فقال ﵀ (حَيٌّ لا يَمُوتُ، قَيُّومٌ لا يَنَامُ)
_________________
(١) وكونه - ﷿ - حيًا، هذا دلَّ عليه العقل ودلَّ عليه السمع؛ يعني دل عليه الكتاب والسنة. وقبل ورود الكتاب والسنة فالعقل يدلُّ على أنَّ الله - ﷿ - موجود لكثرة الدلائل وتواترها وتتابعها على وجود الحق - ﷿ -. وكونه ﷾ موجودًا يدل باللازم الذي لا انفكاك منه على أنّه حي ﷾، وحياته - ﷿ - تدل على أنه متصف بصفات كثيرة. فإذًا صار اسم الله (الحيّ) يدل عليه العقل قبل ورود السمع. وكذلك اسم الله (القيوم) وصفة القيومية له - ﷿ - هذه أيضًا يدل عليها العقل ويدل عليها السمع لأنه سبحانه هو الذي أقام الأشياء. فكونه هو الخالق للأشياء يدل عقلًا أنه هو الذي أقامها وأنّ قيومِيَّتَهَا به - ﷿ -. إذا كان كذلك فنقول هذان الاسمان (الحي) و(القيوم) قد قيل فيهما -وهو قول قوي، وله حظ من الترجيح- أنهما اسما الرب - ﷿ - الأعظمان. فالاسم الأعظم الذي إذا دُعي به الرب - ﷿ - أجاب، وإذا سُئِلَ به أعطى كما جاء في الحديث، هو في سورة البقرة وسورة آل عمران، وفيهما قول الله - ﷿ - ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (١) . وهذا له معنى وذلك أنَّ الحي والقيوم بلوازمه؛ بلوازم اسم الحي وما يلزم من اسم القيوم يقتضي جميع الأسماء التي هي من أفراد الربوبية والصفات التي هي من أفراد الربوبية. ولهذا عُلِّقَ إعطاء السائل سؤله في هذين الاسمين الأعظمين؛ لأنَّ إجابة السُّؤَّال وإعطاء الداعي ما دعا هذا متعلق بربوبية الله - ﷿ -، فإذا انضم إليها إدانة العبد وإقراره بتوحيد الإلهية وأن الله - ﷿ - لا إله إلا هو، صار هذا الدعاء (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) متضمنًا لتوحيد الإلهية ولتوحيد الربوبية ولتوحيد الأسماء والصفات. لهذا فإن اسم الحي واسم القيوم هما اسما الله الأعظمان اللذان إذا دُعي بهما أجاب وإذا سئل بهما أعطى، في قول قوي مرجَّح لأحد القولين في اسم الله الأعظم. إذا تبين لك ذلك ففي قوله (حَيٌّ لا يَمُوتُ، قَيُّومٌ لا يَنَامُ) مسائل:
(٢) البقرة:٢٥٥، آل عمران:٢.
[ ٤٦ ]
[المسألة الأولى]:
أنّ صفة الحياة صفةٌ مُشتَرَكة بين كل مخلوقات الله - ﷿ -.
وكل حياة لها ما يناسبها، حتى الجماد له حياة تناسبه؛ حتى الشجر والحجر له حياة تناسبه.
وإنما سمي جمادًا لأنه جامد في الظاهر؛ ليس له حركة ظاهرة، وإلا فإنه ليس بميت يعني لا حراك فيه ولا حياة، وإنما هو:
- ميت باعتبار عدم الحركة.
- وجماد باعتبار عدم الحركة.
ولهذا فإنَّ اشتراك المخلوقات مع الرب - ﷿ - في هذا الاسم وفي صفة الحياة هذا اشتراكٌ في أصل المعنى فكل له حياة تناسبه، على حسب القاعدة المعروفة: وهي أن الصفات بما يناسب الذوات.
فإثبات الصفات إثبات وجود لله - ﷿ - لا إثبات كيفية، وصفات المخلوقات تناسب ذواتهم الوضيعة الضعيفة الفقيرة.
وهذا ظاهر أيضًا في صفتي السمع والبصر كما قد قرَّرْنَاهُ لكم مِرارًا في قوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فإنّ صفة السّمع وصفة البصر مشتركة بين أكثر الكائنات الحية، وكذلك الحياة فهي مُشْتَرَكَة بين جميع الكائنات الحية، منها ما حياته بالروح والنفس، ومنها ما حياته بالنماء، ومنها ما حياته خاصة به كالصخور والتراب، وأشباه ذلك ولهذا كان؟ يقول كما رواه مسلم في الصحيح «إني لأعلم حجرا بمكة ما مررت عليه إلا سلَّم علي (١) .
فإذًا إثبات هذه الصفة واسم الحي لله - ﷿ - يدل على نفي التعطيل بجميع أنواعه، ويدل على إبطال التجسيم بجميع أنواعه.
ولهذا صار اسمًا عظيمًا مختصًا بالرب - ﷿ - على وجه الكمال، لأنَّ المخلوق يعرف أنَّ حياته قصَّة قليلة يريد زيادتها فلا يستطيع، يريد أن يكون في وَصْفِهِ بالحياة أكمل من وصف غيره فلا يستطيع، فدلَّ على ظهور نقصه في الصفة المشتركة بينه وبين جميع المخلوقات.
المقصود من هذا إنَّ في إثبات صفة الحياة لله - ﷿ - إبطال للتعطيل وإبطال للتجسيم على الوجه الذي ذكرته لك، وهو ظاهر في قوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ .
