س١/ يقول ذَكَرَ العلماء أَنَّ لفظ الجلالة أصله إله فأدخلت الألف واللام وحذفت الهمزة وأدغمت اللام في التي تليها، والسؤال هو: ألا يتنافى هذا مع كون أسماء الله عظيمة؟
ج/ لفظ الجلالة واسم الله: اختلف العلماء فيه؛ هل هو مشتق أم هو غير مشتق؟
والخلاف واسع.
والذي يرجحه جمع كثير من المحققين وهو المعتمد عند أئمة الدعوة رحمهم الله تعالى أنَّ لفظ الجلالة مشتق، ومعنى كونه مشتقًا أنَّ اسم الله دال على المعبود بحق دلالة مطابقة؛ يعني أنَّ كلمة الله أصلها الإله والإله هو المعبود.
أما الذي يقول أنه ليس بمشتق فيقول: إنَّ الله علم على الذات -ذات الرب - ﷿ -- وليس فيه معنى.
والقاعدة عامة عندنا أنَّ اللغة في الأسماء لابد أن تكون دالة على معاني.
فالاسم يكون دال على معنى، أسماء الله الحسنى دالة على معاني فيها
فليس ثَمَّ اسم ليس له دلالة على معنى، والدلالة على المعنى تارة تكون دلالة جامدة وتارة تكون دلالة مشتقة.
وهذا في اسم الله الأعظم أو اسم الله (الله) لفظ الجلالة العظيم هذا مشتق من إله؛ لأنَّ العرب تُسَهِّلْ في مثل هذا كثيرًا.
والبحث فيه بحث نحوي وصرفي وأَكْثَرَ العلماء منه.
المقصود من الجواب أنَّ اسم (الله) مشتق ولا ينافي هذا تعظيم لفظ الجلالة؛ لأننا كما نقول إنَّ الجبار يتنوع إلى عدة معاني أو يدل على عدة معاني ومشتق من كذا واسم الله العظيم مشتق واسم الرحمن مشتق من الرحمة، وهكذا.
فالذين يقولون إنَّ الاشتقاق ينافي التعظيم هذا ينخرم الكلام فيما أوردوه بجميع الأسماء الحسنى، فأسماء الله الحسنى كلها مشتقة، والاسم (الله) مشتق من الألوهة وهي العبادة؛ لأنَّ الله عَلَمٌ على المعبود بحق.
[]؟ (١)
هذا بحث آخر؛ يعني هل تظن أنَّ أسماء الله - ﷿ - هي قبل اللغات؟
لا، اللغات دالة على أسماء الله - ﷿ - وصفاته، كما تدل اللغات على أشياء أخر، ولا يعني هذا أنها مُواضَعَةْ؛ أنَّ الناس اصطلحوا عليها، ليس كذلك؛ لأنَّ الله - ﷿ - ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا﴾ [البقرة:٣١]، فالأسماء ومن ضمنها أسماء الله - ﷿ - مُعَلَّمَةْ، وكذلك في اللغات دلالة الكلمة على أنها اسم من أسماء الله هذا بالتعليم، وليس العباد الذين يضعون أسماء لله - ﷿ -، فهذا لا يعني أنَّ أسماء الله - ﷿ - بالمواضعة -يعني بالاصطلاح-، الناس وضعوها واشتقوا هذا من هذا إلى آخره، يعني أنهم هم الذين فعلوا ذلك، لا، أسماء الله - ﷿ -، الله سبحانه لم يزل له الأسماء الحسنى والصفات العلا قبل أن يخلق الخلق.
[]؟
هذا على كل حال بحث لغوي طويل، لا أظن يسع مثل هذا المقام أن يُفَصَّل فيه.
اللغات في نشأتها، كيف نشأت اللغات؟ اللغة العربية كيف نشأت؟ هل آدم ﵇ كان يتكلم باللغة العربية؟ ما قبل إبراهيم ﵇ هل كان يتكلم باللغة العربية؟ نوح ﵇ هل كان يتكلم باللغة العربية؟
الله - ﷿ - جَعَلَ من آياته اختلاف الألسن والألوان، فَأَصْلُ اللُّغات أسماء عَلَّمَهَا ربُّنا - ﷿ - آدم، ثم حَصَلَ هناك أنواع من الاشتقاق وتداخل الناس لما تفرقوا في اللغات.
