مَا زَالَ بِصِفَاتِهِ قَدِيمًا قَبْلَ خَلْقِهِ، لَمْ يَزْدَدْ بِكَوْنِهِمْ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُمْ مِنْ صِفَتِهِ، وَكَمَا كَانَ بِصِفَاتِهِ أَزَلِيًّا كَذَلِكَ لَا يَزَالُ عَلَيْهَا أَبَدِيًّا.
لَيْسَ بَعْدَ خَلْقِ الْخَلْقِ اسْتَفَادَ اسْمَ "الْخَالِقِ"، وَلَا بِإِحْدَاثِ الْبَرِيَّةِ اسْتَفَادَ اسْمَ "الْبَارِي".
لَهُ مَعْنَى الرُّبُوبِيَّةِ وَلَا مَرْبُوبَ، وَمَعْنَى الْخَالِقِ وَلَا مَخْلُوقَ.
وَكَمَا أَنَّهُ مُحْيِي الْمَوْتَى بَعْدَمَا أَحْيَا اسْتَحَقَّ هَذَا الِاسْمَ قَبْلَ إِحْيَائِهِمْ، كَذَلِكَ اسْتَحَقَّ اسْمَ الْخَالِقِ قَبْلَ إِنْشَائِهِمْ.
ذَلِكَ بِأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَكُلُّ شَيْءٍ إِلَيْهِ فَقِيرٌ، وَكُلُّ أَمْرٍ عَلَيْهِ يَسِيرٌ، لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ:؟لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:١١] .
_________________
(١) قوله (مَا زالَ بِصِفَاتِهِ قَديمًا قَبْلَ خَلْقِهِ ) إلى آخره، أراد به أنه - ﷿ - لم يزل بصفاته؛ متصفًا بصفاته قبل أن يخلُق الخلق، فصفاته سبحانه ثابتة له قبل وجود المخلوقات المنظورة، التي تراها الآن، والتي لا تُرَى مما هو موجود. قال (مَا زالَ بِصِفَاتِهِ قَديمًا) وهذا فيه بحث مرّ معكم في اسم القديم أو في وصف الله - ﷿ - بالقِدم. وقوله (قَبْلَ خَلْقِهِ) أراد به أنَّه سبحانه ما اتَّصَفَ بالصفات هذه بعد أن خَلَقَ الخلق كما سيأتي في قوله (لَيْسَ بَعْدَ خَلْقِ الْخَلْقِ اسْتَفَادَ اسْمَ "الْخَالِقِ"، وَلَا بِإِحْدَاثِ الْبَرِيَّةِ اسْتَفَادَ اسْمَ "الْبَارِي) . (١) : [[الشريط الرابع]]: ثم قال (لم يَزدَدْ بِكَوْنِهِم شَيْئًا، لم يكنْ قَبلَهُم مِنْ صِفَتِهِ) تركيب هذه الجملة كالتالي: لم يزدد شيئا - ﷿ - من صفاته، لم يزدد شيئا بكونهم - يعني بوجودهم وإيجادهم وخلقهم - لم يزدد شيئًا. وهذا الشيء وُصِفْ بأنه لم يكن قبلهم من صفته. يعني أنّ الرب - ﷿ - ما ازداد شيئًا لم يكن عليه سبحانه قبل أن يخلقه؛ بل هو سبحانه بصفاته قبل أن يَخْلُقَ الخَلْقْ وبعد أن خَلَقَ الخلق؛ لأنه لا يجوز أن يُعَطَّل الرب - ﷿ - من صفاته؛ لأنَّ تعطيل الرب من صفاته نقص، والله سبحانه متنزه عن النقص بأنواعه. وهذا الكلام منه مع ما بعده متصل ولذلك سنذكر ما يتعلق به من المسائل متتابعًا بعد بيان معنى هذه الجمل الآتية: قال (وكما كانَ بصفاته أزَليًّا، كذلك لا يزالُ عَلَيْها أبديًّا) يعني أنّ صفات الرب - ﷿ - كما أنه لم يزل عليها وهو أولٌ بصفاته فهو أيضا - ﷿ - آخرٌ بصفاته ﷾. فصفات الرب - ﷿ - أبدية أزلية لا ينفك عنه الوصف في الماضي البعيد ولا في المستقبل، بل هو ﷾ لم يزدد بخلقه شيئا لا في جهة الأولية ولا في جهة