والرُّؤْيةُ حقٌّ لأهلِ الجَنَّةِ، بِغَيْرِ إحَاطَةٍ ولا كَيْفيَّةٍ، كما نَطق به كتابُ ربِّنا ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣]، وتَفْسيرُهُ عَلى ما أرادَهُ الله تَعالَى وَعَلِمَهُ.
وكلُّ ما جاءَ في ذَلك مِنَ الحديث الصَّحيح عَن الرسولِ ﷺ فهو كما قال، وَمَعناهُ على ما أراد، لا نَدْخلُ في ذلك مُتَأَوِّلين بِآرَائنا، ولا مُتَوَهِّمِينَ بأهْوَائنَا، فإنَّهُ مَا سَلِم في دينه إلاَّ مَنْ سَلَّمَ لله ﷿ ولرسُولِه ﷺ، وردَّ علْمَ ما اشْتَبَهَ عَلَيْهِ إلى عَالِمِهِ.
_________________
(١) هذه المسألة مسألة عظيمة جدًا، وهي مسألة رؤية الرب - ﷿ - في الجنة. ورؤية الله - ﷻ - في جنات النعيم هي أعلا ما يَلتذُّ به أهل الجنة، فأهل الجنة أعلا نعيمهم رؤية وجه الله - ﷿ -، وذلك لأنه منتهى الجمال؛ ولأنّ في الرؤية الرضا، ولأنّ في الرؤية الإكرام، ولأنّ في الرؤية صلاح القلب برؤية محبوبه - ﷿ -. فكل أنواع الجمال التي يتعلق بها المتعلقون إنما هي بعض جمال صفات الرب - ﷿ -؛ يعني أنها شيء من جمال الصفات، كما أن رحمة الله - ﷿ - منها جزء يتراحم به الناس. وكذلك جمال الحق - ﷿ - في ذاته وصفاته وأفعاله من جماله أفاض على هذا الوجود، فصارت الأشياء جميلة لما أفاض عليها - ﷿ - من جماله ـ، كما قال ابن القيم ﵀: وهو الجميل على الحقيقة كيف لا وجمال سائر هذه الأكوان من بعض آثار الجميل فربها أولى وأجدر عند ذي العرفان فكل جمال يطمع إليه الطامع وتتعلق به نفس المُتَعَلِّقْ من جمال مخلوقات الدنيا أو من أنواع الجمال والتلذذ في الجنة فإنه ليس بشيء عند الرؤية والتلذذ بمن أفاض ذلك الجمال، وأفاض تلك اللذات على من شاء من خلقه. ولهذا قال بعض أهل العلم: إنَّ الرؤية لله - ﷿ - هي الغاية التي شَمَّرَ إليها المشمرون. فإذا كانت الجنة غاية في تشمير المشمر وفي تَعَبُّد العابد، فإنَّ أعلى نعيم الجنة وأعظم نعيم الجنة أن يرى المؤمنون ربهم - ﷿ -، كما قال ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣]، نظرت إلى الرحمان فاكتست الوجوه نظرة وجمالا وبهاء وحسنى تبارك ربنا وتعالى. قال (والرُّؤْيةُ حقٌّ لأهلِ الجَنَّةِ) يعني أنَّ الرؤية ثابتة، وهي حق لا مِرْيَة فيه، ولا شك فيه، وهي حق لأهل الجنة فأهل الجنة يرون ربهم - ﷿ - ويتلذذون بذاك النعيم. قال (بِغَيْرِ إحَاطَةٍ ولا كَيْفيَّةٍ) فنفى الإحاطة؛ لأنَّ رؤية الله - ﷿ - لا يمكن أن تكون بإحاطة للمرئي، كما قال سبحانه ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، فرؤية الله - ﷿ - رؤية عيان؛ لكن لا يمكن أن يُحَاطَ بالله - ﷿ - رؤية كما لا يمكن أن يحاط بالله - ﷿ - علمًا ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]، ولكن أصل العلم بالله - ﷿ - ثابت، وكذلك الرؤية لا يحاط بها فلا تُدْرَكْ؛ لا تُدْرِكُ الربَّ - ﷿ - الأبصار، ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، ولكن أصل الرؤية موجود. فالمنفي إذًا في الآيات الإحاطة، وهذا ليس في الرؤية وحدها ولكن في كل صفات الله - ﷿ -؛ فإنَّ الله سبحانه بذاته وبصفاته لا يحاط به علمًا ولا يحاط بالله - ﷿ - إدراكًا ورؤية. قال (ولا كَيْفيَّةٍ) يعني لا تُكيَّفُ رؤية الناس لربهم - ﷿ -؛ وإنّما هي حق على ما جاء في الأدلة، والكيفية منفية؛ لأنَّ رؤية الناس لله - ﷿ - -يعني بالناس المؤمنين في الجنة- فإنَّ رؤية المؤمنين لله - ﷿ - في الجنة تبع لصفاته، وصفات الرب - ﷿ - لا تُعْرَفُ كيفيتها. فرؤية الرائي للرب - ﷿ - في دار النعيم والخلود والسعادة ليست رؤية إحاطة ولا تُكَيَّفْ بكيفية: - لأنَّ الله - ﷿ - في علوه لا يُعْلَمُ كيف ذلك. - ولأنَّ الله - ﷿ - في رؤية المؤمنين إليه لا تُعْلَمُ كيفية ذلك. - ولأنَّ الله - ﷿ - في كشف الحجاب الذي يحجبه عن رؤية الخلق إليه لا تُعْلَمُ كيفية ذلك. فربنا أعلى وأعظم مما يدور في الذهن أو مما يحوم عليه الخاطر أو يتوهمه المتوهم. فلذلك نُثْبِتُ الرؤية دون نظر في كيف تكون هذه الرؤية، لكنها رؤية بالعيان رؤية بالعينين ليست رؤية قلب، وإنما هي رؤية عينين، كما سيأتي ذلك في الأدلة. وكما استدل المصنف ﵀ بقوله (كما نَطق به كتابُ ربِّنا) ذكرنا لكم أنَّ هذا من الذي استعمله أهل العلم كثيرًا أن يُنْسَبَ القول والنطق والكلام للقرآن يعنون بذلك من تكلم به وهو الرب - ﷿ -، فقوله (كما نَطق به كتابُ ربِّنا) لا بأس به ويستعمله كثير من أهل العلم من المحققين والأئمة. قال - ﷿ - (﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣]) هذه الآية فيها إثبات رؤية أهل الجنة للرب - ﷿ - وأنَّ وجوه من رأى الرب - ﷿ - ستكون (نَاضِرَةٌ) يعني حَسَنَة بَهِيَّة تعلوها النُّضرة والنَّضرة، كما دعا النبي ﷺ بقوله (نضّر الله امرَأً -امرؤا- سمع مقالتي فأداها كما سمعها) (١) الحديث، دعا له بنضارة الوجه يعني بالحسن والبهاء والزينة والجمال وهذا إنما هو لأهل الإيمان. ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ يعني يوم القيامة تلك الوجوه ناضرة حسنة بهية، وتلك الوجوه ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ناظرة إلى الرب - ﷿ -؛ يعني رائية ربها - ﷿ -، تنظر الوجوه إلى الرب - ﷿ -. ووجه استشهاد المصنف بآية سورة القيامة من ثلاثة وجوه:
(٢) الوجه الأول: أنَّ النظر عُدِّي بـ (إِلَى)، وتعدية النظر بـ (إِلَى) تفيد أنَّ معناه الرؤية -كما سيأتي بيان ذلك في المسائل-. قال ناظرة إلى ربها، وناظرة،والنظر يأتي لمعاني فإذا عدي بـ (إِلَى) كان المراد رؤية العِيَان.
(٣) الوجه الثاني: أنه جَعَلَ النظر إلى الرب - ﷿ - مضافًا على الوجوه، فجعل الوجوه هي التي تنظر إلى ربها، قال ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ فالوجوه ناظرة إلى ربها، ومحل الرؤية والنظر في الوجه هو العينان.
(٤) الوجه الثالث: أنه قال ﴿يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾، والنضرة: وهي الحسن والبهاء والسرور والحبور الذي يعلو الوجوه والاطمئنان، هذا إنما يكون بالرؤية لأنها منتهى النعيم واللذة، لا من الانتظار الذي لا يُدْرَى هل بعده نعيم أم بعده غير ذلك. فكون الأوجُهْ بالنظر صارت ناضرة، يعني حَسَنَة بَهِيَّة دَلَّ على أَنَّ هذا إنما هو الرؤية لأنه أثر الرؤية، وأما مجرد الانتظار فليس كل مُنْتَظِرٍ للرب - ﷿ - يُنضَّر وجهه، بل مِنَ المُنتظِرْ مَنْ يكربس في جهنم والعياذ بالله، وسيأتي مزيد بيان أوجه الاستدلال في المسائل إن شاء الله تعالى. قال (وتَفْسيرُهُ عَلى ما أرادَهُ الله تَعالَى وَعَلِمَهُ) (تَفْسيرُهُ) يعني تفسير النظر إلى الرب - ﷿ - عَلى ما أرادَهُ الله تَعالَى وَعَلِمَهُ. التفسير هنا يراد به أحد نوعي التفسير: وذلك أنَّهُ جَعَلَ الرؤية حق ونفى في الرؤية التي هي حق ويثبتها: الإحاطة والكيفية. فدل على أنَّهُ يُثْبِتُ معنى الرؤية الذي يعلمه السامع للكلام من ظاهر الكلام. فلما نفى الإحاطة والكيفية دلَّ على أَنَّ قوله (الرُّؤْيةُ حقٌّ لأهلِ الجَنَّةِ) أَنَّ الرؤية على ظاهرها. وهذا هو المعنى الأول للأشياء، هو المعنى المتبادر للذهن في الصفات. نقول هذا على ما يتبادر إلى الذهن، فصفة الرحمة معروفة، وصفة الكلام معروف إلى آخره. والنوع الثاني من التفسير هو التفسير لتمام المعنى وللكيفية. فإنَّ تمام المعنى والكيفية لا يعلمها إلا الله - ﷿ -، كما قال سبحانه ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]، على مَنْ وَقَفَ هنا، فأراد بالتأويل الذي هو التفسير تمام المعنى والكيفية. فإذًا تفسير النظر إلى وجه الله الكريم، تفسير النظر إلى الرب الكريم - ﷿ - بتمام معناه لا نعلمه، تفسيره على ما أراده الله تعالى، هو حق، وتمام المعنى لا نعلمه كيف ذلك. كيف تُعْطَى العيون القدرة. النبي ﷺ قيل له: أرأيت ربك؟ قال (نُورٌ أَنّىَ أَرَاهُ)؟ (٢) وقال (رَأَيْتُ نُورًا) (٣) كما في الصحيح من حديث أبي ذر، وموسى ﵇ سأل ربه قال ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف:١٤٣]، قالت طائفة من السلف: كَشَفَ الله - ﷿ - من الحجاب قدر هذه؛ أنملة واحدة، فساح الجبل، فَرُدَّ طلب الرؤية على موسى لأنَّهُ لن يقدر على ذلك،كذلك قال ﷺ (حجابه النور لو كشفه لأحرقت سُبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) (٤) . فإذًا الناس ليس عندهم القدرة على الرؤية، فكيف تكون عندهم القدرة على الرؤية؟ وكيف تكون قُواهُم؟ وكيف تكون قُدَرُهُم؟ وكيف يُعطون؟ وعلى أي حال تكون الرؤية وتفسير ذلك على تمام معناه؟ هذا كله لا يُعْلَمْ كما قال (تَفْسيرُهُ) -يعني بتمام معناه بما يزيد على إثبات الرؤية وأنها حق - على ما أراد الله تعالى وعلمه، لا ندخل في ذلك متأولين ولا متوهمين، كما ذكر بعد ذلك. وهذه الكلمة تشبه ما ذكره ابن قدامة وغيره عن الإمام أحمد وعن الإمام الشافعي في الآيات والأحاديث التي فيها إثبات الصفات؛ صفات الرب - ﷿ -، أنهم قالوا: أمروها كما جاءت لا كيف ولا معنى. وهذه استدل بها بعض أهل التأويل على أنهم - يعني الإمامين - يعنون بذلك التأويل. لا كيف فلا نكيف الصفات. ولا معنى لا نثبت المعنى بل نفوض المعنى والكيفية. وهذا ليس بمراد، بل المراد من قولهم لا كيف ولا معنى أنَّ إمرار الصفات كما جاءت معناه إثبات الصفات على ما دل عليه ظاهر الكلام؛ لأنَّ الصفة لا تُثْبِتُهَا إلا بما دل عليه ظاهر الكلام. ونفي الكيفية عن الصفة يعني الكيفية التي نحا إليها المجسمة. ونَفْيُ المعنى بقولهم لا كيف ولا معنى؛ يعني المعنى الذي ذهب إليه المؤؤلة الذي يخالف ظاهر الكلام، ويخالف الإمرار كما جاءت. فإذًا الإمرار كما جاءت بما يُفْهَمْ، فمن كيَّف فقد صار مجسمًا أو صار مكيفًا، ومن تأول المعنى فقد دخل في الكلام بما يخرج اللفظ عن ظاهره. لهذا قول القائل لا كيف ولا معنى؛ يعني لا كيف كما يقول المجسمة ولا معنى كما يقول المؤولة بما يُخْرِجُ تلك الآيات والأحاديث عن ظاهرها المتبادر منها من إثبات صفات الرب - ﷿ - والأمور الغيبية بعامة، وهذا كما قال هنا (تَفْسيرُهُ عَلى ما أرادَهُ الله تَعالَى وَعَلِمَهُ) . قال (وكلُّ ما جاءَ في ذَلك مِنَ الحديث الصَّحيح عَن الرسولِ ﷺ فهو كما قال) وقد ثبت عن النبي ﷺ رؤية المؤمنين لربهم - ﷿ - بالتواتر. عُدَّ ذلك متواترا في أكثر من عشرين حديثًا جاءت عن المصطفي ﷺ في إثبات الرؤية، بأحاديث متنوعة، مختلفة في ألفاظها وفي طرقها عن عدد كبير من الصحابة، فهي متواترة. ولهذا كَفَّرَ طائفة من أهل السنة من أنكر رؤية الرب - ﷿ - لأنه إنكار للمتواتر من القرآن وللمتواتر من سنة النبي ﷺ. قال (فهو كما قال، وَمَعناهُ على ما أراد، لا نَدْخلُ في ذلك مُتَأَوِّلين بِآرَائنا، ولا مُتَوَهِّمِينَ بأهْوَائنَا) . (لا نَدْخلُ في ذلك مُتَأَوِّلين بِآرَائنا) يعني نُخْرِجْ هذا الظاهر بتأويل. (ولا مُتَوَهِّمِينَ بأهْوَائنَا) بما يجعل للرؤية كيفية مُعَيَّنَة، فَنُثْبِتْ الرؤية بكيفية أو لأجل الكيفية ننفي الرؤية كما ذهب إليه المعتزلة وكما ذهب إليه المجسمة. فالمعتزلة توهموا أنَّ الرؤية تكون بكيفية فنفوا، والمجسمة توَهَّمُوا أَنَّ الرؤية تكون بكيفية فأثبتوها على تلك الكيفية. إذا تبين لك هذا المعنى العام لكلام الماتن رحمه اللهففي هذه المسألة العظيمة، مسألة الرؤية مسائل:
(٥) أبو داود (٣٦٦٠) / الترمذي (٢٦٥٦) / ابن ماجه (٢٣٠)
(٦) مسلم (٤٦١) / الترمذي (٣٢٨٢)
(٧) مسلم (٤٦٢)
(٨) مسلم (٧٩) / ابن ماجه (١٩٥)
[ ١٣٢ ]
[المسألة الأولى]:
أنَّ المؤمن في تَعَلُّقِهِ بربه - ﷿ - في عبادته سبحانه بأنواع العبادة القلبية والعملية يرى أنّ الإنعام عليه بأن يكون من أهل الجنة هذا أعظم الإنعام؛ لأنَّ من دخل الجنة قد ﵁ ومَتَّعَهُ بملاذِّها وحبورها وسرورها وأفاض عليه الزيادة وهي رؤية وجه الله الكريم.
ومن أحب تَعَلَّقَ بالمحبوب، وإذا تَعَلَّقَ القلب بالمحبوب لم يهدأ له بال ولا يقر له قرار حتى يلقى محبوبه راضيًا عنه متمتعًا بلذة النظر إليه ومحادثته وتحيته، كما قال سبحانه ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣-٤٤]، فهذا أعلى أنواع التمتع.
والقلب إذا خشع لله - ﷿ - وتلذذ بتلاوة القرآن وبالصلاة، وعلم أنَّ هذه من اللذات الحاضرة التي هي التلاوة والصلاة، فكيف بأعظم اللذات وهو رؤية الرب - ﷿ - وهي الغاية كما ذكر العلماء التي شَمَّرَ إليها المُشَمِّرُون، الذين تعلقت قلوبهم بالرب - ﷿ -.
[ ١٣٣ ]
[المسألة الثانية]:
أنَّ أهل السنة والجماعة جعلوا الرؤية حق، والرؤية بالعينين.