اللغات بعضها يأخذ من بعض، وعند العلماء المعاصرين يعني علماء اللغة، علماء فقه اللغة وخاصة اللغات السامية دَلَّتْهُم البحوث والكتابات القديمة التي وجدوها في الجدران وفي الآثار القديمة على أَنَّ مجموعة من الكلمات كانت مشتركة ما بين اللغات، وهذا طبعًا يدل على أَنَّ أصل اللغات واحد، وهذا لا شك فيه، ثم بعد ذلك بدأت تتوسع اللغات وتختلف.
فلهذا جاء في الحديث «أول من فُتِقَ لسانه عن العربية الفصحى إسماعيل ﵇» (٢) .
إذًا فُتِقَ اللسان، من الذي فَتَقَ اللسان؟
يعني هذه القواعد التي أوردها العلماء -قواعد النحو- هذا استنتاج، لا يُتصور أَنَّ العرب اجتمعت في مؤتمر عام وقالت بنضع القواعد في لغتنا، هذا غير موجود.
كذلك أغرب منه في العلل والاشتقاق.
ولهذا قال بعض العلماء في العلل الضعيفة هذه أضعف من علة نحويّ؛ لأنها مستنتجة.
مثلًا: تقول: محمد قادم، ثم تقول: لمحمد قادم، ثم تقول: إنَّ محمدا لقادم.
(محمد قادم) خبر أُكِّدَ باللام الأولى في الجملة الثانية (لمحمد قادم) .
واللام هذه لام التأكيد، لام الابتداء لها حق الصدارة.
(إنَّ محمدًا لقادم)، هنا أُخّرَتْ ولذلك سميت إيش؟
المزحلقة؛ لأنها زُحْلِقَت من المبتدأ حين كانت فيه (لمحمد قادم) إلى الخبر فصارت (إن محمدا لقادم) .
هنا لماذا حصل هذا؟
_________________
(١) مداخلة من احد الطلبة
(٢) لم أجده بهذا اللفظ وإنما ورد عن ابن عباس ﵁ أنه قال (أول من نطق بالعربية ووضع الكتاب على لفظه ومنطقة ثم جعل كتابا واحدا مثل بسم الله الرحمن الرحيم الموصول حتى فرق بينه ولده إسماعيل بن إبراهيم صلوات الله عليهما) المستدرك (٤٠٢٩)
[ ١٤١ ]
يأتي النحاة ويوجِّهُونَ ذلك، وثَمَّ كتب كثيرة في علل النحو لا تُحْصَى، وهي عدة مدارس في تعليل الأحكام النحوية.
من تعليلاتهم يقولون: إنَّ العرب من عادتها أن تكرم الضيف، فلما أتت اللام ضيفًا على محمد قادم كان لها حق الصدارة، فلما أتى الضيف الجديد إنَّ تأخرت اللام؛ لأنها كانت في الجملة موجودة فتأخرت.
يعني هذه كلها التماسات.
كذلك إذا قال لماذا (كَانَ) نصبت الخبر ورفعت الاسم؟
لأنها مشبهة بالفعل وهي فعل ماضي ناقص، وكذلك أخواتها.
(إن وأخواتها): إنَّ وأَنَّ وليس إلى آخره، هذه لماذا انعكست فيها القضية؛ مُخالِفةً لـ (كان)؟
لأنها تَقَعَّدَت (كان) وهذه وهذه بعضها يشبه بعضًا، يعني (كان وأخواتها) و(إن وأخواتها) بالدخول على الجملة الاسمية، فَفَرَّقُوا بينها.
إذًا كل هذا نخلص منه إلى شيء مهم جدًا في علم اللغة وهو أنَّ صنعة العلوم إنما أتت بعد انتهاء اللغة.
فإذًا هي التماس.