الآخرية، بل هو ﷾ لم يزل بصفاته أولًا سبحانه وآخرًا. قال (لَيْسَ بَعْدَ خَلْقِ الْخَلْقِ اسْتَفَادَ اسْمَ "الْخَالِقِ"، وَلَا بِإِحْدَاثِ الْبَرِيَّةِ اسْتَفَادَ اسْمَ "الْبَارِي") أراد بذلك أنه - ﷿ - من أسمائه الخالق ومن صفاته الخلق قبل أن يَخْلُقْ، فلم يَصِرْ اسمه الخالق بعد أن خَلَقَ؛ بل هو اسمه الخالق - ﷿ - قبل أن يَخْلُقْ، ولم يكن اسمه الباري بعد أن بَرَأَ الخليقة بل اسمه الباري قبل أن يبرأ الخليقة. لهذا قال بعدها (له معنى الرُّبُوبيَّةِ ولا مَرْبُوبَ، ومعنى الخالق ولا مخلُوقَ) فقبل أن يكون سبحانه خالقا للخلق، يعني قبل أن يكون ثَمَّ مخلوق هو خالق. وقبل أن يكون ثَمَّ مربوب هو - ﷿ - الرب ﷾. قال (وكما أنَّه مُحيِي الموْتَى بَعْدَما أَحْيَا، استحقَّ هَذَا الاسْمَ قَبْلَ إِحْيَائِهم) فهو سبحانه المحيي قبل أن يكون ثَمَّ مَيْتْ، قبل أن يُمِيتَ الموتى هو المحيي، وكذلك هو المستحق لاسم الخالق قبل إنشائهم، ذلك بأنه على كل شيء قدير. هذه الجمل مترابطة في الدِلَالَة على المعنى الذي ذكرته لك. وهذا المعنى الذي دلّ عليه كلام الطحاوي يرتبط به مسائل مهمة جدًا في هذا الموضع. وهذا الموضع مما يظهر منه أنّ الطحاوي ﵀ خالف ما عليه أهل الحديث والأثر في هذه المسألة العظيمة. وذلك أنَّ أصول هذه المسألة قديمة في البحث بين الجهمية وبين المعتزلة وبين الكلابية والأشاعرة وبين الماتريدية وبين أهل الحديث والأثر، والمذاهب فيها متعددة. ولهذا نُبَيِّن ما في هذه الجمل من مباحث على مسائل إيضاحًا للمقام.
(٢) انتهى الشريط الثالث.
[ ٥٩ ]
[المسألة الأولى]:
أنّ الناس اختلفوا في اتصاف الله - ﷿ - بصفاته هل هو مُتَّصِفٌ بها بعد ظهور آثارها، وأسماء الرب - ﷿ - سُمِّيَ بها بعد ظهور آثارها أم قبل ذلك على مذاهب:
١ - المذهب الأول:
هو مذهب المعتزلة والجهمية ومن نحا نحوهم مِنْ أنَّه - ﷿ - لم يَصِرْ له صفات ولا أسماء إلا بعد أن ظهرت آثارُها، فلما خَلَقَ صارت له صفة الخلق، وصار من أسمائه الخالق.
وذلك على أصل عندهم، وهو أَنَّ أسماء الله - ﷿ - مخلوقة، فلما خَلَقَ سَمَّاهُ الناس الخالق، وخَلَقَ له اسم الخالق.
فعندهم أَنَّ الزمان لما ابتدأ فيه الخلق أو الرَّزق أو الإنشاء صار بعده له اسم الخالق، وقبل ذلك لم يكن له هذا الاسم ولم تكن له هذه الصفات.
فقبل أن يكون ثَمَّ سَامِعْ لكلامه فليس هو سبحانه مُتَكَلَّمًَا، فلما خَلَقَ سامِعًا لكلامه، خَلَقَ كلاما - عند المعتزلة والجهمية - فأسمعهم إياه، فصار له اسم المتكلم أو صفة الكلام، لمَّا خلق مَنْ يسمع كلامه.
كذلك صفة الرحمة على تأويلهم الذي يؤولونه أو أنواع النِّعَم، والمنعم والمحيي والمميت كل هذه لا تطلق على الله عندهم إلا بعد أن وُجد الفعل منه على الأصل الذي ذكرته لكم عنهم أنَّ الأسماء عندهم والصفات مخلوقة.