وهذه الرؤية جاءت فيها آيات كثيرة وأحاديث متواترة عنه ﷺ، وأجمع أهل التفسير من الصحابة والتابعين على القول بالرؤية، ولم ينكرها أحد من السلف الصالح رضوان الله عليهم.
ومن الأدلة على أنَّ الرؤية حق:
قول الله - ﷿ - ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، وقوله - ﷿ - ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]،وقوله - ﷿ - ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ [المطففين:٢٣]، وقوله - ﷿ - ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣]،وقوله - ﷿ - عن الكفار ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]،وقوله - ﷿ - ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥]، ونحو ذلك من الأدلة.
وكذلك الأدلة التي فيها ذِكْرُ لقاء الله - ﷿ - كلها صالحة للاحتجاج بها على رؤية الله سبحانه، كقوله سبحانه ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، فَسَّرَهَا طائفة من العلماء من السلف فمن بعدهم بأنَّ لقاء الله برؤيته وهو المعروف لغة.
وكذلك في قوله - ﷿ - ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٤] قال ثَعْلَبْ -وهو من علماء اللغة المبرزين العارفين-: أجمع أهل اللغة على أنَّ اللُّقْيَا هاهنا هي الرؤية، وذلك لأنَّه لا يمكن ملاقاة وتحية وخطاب باللغة إلا برؤية، والأدلة على ذلك متنوعة، في كل دليل فيه ذكر الرؤية لله - ﷿ - أو فيه ذكر اللقاء، أو ما فُسِّرَ بالسنة برؤية الله - ﷿ -.
وأما من سنة النبي ﷺ فكما ذكرت لكم الأدلة كثيرة جدًا بلغت مبلغ التواتر، فمنها قوله ﷺ (إِنّكُمْ ستَرَوْنَ رَبّكُمْ يوم القيامة كَمَا تَرَوْنَ البدر ليلة التمام لاَ تُضَامّونَ فِي رُؤْيَتِهِ) (١) .
والحديث الآخر قال فيه ﷺ (هل تَرَوْنَ الشمس في وسط النهار، هل تُضَامّونَ فيها؟) قالوا: لا. قال (هل تَرَوْنَ القمر ليلة الْبَدْرِ، هل تُضَامّونَ فيه؟) قالوا: لا. قال (فإِنّكُمْ ستَرَوْنَ رَبّكُمْ كما تَرَوْنَ الشمس وسط الظهيرة لا تُضَامّونَ فيها وكما تَرَوْنَ القمر ليلة التمام لا تُضَامّونَ فيه) (٢) .
وفيه أيضا قوله ﷺ في تفسير قوله تعالى ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، من حديث صهيب ا، قال ﷺ في حديث طويل (الزيادة النظر إلى وجه الله الكريم) (٣) .
وأيضا في الباب قوله ﷺ في وصف الجنة (جنتان من ذهب وما فيهما، وجنتان من فضة وما فيهما، وليس بين القوم وبين أن يروا ربهم إلا أن يُكشف الحجاب) (٤) .
نسأل الله سبحانه المنّ والكرم لرؤيته - ﷿ -، وأن يغفر لنا ذنوبنا وآثامنا، وأن نلقاه وهو راض عنا، سبحانه إنه جواد كريم.
هذه الآيات والأحاديث فيها تقرير لقول أهل السنة واضح الدِلالة.
ولا نخوض في ذلك بتقرير الأوجه اللغوية لما ذُكر لأنه بتكاثرها وتواردها بلغت مبلغ القطع في هذه المسألة، حيث إنَّ المسالة ليست بخفية حتى قال الإمام أحمد لمن قال له إنَّ فلانًا ينكر الرؤية قال: كافر، كافر. يعني لأنَّ هذه لا تحتمل التأويل، وليس ثَمَّ فيها شبهة.
_________________
(١) البخاري (٥٥٤) / مسلم (١٤٦٦) / أبو داود (٤٧٢٩) / الترمذي (٢٥٥١) / ابن ماجه (١٧٧)
(٢) مسلم (٤٦٩) / الترمذي (٢٥٥٤) / ابن ماجه (١٧٩)
(٣) مسلم (٤٦٧) / الترمذي (٢٥٥٢) / ابن ماجه (١٨٧)
(٤) البخاري (٤٨٧٨) / مسلم (٤٦٦) / ابن ماجه (١٨٦)
[ ١٣٤ ]
[المسألة الثالثة]:
أنَّ قول أهل السنة في الرؤية؛ أنَّ الرؤية حق لأهل الجنة وللمؤمنين في عرصات القيامة.
والرؤية التي للمؤمنين هي رؤية سرور وتلذذ وإكرام.
واختلف أهل السنة في رؤية الله - ﷿ - في الموقف:
- هل هي للمؤمنين وحدهم.
- أم للمؤمنين والمنافقين.
- أم للناس جميعا، على ثلاثة أقوال.
وكل الأقوال في مذهب أهل السنة - يعني قال بها طائفة -.
وكما قال الإمام تقي الدين ابن تيمية ﵀: إنَّ الخلاف في هذه المسألة -يعني هل يرى الكفار ربهم يوم القيامة أو لا يرونه؟ هل يراه المنافقون أو لا يرونه؟ - لا ينبغي أن تكون من المسائل التي يُشَدَّدُ فيها الخلاف؛ بل الأمر فيها خَفِي، هذا نص عبارته.
والمذاهب فيها كما ذكرت لكم ثلاثة:
- فجمهور أهل السنة والحديث على أنَّ الرؤية للمؤمنين في عرصات القيامة.
- وقال طائفة (١) للمؤمنين والمنافقين، وممن ذهب إلى ذلك ابن خزيمة كما نصًّ عليه في كتاب التوحيد
- القول الثالث: أنَّ الرؤية للجميع، للمؤمنين والمنافقين والكفار.