فإذا قال لك العالم: إنَّ كلمة (الله) كانت إله ثم أُدْخِلَتْ فإنَّ هذا من جهة التحليل، وليس أنَّ العرب صنعت ذلك على مراحل؛ لكن هذا من جهة التحليل.
يقول لك: ولكثرة الاستعمال صارت كذا، يعني هذا من جهة التحليل.
يعني اعكس المسألة وقل: لأنَّ لفظ الجلالة الله موضوع لكثرة الاستعمال فجاء على لفظ الله ولم يأت على لفظ الإله؛ لأنَّه موضوع لكثرة الاستعمال.
* وهذه انتبه لها قاعدة في اللغة.
ولهذا يخطئ بعض الذين يعتنون بمباحث الاشتقاق ويستغربون بعضها من هذه الجهة، فيظنون أنَّ العرب اجتمعت ووضعت للغتها قواعد.
والصحيح الذي لا ينبغي المحيد عنه: أنه ليس ثَمَّ وَضْعْ في اللغة، وعِلْمُ الوَضْعْ الذي يُسَمَّى علم الوضع إنما هو تقريب للعلوم التي صُنِّفَت في هذه الأمة، وليس هو وَضْعْ العرب، فإنَّ العرب ما اجتمعت، العرب متفرقة، العرب كانت في اليمن ثم تَفَرَّقَت، والعرب القديمة - العرب العاربة- ثم العرب المستعربة تفرقت، واللغة بدأت تتدرج وتنمو وتصل إلى مراحل في نموها.
فاللغة مثل الإنسان، اللغة مثل الإنسان، مرَّ به طفولة، ثم مرَّ به شباب، ثم مرّ به فتوة وقوة ثم يمرُّ به اكتهال إلى آخره، فهذه اللغات تمر بهذه المراحل.
أما اللغة العربية فثبتت وقويت ولم تمر بها فترة الكهولة التي تُسَمَّى فترة الكهولة؛ لأنَّ فيها القرآن، القرآن هو الذي أبقاها حية قوية في شبابها.
فلهذا كل ما تراه من التعليلات عند النحويين أو الذين يعتنون بالنحو ويوغلون فيه بحثًا فيما يستبعدون أو يقبلون هي كلها في ظنهم أنَّ المسألة ليست هكذا وإنما هي هكذا.
ما كان فيه إله، وكيف يكون فيه إله؟ أو كيف يشتق هذا من هذا؟ والعرب ما اشتقت هذا من هذا، وإنما الوضع الأول هو كذا.
الوضع الأول في الأسد هو كذا، الوضع الأول في الجناح هو في الطائر، من الذي يقول هذا؟ كل هذا من الذي يقوله؟
يقولون الجناح للطائر من الذي قال أنَّ الجناح للطائر؛ من؟ هل ثَم برهان؟
لذلك يأتون عند قوله تعالى ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء:٢٤] يقولون هنا استعارة؛ لأنَّ الجناح للطائر واستعير للإنسان، استعارة يعني مجاز.
طَيِّبْ من الذي قال إنَّ العرب وضعت الجناح للطائر،؟
لا يوجد.
* فإذًا تنتبه لأنَّ من أوغل في المباحث اللغوية دون معرفة لأصولها والتحقيق فيها قد تدخل عليه إشكالات في العقيدة.
لهذا اعتنى المعتزلة بالمباحث اللغوية لصدّ كثير من الناس عن الحق في مسائل الاعتقاد، ظنًّا منهم أنهم حققوا المسائل العقدية.
فانتبه إلى هذه القاعدة: وهي أنّه لا يُتَصَوَّرْ في القواعد التي وُضعت في هذه الأمة -القواعد العلمية- في النحو أو في الأصول أو في أي فن من الفنون أو في المصطلح أنها وضعت هكذا باجتماع واتفق العلماء على هذا، لا، هي التماس.
ولهذا المجتهد إذا بلغ في الاجتهاد مبلغًا عظيمًا وصارت عنده آلات الاجتهاد له أن يخالف.
