قال المؤلف ﵀ بعدها (وإِمَامُ الأتْقِيَاءِ، وسيِّدُ المرسَلينَ)
_________________
(١) فكونه ﷺ إمامًا يعني أنه يُؤْتَمُّ به. والأتقياء هم صفوة هذه الأمة. وفي قوله هذا إبطال لقول من قال: إنّ من الأتقياء من قد يخرج عن الائتمام بمحمد - ﷺ - كقول بعض غلاة الصوفية من أهل الزندقة الذين رأى بعضهم أنَّهُ يَسَعُهُ الخروج على شريعة محمد ﷺ كما وَسِعَ الخضر الخروج عن شريعة موسى ﵇. فكل تقي جاء بعده ﷺ فلا يكون تقيًا إلا بالإتمام بمحمد ﷺ. وهذا الإتمام يكون بالإتباع كما قال - ﷿ - ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١]، وقال - ﷿ - ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١] . والأتقياء جمع تقي، والتقي هو من حَصَّلَ التقوى. والتقوى في القرآن جاءت على ثلاث مراتب:
(٢) المرتبة الأولى: أن يتقي العذاب المؤبد بتحقيق التوحيد؛ بالإتيان بالتوحيد وبنبذ الشرك وتركه، يعني بالإسلام، وهذه هي التي جاءت في مثل قول الله - ﷿ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ فخوطب الناس جميعا بالتقوى؛ يعني باتقاء العذاب المُخَلَّدْ بالإيمان بتوحيد الله - ﷿ - وبترك الشرك والبراءة منه ومن أهله.
(٣) المرتبة الثانية: أَنَّ المتقي هو الذي يفعل الواجب ممتثلًا ويترك المحرم ممتثلًا، وهذه هي مرتبة المقتصدين الذين جاء فيهم قول الله - ﷿ - ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣٢]، من تَرَكَ المحرم امتثالًا وأتى بالواجب امتثالًا فهو من المتقين؛ لأنَّهُ اتَّقَى العذاب، والعذاب يكون يترك الواجب أو بفعل المحرم.
(٤) المرتبة الثالثة: أن يتقي الله - ﷿ - بترك صغائر الذنوب وبترك ما به بأس وبترك ما لا بأس به حَذَرًا مما به بأس، وهذه هي تقوى الله حق تقاته، كما قال - ﷿ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران:١٠٢]، يعني خُوفُوهُ واحذروه حق الخوف والحذر، وهذه المرتبة إنما هي للسابقين بالخيرات الذين يتركون المكروهات ويَسْعون في كل المستحبات. قال بعدها ﵀ (وسيِّدُ المرسَلينَ) . قوله (وسيِّدُ المرسَلينَ) معناه أنه ﷺ هو المقدم في المرسلين وهو أفضلهم؛ لأنَّ السيادة فرع الفضل بكمال الصفات المحمودة في السيد. (وسيِّدُ المرسَلينَ) من السيادة كما ذكرنا، والسيادة معناها يجمع أمورًا، ومنها أن يكون أمره نافذًا وأن يكون المرجع هو. وهذا إذا قيل في محمد ﷺ (وسيِّدُ المرسَلينَ) بهذا المعنى؛ يعني أنه هو المرجع فبالنظر إلى شيئين:
(٥) الأول: قوله ﷺ (أَنَا سَيّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلاَ فَخْرَ) (١) وولد آدم داخل فيهم المرسلون.