واستدلوا على ذلك بأنَّ الكافر يُحْجَبْ ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، قالوا: فكونه حُجِبَ يومئذ دلَّ على أنَّه قبل ذلك لم يكن محجوبًا؛ لأنَّ الكلام في الآخرة، وأما في الدنيا فالكل محجوب عن رؤية الرب - ﷿ -.
وهذه الأقوال جَمَعَتْ النظر في الرؤية.
ويبقى أنَّ رؤية الرب - ﷿ - نوعان:
١ - النوع الأول: رؤية إكرام ولذة ونعيم وإنعام وحبور وسرور، فهذه للمؤمنين في الجنة وللمؤمنين في عرصات القيامة، فهي من الطمأنينة لهم.
٢ - والنوع الثاني رؤية حساب وتقرير وتعريف، فهذه هي التي يمكن أن يقال: إنها مرادة في حديث المنافقين فيما ثبت في الصحيح (أنَّ الله - ﷿ - يأتي الأمة وفيه منافقوها، ثم يأتيهم في غير الصورة التي رأوها من قبل، ثم يأمرهم بالسجود فلا يسجدون، فيقولون نحن هنا حتى يأتي ربنا، ثم بعد ذلك يكشف الرب عن ساق، فيعرفونه فيسجد المؤمنون، ويبقى من لم يكن مخلصا في الدنيا يريد أن يسجد فيعود ظهره طبقا واحدا) (٢) فهذا يدل على أنّ هذه الرؤية رؤية تعريف ورؤية حساب وهذا النوع من الرؤية لا ينبغي أن يكون الخلاف فيه؛ لأنَّ الحديث دل عليه.
فإذًا الرؤية التي نقول: إنه أجمع أهل السنة على أنها للمؤمنين هي رؤية التنعم والتلذذ، وفي ضمن ذلك رؤية التعريف.
وأما رؤية الله - ﷿ - للتعريف والحساب فهذه كُلٌ يراه بحسب حاله والله أعلم بكيفية ذلك وتفسيره.
أما الكفار فعامة أهل العلم إلا من شذَّ وقلَّ يقولون إنَّ الكافر لا يرى الله - ﷿ - لا رؤية تعريف ولا رؤية تلذذ من باب أولى؛ لأنَّ الكافر محل العذاب والنكال.
وأجابوا عن استدلالهم بقوله تعالى ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، بأَّن هذا استدلال بالمفهوم، بمفهوم (يَوْمَئِذٍ)، (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) وهم محجوبون في الدنيا عن الرؤية وكذلك محجوبون في الآخرة عن الرؤية.
وكلمة (يَوْمَئِذٍ)، ليس لها مفهوم كما قال - ﷿ - ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧]، وكما في قوله ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:٨]، وفي آيات كثيرة عُلِّقَتْ أشياء تحصل يوم القيامة بـ (يَوْمَئِذٍ)، وقد يكون جنسها أو بعض أفرادها يحصل في الدنيا إما بالعموم أو بالخصوص.
المقصود من رد الاستدلال أنه كلمة (يَوْمَئِذٍ) ليس لها مفهوم، لا نفهم منه أنهم حُجِبُوا يومئذ فمعنى ذلك أنهم قبل ذلك يعني قبل الحجب يومئذ لم يكونوا محجوبين، بل كانوا محجوبين ثم صاروا محجوبين لكن توعَّدَهُم بين حالهم بقوله (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الجَحِيم)، فحُجِبوا ثم صاروا صالين للجحيم.
_________________
(١) انتهى الوجه الأول من الشريط العاشر.
(٢) البخاري (٧٤٣٩) / مسلم (٤٧٢)
[ ١٣٥ ]
[المسألة الرابعة]:
مذاهب الناس في الرؤية متعددة، منها -يعني من خالف قول أهل السنة- أشهرها مذهبان:
١ - المذهب الأول:
مذهب من منع الرؤية وتأَوَّلَ كل النصوص الواردة في ذلك: وهم المعتزلة، قبلهم الجهمية، والخوارج بعامة، والإمامية من الروافض؛ بل الروافض بعامة؛ لأنَّ الزيدية ينكرون الرؤية كقول المعتزلة.
وهذا القول له حججه واستدلالاته ستأتي.
٢ - المذهب الثاني:
مذهب من أثبت الرؤية ولكن قال: الرؤية ليست إلى جهة، وإنما تكون إدراكًا، وهذا هو قول الأشاعرة ومن نحا نحوهم.
فردُّوا قول المعتزلة في أنَّ الرؤية ممتنعة بإثباتها، ووافقوهم في أنَّ ليس على العرش رب وأنَّ الله سبحانه ليس في جهة - جهة العلو - فقالوا الرؤية لا إلى جهة.
وكيف تكون رؤيةً إذًا وليست إلى جهة؟
أما قول المعتزلة والخوارج، ويُشْهِرُ هذا القول في زمننا هذا طوائف الروافض والزيدية والإباضية من الخوارج ويستدلون له.
فمن أدلتهم:
١- قوله - ﷿ - حينما سأل موسى ﵇ الرؤية ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ [الأعراف:١٤٣]، إلى آخره، قالوا: وجه الاستدلال أنَّه نَفَى رؤية الله - ﷿ -، وموسى الكليم أحق الناس بالرؤية، والنفي بلن يفيد التأبيد.
*والجواب عن هذه الحجة التي أدلى بها أوائل المعتزلة من شابههم إلى يومنا هذا: أنَّ النفي بلن في اللغة لا يفيد التأبيد، وإنما يفيد النفي المجرد.
وأما من قال إنه يفيد التأبيد وهو الزمخشري في الكشاف وفي كتابه المفصل في النحو فإنه باطل، وردَّه ابن مالك في الكافية الشافية بقوله:
ومن رأى النفي بلن مؤبدا ****** فقوله اردد وسواه فاعضدا
وردَّهُ أيضا ابن هشام في أوضح المسالك قال: ولا تفيد تأبيد النفي خلافا لمن قاله.