ابن جرير الذي ذكرتَ أنتَ المثال عنه، ابن جرير لا يمثل مدرسة البصريين في النحو، ولا يمثل مدرسة الكوفيين في النحو، وإنما له مدرسة مستقلة في تفسيره؛ تارَةً يذهب إلى هؤلاء وتارة يذهب إلى هؤلاء، عندما يملي عليه الراجح وما يسمعه وما يحفظه من كلام العرب.
كذلك في القراءات ليس عنده شيء اسمه قراءات سبع ولا قراءات عشر، وإنما عنده قراءات أنصاف –اذا كنت اطلعت على التفسير-.
لماذا يصنع هذا؟
لأنَّه لا يتقيد بمصطلحات أهل العلم وبمواضعات أهل العلم.
نحن إذا تقدمنا في العلم ترى أنَّكَ تمرُّ على العلم، وترى أنَّ العلم يسبح في قرون، يسبح في القرون هكذا بين مد وجزر، في التواليف، وفي صنيع أهل العلم.
لكن هل هذا هو العلم أو هو وَضْعْ لقواعد العلم؟
هو وَضْعْ لقواعد العلم؛ لأنَّ العلم موجود قبل ذلك، العلوم موجودة قبل ذلك؛ العلوم اللغوية والشرعية والحديث كلها موجودة قبل ذلك، وإنما وَضَعُوا القواعد.
ووَضْعُ القواعد هذا هل هو إجماع أو اجتهاد؟
[ ١٤٢ ]
اجتهاد؛ ليس ثَمَّ قواعد علم من العلوم مُجْمَع عليها، وإنما تجد في العلم ما هو مُجْمَعٌ عليه:
في النحو فيه مسائل مُجْمَعٌ عليها، في الفقه فيه مسائل مُجْمَعٌ عليها، في المصطلح فيه مسائل مُجْمَعٌ عليها، في الأصول ثَمَّ مسائل مُجْمَعٌ عليها، وتجد أنَّ المسائل المجمع عليها في كل فن قليلة.
إذًا ننتبه إلى أنَّ التعليلات التي ترد في العلوم المختلفة إنما هي التماس هذه []
ولذلك من أتى يُحَلَّلُ لك هي التماس، وقد يكون صاحبه مصيبًا في التماسه وفي تعليله، وقد لا يكون كذلك.
مثلًا البحث المشهور عند قوله تعالى ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه:٦٣] ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ وفي قراءة سبعية متواترة ﴿إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ .
طيب (إِنَّ) ما تنصب الاسم، لماذا ما صارت (إنَّ هذين لساحران)؟
بدؤُوا يُعَلِّلُون فمنهم من يخطئ، يقارن، هذا غلط علمي كبير، لماذا؟
لأنك تُحَكِّمْ قواعد وضَعَهَا النحاة على الحق المطلق الذي هو القرآن؛ لأنها قراءة متواترة فهي الحق، يجب أن تبحث في القواعد لا العكس، فالقواعد اصطلاحية.
يأتي في مسند أبي يعلى في مطالعتي عند حديث قال فيه النبي ﷺ «إنّ هذان لشيطانان» (١) في الحديث الذي في المتن قال «إنَّ هذين لشيطانان» - أنا لدي بحث على الآية، وأعرف كلام المحققين عليها وما يتعلق بها.
استغربت:
«إنَّ هذين لشيطانان» ليس هو اللفظ وإنما لأجل أنه يَخْرِمُ القاعدة جَعَلَهَا هكذا، وإذا به في الحاشية يقول: في الأصل «إنَّ هذان لشيطانان» وهذا يخالف القاعدة النحوية فغيرتها إلى (إنَّ هذين لشيطانان) .
طبعا سيطرة القواعد النحوية على الحق المطلق، سيطرة القضايا الاصطلاحية كلها على الحق المطلق هذه قضية كبيرة في العلم وفي نشأة العلوم وتوسع العلوم، فطالب العلم ينبغي له أن يرتقي في هذه المسائل ولا يعجل.
فمسائل الاشتقاق في أسماء الله - ﷿ - هي من هذه البابة، فينبغي أن يُنظر إليها نظرًا.
_________________
(١) مسند أبي يعلى (٢٥٨٨)
[ ١٤٣ ]