وَنُؤْمِنُ بِالْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ، وَالْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَنَشْهَدُ أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ.
_________________
(١) نكمل بيان ما في هذه الجملة من المسائل، وقد ذكرنا في الدّرس السابق أصول الإيمان؛ يعني أركان الإيمان وأدلّة ذلك من الكتاب والسنة، وذكرنا بعض المسائل المتعلقة بالملائكة، وذكرنا لكم أنّ الكلام على الملائكة فيه تفصيل كثير يُطلَبُ من كتب التفسير ومن كتب الحديث والعقيدة ومن الكتب المصنّفة في هذه العقيدة؛ عقيدة الإيمان بملائكة الرحمن - ﷻ - وتقدست أسماؤه. قال (وَالنَّبِيِّينَ) الإيمان بالنبيّين يعني الإيمان بالأنبياء والمرسلين؛ لأنّه إذا أُطلق النّبي في الإيمان فيُراد به الإيمان بالأنبياء والمرسلين، وذلك من جهتين: الجهة الأولى: أنَّ قول كثير من أهل العلم أنَّ كل رسول نبي، فإذا قلنا نؤمن بالأنبياء فمعنى ذلك نؤمن بالرسل لأنَّ كل رسول نبي.
(٢) الجهة الثانية: أنَّ القرآن الكريم جاء فيه ذِكْرُ المُرْسَلِينَ بِذِكْرِ الأنبياء؛ يعني سُمِّيَ المرسلون أنبياء، سورة الأنبياء من وَرَدَ فيها جُلُّهم مرسلون: أولهم محمد ﷺ، ثم إبراهيم الخليل ثم لوط، ثم نوح، ثم داوود، وسليمان، وأيوب إلى آخره. ولهذا قوله (وَنُؤْمِنُ بِالْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ) يعني بالرسل والأنبياء جميعًا. والتعبير بالرُّسُلِ أولى؛ لأنه هو الذي جاء في الأدلة في الكتاب والسنة ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]، قال: أخبرني عن الإيمان. قال «أنْ تُؤْمِنَ بِالله وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلهِ» وفَرْض الإيمان أن يُؤْمَنْ بالأنبياء والرسل جميعًا لأنّ الله - ﷿ - أمرنا بذلك. وتحت هذا الأصل والركن وهو الإيمان بالنبيين مسائل:
[ ٣١٠ ]
[المسألة الأولى]:
في تعريف النبي.
النَّبِيُّ في القرآن جاء فيه قراءتان ﴿النّبي﴾ والقراءة الأخرى ﴿النبيء﴾ بالهمز ﴿يا أيها النبيّ﴾، والقراءة الثانية ﴿يا أيها النبيء﴾ كما هي قراءة نافع وغيره.
وفرق ما بين النبي والنبيء.
فالنبيء: هو مَنْ نُبِّئَ.
والنبي: من صار في نَبْوَةٍ؛ يعني في ارتفاع عن غيره.
فإذًا نقول: (النبي) و(النبيء) هو من اختصه الله - ﷿ - بالإنباء والوحي، فصار مرتفعًا عن غيره في المقام لأجل ما أوحى الله - ﷿ - إليه.
هذا ليس تعريف -يعني حد- ليس حدًا ولكن هذا تقريب.
أما الرُّسُلْ، الرسول، فظاهرٌ من اللفظ أنَّهُ أُرْسِلْ.
فلفظ نبيء ونبي من جهة اللغة واللفظ الذي جاء في القرآن هذا فيه الإنباء وفيه الرفعة، والرسول فيه الإرسال.
ولهذا اختلف العلماء هل النبي والرسول واحد أو بينهما فرق؟
على أقوال كثيرة مر معنا تفصيل الكلام عليها في عدد من الشروح وأقربها شرح الواسطية وغيره؛ لكن نذكر لك ملخص الكلام:
١- القول الأول: من أهل العلم من قال النبي والرسول بمعنىً واحد، فكل رسول نبي وكل نبي رسول، وذهب إلى هذا جمع من أهل العلم من المفسّرين ومن الفقهاء وغيرهم.