ويدل على ذلك أنَّ الله - ﷿ - قال ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة:٩٥] يعني الموت، فقال (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا) فنَفَى بالتأبيد بكلمة (أَبَدًا) وباستعمال (لَنْ) نفى التمني، وأثبت أنهم يتمنونه يوم القيامة قال - ﷿ - ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧] يعني ليميتنا ربك قال (إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ)، فدل على أنَّ نفيه بـ (لَنْ) وبكلمة (أَبَدًا) لم يفد التأبيد المستغرق للدنيا والآخرة معا.
فإذًا أفاد:
أولًا: أنَّ قوله (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا) أنه لَمَّا استعمل (أَبَدًا) دلَّ على أنَّ (لَنْ) لا تفيد التأبيد.
ثانيًا: على أنَّ كلمة لن لَمْ تُفِدْ التأبيد؛ لأنهم تمنوا الموت في الآخرة، فدلت على أنها تفيد النفي في الدنيا.
٢ - ومن أدلتهم أنهم قالوا: إنَّ النظر في القرآن وفي اللغة يفيد الانتظار، وهو أصله، وليس أصل النظر الرؤية، فالآيات التي فيها ذكر النظر تفيد الانتظار.
فقوله - ﷿ - ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا﴾ (١) يعني فهل ينتظرون وقوله ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣]؛ يعني منتظرة الفرج، ويستدلون عليه بقول الشاعر:
وجوهٌ يوم بدرٍ ناظراتٌ ****** إلى الرحمن يأتي بالفلاحِ
ناظرات إلى الرحمن، قالوا معناها منتظرات.
* وهذا القول في الاستدلال بمعنى النظر والإتيان عليه بهذا الشاهد اللغوي ليس على ما قالوا، وذلك أن اللغة فيها أفعال تختلف بالتعبير كثيرة جدًا، فيكون للفعل معانٍ متعددة مختلفة بأنواع التعبير، ومنها فعل:
انْتَظَرَ ونَظَرَ، ومصدر ذلك واسم الفاعل ناظرًا.
وتبيين ذلك أن يُقالَ -كما أوضحه الشارح وغيره من أهل اللغة- أَنَّ كلمة النظر وما اشْتُقَّ منها:
- تارَةً تتعدى بنفسها فيكون المعنى الانتظار؛ يعني تصل إلى المفعول بنفسها فيكون معناه الانتظار.
- وتارَةً تتعدى بـ (في) فيكون المعنى التفكر والاعتبار.
- وتارَةً تتعدى بـ (إلى) فيكون المعنى الرؤية، وقد يكون مع الرؤية الانتظار بحسب السياق، لكن لا يمكن أن تتعدى بـ (إلى) ويكون انتظارًا بلا رؤية، لا يمكن، ولم يأتِ في أي شاهد في لغة العرب ولا في القرآن ولا في السنة أنَّ النظر يتعدى بـ (إلى) ويكون معناه الانتظار المجرد من الرؤية،بل النظر إذا تَعَدَّى بـ (إلى) صار معناه الرؤية، وقد يكون على قِلَّةْ مع الرؤية الانتظار، وهذا له نظائر في اللغة يطول الكلام ببيانها.
فإذًا قوله - ﷿ - ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢-٢٣]، كونه عدّى اسم الفاعل (نَاظِرَةٌ) الذي يعمل عمل فعله عداه بـ (إِلَى) دل على أنَّ المراد الرؤية، وكونه أضاف النظر إلى الوجوه التي هي مكان الرؤية دلّ على أنَّ الرؤية تكون بآلة في هذا الوجه وهي العينان.
_________________
(١) فاطر:٤٣، محمد:١٨.
[ ١٣٦ ]
٣ - من أدلتهم أيضا قوله - ﷿ - ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣]، قالوا: فَنَفَى الإدراكَ، ونَفْيُ الإدراك مستلزم لانتفاء الرؤية.
& والجواب أنَّ هذا غلط كبير؛ لأنَّ نَفْيَ الإدراك لا يستلزم انتفاء الرؤية، فإنَّه قد ترى الشيء ولا تدركه؛ يعني لا تحيط به، فهذه السماء نراها ولا أحد يشك في أنه يرى السماء، ولو قلت لأي أحد يرى السماء: هل تدرك السماء رؤية وتحيط بها؟
فسيكون جواب كل أحد: لا، يعني لا يدركها رؤية، وإنما يرى منها ما يمكنه أن يرى وكما قال - ﷿ - ﴿فَلَمَّا تَرَاءَا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا﴾ [الشعراء:٦١-٦٢] ووجه الدلالة أنَّهُ نفى الإدراك، ومع نَفْيِ الإدراك أثبت الله - ﷿ - الترائي وهو رؤية كل جمع لآخر فقال ﴿فَلَمَّا تَرَاءَا الْجَمْعَانِ﴾ هذا الجمع رأى الجمع وذاك الجمع رأى الجمع ومع ذلك ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ فقال موسى (كَلَّا) يعني لن نُدْرَكْ يعني لن يُحاطَ بنا.
فنَفْيُ الإحاطة لا يستلزم أن تُنْفَى الرؤية؛ بل نَفْيُ الإحاطة يستلزم إثبات الرؤية نقيض ما قالوا، وهو الوجه الثاني من الاستدلال عليهم بهذه الآية.
الوجه الثاني من الاستدلال عليهم بهذه الآية أنَّ نفي الإدراك ليس كمالًا، والقاعدة المعروفة أنَّ كل نفي في القرآن فكماله بإثبات ضده، فربنا - ﷿ - قال ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، وذلك لكمال سعته ﷾ وكمال علوه وكمال استغناه عن خلقه، إلى غير ذلك من أفراد صفات الجلال للرب - ﷿ -.
