الأسئلة:
س١/ هل يُفْهَمُ من قوله تعالى ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣]، أنَّ المؤمنين في الجنة إذا تجلَّى لهم الرب ﷾ أنهم لا يرون جميع ذات الرب ﷾؟
ج/ أولًا تعلمون أنَّ الأصل في عقيدة السلف هو اتباع القرآن والسنة هو عدم تجاوز القرآن والحديث، وأنَّ الكلام في الصفات والكلام في تقرير العقائد بتفصيل إنما جاء بعد فُشُو البدع وكثرة كلام الضّالين من الفرق في ذلك، فتَوَسَّعَ من تَوَسَّعَ من أئمة السلف لأجل أنَّ المخالف توسّع والحق يُقذف به على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق.
فالأصل أنَّ المسلم السُنِّي المتبع لطريقة السلف الرّاغب في الاعتقاد الحق أن لا يُشْغِلَ نفسه بتفاصيل أسئلة في الصفات ليست على ظاهر الأدلة التي وقفنا عليها من سنة النبي ﷺ أو ما جاء في القرآن من آياته العظام.
لهذا لا ينبغي تفصيلات الكلام في الصفات؛ بل قد يدخل ذلك في الكلام المذموم إذا كان ليس ثَمَّ حاجة في تفصيل الكلام في الرد على أهل البدع أو تقرير عقيدة من عقائد أهل السنة والجماعة.
لهذا نقول: ظاهر قوله الله - ﷿ - ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ أنَّ الله - ﷿ - لا تحيط به الأبصار، وأنه وإن رآه من شاء الله - ﷿ - من عباده وشرَّفَهْ بأن يرى الرب - ﷻ - فإنه يراه رؤية وليست بإحاطة.
لذلك ظاهر الآية أنَّ الإحاطة بالرب - ﷿ - ممتنعة، سواء أكان ذلك في عرصات القيامة أم كان ذلك بعد دخول أهل الجنة الجنة جعلني الله وإياكم منهم.
س٢/ معلوم أنَّ الإمام أحمد ﵀ قال في مذهب المفوضة إنه من شر المذاهب، ومع ذلك وُجِدَ في كتب أصحاب مذهبه بعض التفويض كما في كتاب المرداوي في شرح لامية شيخ الإسلام وفي لمعة الاعتقاد، فهل هناك فرق بين ما يقصد الإمام أحمد وما وقع فيه بعض أتباعه أم لا؟ نرجو بسط القول في ذلك.
ج/ مذهب المفوضة مذهبٌ كبير، والذين قالوا بالتفويض كثرة جدًا وليسوا بالقليل سواء من المتقدمين يعني في عهد الإمام أحمد وما قبل إلى زماننا هذا.
ثَمَّ رسالة طُبِعَتْ مؤخرا بعنوان التفويض فيها تفصيل الكلام على المذهب بما لا يمكن أن يقال في هذا الموضع ما يستحقه المقام وتستحقه المسألة.
لكن الذي ينبغي أن تعلمه أن التفويض قسمان:
- تفويض للكيفية.
- وتفويض للمعنى.
والذي ورد عن السلف فيمن قال منهم إنهم يفوضون، أو نفوض هذا، أو نَكِلُ علمه إلى قائله، أو نحو ذلك مما يفهم منه التفويض، فيراد به تفويض الكيفية؛ لأنَّ الكيفية من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله - ﷿ - كما قال سبحانه ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ﴾ [الأعراف:٥٣]، إلى آخر الآية في الأعراف، وكذلك قوله ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ﴾ [آل عمران:٧]، عند الوقف على لفظ الجلالة يدخل في التأويل ما تؤول إليه حقائق الأخبار، ومنها العلم بالكيفيات.
فلا شك أنَّ أحدًا لا يعلم كيفية اتصاف الرب - ﷿ - بصفاته، ولا كيفية الغيبيات على حقيقتها التي خَلَقَهَا الله - ﷿ - عليها؛ لأنَّ هذا من علم الغيب الذي اختَصَّ الله - ﷿ - به نفسه العلية - ﷻ - وتقدست أسماؤه.