٢ - المذهب الثاني:
هو مذهب الأشاعرة والماتريدية ومذهب طوائف من أهل الكلام في أنّ الرب - ﷿ - كان مُتَّصِفًَا بالصفات وله الأسماء، ولكن لم تَظْهَرْ آثار صفاته ولا آثار أسمائه بل كان زمنًا طويلا طَويلا مُعَطَّلًا عن الأفعال ﷿.
له صفة الخلق وليس ثَمَّ ما يخلقه، له صفة الفعل ولم يفعل شيئًا، له صفة الإرادة وأراد أشياء كونية مؤجلة غير مُنجزة وهكذا.
فمن أسمائه عند هؤلاء الخالق، ولكنه لم يخلق، ومن أسمائه عندهم أو من صفاته الكلام ولم يتكلم، ومن صفاته الرحمة بمعنى إرادة الإنعام وليس ثَمَّ مُنْعَمٌ عليه، ومن أسمائه المحيي وليس ثَمَّ من أحيا، ومن أسمائه الباري وليس ثَمَّ بَرْأْ، وهكذا حتى أَنْشَأَ الله - ﷿ - وخَلَقَ - ﷿ - هذا الخلق المنظور الذي تراه من الأرض والسموات وما قصَّ الله علينا في كتابه، ثُمَّ بعد ذلك ظهرت آثار أسمائه وصفاته.
فعندهم أنَّ الأسماء والصفات متعلقة بهذا العالَمْ المنظور أو المعلوم دون غيره من العوالم التي سبقته.
وقالوا هذا فِرارًا من قول الفلاسفة الذين زعموا أنَّ هذا العالم قديم، أو أَنَّ المخلوقات قديمة متناهية أو دائمة من جهة الأولية؛ من جهة القدم، مع الرب - ﷿ -.
٣ - المذهب الثالث:
هو مذهب أهل الحديث والأثر وأهل السنة؛ أعني عامة أهل السنة وهو أنّ الرب - ﷿ - أَوَّلٌ بصفاته، وصفاته ﷾ قديمة، يعني هو أوَّلٌ ﷾ بصفاته.
وأنه سبحانه كان من جهة الأولية بصفاتهِ -كما عبر الماتن هنا بقوله (كانَ بصفاته) .
وأنّ صفات الرب - ﷿ - لابد أن تظهر آثارها؛ لأنه سبحانه فَعَّالٌ لما يريد.
والرب - ﷿ - له صفات الكمال المطلق، ومن أنواع الكمال المطلق أنْ يكون ما أراد ﷾.
فما أراده كونًا لابد أن يكون.
ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
ومن مذهب أهل السنة والحديث والأثر أنّه سبحانه يجوز أن يكون خَلَقَ أنواعًا من المخلوقات وأنواعًا من العوالم غير هذا العالم الذي نراه.
فجنس مخلوقات الله - ﷿ - أعمّ من أن تكون هذه المخلوقات الموجودة الآن، فلا بد أن يكون ثَمَّ مخلوقات أوجدها الله - ﷿ - وأفناها ظَهَرَت فيها آثار أسمائه وصفاته - ﷿ -.
فإنَّ أسماء الرب - ﷿ - وإنّ صفات الرب - ﷿ - لابد أن يكون لها أثرُها؛ لأنه سبحانه فعّال لما يريد.
فما أراده سبحانه فَعَلَهُ، وَوَصَفَ نفسه بهذه الصفة على صيغة المبالغة الدالة على الكمال بقوله ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (١)، فما أراده سبحانه كان.
وهذا متسلسل -كما سيأتي بيانه- في الزمن الأول، يعني في الأولية وفي الآخرية فهو سبحانه (وكما كانَ بصفاته أزَليًّا، كذلك لا يزالُ عَلَيْها أبديًّا) .
وهذا منهم -يعني من أهل الحديث والأثر والسنة- هذا القول منهم لأجل إثبات الكمال للرب - ﷿ -.
وقول المعتزلة والجهمية فيه تعطيل للرب عن أسمائه وصفاته.
يعني أنَّ الله - ﷿ - كان بلا صفات وبلا أسماء، وأنَّه لمَّا فَعَلَ وُجِدَت صفات الرب - ﷿ -، وهذا نسبة النقص لله - ﷿ - لأنّ الصفات هي عنوان الكمال، والله ﷾ كمالاته بصفاته.