(٦) الثاني: أنَّ رجوع الأمر إليه بالنسبة إلى الأنبياء يكون في عَرَصَات القيامة؛ حيث يذهب الناس إلى آدم ثم إلى نوح إلى آخره، ثم يأتون محمدا ﷺ يطلبون منه تعجيل الحساب، فيقول (أنا لها، أنا لها، فيخر تحت العرش فيحمد الله) (٢) إلى آخر الحديث. وهنا في معنى السيادة كما ذكرنا، في معنى السيادة التفضيل. ولهذا بَحَثَ الشارح هاهنا ابن أبي العز مسألة التفضيل بين الأنبياء في هذا الموضع؛ لأنَّ من فروع السيادة أو من أسباب السيادة الفضل. وكون النبي ﷺ سيد المرسلين حق -كما ذكرنا- للدليل وهو قوله ﷺ (أَنَا سَيّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلاَ فَخْرَ) . إذا تبين ذلك ففي المسألة مسائل:
(٧) مسلم (٦٠٧٩) / أبو داود (٤٦٧٣) / الترمذي (٣١٤٨) / ابن ماجه (٤٣٠٨)
(٨) البخاري (٧٥١٠) / مسلم (٥٠٠)
[ ٩٥ ]
[المسألة الأولى]:
أنَّ التفضيل بين الأنبياء جاء به النص كما قال - ﷿ - ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة:٢٥٣]، والرسل كثيرون وأفضلهم أولو العزم من الرسل وهم خمسة: نوح ثم إبراهيم، -يعني في الزمان- نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وقد جاء ذكرهم في سورتي الأحزاب والشورى.
وهؤلاء الخمسة أفضلهم محمد ﷺ، فقد فُضِّل إبراهيم بالخُلّة ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء:١٢٥]، والله - ﷿ - جعل محمدا ﷺ خليلًا له، فَفَضْلُ إبراهيم جاء لمحمد ﷺ، وفُضِّل موسى بالتكليم ومحمد ﷺ أيضا مُكَلَّمْ كما في حديث المعراج.
[ ٩٦ ]
[المسألة الثانية]:
أنَّ الفضل والتفاضل والتخيير بين الأنبياء له حالتان: حالة عامة وحالة خاصة.
- فالحالة العامة:
يجوز فيها ذلك بمعنى أن يقال محمد ﷺ أفضل المرسلين سيد المرسلين، أشرف الأنبياء والمرسلين.
- وأما في مقابلة نبي بحسب شخصه في مقابلة نبي بذاته:
فهذا يكون خصوص فلا يجري التفضيل على وجه الاختيار، ولهذا جاء في السنة أنَّ النبي ﷺ قال (لا تخيروني على موسى فإن الناس يصعَقون يومَ القِيامةِ فأكونُ أولَ مَن يُفِيقُ، فإِذا أنا بموسى آخذٌ -أو قال باطش- بقائمةٍ من قوائم العرشِ، فلا أدرِي أأفاقَ قبلي أم جُوزِيَ بصَعقةِ الطّور) (١) فقوله ﷺ هنا (لا تخيروني على موسى) وفي رواية (لا تفضلوني على موسى) (٢) دلّ على عدم جواز التفضيل الخاص.
_________________
(١) مسلم (٦٣٠٢)
(٢) البخاري (٣٤١٤) / مسلم (٦٣٠٠)
[ ٩٧ ]
[المسألة الثالثة]:
أنَّ هذا البحث وهو بحث التفضيل بين الأنبياء جاءت فيه أحاديث، منها هذا الحديث (لا تفضلوني على موسى)، (لا تخيروني على موسى)، ومنها حديث عام (لا تَخَيَّرُوا بين الأنبياء) (١)، ومنها حديث خاص بيونس ﵇ وهو قوله ﷺ (لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متّى) (٢) وفي رواية قال (من قال أنا خير من يونس بن متّى فقد كذب) (٣)، وهذا اختلفت فيه أنظار العلماء في الجمع بين هذه الأحاديث والتفضيل وما جاء في القرآن من قوله تعالى ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة:٢٥٣]، وأحسن الأجوبة على ذلك أن يقال:
١ - أولا:
أنَّ قوله (لا تخيروني على موسى) هذا قاله لسبب قصة وردت، وهو أنَّ اليهودي والمسلم اختلفا فافتخر اليهودي على المسلم بموسى، والمسلم ردّ على اليهودي ولطمه؟
فإذًا يكون النهي إذا كان التفضيل الخاص جاء على جهة العصبية والحمية والفخر، ولهذا جاء في الحديث (أَنَا سَيّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلاَ فَخْرَ) (٤)، فدلّ على أنَّ التفضيل إذا كان مورده الفخر والعصبية فإنه يمنع منه.