فهذا النوع الأول تفويض الكيفية وهذا نؤمن به، فنُفَوِّضْ كيفية الأمور الغيبية ومن ذلك صفات الرب - ﷿ - ونعوت جلاله ومعاني أسمائه، وما يتصل بذلك من أمور الغيب نفوض كيفيتها إلى ربنا - ﷿ -.
والقسم الثاني من التفويض تفويض المعنى؛ يعني يقول أنا أُفَوِّضْ العلم بالمعنى، أفوض المعنى، لا أدري ما معنى (الرحمن الرحيم)، لا أدري ما معنى الرحمن، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشْ﴾ لا أعلم معنى استوى، أُفَوِّضْ معناها إلى الله، فالاستواء ربما يكون معناه القهر، ربما يكون معناه العلو، ربما يكون معناه الرحمة، ربما يكون معناه أي معنى، فيُفَوِّضُونَ المعنى.
فيقولون: لا نعلم معاني الغيبيات ولا أحد يعلمها.
ولهذا ذَهَبَ إلى هذا المذهب قلة -يعني تفويض المعنى- قلة من المتقدمين يعني في القرن الثاني والثالث، وشاع عند طائفة من المتأخرين بسبب أنه قول للأشاعرة، وقد نَظَمُوهُ في عقائدهم بقول القائل في جوهرة التوحيد:
وكلُّ نصٍ أَوْهَمَ التشبيها أَوِّلْهُ أو فَوِّضْ ورُمْ تنزيها
فمذهب الأشاعرة له في الصفات قولان:
الأول: وهو الراجح عندهم والأقوى أن تُؤَوَلْ الصفات التي تتعارض مع الصفات السبع التي أثبتوها وتتعارض مع العقل.
والثاني وهو صحيح عندهم؛ لكنه ليس بقول أهل العلم والحكمة هو تفويض المعنى.
[ ٢٨٨ ]
وهذا التفويض -تفويض المعنى- حيث يقول لا نعلم معنى الصفات، هذا موجود عند الأشاعرة من بعد أبي الحسن الأشعري إلى وقتنا الحاضر، وهو أيضا الذي راج على جملة من الحنابلة في كتبهم.
حيث ظنّوا أنّ ذمَّ الإمام أحمد لمن فوّض أنه تفويض الإثبات في أصله.
يعني يقول لا ندري نثبت أو لا، لا ندري الصفة موجودة أو ليست بموجودة أو نفي الصفة من أصلها، وفهموا أيضًا من قول الإمام أحمد وقول الشافعي ونحو ذلك (لا كيف ولا معنى) -يعني في الصفات- مثل ما ساقها صاحب لمعة الإعتقاد، فهموا منه أنَّهُ التفويض، وفهموا أيضًا من قول الشافعي (نؤمن بما جاء عن الله على مراد الله، ونؤمن بما جاء عن رسول الله ﷺ) أنه التفويض.
هذا التفويض في الحقيقة تفويض المعنى هو الذي قال فيه شيخ الإسلام ابن تيمية وقال فيه غيره أيضا (إن التفويض هو شر المذاهب) وذلك لأنّ تفويض المعنى يرجع إلى عدم العلم به، ولهذا صنفهم ابن تيمية في أول درء التعارض: إلى أنَّ من فوّض فهو من أهل التجهيل، يعني الذين يقولون إنه لا يوجد أحد يعلم معنى الصفات، ما يوجد أحد، الصحابة يعلمون؟
لا، هذه المعاني مجهولة حتى إن بعضهم يقول حتى النبي ﷺ لا يعلم هذه المعاني، إنما هو إثبات ألفاظ دون معاني لها، فنفوض المعنى لأنه لا معنى معقول من هذه الصفات.
ولاشك أنَّ مذهب المفوضة هو شر المذاهب؛ لأنه يقتضي تجهيل الصحابة ﵃ بل يقتضي أنَّ في القرآن كلامًا وآيات كثيرة لا أحد يعلم معناها، ومعلوم أنَّ أكثر القرآن في الغيبيات ولذلك جاء أول آية في القرآن في امتداح الذين يؤمنون بالغيب يعني في سورة البقرة ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:١-٢]، والإيمان بالغيب يقتضي الإيمان بالكيفيات والله - ﷿ - أعلم بها، والإيمان بمعاني ما دلنا ربنا - ﷿ - به على الغيب، نؤمن بها على ظاهرها؛ يعني على ما دلت عليه لغة العرب.