فلا يقال إنه لا يُدْرَك ويكون المراد كمالًا إلا وأَصْلُ ذلك ثابتًا، وهو أنه في محل من يُرَى أو في محل الرؤية.
مثال ذلك أنك لو قلتَ: إنني لم أر العقل، ولم أر الفهم، ولم أر القلب، ولم أر السمع، ولم أر الإبصار، وهكذا الصفات ولم أر الرحمة، ولم أر الرأفة، إلى آخرها، فإنَّ نفي هذه الرؤية ليس كمالًا في أنَّ هذه الأشياء تُرى، ولكنك عجزت.
لأنك متى ما قلت في شيء إنك تراه أو لا تدركه رؤيةً فإنما يكون كمالًا إذا كان في محل ما يمكن أن يُرَى.
أما الأشياء التي لا تُرَى أصلًا فإنه ليس من الكمال أن تَنْفِي الرؤية عنها.
فكونك تنفي الرؤية عن الرحمة لا يعد هذا كمالا في الرحمة، وإنما هكذا وُجِدَتْ، كونك تنفي الرؤية عن الإبصار والإدراك لا يدل على كمال فيها.
فإذًا دَلَّ نَفْيُ الإدراك عن الرب - ﷿ - أنَّ نَفْيَ الإدراك لأجل أنه عظيم - ﷿ - فإنه يُرَى، ولكنه لا يُدْرَكْ.
والإدراك ينقسم إلى قسمين:
- إدراكٌ بِرُؤْيَةٍ
- وإدراك بعلمه
والإدراك بعلم: نَفَاهُ الله - ﷿ - في قوله سبحانه ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠] .
وإدراك الرؤية: نفاه الله - ﷿ - في هذه الآية.
وهذه الآية في إدراك الرؤية لا في إدراك العلم، دلَّ عليها قوله بعد النفي ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٠٣] .
فكونه سبحانه ﴿يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ يعني يراها، وخَصَّ الإدراك بإدراك الأبصار لأنَّ الأبصار هي محل نَفْيِ الإدراك السابق، فقال ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣]، فلما قال ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ دَلَّنَا على أَنَّ المنفي هو إدراك الرؤية لا إدراك العلم.
والأدلة التي استدلوا بها متنوعة كثيرة، لا نُشْغِلُكُم بها معروفة وهذه المسألة من أطول المسائل التي فيها الكلام، لكن دائمًا المؤمن أحق بالحجة من غيره، وفهم الحجة يكون بالأناة، تتأنى في فَهْمِ احتجاج أهل السنة، فإننا -ولله الحمد- بتجرد لا نعلم مسألة قال فيها أهل السنة قولًا واستندوا فيها إلى الأدلة، ويكون ثَمَّ فيها شبهة لا في الأصول -أصول صفات الرب - ﷿ - - ولا في الغيبيات بعامة؛ لأنَّ قولهم مُبَرَّأْ من الهوى، لا يدخلون متوهمين بأهوائهم ولا متأولين بآرائهم وقلوبهم، وإنما يثبتون ما ثبت في الكتاب والسنة، وإنما هم مستسلمون لنصوص الوحي، كما سيأتي إن شاء الله في الدرس القادم بإذن الله تعالى.
من العجيب أنَّ الحجج عند المعتزلة يحتجون بما ذكرنا ويَرُدُّونَ حُجَجَ أهل السنة على حسب أقوالهم بتفسير النظر كما قلنا بأنها ناظرة يعني منتظرة، إلى آخر ما ذكرت لكم.
لكنهم إذا أتت السنة والأحاديث في تفسير الآيات وفي إثبات الرؤية وهي بالغة مبلغ التواتر فإنهم يشرحون ولا يستطيعون حتى الإبانة عن وجه ربها.
يعني أنهم يقلقون ولا يحسنون إبانةً ولا تَفْقَهُ لهم قولًا.
وقد سمعت كلام بعضهم، سمعته بأُذُنَيَ وقرأت كلام بعضهم أيضًا بعينيَّ فما أحسنوا جوابًا ولا خَلَصُوا إلى قول يردُّونَ به الأدلة من السنة.
[ ١٣٧ ]
لهذا قال طائفة من المحققين من أهل السنة: إنَّ تأويل نصوص المعاد والبعث والقبر والصراط والجنة والنار ونحو ذلك - ما يحصل يعني في عرصات يوم القيامة وما يحصل في السماء- أسهل بكثير من تأويل آيات وأحاديث الرؤية؛ لأنها بلغت مبلغ التواتر وأُكِدَتْ بأنواعٍ من التأكيدات، وبُيِّنَتْ بأنواعٍ من البيان بما يقطع معه السامع أنَّ المراد بها ظاهرها على حقيقتها حتى عند قول من يجيز القول بالمجاز أو التأويل الذي ينحو إليه ألئك، فإنَّ هذه لا يمكن أن يجري عليها ما يجري على غيرها بقطع.
فإذن الحجة فيها قوية وقاطعة وإنما هو الهوى، نسأل الله - ﷿ - السلامة والعافية، ولكن يجب على المؤمن الموحد أن يعلم الأدلة ووجه الحجة حتى يدلي بحجته في تلك المسائل.
أما قول الأشاعرة في المسألة وهو أنهم قالوا يُرَى إدراكًا لا إلى جهة فإنه عجيب.
فإنَّ قول المعتزلة في نفي الرؤية أقرب إلى العقل من قول الأشاعرة - يعني إلى عقل وفهم السامع - خلافًا لقول الشارح إنَّ قول الأشاعرة أقرب إلى العقل من قول من نفى.
بل الحقيقة العكس:
من نَفَى الرؤية لأنه لا يثبت العلو قال ما دام أننا لا نثبت العلو فالرؤية لا يمكن أن تكون إلا إلى جهة.