٢ - ثانيًا:
أنَّ جهات الفضل متنوعة، والتفضيل من جهة الجنس؛ جنس الفضائل سائغ، ومن جهة كل فَضيلة بحسبها متعدد، ولهذا يقال إنَّ تفضيل محمد ﷺ من جهة مجموع الفضائل، ولا يُنَصَّ على أَنَّهُ أفضل من غيره من الرسل في كل فضيلة عند جميع الرسل؛ يعني من حيث النظر العام.
٣ - ثالثًا:
أن يقال إنَّ التفضيل بين الأنبياء لا حاجة إليه؛ لأنَّ الأنبياء والرسل رسالتهم واحدة، والله - ﷿ - وَصَفَ المؤمنين بأنهم آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرّق بين أحد من رسله، والرسل وَصَفَهُم النبي عليهم الصلاة والسلام بقوله (الأنبياء إخوة لعلات الدين واحد والشرائع شتى) (٥)، وتَوَلِّي الرسل جميعًا فرض، ومحبتهم جميعًا فرض، فإذًا الدخول في التفضيل دخول فيما لا طائل تحته، فالواجب أن يُبْقَى في ذلك على النص وهو ما ذكرناه أولًا من التفضيل العام دون التفضيل الخاص.
أما قوله ﷺ (من قال أنا خير من يونس بن متّى فقد كذب) فهذا لأجل أَنَّ بعض الناس قد يظن أَنَّ يونس ﵇ فعل ما يُلامُ عليه، وأَنَّهُ عُوقِبَ بأن كان في البحر وفي بطن الحوت، ثم قال: ﴿لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧]، فقال إنَّ هذه الكلمة ربما تكون لمن فعل شيئًا يُلَامُ عليه وعوقب، فقال: إنَّ يونس بن متّى قالها لأنَّهُ فَعَلَ ما فعل.
وهذا في الحقيقة غلط؛ لأنه لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متّى، كما قال ﷺ، فيَتْرُكْ الدعاء بهذا الدعاء العظيم ﴿لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فهذا قد دعا به آدم ﵇، ودعا به موسى ﵇، ودعا به غيرهما من الأنبياء والمرسلين.
فإذًا هذا الدعاء وحال يونس بن متّى ليس فيها نص في حقه ﵇ - أعني يونس بن متّى ﵇ -، فإذًا لا ينبغي أن يقال إنَّ فلانا أفضل من يونس من جهة الاستحباب، لا ينبغي أن يقال ذلك، يعني لا ينبغي أن يقال إن محمدًا أفضل من يونس بن متّى على جهة الاستحباب، والدليل دلّ على عدم الجواز فيمن يقوله لنفسه فلا يجوز لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متّى. والنبي ﷺ ترك ذلك، وهو أكمل الخلق ﵇.
هذا البحث ربما لم تظهر حاجتُه لكن بحَثَه العلماء في هذا الموضع؛ لأنَّ هناك مِن مَن يعتقد الكمال في الوَلاية من يظن أنّ حالتَه أرفع من حالة يونس بن متّى ﵇.
_________________
(١) البخاري (٤٦٣٨)
(٢) البخاري (٣٣٩٥) / مسلم (٤٣)
(٣) البخاري (٤٦٠٤) / الترمذي (٣٢٤٥) / ابن ماجه (٤٢٧٤)
(٤) سبق ذكره (٩٥)
(٥) سبق ذكره (٤)
[ ٩٨ ]