نعم معلوم أنَّ المعاني في الشيء الواحد تتفاوت، فمثلًا إذا أخذت السمع، إذا أخذت البصر، إذا أخذت القوة، خذ القوة مثلا والقدرة، الكائن الضعيف، النملة لها قوة ولها قدرة ولها نطق ولها سمع ولها بصر، فأصل القوة موجود فيها؛ يعني معنى القوة موجود فيها، ما هو أعلى منها في الخِلْقة من جهة مثلًا الهرة موجود عندها قوة، لاشك موجود عندها، بصر موجود عندها سمع، موجود عندها قدرة على أشياء، خذ الأعلى منها الأعلى إلى أن تصل إلى الإنسان إلى أن تصل من الحيونات إلى ما هو من جهة القوة والقدرة أقوى من الإنسان يعني بذاته يعني من جهة الحوانات المفترسة كالأسد ونحو ذلك.
إذًا القوة قدر مشترك، القدرة قدر مشترك؛ لكن نقول إنه مادام أنها في النملة مختلفة عن الإنسان، نقول: لا فالإنسان ماله قوة لأنَّ قوة النملة هذه، هذا تحديد للصفة ببعض أفردها، ببعض من يتصف بها وهذا جناية على المعنى الكلي؛ لأنَّ اللغة العربية كليات، فيها كليات المعاني، أما الذي يوجد في الخارج فيه الذوات نعم نقول جدار جبل يد أشياء هذه تتصورها؛ لكن من جهة المعاني، المعاني تتصور هذا المعنى بالإضافة إلى من اتصف به.
ولهذا شيخ الإسلام انتبه لقوة هذا المعنى في الرد في المبتدعة الصفاتية والجهمية وغيرهم، فقرَّرَهُ في كتابه التدمرية كما تعلمون.
إذًا فتفويض المعنى، المعنى أصلًا متفاوت فإذا فوضنا المعنى معناه أننا لا نعلم أي قدر من المعنى، وهذا لاشك أنه نفي وجهالة بجميع دلالات النصوص على الأمور الغيبية، وهذا باطل؛ لأنَّ القرآن حجة، وجعله الله - ﷿ - دالًا على ما يجب له - ﷿ - وما يتّصف به ربنا ﷾ من نعوت الجلال والجمال والكمال.
التفويض يحتاج إلى مزيد بسط؛ لكن يمكن أن ترجعوا إليه في مظانه، وكثير من العلماء فهم وظنْ أنَّ مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية والسلف هو التفويض، حتى إنهم ينقلون كلام شيخ الإسلام ويحملونه على الفويض مثل السَفَّارِيني ومثل مرعي بن يوسف في أقاويل الثقات، وجماعة من المتأخرين ينقلون كلام شيخ الإسلام وفهموا أنَّ مذهب الإمام أحمد ومذهب شيخ الإسلام ومذهب السلف الذي هو أسلم أنه التفويض، وهذا ليس بصحيح، إذا كان المقصود تفويض المعنى بحيث إنه لا نعلم معنى استوى، لا نعلم معنى ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، إيش معنى العلي؟
نقول لا نعلم معناها؟؟
لا نعرف العلو، ما نعرف هنا العلي، قد يكون بمعنى الرحيم، قد يكون بمعنى القدير، فهذا تجهيل وجهالة؛ بل ربما آل إلى الطعن في القرآن..
س٣/ ما الفرق بين الهداية والتوفيق عند أهل السنة وهل بينهما عموم وخصوص بيّنوا لنا ذلك؟
ج/ الهداية لفظ يشمل الدلالة على ما فيه أو ما الحاجة إليه، أنت محتاج إلى طريق تحتاج إلى من يهديك الطريق، تحتاج في مسألة إلى إيضاح، تحتاج من يهديك في هذه المسألة، فأصل الهداية الدلالة، فيها دلالة وإيضاح.