أمّا قول الأشاعرة والماتريدية ومن نحا نحوهم، فهذا أيضًا فيه وصف الرب - ﷿ - بالنقص؛ لَأَنَّ أولئك يزعمون أنه متصف ولا أثر للصفة.
ومعلوم أَنَّ هذا العلم المنظور الذي تعلقت به عندهم الأسماء والصفات، هذا العالم إنما وُجِدَ قريبًا.
_________________
(١) هود:١٠٧، البروج:١٦.
[ ٦٠ ]
فوجوده قريب وإن كانت مدته أو عمره طويل لكنه بالنسبة إلى الزمن بعامة -الزمن المطلق- لا شك أنه قريب لهذا قال؟ (إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء) (١) - ﷿ -.
فالتقدير كان قبل أن يخلق هذه الخلائق، قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وهي مدة محدودة، والله - ﷿ - لا يَحُدُّه زمان، فهو أول ﷾ ليس قبله شيء - ﷿ -.
وفي هذا إقرار لأنه من جهة الأولية يتناهى الزمان في إدراك المخلوق، وننتقل من الزمان المنسوب إلى الزمان المطلق، وهذا تتقاصر عقولنا عنه وعن إدراكه.
وأما هذا العالم المنظور فإنه مُحْدَثٌ وحدوثه قريب.
ولهذا نقول إن قول الآشاعرة والماتريدية بأنه كان متصفًا بصفات وله الأسماء، ولكن لم تظهر آثارها ولم يفعل شيئًا إلا بعد أن أَوْجَدَ هذا العالم، نقول معناه أَنَّ ثَمَّ زمانًا مطلقًا طويلًا طويلًا جدًا ولم يكن الرب - ﷿ - فاعلا، ولم يكن لصفاته أثر ولا لأسمائه أثر في المربوبات.
ولا بد أنَّ الله - ﷿ - له ﷾ من يعبده - ﷿ - من خلقه، ولا بد أن يكون له - ﷿ - مخلوقات؛ لأنه سبحانه فعّال لما يريد، وهذه صفة مبالغة مطلقة في الزمن كله؛ لأنَّ (ما) اسم موصول وأسماء الموصول تعم ما كان في حيّز صلتها.
بَقي أنْ يقال إن قولهم (أراد ولكن إرادته كانت مُعَلَّقَة غير مُنْجَزَة) ونقول هذا تحكم؛ لأن هذا مما لا دليل عليه إلا الفرار من قول الفلاسفة ومن نحا نحوهم بِقِدَمِ هذا العالَم المنظور.
وهذا الإلزام لا يلزم أهل الحديث والسنة والأثر لأننا نقول إنَّ العوالِمْ التي سبقت هذا العالم كثيرة متعددة لا نعلمها، الله - ﷿ - يعلمها.
وهذا ما قِيلَ إنَّهُ يُسَمى بقِدَمِ جنس المخلوقات، أو ما يسمى بالقِدم النوعي للمخلوقات، وهذه من المسائل الكبار التي نكتفي في تقريرها بما أوردنا لكَ في هذا المقام المختَصَرْ.
المهم أن يتقرر في ذهنكَ أنَّ مذهب أهل الحديث والأثر في هذه المسألة لأجل كمال الربّ - ﷿ -، وأنَّ غَيْرَ قولهم فيه تنقّص للرب - ﷿ - بكونه مُعَطَّلًا عن صفاته أو بكونه ﷾ مُعَطَّلًَا أن يفعل وأن تظهر آثار أسمائه وصفاته قبل خَلْق هذا العالم المعلوم أو المنظور.
_________________
(١) مسلم (٦٩١٩) / الترمذي (٢١٥٦)
[ ٦١ ]
[المسألة الثانية]:
أنّ الطحاوي ﵀ كأنّه يميل إلى المذهب الثاني؛ وهو مذهب الماتريدية.
وهذا من أغلاط هذه العقيدة التي خالف فيها مؤلفها منهج أهل الحديث والأثر.
هذا ظاهِرُ كلامه كما اعترف به الشارح.
ومن شَرَحَ هذه العقيدة من الماتريدية قرّروا هذا الكلام على أنَّ كلامه موافق لكلام أبي منصور الماتريدي والأشعري ومن نحا نحوهم.