٢- القول الثاني: هو أنَّ النبي غير الرسول، ودلّ على الفرق بينهما:
أ - قول الله - ﷿ - في سورة الحج ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ [الحج:٥٢]، قال ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ فدَلَّ ظاهر الآية قوله ﴿مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ أنَّ النبي غير الرسول، وظاهر الدلالة على أنَّهُ ثَمَّ فرق بينهما، ولو كان النبي هو الرسول لما صح أن يُقَال ﴿مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ لأنَّ النبي هو الرسول كيف يقول ﴿وَلَا نَبِيٍّ﴾، قد يكون بالعطف بالواو من رسول ونبي فتكون هنا مُغَايَرَةْ، في الصفات، لكن لمَّا أُدْخِلَتْ ﴿لاَ﴾ دل على أنَّ هذا غير هذا ﴿مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ .
ب - أنَّ النبي ﷺ ذَكَرَ الرسل والأنبياء الذين يأتون يوم القيامة فقال «يأتي النبي ومعه الرهط، ويأتي النبي ومعه كذا، ويأتي النبي وليس معه أحد» (١)، ووجه الدِّلالة من الحديث أنّ قوله «ويأتي النّبي وليس معه أحد» يحتمل:
- أن يكون لم يُرْسَلْ إلى أحد.
- ويحتمل أن يكون لم يستجب له.
ويتجه الاحتمال أنه لم يرسل إلى أحد؛ بل هو نبيّ لقوله ﷺ «ما بعث الله من نبيٍ إلا وأعطاه من الآيات ما على مثله آمن البشر وكان الذي أوتيته وحيا يُتلى» (٢) الحديث الذي رواه مسلم في الصحيح حديث عياض بن حمار المجاشعي، فدلّ على أنّ كل نبي أعطي آية وآمن من آمن بتلك الآية.
لهذا نقول: قوله ﷺ «ويأتي النبي وليس معه أحد» هذا لأجل قَصْرْ الرسالة على هذا النبي وحده؛ يعني أنَّهُ ليس مُرْسلًا إلى غيره.
ج - حديث أبي ذر المشهور الذي رواه ابن حبان في الصحيح ورواه غيره من أنَّ النبي ﷺ ذَكَرَ عِدَةَ الأنبياء، هو حديث طويل منه جمل ثابتة صحيحة بشواهدها، ومنه جمل مُخْتَلَفْ فيها، فمنها أنَّهُ ذَكَرَ عِدَّةَ الأنبياء وذَكَرَ عِدَةَ المرسلين، فقال في عدد الأنبياء إنهم مائة وأربعة وعشرين ألف، وقال في عدة المرسلين إنهم كعدة أهل بدر يعني نحو أربعة عشر وثلاثمائة رسول (٣)، فدلّ الحديث على الفرق بينهما، وكون هذا هو العدد أو أقل ليس هو هذا محل الشاهد، وإنما قَوّى صحة التّفريق ما بين النبي والرسول أنه في الحديث الإختلاف في العدد، ودِلالة الآية والحديث الذي قبله يقوي الاستدلال بحديث أبي ذر هذا.
المقصود دَلَّت هذه على ترجيح قول من قال إنَّ الرسول والنبي مختلفان وهذا ظاهر في الاستدلال كما ترى.
ما الفرق بينهما في التعريف؟
اختلف العلماء في تعريف النبي والرّسول فقال مِمَّنْ قَالَ بالفرق بينهما:
& فقالت طائفة كثيرة من أهل العلم:
إنّ النبي: هو من أُوحِيَ إليه بشرع ولم يُؤْمَر بتبليغه.
والرسول: من أُوحِيَ إليه بشرع وأُمِرَ بالتبليغ.
فجعلوا الفرق ما بين النّبي والرّسول هو الأمر بالتبليغ.
& وقالت طائفة أخرى، وهو قولٌ أيضا مشهور عند عدد من المحققين وهو الذي اختاره ابن تيمية ﵀ في أول كتاب النبوات أنَّ الرسول والنبي يشتركان في وقوع الإرسال عليهما.