في القرآن العظيم جاءت الهداية في مواضع كثيرة، وقسَّمَهَا أهل العلم إلى أربعة أقسام، يعني على ما جاء في القرآن: (١)
: [[الشريط الثاني والعشرون]]:
١ - النوع الأول: الهداية الغريزية (٢) وهي هداية المخلوق إلى ما فيه بقاء حياته وحُسْنِ معاشه، والدليل على هذه المرتبة قوله - ﷿ - ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠]، يعني هَدَاهُ إلى ما فيه مصلحته في دنياه، إلى آخر ذلك.
فالله - ﷿ - هَدَى الرضيع كيف يلتقم الثدي ويحتاج إليه، وهَدَى الطائر لمصلحته، وهدى الحيوان لمصلحته، إلى آخر ذلك.
٢ - النوع الثاني: الهداية بمعنى الدلالة والإرشاد؛ دلالة وإرشاد من آخر لما فيه مصلحة العبد في دنياه أو في آخرته أو فيهما معًا، وهذه هي الأكثر في القرآن، الهداية بهذا المعنى، وهي هداية الدّلالة والإرشاد، وهي التي جاءت في مثل قوله - ﷿ - ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد:٧]، يعني دالْ يدلّهم على الطريق.
٣ - النوع الثالث: هداية التوفيق وهي أخصُّ من التي قبلها، وهذه خاصة بالله - ﷿ -، وهو الذي يُوَفِّقْ ويُلْهِم، فالرسل هُدَاة بمعنى أنهم يَدُلُّونَ ويُرْشِدُون؛ لكن هداية التوفيق هذه من الله - ﷻ - ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود:٨٨]، هذا حصر التوفيق من الله - ﷿ - دون ما سواه، لهذا نفاها ربنا - ﷿ - عن نبيه ﷺ بقوله تعالى ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]، فنَفَى عنه الهداية في هذه الآية وجعلها لله - ﷿ - مع إثباتها لنبيه ﷺ في قوله - ﷿ - ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى:٥٢-٥٣] .
فالنبي ﷺ يَهْدِي ولا يَهْدِي.
يَهْدِي بمعنى أنه يَدُلُّ ويُرْشِدْ ويُعَلِّمْ إلى آخر هذه المعاني، ولا يَهْدِي بمعنى هداية التوفيق لا يُوَفِّقْ بل الذي يُوَفِّقْ ويُعِين العبد ويَصْرِفْ عنه السوء، ويُعِينُهُ على الطاعة ويصرف عنه الشياطين حتى يهتدي -بمعنى حتى يستقيم على أمر الله-، هذا رب العالمين - ﷻ - وتقدست أسماؤه.
٤- النوع الرابع: الهداية التي جاءت في سورة محمد وهي هداية أهل النار للنار وهداية أهل الجنة للجنة، فهداية أهل الجنة للجنة في قوله - ﷻ - ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ [محمد:٤-٥]، هذه الهداية وقَعَتْ بعد القتل، وما بعد القتل الهداية إلى أيّ شيء؟
هداية إلى الجنة، لهذا قال بعدها ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد:٥-٦]، قال العلماء: يهديهم يعني إلى صراط وإلى طريق الجنة، وهداية أهل النار إلى النار كقوله في سورة الصافات ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات:٢٣-٢٤] .
إذًا تَبَيَّنَ من هذا أنَّ التوفيق مرتبة من مراتب الهداية، والذّي يتصل بالإيمان بالقضاء والقدر وفعل العبد من هذه المراتب المرتبتان الثانية والثالثة -هداية الدلالة والإرشاد وهداية التوفيق والإلهام-، ولذلك شاع عند العلماء أن الهداية قسمان:
- هداية دلالة وإرشاد.
- وهداية توفيق وإلهام.
لأنَّ هذين النوعين هما اللذان نحتاج إليها في أعظم المسائل المتعلقة بالهداية وهي مسألة القضاء والقدر والهداية والضلال، أما الهداية العامة، وهداية أهل الجنة للجنة وهداية أهل النار للنار هذه مُتَفَقْ عليها معلومة عند الجميع.
_________________
(١) انتهى الشريط الواحد والعشرون
(٢) الظاهر أنه سماها هنا الهداية العامة، وقد ذكر الشيخ صالح عند شريطيه (أفمن كان على بينة من ربه): أنَّ في القرآن أربع أنواع من الهداية أولها الهداية الغريزية، ذكر ذلك بتفصيل يحسن الرجوع إليه.