[ ٦٢ ]
[المسألة الثالثة]:
وهي متصلة بهذا البحث، وهذا البحث من أصعب المباحث التي ستعرض لك في شرحنا لهذه العقيدة، لكن نعرضها بشيء من الوضوح والاختصار، وهو ما يسمى بمسألة التسلسل.
والتسلسل معناه: أنه لا يكون شيء إلا وقبله شيء تَرتَّبَ عليه، أو لا يكون شيء إلا وبعده شيء ترتب عليه.
والتسلسل على اعتبارات:
* الجهة الأولى المُعْتَبَرَة في بحث التسلسل: التسلسل في صفات الرب - ﷿ -.
وللناس في التسلسل المتعلق بصفات الرب - ﷿ - مذاهب:
١ - المذهب الأول:
من قال إنَّ الرب - ﷿ - يمتنع تسلسل صفاته في الماضي، ويمتنع تسلسل صفاته في المستقبل:
فلا بد من أمد يكون قد ابْتَدَأَ في صفاته أو قد ابْتَدَأَتْ صفاتُه، ولا بد أيضًا من زمن تنتهي إليه صفاته، وهذا هو قول الجهمية -والعياذ بالله- وقول طائفة من المعتزلة كأبي الهذيل العلاَّف وجماعة منهم.
٢ - المذهب الثاني:
هو أنَّ التسلسل في الماضي ممتنع، والتسلسل في المستقبل لا يمتنع:
يعني أنَّ الاتصاف بالصفات لا بد أن يكون له زمن ابتدأ فيه، وهذا الزمن قريب من خلق هذا العالَم الذي تعلّقت به الأسماء والصفات أو الذي ظهرت فيه آثار الأسماء والصفات، وفي المستقبل هناك تسلسل في الصفات يعني عدم انقطاع للصفات، وهذا هو قول أهل الكلام والأشاعرة والماتريدية.
٣ - المذهب الثالث:
المذهب الثالث هو مذهب أهل السنة والحديث وهو أنّ التسلسل ثابت في الماضي وثابت في المستقبل، وثبوته في الماضي غير متعلق بخَلقٍ تَتَسَلْسَلُ فيهم الصفات أو تظهر فيهم آثار الصفات، بل يجوز أو نقول بل تتنوع التعلقات باختلاف العوالم، وفي المستقبل - يعني في الآخرة- هو - ﷿ - آخر بصفاته ﷾، فهناك التسلسل في جهة المستقبل.
مقتضى القسمة أن يكون ثَمَّ قسم رابع: وهو أنه لا تسلسل في المستقبل وهناك تسلسل في الماضي.
هذا مقتضى السبر والتقسيم في القسمة، وهذا لا قائل به من المذاهب المعروفة، يعني لا يُعْرَفُ أنَّ أَحَدًَا قال بهذا القسم.
* إذا تبين لك ذلك، فهذه المسألة بُحثَتْ أولا -مسألة التسلسل- قبل بحث المسألة الأولى التي ذكرناها لكم من جهة مذاهب الناس في الصفات وتعلقها بالخلق - يعني الثلاثة المذاهب التي ذكرناها - فلما بُحِثَ التسلسل نتج منه البحث الأول.
ولهذا إذا أردت أن تفهم جهة التسلسل تفهم أثرها الذي ذكرته لك في الأول؛ لأنَّ كُلًاّ من هاتين المسألتين مرتبطٌ بالمسألة الأخرى.
* الجهة الثانية المُعْتَبَرَة في بحث التسلسل: التسلسل في المخلوقات:
والتسلسل في المخلوقات للناس فيه مذهبان فيما أعلم:
١ - المذهب الأول:
تسلسل في الماضي، وهذا ممتنع عند عامة الناس إلا الفلاسفة الذين قالوا إنه لا عَالَم إلا هذا العالم، وأنَّ هذا العالم لم يزل في الماضي، وأنه ما من عِلَّة فيه إلا وهي مُؤَثرة لمعلول فيه أيضًا، وأنَّ هذا العالم ترتب التسلسل فيه الآخر عن الأول والثاني عما قبله وليس ثَمَّ غيره.
نقول إنَّ هذا من هذه الجهة عامة الناس عدا الفلاسفة على ما ذكرنا، يعني اتفق عليها المعتزلة وأهل السنة على أَنَّ التسلسل؛ تسلسل المخلوقات في الماضي أنه ممتنع إلا قول الفلاسفة.
