَ إلى أن يُعْلَمْ.
فإذًا ما سيقع سواءً كان من جليل الأمر أو من حقيره هذا سَيَؤُولُ إلى العلم، وأيضًا يصح أن يُعلم ويصح أن يؤول إلى العلم ما لم يقع.
لهذا نقول: إنَّ علم الله ﷻ بالأشياء شامل، وأنَّ عِلْمَ الله؟ بالأشياء أَوَّلْ؛ لكن بَدَأَ حيث أراد الله؟ أن يوجَد ذلك الشّيء، أو أن يكون الأمر على هذا النّحو، أو أن لا يكون هذا الأمر.
يعني أنّ الله - عَلِمَ أحوال الأشياء على التفصيل وعلى الإجمال لَمَّا أراد خلقها وإيجادها ـ.
والله سبحانه يعلم تلك الأشياء على ما هي عليه، وعِلْمُهُ بها أوَّل، وإذا قلنا إنَّ علمه - بها شامل وأنه؟ عَلِمَ تلك الأشياء إذْ تَوَجَّهَتْ الإرادة إليها فإنَّ ذلك العلم لم يسبقه جهالة.
وهذه من أصول المسائل أيضًا؛ لأنّ عِلْمَ الله ﷻ لم يسبقه جهالة، وهذه تنفعك في البحث مع القدرية؛ نفاة العلم.] (١)
وقولنا: لم يسبقه جهالة؛ يعني لا في الأزل، فإذا قلنا: عَلِمْ، ليس معناه أنه قبل ذلك كان جاهلًا بهذا الشيء، لم؟
لأنه لم يكن شيئًا إلا لمَّا تَوَجَّهَت الإرادة إليه، فلما توجهت الإرادة إليه بأنه يكون أو لا يكون أو إذا كان كيف يكون فإنه سبحانه عِلْمُه بذلك سابق.
فإذًا عِلْمَ الله؟ لم يسبقه جهالة، لا حين توجه إلى الإرادة ولا حين وقع مشيئةً كونيةَ.
والإرادة في قولنا: توجّهت إليه الإرادة، ليست هي الإرادة الكونية المتعلقة -يعني التي تعرفونها التي هي المشيئة، إذا تعلقت بشيء كان- وإنما هي إرادة القدر؛ يعني تقدير الأشياء بأنَّ هذا سيكون أو لا يكون وأن هذا سيخلقه الله أو لا يخلقه الله؛ يعني الإرادة المرتبطة بالحكمة والتقدير في إيقاع الأشياء في أوقاتها.
_________________
(١) قال الشيخ صالح إجابة عن سؤال وجه إليه في الدرس الحادي والعشرون: هذه كلمة أردت بها التوضيح، وأشكلت على كثير من الإخوان، وهي سليمة في نفسها صحيحة؛ لكن لأجل عدم الاستيعاب أتركوها، وهي للإيضاح ليست للاعتقاد، هي للإيضاح، كلمة للإيضاح فاحذفوها من كتاباتكم، وإن أمكن أيضا من التسجيل لئلا يوقع الناس في اللَّبس.
[ ٢٢٥ ]
[المسألة الثالثة]:
أنَّ مرتبة العلم من أنْكَرَهَا كفر، ومراتب القدر أربعة كما تعلمون:
- أولها العلم.
- ثم الكتابة.
- ثم عموم المشيئة.
- ثم عموم خلق الله؟ للأشياء.
والمرتبة الأولى وهي العلم من أنْكَرَهَا كَفَر.
وعِلْمُ الله - -كما ذكر لك الطحاوي- أنه عَلِمَ أهل الجنة وعَلِمَ أهل النار؛ يعني عَلِمَ حال المكلفين وعددهم وصفاتهم، وعَلِمَ أيضًا أعمالهم، هذا القدر المتعلق بالمكلَّفين.
وأيضا علم الله؟ بكل شيء حتى بغير المكلفين على التفصيل.