[ ٢٨٩ ]
[المسألة السادسة]:
هي أنَّ نفاة العلو لربنا - ﷿ - يُعْنَى بهم من ينفي علو الذات لربنا ﷾.
أما علو القَهْرْ والقَدْرْ فهذا يُثْبِتُهُ الجميع، فإذا قيل نفاة العلو فيُعْنَى بهم من ينفي علو الذات لله - ﷿ -.
والذين نَفَوا علو الذات لربنا - ﷿ - خالفوا الأدلة التي ذكرناها لكم من الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، وأيضًا احتجوا هم بأدلةٍ عقلية لنفي علو الله - ﷿ -، تعالى الله عن قولهم.
والدليل العقلي الذي من أجله نفوا صفة العلو لله ﷾ قالوا:
إنَّ عُلُوَّ الذات يعني أنَّ الله - ﷿ - عالٍ على خلقه بذاته هذا يقتضي أن يكون في جهة؛ لأنَّ العلو أحد الجهات الست، والجهات الست هي أمام خلف يمين شمال تحت وفوق، فإثبات الفوقية وإثبات العلو يقتضي أن يكون الرحمن - ﷿ - في جهة من الجهات، وإثبات الجهة -على أصلهم- يقتضي أنه جسم.
طيب إذا كان جسمًا عندكم، بحسب تأويلكم، هل هذه النهاية؟
قالوا: لا، إذا كان جسمًا، إذا وصلنا إلى هذا فمعناه أننا نبطل الدليل الذي أثبتنا به وجود الرب - ﷻ -.
ما معنى هذا الكلام؟
معناه أنَّ الجهمية والمعتزلة ومن نحا نحوهم أثبتوا وجود الرب - ﷻ - عن طريق حلول الأعراض في الأجسام، وقالوا:
إنَّ جعل الجسم مُحْدَثًَا له مُحْدِثْ إنَّمَا تَبَيَّنَاه بأنْ أثبتنا أنَّهُ جسم، وكيف أثبتنا أنّه جسم؟
قالوا بحلول الأعراض فيه.
حلول الأعراض فيه إيش معناها؟
معناها أنَّ هذا الجسم يتصف بصفات لا تُرَى، يحل فيه أشياء تُغَيِّرُهُ وتُسَمَّى الأعراض، تَعرِضُ له وتزول عنه، فمثلًا البرودة هذا عَرَضْ على حد كلامهم، والحرارة عَرَضْ، أيضًا الانتقال عَرَضْ، التقدم والتأخر عَرَضْ، الانخفاض عَرَضْ، العلو عَرَضْ.
فهذه الصفات يجعلونها أعراض.
وهذه الأعراض إنما تقوم بالأجسام.
فلمَّا كان الجسم لا يقوم بنفسه، يحتاج إلى أعراض حتى تُمَيِّزَهْ وحتى يكون فاعلًا، استدللنا على أنّه يُفْعَلُ به لأنه هُوَ لم يجلب الأعراض بنفسه في الجسم، وإنّما جُلِبَتْ إليه فمعناه أنه محتاج فقير يُفعَلُ به.
فإذًا ثَمَّ فاعل وثَمَّ مُحْدِثْ إلى آخره.
فاستقام لهم بهذا أنَّ جميع الأجسام الموجودة ثَبَتَتْ جِسْمِيَّتُهَا بحلول الأعراض فيها، وما دام أنّه حلّت الأعراض فيها فثَمَّ من أَحَلَّ الأعراض فيها وأوجد الأعراض فيها والتي منها العلو والنزول والتقدم والتأخّر والمشي والهرولة والأخذ والرّد إلى آخره.
فلهذا جعلوا هذا قاعدة -تنتبه لها- فيما نفوا من الصفات.
يقولون الدليل العقلي يُبطل الإتصاف بهذه الصفة، أي دليل عقلي؟
هو الدليل العقلي الذي هو حلول الأعراض في الأجسام الذي به أثبتوا أنّ الله - ﷿ - موجود.
فإذًا قالوا:
لو أثبتنا العلو، لو أثبتنا أنَّ الله عالٍ بذاته - ﷿ -، لعَادَ هذا الإثبات على دليلنا بالإبطال؛ لأننا أثبتنا حدوث الأجسام بالأعراض.