الرسول مُرْسَلْ والنبي مُرْسَلْ لظاهر قوله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾، فالرسول مُرْسَلْ والنبي أيضا مُرْسَلْ لكن جهة الإرسال مختلفة، قال:
الرسول: يُرْسَلْ إلى قوم يخالفونه في أصل الدين فيأمرهم بالتوحيد وينهاهم عن الشرك.
_________________
(١) سبق ذكره (٧٩)
(٢) البخاري (٤٩٨١) / مسلم (٤٠٢)
(٣) سبق ذكره (٢٦٩)
[ ٣١١ ]
وأما النبي: فإنه يُرْسَلْ إلى قوم موافقين يُجَدِّدُ بإرساله شِرْعَةَ الرسول الذي أُمروا باتباعه.
مثل أنبياء بني إسرائيل كلما مات نبي خلفه نبي وكُلُّهُم تَبَعْ لموسى ﵇.
وهذا التعريف أو هذا التقريب لتعريف الرسول والنبي هذا أقرب للدليل وأوضح في فهم الأدلة الشرعية.
ولذلك نقول هو المختار في أنَّ:
النبي مُوحًَا إليه بشرع وأُمِرَ بتبليغه إلى قوم موافقين أو لم يُؤْمَرْ بالتبليغ.
قد يكون مُقْتَصِرْ على نفسه وقد يُؤْمَرْ بالتبليغ إلى من يوافقه.
يوافقه في أي شيء؟
في اتِّبَاعِ الرسول الذي يَتَّبِعُهُ النبي ويَتَّبِعُهُ الناس.
وأما الرسول فمن أوحي إليه بشرع أو بكتاب وأُمِرَ بإبلاغه أو بتبليغه إلى قوم مخالفين له يعني في أصل الدين.
[ ٣١٢ ]
[المسألة الثانية]:
الأنبياءُ والرُّسُلُ درجات في الفضل والمنزلة عند الله - ﷿ -، وهذا التفضيل جاء في قوله تعالى في سورة البقرة ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة:٢٥٣]، فنُؤْمِنُ بأنَّ الرسل والأنبياء بعضهم أفْضَلُ من بعض، وليسوا على مرتبة واحدة.
أوّل الأنبياء آدم ﵇، وآخر الأنبياء محمد ﷺ.
وأوّل الرسل نوح ﵇، وآخر المرسلين محمد ﷺ.
فآدم نبي كما جاء في الحديث الصحيح «آدم نبي مكلّم» وينطبق عليه حد النبي لأنَّ الله - ﷿ - أوْحَى إليه وكَلَّمَهُ ﷾.
من الأنبياء والمرسلين أولو العزم من الرسل وهم الذين جاء فيهم قول الله - ﷿ - ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥] .
واختلف العلماء في أولي العزم من الرسل من هم؟ على أقوال كثيرة:
القول الأول:
أنَّ كل رسول هو من أولي العزم، ومعنى أُولِيْ العَزْمْ يعني أولي الصبر والمصابرة والجَلَدْ والتجلد في دين الله - ﷿ -، فهم أهل عزم قوي في مواجهة أعداء الله وأهل صبر ومصابرة.
فهذا القول أنَّ كل رسول هو من أولي العزم.
ما معنى قوله إذًا ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾؟
قالوا ﴿مِن﴾ هنا ليست تبعيضية بل بيانية، مثل ما تقول الرجل من القوم.
يعني فاصبر كما صبر أولو العزم من الناس؟ لا؛ من الرسل.
والرسل كلهم على هذا، فتكون ﴿مِنَ﴾ هنا على هذا التفسير بيانية لا تبعيضية.
٢ - القول الثاني:
أنَّ أولي العزم من الرسل هم ثمانية عشرة رسولًا وهم المذكورون في سورة الأنعام.