[ ٢٢٦ ]
[المسألة الرابعة]:
أنَّ المنكرين للعلم -علم الله ﷿ السابق- خَرَجُوا في زمن ابن عمر ﵁، فقال ابن عمر في حقهم لمن سأله (أعلمهم أني منهم بريء) وذكر حديث الإيمان -يعني حديث جبريل الطويل المعروف، وفيه من أركان الإيمان، الإيمان بالقدر خيره وشره-.
وهؤلاء كانوا يقولون إنّ الله ﷿ لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها؛ يعني أنّ الأمر أُنُفْ مُستَأْنَفَ يقع ثم يُعْلَمْ.
وشبهتهم -شبهة القدرية هؤلاء- أنهم قالوا: إنّ الله سبحانه عَلَّقَ أشياء في القرآن بالعلم الذي ظاهره أنَّه لم يكن قبل ذلك عالمًا، وذلك من مثل قوله؟ ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة:١٤٣]، وهذا فيه تعليق الأمر بعلمٍ سيحصل، قال ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ يعني أنه قبل ذلك -يعني كما يقولون- لم يكن يعلم من سيتّبع ممن سينقلب على عقبيه.
وهذا الإيراد في الاستدلال بالآية هو استدلال بالمتشابه وتركٌ للمحكمات.
ولهذا يُرَدُّ عليهم هذا الاستدلال بأنَّ هذه الآية تُفهَمْ مع الآيات الأُخَرْ التي فيها عِلْمُ الله؟ بكل شيء، حتى قبل وقوع الأشياء كما قال سبحانه ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وكما ذكرتُ لك أنَّ الشيء يُعَرَّف بأنه ما يؤول إلى العلم؛ ما يصح أن يُعْلَمْ أو يؤول إلى العلم.
وكذلك يُسْتَدَلُّ عليهم بقوله ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣] والأحاديث الكثيرة التي فيها عِلْمُ الله؟ بأهل الجنة، وعِلْمُ الله؟ بأهل النار، وعلمه بعمل العاملين، ونحو ذلك قبل خلق الخلق.
ويُستَدَلُّ أيضًا عليهم بقوله سبحانه ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾، وبقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [النساء:٣٢]، والآيات في ذلك كثيرة التي فيها ذكر العلم بلفظ ﴿كَانَ﴾؛ ﴿كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ .
إذًا يكون الرد على القدرية من وجهين: (١)
١- الوجه الأول: هو أنَّ ذلك اتِّبَاع للمتشابه وترك للمحكم وذكرنا المُحْكَمَات.
٢- الوجه الثاني: أنَّ معنى الآية ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البقرة:١٤٣] ومعنى قوله تعالى ﴿وَلَمَّا يَعْلَم اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾، وقوله ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال:٦٦]، ونحو ذلك هو ظهور علم الله - ﷿ -؛ لأنَّ علم الله ﷾ خَفِيْ، ولا يُحَاسِب العبد إلا على ما ظهر من علم الله - ﷿ - المتعلق بالعبد، وإلا فلو أُنِيط ذلك بعلم الله الباطن دون ظهور الشيء في الواقع المتعلق بالمكلف لكان للمكلف حجة في رد التكليف.
ولهذا الآيات التي فيها ذِكْرُ العِلْمْ اللاحق أو ما سيأتي المقصود منه ظهور العلم.
(العلم الذي سيأتي) يعني العلم الذي سيظهر.
أما علم الله - ﷿ - المشتمل على ما خَفِيَ وما ظَهَرَ، أو عِلْمُ الله السّابق واللاّحق فهذا [] بعلم الله - ﷿ - للأشياء الذي هو مرتبة من مراتب القدر.
فإذًا في قوله ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ يعني إلا ليظهر علمنا في المكلفين، فيظهر علمنا فيمن اتبع الرسول ممن انقلب على عقبيه، حتى تكون حجة على هذا العبد.
كذلك ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ هذا مرتبط بالتّشريع.
وعِلْمُ الله - ﷿ - الشّامل -يعني الظاهر والباطن- هذا متّصف الله - ﷿ - به؛ لكن لا يكون معه التّدرج في التشريع.