طيب هذا عَرَضْ وهذه صفة تدل على أنه في جهة، وإذا صار في جهة معناه أنَّهُ متحيّز، وإذا صار متحيز معناه أنَّهُ جسم، إذا صار علو أيضًا عَرَضْ حلَّ في جسم، إذا صار جسمًا معناه أنَّ ثمة شيء فَعَلَ به، فهذا إبطال للربوبية وتوحُّد الله - ﷿ - في الخلق.
ولهذا نفوا كل صفة من الصفات تكون من الأعراض أو تكون من الحوادث.
ولهذا يتَّسِمْ الصفاتية عمومًا؛ بل وجَهْم قبلهم وهو الذي أنشأ هذا البرهان الباطل يَتَّسِمونْ بهذه السمة وهي أنهم يقولون الدليل العقلي يمنع الاتصاف بهذه الصفة، ويعنون به الدليل العقلي على إثبات وجود الله - ﷿ -.
وهذه الجملة اليسيرة فصَّلتها لكم أظن في أحد الشروح أظن في شرح الواسطية بتفصيل، وهي سبب ونشأة القول بنفي الصفات، كيف ظهر القول بنفي الصفات؟
لماذا اختلفت الأمة؟
وما هو منشأ الضلال فيها؟
وكيف تَفَرَّعَتْ؟
ذكرناها لكم أظن في دروس الواسطية أو في غيرها (١) .
إذًا فالشّبهة التي من أجلها نفوا العلو، هي أنَّ العلو جهة، وكون الرحمن في جهة معناها أنَّهُ مُتَحَيِّز، فإذا كان مُتَحَيِّزًا فمعناه أنه جسم إلى آخره.
وهذه كلها ناشئة من اعتقادهم صحة الدليل الأول.
والدليل الأول الذي هو إثبات وجود الرب - ﷿ - عن طريق حلول الأعراض في الأجسام لا نُسَلِّمُهُ، نقول هذا دليل أصلًا باطل ودليل غير صحيح ولا يستقيم لإثبات وجود الرب - ﷿ -.
بل أعظم إثبات لوجود الرب - ﷿ - هو الدليل القرآني وهو قول الرب - ﷿ - في كتابه ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ﴾ [الطور:٣٥-٣٦]، ليس ثَمَّ إلا احتمالين:
- إما أن تكون خالقا أو مخلوقا.
والسموات والأرض:
- إما أن تكون خالقة أو مخلوقة.
تكون خالقة هذا ممتنع لأدلة كثيرة، فلابد أن تكون مخلوقة.
_________________
(١) راجع شرح العقيدة الواسطية الشريط الثامن
[ ٢٩٠ ]
كذلك الشجر، كذلك النبات، كذلك المياه، كذلك أجزاء بدنك، كذلك كل تنظيم تراه ثَمَّ احتمالين:
- إما أن يكون خالق.
- وإما أن يكون مخلوقًا.
والأدلة على إثبات وجود الله - ﷿ - وأنه سبحانه المتفرّد بتصريف الملك أكثر من أن تُحْصَرْ وفطرة الإنسان تأبى أن يقول بغير ذلك.
المقصود هذه شُبْهَةْ من نَفَى العلو، ولهذا نقول لهم أَنَّهُم بنوا بنيانهم هذا على شفا جُرُفٍ هار، بَنَوهُ على قاعدة باطلة وعلى مقدمة باطلة، فيُرَدُّ عليهم بإبطال مقدمتهم.
يعني هذا من جملة أدلتهم العقلية، ثَمَّ أدلة متنوعة من يريد المزيد يرجع لها في المطولات.
[ ٢٩١ ]
[المسألة السابعة]:
ثَمَّ كلمة عند المتكلمين وطائفة من نُفَاة العلو وهي أنهم يقولون: إنَّ السّماء قبلة الدعاء.
إذا قال لهم قائل: فطرة الإنسان أنَّهُ إذا أراد أن يدعو اتَّجَهَ إلى السماء. قالوا: هذا لأنَّ السماء قبلة الدعاء.
وهذه الكلمة ربما ردَّدَها بعض المنتسبين إلى السنة قالوا: إنَّ السماء قبلة الدعاء.