٣- القول الثالث:
أنَّ أولي العزم من الرسل خمسة وهم المذكورون في سورة الأحزاب وسورة الشورى، قال - ﷿ - ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى:١٣]، فَجَمَعَ خمسة الرسل وهم المذكورون أيضًا في سورة الأحزاب.
وهذا القول بأنهم الخمسة هؤلاء، هو الأظهر والأرجح ويَدُلُّ له ويُقَوِّيه أنَّ هؤلاء الخمسة هم الذين يستغيث الناس بهم يوم القيامة من شدة الحساب أو من شدة هول الموقف وطول المُقَامْ في طلب تعجيل المحاسبة والقضاء بين الخلق، أعاننا الله جل علا على شدائد ذلك اليوم، في حديث الشفاعة الطويل المعروف، يأتون آدم ثم قال يأتون نوحا ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ثم محمد ﷺ.
آدم خَرَجَ لأنه ليس برسول بقي الخمسة لأنهم مرسلون.
[ ٣١٣ ]
[المسألة الثالثة]:
الأنبياء يُعْطِيهُم الله - ﷿ - آيات، فنُؤْمِنْ بالأنبياء ونؤمن بآيات الأنبياء.
وهذه الآيات كما جاء في الحديث الصحيح أنه ﷺ قال «ما بعث الله من نبي إلا وأعطاه من الآيات ما على مثله آمن البشر» (١) .
فما يؤتيه الله - ﷿ - المرسلين أو الأنبياء للدِّلالة على صدقهم في دعوى الرسالة أو دعوى النبوة، هذه تسمّى آيات وتسمّى براهين في الكتاب والسنة.
وأما تَسْمِيَتُهَا معجزات فهذا لفظٌ حادثٌ بعد ظهور علم الكلام وخاصَّةً من جهة المعتزلة.
ولا نمتنع من إطلاقه؛ لكن يُقَيَّدُ بتقييده الشرعي الصحيح؛ لأنها هي معجزات لكنها آيات وبراهين والفرق بينهما:
- أولًا: أنَّ الآية والبرهان جاء الدليل بها، والمعجز لم يأت الدليل به.
- ثانيًا: أنَّ اللفظ (معجزة) فيها إجمال؛ ووجه الإجمال يقال معجزة لمن؟
هل هي معجزة للإنسان؟
معجزة للقوم الذين بُعِثَ فيهم النبي، أو معجزة للناس أجمعين؟
أو معجزة للجني والإنس؟
أو معجزة للجن والإنس والملائكة؟
فهذه فيها إجمال ولذلك ما جاء بها الدليل.
ومن أطلقها اختلفوا فيها، هذا الإعجاز، هل هو إعجاز للناس أو إعجاز لأهل زمانهم دون غيرهم؟
والصحيح عند أهل السنة والجماعة أو الصحيح في قول أكثر أهل السنة والجماعة أنّ المعجزة هي ما صار الإعجاز به للجن والإنس جميعًا لا لطائفة منهم، فهي معجزة للجن والإنس جميعًا لا يستطيعون أن يأتوا بمثل ذلك.
ودلّ على هذا قول الله - ﷿ - ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨] .
وتسميتها آية وبرهان، هي آية يعني دليل واضح يُلزِمْ بنتيجته وهو قبول دعوى من كانت معه هذه الآية، وبُرهان وهو الدليل الواضح الجلي الذي هو كضوء الشمس في وضوحه ونصاعته وجلائه مما لا يُجَادَلُ فيه.
وهذا هو الذي جاء في القرآن بتسميتها آيات وبراهين ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ [النمل:١٢]، وقال - ﷿ - أيضا ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص:١٢]، وقال - ﷿ - ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ [طه:٢٢-٢٣] ونحو ذلك.
فهي إذًا في القرآن والسنة مُسَمَاة آيات وبراهين، وهذه التسمية شرعية، ولا يَرِدُ عليها ما يَرِدُ على لفظ المُعْجِزْ مما ذكرناه لك.
الآيات والبراهين تختلف، فهي معجزات وهي تختلف، وثَمَّ بحث طويل فيها ربما يأتي في موضع آخر.