فالله ﷾ جعل العبد المؤمن يقاتل عشرة، ثم ظَهَرَ عِلْمُهُ فيهم أنهم ضعفاء فخفّف، فالتخفيف إذًا مسألة شرعية لما ظَهَرَ عِلْمُ الله الباطن بحالهم فهنا شَرَعَ لهم التّخفيف.
وهذا يعني أنّ الآيات هذه تدل على ظهور علم الله - ﷿ -.
وظهور علم الله - ﷿ - فيهم مُناط بأمرين:
١- الأمر الأول: أن تنقطع الحجة من العبد على التكليف والحساب.
٢- الأمر الثاني: أن يُشَرَّع وتظهر الشريعة أو تُسن الأحكام.
وهؤلاء القدرية هم الذين قال فيهم السلف (ناظروا القدرية بالعلم فإن أنكروه كفروا وإن أقرّوا به خُصِمُوا) .
والقدرية هؤلاء سُمُّوا قَدَرِيَّة لأنهم ينفون القَدَرْ.
ونفي القَدَرْ قد يتوجه إلى نفي مرتبة من مراتبه، أو إلى نفي أكثر من مرتبة.
فَمِمَّنْ نفى أكبر المراتب وأعظمها وهي العلم، هؤلاء هم القدرية الأوائل الذين يقال لهم القدرية الغلاة.
ومن هؤلاء -يعني من القدرية- الذين ينفون مرتبة عموم الخلق كالمعتزلة.
والقدرية في ذلك مراتب، وقد لخَّصَ شيخ الإسلام أصناف القدرية بقوله في تائيته القدرية:
ويدعى خصوم الله يوم معادهم إلى النار طُرًَّا معشر القدرية
سواء نفوا أو سعوا ليخاصموا به الله أو ماروا في للشريعة
يعني أنَّ أعظم تلك الفرق التي تُدْعَى القدرية، الذين ينفون القدر، وهم الغلاة نفاة العلم أو المتوسّطون وهم المعتزلة ومن شابههم.
_________________
(١) الرد على القدرية لم يذكره الشيخ في هذا الشريط وإنما ذكره إجابة لسؤالٍ في الشريط ١٧، ثم نبَّهَ الشيخ إلى أنَّه نسي ذكرها في الرد على القدرية، لذا قمت بوضعه في هذا الموضع.
[ ٢٢٧ ]
[المسألة الخامسة]:
أنّ عِلْمَ الله ﷿ شامل لكل شيء، هذا يفيد المؤمن في إيمانه بالقدر، وهو أنه سبحانه عَلِمْ الأشياء، وعَلِمَ حال العبد، وعَلِمَ ما ستكون عليه هذه الأمور جميعًا من دقائقها وتفاصيلها وإجمالها.
وهذا يعني أنه ليس ثمَّ شيء يقع على وجه الصدفة بلا ترتيب سابق ولا تقدير سابق.
فإذا كان الله عَلِمْ فإنَّ معنى ذلك أنه سبحانه جعل هذا الذي عَلِمَ أنَّهُ سيقع على وفق ما يشاؤه، على وفق الحكمة البالغة؛ لأنَّ الرب المتصرف ذا الملكوت لا يقع في ملكه إلا ما يشاء أن يقع، فإذا كان عَلِمْ وأيقن العبدُ هذا العلم الشامل الكامل فإنه يوقن بعده بالحكمة العظيمة.
ولهذا مسألة الحكمة من وجود الأشياء مرتبطة بالقدر عِلْمًا ونفيًا:
- فحكمتة - مرتبطة بالقدر علمًا؛ لأنَّ الله - عليم؛ ولأنه سبحانه ما شاء كان.
- ومرتبطة بالقدر نفيًا في أنَّ الخوض في الحكمة خوضٌ في القدر.
ولهذا قال الطحاوي في آخر كلامه (وَأَصْلُ الْقَدَرِ سِرُّ اللَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ)
وقال في آخرها أيضا (فَالْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ ذَلِكَ نَظَرًا وَفِكْرًا وَوَسْوَسَةً، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى طَوَى عِلْمَ الْقَدَرِ عَنْ أَنَامِهِ، وَنَهَاهُمْ عَنْ مَرَامِهِ) إلى أن قال (١)
: [[الشريط السابع عشر]]:
(فَمَنْ سَأَلَ: لِمَ فَعَلَ؟ فَقَدْ رَدَّ حُكْمَ الْكِتَابِ)، وهذه هي التي يُشكِلُ على البعض كيف دَخَلَتْ في القدر، وهي مسألة الحكمة.