والفلاسفة كما هو معلوم من قالوا بهذا القول خارجون عن الملة؛ لأنهم يرون قِدَمَ هذا العالم مُطْلَقًَا، وأَنَّ المؤثر فيه الأفلاك بِعِلَل مختلفة يبحثونها.
٢ - المذهب الثاني:
في المستقبل التسلسل في المخلوقات غير ممتنع عند الجمهور إلا في خلاف جهم وبعض المعتزلة في أنّ تسلسل الحركات والمخلوقات في المستقبل أيضا ممتنع وأنهم لا بد أن يصيروا إلى عَدَمٍ أو إلى عدم تأثير؛ إمّا عدم محض أو عدم تأثير.
* الجهة الثالثة المُعْتَبَرَة في بحث التسلسل؛ تسلسل الأثر والمؤثر والسبب والمُسَبَّبْ والعلة والمعلول:
وهذا لابد من النظر فيه وأيضا نقول أشهر المذاهب فيه اثنان:
١ - المذهب الأول:
مذهب نفاة التعليل والعِلَلْ والأسباب الذين يقولون لا أثر لعلةٍ في معلولها، ولا أثر لسببٍ في مُسَبَبْ، وإنما يفعل الله - ﷿ - عند وجود العلة لا لكونها علة.
وهذا هو مذهب نفاة التعليل، كقول الآشاعرة، القدرية، وابن حزم، وجماعات.
٢ - المذهب الثاني:
أنَّ الأسباب تُنْتِجُ مُسبَّباتِها ويتسلسل ذلك، وأَنَّ العلة تُنْتِجُ معلولًا ويتسلسل ذلك - يعني جوازًا - ولكن ذلك كله بخلق الله - ﷿ - له، وأنّ التسلسل في الآثار ناتجا عن المؤثرات ليس لذاتها بل لسنة الله - ﷿ - التي أجراها في خلقه ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر:٤٣] .
[ ٦٣ ]
[المسألة الرّابعة]:
قوله (وكما كانَ بصفاته أزَليًّا، كذلك لا يزالُ عَلَيْها أبديًّا)، وهذا القول في قوله (كانَ بصفاته) هذا حق؛ لأنَّ أهل السنة يعبرون عن الله - ﷿ - بأنه ﷾ بصفاته.
فيعبرون بالباء المقتضية للمصاحبة؛ لأن الله - ﷿ - لم تنفكَّ عنه صفاته.
(وكما كانَ بصفاته) ﷾ فلم يكن ﷾ ولا صفة، بل كان بصفاته.
والباء هنا للمصاحبة؛ يعني أنه ﷾ كان أزليًا بصفاته التي هو - ﷿ - موصوف بها.
والمعتزلة وأشباههم يعبِّرون في مثل هذه المسائل عن الصفات بالواو، فيقولون: الله وصفتُه، الله وعلمه، والله وقدرته، الله وحِلمه، الله ورحمته، الله وقهره، وهكذا.
فيُعَبِّرُونَ بالواو لِأَنَّ الصفة عندهم منفكة عن الموصوف، فعندهم الصفة غير ملازمة للموصوف وليست قائمة به.
ولهذا بَحَثَ الشارح عندك هل الصفات غير الذات؟ والاسم هل هو عين المسمى ونحو ذلك، عَرَضَ لذلك بما نستفيده من بحثه لأنه نوع من الاستطراد.
لكن ننبهك إلى أنَّ قوله (كانَ بصفاته) هو الاستعمال الذي يستعمله أهل السنة، ولا نقول الله - ﷿ - وقدرته مثلًا، أو نقول الله - ﷿ - وعلمه، هذا استعمال الواو في هذا المقام لا يسوغ، بل تُستعمل الباء، فنقول الله - ﷿ - بعلمه، الله ﷾ بقدرته؛ لأن الباء تدل على المصاحبة؛ لأن هذه الصفات قائمة بذات الرب - ﷿ -.
قوله (أزَليًّا) مرّ معنا البحث فيه وأنه منحوت من كلمة (لم يزل) .
[ ٦٤ ]
[المسألة الخامسة]:
قوله في آخر الكلام (ذلك بأنَّهُ على كلِّ شَيْءٍ قديرٌ، وكلُّ شَيْءٍ إليهِ فَقِيرٌ، وكلُّ أمْرٍ عَلَيْهِ يَسيرٌ. لا يحتاجُ إلى شَيْءٍ، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]) هذا تعليل لما مرّ.