_________________
(١) سبق ذكره (٣١١)
[ ٣١٤ ]
[المسألة الرابعة]:
معنى الإيمان بالأنبياء والمرسلين أننا نؤمن بأنَّ الله - ﷿ - بَعَثَ وأَرْسَلَ مُرْسَلين وأيَّدَهُم وكانوا أصلح أهل زمانهم وأيدهم بالآيات والبراهين الدّالة على صدقهم، وأنهم أتقى الخلق، أتقى الناس لربهم، وأعرف وأعلم الناس بربهم - ﷿ -.
فنؤمن بكل نبي عَلِمْنَاه أو لم نعلمه؛ لأنَّ الأنبياء منهم من قُصَّ علينا والمرسلين ومنهم من لم يُقَصَّ علينا، قال - ﷿ - ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر:٧٨] .
فإذًا الإيمان بالأنبياء والمرسلين على درجتين:
١- إيمان إجمالي: وهو الإيمان بكل رسول أرسله الله - ﷿ - وكل نبي، علمنا أو لم نعلم.
٢- إيمان تفصيلي: بأنَّ كلَّ من عَلِمْنَا رِسَالَتَهُ ونُبُوَّتَهُ بالدليل والقرآن فهذا يجب علينا أن نؤمن به وأن نتولاه وأن نحبه؛ لأنَّ (الأنبياء إخوة لِعَلَّاتْ دينهم واحد)، فكلُّهم أكمل الخلق توحيدًا وإيمانًا بالله - ﷿ - وطاعة له وخوفا منه - ﷿ -.
ثُمَّ ثَمَّ إيمان خاص بهذه الأمّة، أُمَّةْ الإجابة أُمَّةْ الدعوة، أنه يجب على الجميع الإيمان بمحمد بن عبد الله الهاشمي القرشي الذي أرسله الله - ﷿ - للنّاس أجمعين؛ بل للجن والإنس أجمعين، فيجب الإيمان به ﷺ؛ لأنه خاتم الأنبياء والمرسلين وأنَّهُ بُعِثَ بالإسلام، وأنَّ الإسلام نَسَخَ ما عداه من الأديان، وأنَّ كلّ دعوى للدين غير ما جاء به محمد ﷺ فهي باطلة وردّ، ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠]، فبه خُتِمَتْ النبوة وأعطاه الله - ﷿ - الإسلام وأنزل عليه القرآن حجة له ولأمته إلى قيام الساعة.
ومن الإيمان بالنبي ﷺ تحقيق شهادة أنَّ محمدًا رسول الله وهي: طاعَتُهُ فيما أمر وتصديقه فيما أخبر والانتهاء عما نهى عنه وزجر وأن لا يُعبد الله - ﷿ - إلا بما شرعه رسوله ﷺ.
[ ٣١٥ ]
[المسألة الخامسة]:
من كَذَّبَ برسول بعد العلم به فإنه مُكَذِّبٌ بجميع الأنبياء والمرسلين، فمن قال أُكَذِّبُ بفلان من الرسل وأومن بمحمد ﷺ فهو كافر؛ لأنه من كَذَّبَ برسول فقد كذّب بجميع المرسلين إذا بلغه العلم وقامت عليه الحجة، قال - ﷿ - ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء١٠٥-١٠٦]، ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ فنحن اتَّفَقْنَا على أنَّ نوح ﵇ كان أوّل رسول، قال - ﷿ - ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ لأنهم لمَّا كَذَّبُوا نُوحًا فإنهم كَذَّبُوا بِتَكْذِيبِهم نوحًا جميع المرسلين؛ لماذا؟
لأنّ دينهم واحد وهو توحيد الله - ﷿ - والبراءة والكفر بالطاغوت، كذلك قوله ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥]، وكذلك قوله ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء:١٥٠] إلى آخره. (١)
_________________
(١) انتهى الشريط الثالث والعشرون.
[ ٣١٦ ]
: [[الشريط الرابع والعشرون:]]