_________________
(١) انتهى الوجه الأول من الشريط الثالث، أما الحديث فهو في مسلم (٦٠٧٨) .
[ ٤٧ ]
[المسألة الثانية]:
الله - ﷿ - قال ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ وذلك لكمال حياته ولكمال قيوميته - ﷿ -.
وقوله هنا (حَيٌّ لَا يَمُوتُ، قَيُّومٌ لَا يَنَامُ) دلَّتا على القاعدة المقرَّرة عند أهل السنة والجماعة وهي:
*أنَّ وصف الرب - ﷿ - بالنفي ليس مقصودًا لذاته وإنما هو لإثبات كمال ضد ما نفى.
لهذا سبحانه أثبت الكمال له ثم نفى ليدل على إثبات الكمالات له - ﷿ -، فلمَّا قال ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ قال ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ ليدل على أنَّ قول ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ لكمال حياته ولكمال قيوميته، فنفى لتأكيد الإثبات.
وهذه هي القاعدة المقررة عند أهل السنة والجماعة فيما يُنفَى في القرآن وفي السنة عن الله - ﷿ - إنما هو لإثبات كمال ضده من صفات الحق - ﷿ - كما في قوله سبحانه ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩] لكمال عدله، وكما في قوله سبحانه ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤] لكمال علمه سبحانه وحِفظِهِ سبحانه وقيوميته، وكقوله ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾] الإخلاص] وأشباه ذلك.
[ ٤٨ ]
[المسألة الثالثة]:
أنَّ اسم القيوم لله - ﷿ - واسم الحي هذان الاسمان مُتَعَلِّقانِ بخلقه - ﷿ -، يعني أنَّ لهما الأثر في خلقه سبحانه، وكل حياةٍ تراها في خلقه فهي من آثار حياته - ﷿ -، وكل صلاح أو فعل تراه في خلقه فهو من آثار قيوميته - ﷿ -.
واسم القيوم مبالغة لإثبات كمال قيامه ﷾ على الوجه المطلق بنفسه وبخلقه، فلفظ القيوم، اسم القيوم يدل على أنه سبحانه كامل فيما يختاره ﷾ لنفسه من الصفات التي تقوم بمشيئته واختياره وقدرته، وكذلك له الكمال فيما يقيم به خلقه - ﷿ -.
وإذا تبيَّن ذلك فإن قول المؤلف (قَيُّومٌ لَا يَنَامُ) راجع إلى الآية ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ وذلك لكمال حياته، ﴿وَلَا نَوْمٌ﴾ وذلك لكمال قيوميته - ﷿ -.
ففسَّر القيوم بأنه الذي لا ينام، وهذا كما ذكرت لك ليس تفسيرًا لمعنى القيوم، فإنَّ معنى القيوم أنّهُ الذي قام بنفسه وأقام غيره، فليس ثَمَّ شيء إلا والله - ﷿ - مُقيمٌ له على وجه ما تقتضيه حكمة الرب - ﷿ -.
فإذا تبيَّن ذلك فإنَّ اسم القيوم لله - ﷿ - واسم الحي له ﷾ لهما أثر في إجابة السؤال.
وهذا الأثر مرتبط بقاعدة كلية في ارتباط الإجابة بحسن السؤال، ولهذا قال - ﷿ - ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ﴾ [الأعراف:١٨٠] فدعوة الله - ﷿ - بأسمائه يعني بما يناسب مقصودك من الأسماء.
وكل [] لك في حياتك فهو من آثار اسم القيوم، لأنك تحتاج ما تقيم به حياتك، وكل ما تُقيمُ به حياتك إنما هو من القيوم - ﷿ -، فإذا أقامك - ﷿ - على شيء أو أقام لك شيئًا فإنه سبحانه القيوم الذي هو ﴿قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد:٣٣] ﷾.
لهذا فإنَّ فقه الدعاء مرتبط بفقه الأسماء والصفات، فكلما كان العبد أعرف بأسماء الله وصفاته وآثارها في خلقه، كُلَّما كان أعرف وأعلم بسؤال الله بها وباستحضاره لمعنى ذلك كان ذلك أرجى لقبول الدعاء وحصول المطلوب.
[ ٤٩ ]
[المسألة الرابعة]:
أنَّ اسم الحي واسم القيوم بلازمهما تدل على بقية صفات الرب - ﷿ -، لأنَّ الحياة مستلزمة لكثير من الصفات، والقيومية مستلزمة لكثير من الصفات.
لهذا قال طائفة من المحققين من أهل العلم في هذا الباب (إنَّ الصفات التي أثبتها الأشاعرة أو أثبتها غيرهم من أهل البدع وزعموا إثباتها بالعقل أنَّهُم قَصَّروا في ذلك لأنَّ العقل بالتلازم واللزوم يُثْبِتُ صفات كثيرة لله - ﷿ - أكثر من السبعة التي أثبتها طائفة منها بالعقل) .
لهذا اسم الحي يستلزم صفات كثيرة، واسم القيوم يستلزم صفات كثيرة، لذا ينبغي أن يُتَاَمَّل هذا الموضع من جهة أنَّ حياة الرب - ﷿ - واسم الرب - ﷿ - (الحي)، وقيومية الرب - ﷿ - واسمه القيوم يستلزمان عقلًا عددًا كبيرًا جدًا من الصفات لله - ﷿ -.
وهذا موضع يُحْتَجُّ به على من يُثبِتُونَ الصفات بالعقل لأنَّ حياته سبحانه ثابتة عقلًا عند الجميع وكذلك قيوميته سبحانه ثابتة عقلًا عند الجميع.
[ ٥٠ ]