(ذلك بأنَّهُ على كلِّ شَيْءٍ قديرٌ) على إحياء الموتى وعلى إفنائهم، وعلى رَزق المخلوقات وجميع ذلك.
وقوله (ذلك بأنَّهُ على كلِّ شَيْءٍ قديرٌ) تتعلق به المسألة الخامسة هذه.
وهي أنّ أهل السنة يجعلون قدرة الرب - ﷿ - متعلقة بكل شيء، واسم الله القدير متعلق بكل شيء، وقدرة الله - ﷿ - غير محصورة، بل هو سبحانه قادر على ما شاء وعلى ما لم يشأ - ﷿ -.
وهذا هو مذهب أهل الحديث والسنة، وبه جاء القرآن العظيم، فكلّ ما في القرآن تعليق القدرة بكل شيء ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف:٤٥]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ [النساء:١٣٣]، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ونحو ذلك من الآيات التي فيها تعليق القدرة بكل شيء.
أهل البدع وأهل الكلام يُعلِّقون القدرة بما يشاؤه الرب - ﷿ -.
فيقولون تَعَلُّقْ قدرة الرب - ﷿ - بما يشاؤه.
ولذلك ترى أنه يعدلون عما جاء في القرآن، بقول ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ إلى قولهم والله على ما يشاء قدير؛ لأن القدرة عندهم متعلقة بما شاءه الله وليست متعلقة بما لم يشأه.
فعندهم قدرة الله تتعلق بما شاء أن يحصل أما ما لم يشأ أن يحصل فإنه لا تتعلق به القدرة.
فإذا قيل هل الله قادر على أن لا يُوجَدْ إبليس؟ فيقولون: لا غير قادر.
هل الله قادر على أن لا توجد السموات؟ يقولون: لا، غير قادر. لأنّ القدرة عندهم متعلقة بما شاءه - ﷿ -، وما لم يشأه في كونه وفي ملكوته مما لم يحصل بعد أو مما حصل خلافه فإنّ القدرة غير متعلقة به.
* ولذلك فيقول قائلهم: ليس في الإمكان أبدع مما كان.
لأنَّ القدرة عندهم متعلقة بما شاءه الله - ﷿ -.
وهذا القول باطل بوضوح وذلك لدليلين:
١ - الدليل الأول: فإن الذي جاء في القرآن كما ذكرنا لك، تعليق القدرة بكل شيء في الآيات التي ذكرت لكم طرفا منها.
٢ - الدليل الثاني: أنَّ الله - ﷿ - قال في سورة الأنعام ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام:٦٥]، ولما نَزَلَتْ هذه الآية تلاها؟ فقال ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال؟ (أعوذ بوجهك) ثم تلا ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ فقال؟ (أعوذ بوجهك) ثم تلا ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال؟ (هذه أهون) (١) .
والله - ﷿ - لم يشأ أن يبعث على هذه الأمة عذابا من فوقها أو من تحت أرجلها، فيُهْلِكَكُم بسَنَةٍ بعامّة، بل جعل بينهم بأسهم شديد، لحكمته ﷾ العظيمة العلية.
فدلت الآية على أنّ قدرة الله - ﷿ - تتعلق بما لم يشاء أن يحصل ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾، وهذا لم يشأه الله - ﷿ - ومع ذلك تعلقت به القدرة.
* وهذه من الكلمات التي يكثر عند أهل العصر استعمالُها فليتنبه أنها من آثار قول أهل الاعتزال.
في بعض الأحاديث جاء (والله على ما يشاء قادر) و(إني على ما أشاء قادر) (٢) وهذا الجواب عنه معروف بأنه متعلق بأشياء مخصوصة، وليست تعليقا للقدرة بالمشيئة، أو أن يقال قدرته على ما يشاء لا تنفي قدرته على ما لم يشأ - ﷿ -.
نكتفي بهذا القدر، وأسأل الله - ﷿ - لي ولكم التوفيق والسداد.
في هذا القدر كفاية وإن شاء الله نلتقي في الأسبوع القادم إن شاء الله وفقكم الله جميعا. (٣)
_________________
(١) البخاري (٤٦٢٨) / الترمذي (٣٠٦٥)
(٢) مسلم (٤٨١)
(٣) ٧ انتهى الوجه الأول من الشريط الرابع.
[ ٦٥ ]