إذا قال المرء لم حصل كذا؟ ولم قُدِّرَ كذا؟ أو لم صار الأمر على هذا النحو؟ لم صار هذا غنيًا وهذا فقيرًا؟ ولم صار هذا مريضًا وصار ذاك صحيحًا؟
كيف انتقل هذا السؤال في القَدَرْ وصار المتشكك من القدرية؟
لأنَّ المتشكك ينفي الحكمة، ولو أيقن بعموم العلم وعموم المشيئة لأيقن بحكمة الله - ﷿ - الماضية، وأنَّهُ لا شيء يقع إلا والله ﷾ عَلِمَهُ قبل أن يقع وأَرَادَهُ كَونًَا وشَاءَهُ، وهذا يعني أنه لن يقع إلا على وفق حكمة الله - ﷻ -، فلهذا صار السائل في مسائل القدر بـ: لم؟ مُعَارضًِا للقدر.
ولهذا قال لك ابن تيمية في البيت الذي ذكرته لك آنفا (أو ماروا في الشريعة) يعني أنَّ القدرية منهم من يُمَارِي في الشريعة، يماري يعني يشكك ويجادل ويسأل وكذلك قال بعدها:
وأصلُ ضلالِ الخلْقِ مِنْ كُلِّ فِرقَةِ هو الخوضُ في فعْلِ الإلهِ بعلَّةِ
فإنَّهمُو لم يَفْهَمُوا حِكْمَةً لَهُ فصاروا على نَوْعٍ مِنَ الجاهليَّةِ
فأهل الجاهلية عارَضُوا الشريعة بـ: لم؟ والمتشككون عارَضُوا أفعال الله - ﷿ - بـ: لم؟
إذًا فمِن أعظم مراتب الإيمان بالقدر، الإيمانُ بعلم الله - ﷿ - الشامل للأشياء، الشامل لكل شيء.
فإذا أيقن العبد بهذا، بعموم العلم، وعَلِمَ معنى ذلك، أيقن أيضًا بحكمة الله - ﷿ - واستسلم لقدر الله ولم يخض فيه بالسؤال؛ لأنَّ القدر سر وهو مرتبط بعلم الله - ﷿ -.
يوضّح لك ذلك أنَّ الله ﷻ قصَّ علينا في القرآن قصة الخَضِرْ مع موسى ﵇ أو ﵉.
فالخَضِرْ مع موسى اختلفا واعترض موسى على الخَضِرْ، وسبب الاعتراض عدم العلم، لمَّا كان موسى في تلك المسائل أنْقَصَ علمًا من الخَضِرْ واعْتَرَضَ حُجِبَ عن علمٍ زائد.
ولذلك صار السؤال -سؤال الاعتراض- مُرْتَبِطًَا بالعلم، فإذا كان الخَضِرْ أعلم من موسى، وموسى حُجِبَ بالسؤال فدلَّ على أنَّ السؤال في أفعال الله أو السؤال في قدر الله أو السؤال في تصرفات خلق الله - ﷿ - أنَّ هذا اعتراض على العلم.
وإذا كان الله - ﷿ - هو العليم بكل شيء فإنَّهُ لا يجوز للعبد أن يعترض على علمه وعلى حكمته بـ: لم؟
لهذا قال في آخر الكلام هنا (فَمَنْ سَأَلَ: لِمَ فَعَلَ؟ فَقَدْ رَدَّ حُكْمَ الْكِتَابِ، وَمَنْ رَدَّ حُكْمَ الْكِتَابِ كَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) يعني قوله ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء:٢٣] .
هذه بعض المسائل في كلامه على مرتبة العلم.
_________________
(١) انتهى الشريط السادس عشر.
[ ٢٢٨ ]