وهذا باطل، الكلمة هذه باطلة، فالسماء ليست قبلة الدعاء، فأعظم الدعاء الصلاة، والصلاة سُمِّيَتْ صلاةً لما فيها من دعاء العبادة ودعاء المسألة، ومع ذلك جُعِلَت قبلة الصلاة إلى بيت الله - ﷿ - الحرام، فقبلة الدعاء هي قبلة الصلاة، وهي قبلة الميّت التي يُوَجَّهُ إليها عند احتضاره ويُوَجَّهُ إليها عند دفنه، وهي مكة أو الكعبة التي شرّفها الله - ﷿ -.
فإذًا لا يصح قول من يقول: إنَّ السماء قبلة الدعاء، بل المشروع للدَّاعِي أنَّهُ إذا أراد أن يدعو أن يتوجه إلى القبلة، هذا أكمل حالات الدعاء، إذا دعا يتوجه إلى القبلة، ثُمَّ إذا رفع يديه فإنه يرفعها ويتجه ببصره وقلبه إلى القبلة، يتجه بوجهه وببصره إلى القبلة، قد يرفع وجهه إلى السماء، مثل ما حصل فالنّبي ﷺ في بدر رفع يديه شديدًا حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فقال له أبو بكر (يا رسول الله مهلًا بعض مناشدتك ربك فإنه منجزٌ لك ما وعدك) (١) .
ورَفْعُ وَجْهِهِ هذا لأجل الإلحاح في طلب الفرج من الله - ﷿ -، وليس لأجل أنَّ السّماء قبلة لأنَّ أكثر دعاء النبي ﷺ لا يرفع فيه وجهه إلى السماء؛ بل في الصلاة وهي دعاء نهى فيها نبينا ﷺ عن رفع البصر إلى السماء.
_________________
(١) مسلم (٤٦٨٧) / الترمذي (٣٠٨١)
[ ٢٩٢ ]
[المسألة الثامنة]:
في قول الطحاوي ﵀ (وَقَدْ أَعْجَزَ عَنِ الْإِحَاطَةِ خَلْقَهُ) الإحاطة المقصود بها: إحاطة الخلق بالله - ﷿ -.
فالخلق لا يحيطون بالله - ﷿ - لا بذاته ولا بصفاته.
والإحاطة لا تعني عدم العلم بالشيء وإنما تعني العلم الكُلِّي به أو الإحاطة به من جميع جهاته سواء كان من الصفات أم من غيرها فالله - ﷿ - أعظم وأجلّ أن يحيط به أحد من خلقه ﷾ لا في ذاته ولا في صفاته؛ بل هو الذي يحيط بكل شيء سبحانه ولا يحيط به شيء، بل (أَعْجَزَ عَنِ الْإِحَاطَةِ خَلْقَهُ) يعني في قوله سبحانه ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣]، ونحو ذلك من الأدلة.
الإحاطة ذكرنا لكم معناها -أظن في أول الكلام.
وحاصل المعنى أنَّ الإحاطة -يعني في اللغة- هي إدراك الشيء من جميع جهاته.
وقد يكون هذا الشيء معنىً وقد يكون ذاتًا.
فالله ﷾ ذكر أنّ عباده لا يحيطون به علمًا وهذا لكمال صفاته ﷾ وعجز البشر عن أن يدركوا تمام صفاته.
ومن جهة اللغة إحاطة الذات كما في قوله - ﷿ - ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف:٢٩]، يعني صار من جميع الجهات.
فإدراك الشيء من جميع جهاته المعنوية أو الذاتية يقال له في اللغة العربية إحاطة.
ولهذا سَمَّى بعض علماء الإختصاص البحار العظيمة محيطات لأجل المعنى اللغوي في أنها تحيط ببقع كبيرة من الأرض من جميع جهاتها.
الإعجاز: كونه - ﷿ - (أَعْجَزَ عَنِ الْإِحَاطَةِ خَلْقَهُ) هذا في الدنيا وفي الآخرة.
فالخلق لا يحيطون بالله - ﷿ - علمًا في الدنيا، وكذلك المؤمنون إذا رأوه يوم القيامة فإنها رؤية بصر، رؤية عين، وليست رؤية إحاطة ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ ﷾.
[ ٢٩٣ ]