الإنسان كيف يرى؟
لابد إلى جهة يراه، أما يرى شيئًا ليس أمامه ولا خلفه ولا عن يمينه ولا عن شماله وليس بأعلى منه ولا أسفل منه فكيف يراه؟ وأين يراه؟
لا شك أنَّ هذا العقل يرده.
ولهذا نقول قول الأشاعرة إنه يُرَى لا إلى جهة؛ يعني لا يُرَى في جهة العلو ويُرَى إدراكًا، فإنَّ هذا ولو كان إثباتًا للرؤية فهو غير مقبول عقلًا ولا مقبول سمعًا.
والواجب إثبات النصوص التي جاء فيها ذلك وإثبات ما دلت عليه من أنَّ الرؤية تكون على ما أخبر الله - ﷿ -، وأنَّ الله سبحانه يطَّلع إلى أهل الجنة وأنه يكشف الحجاب فيرفعون رؤوسهم فينظرون إلى الرب - ﷿ -، وأنه سبحانه مستوٍ على عرشه كما يليق بجلاله وعظمته، وأنَّ عرش الرحمن فوق الجنة؛ يعني سقف الجنة، وهكذا في أدلة كثيرة.
فمن نفى علو الرحمن - ﷿ - وقال هو –سبحانه- في كل مكان، فكيف يُقْبَلُ إثباته للرؤية؟
لاشك أنَّ قول الأشاعرة عجيب وليس لهم حجة من جهة سمعية ولا من جهة عقلية، إلا شيئًا واحدًا وهو أنهم أبطلوا: نفي علو الله - ﷿ -؛ وأنّه سبحانه في كل مكان وفرَّعُوا عليه أنَّ الرؤية لمَّا جاءت بها الأدلة قالوا يُرَى لا إلى جهة وهذا باطل.
[ ١٣٨ ]
[المسألة الخامسة]:
أنَّ رؤية المؤمنين في الجنة لربهم - ﷿ - عامة بالإنس والجن، للرجال وللنساء، وللملائكة أيضًا، ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٣-٢٤]، فالملائكة في الجنة يعني طائفة منهم في الجنة، وفي الجنة المؤمنون من الجن والإنس ومن الرجال والنساء، ولم يدلَّ دليل على اختصاص الرؤية بالرجال دون النساء ولا على اختصاص الرؤية بالإنس دون الجن، وهذه فيها أقوال:
١ - القول الأول:
من قال: إنَّ الرؤية للإنس دون الجن، وهذا خلاف الصواب كما ذكرنا؛ لأنَّ الآيات عامة في الرؤية في كل مؤمن فمن دخل الجنة رآه.
٢ - القول الثاني:
إنَّ الرؤية للرجال دون النساء، واستدلوا على ذلك بقوله - ﷿ - ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن:٧٢] وأنَّ القصر في الخيام يدل على عدم خروجهن من ذلك.
* والصواب أنَّ الرجال والنساء من المكلفين من الجن والإنس يرون ربهم - ﷿ - إذ كانوا من أهل الجنة.
وأمَّا الاستدلال بالآية فعجيب لأنَّ:
@ أولًا: الآية أولًا في الحور، والحور خلق ينشؤهن الله - ﷿ - إنشاءً في الجنة وليسوا من المكلفين في الدنيا.
@ ثانيًا: أنَّ الله - ﷿ - قال ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس:٥٦] وقال - ﷿ - في الآية الأخرى ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾، فمن نعيم أهل الجنة أنهم يتمتعون هم وأزواجهم على الأرائك فيتكئون وينظرون، وإخراج النساء من الاتكاء ضده الآية وكذلك إخراجهم من النظر ضده الآية.
لهذا نقول غلط من قال إنَّ الرؤية للرجال دون النساء، فالنساء يرون ربهم - ﷿ - كما يراه الرجال؛ لأنهم مكلفون متعبدون، والنعيم عام للإنسان الذي يدخل الجنة من الرجال والنساء جميعًا، نسأل الله الكريم من فضله.
[ ١٣٩ ]
[المسألة السادسة]:
رؤية النبي ﷺ لربه، وهل حين المعراج رأى ربه أم لا؟
اختلف فيها أهل العلم على أقوال:
١ - القول الأول:
من ينفي رؤية النبي ﷺ لربه - ﷿ -؛ يعني بعينيه.
٢ - القول الثاني:
من يثبت الرؤية إما بالقلب أو بالعينين.
٣ - والقول الثالث:
التوقف.
والتوقف لا ينبغي أن يكون قولًا؛ لكن هكذا قيل.
& أما القول الأول: وهو أنَّ النبي ﷺ لم ير ربه، فهذا هو القول الذي عليه الجماهير، ولمَّا قال مسحوق لعائشة ﵂: إنَّ قوما يقولون إنَّ النبي ﷺ رأى ربه، فقالت عائشة: لقد قَفّ شَعْرِي -يعني وقف شعري- مما قلتَ، وهذا مما يدل على:
- تعظيم الصحابة لربهم - ﷿ -.
- وأنهم قَدَرُوهُ سبحانه حق قدره.
- وأنَّ منزلة النبي ﷺ في قلوبهم مهما علت وعظُمَتْ فإنه يعلمون عظمة الرب - ﷿ - وعظيم صفاته ـ.
قالت: لقد قَفّ شَعْرِي مما قلت، من زعم أَنّ مُحمدًا ﷺ رَأَى رَبّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ على الله الفِرْيَةَ.
وفي حديث أبي ذر عند مسلم أنَّ النبي ﷺ سئل فقيل له: هَلْ رَأَيْتَ رَبّكَ؟ قال (رَأَيْتُ نُورًا)، وفي الرواية الأخرى قال (نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ)؟ (١)
قوله (رَأَيْتُ نُورًا) يعني الحجاب، فإنَّ الله - ﷿ - نور وحجابه نور.
(رَأَيْتُ نُورًا) يعني رأى الحجاب، ولم ير الرب - ﷿ -.
ولهذا في الرواية الثانية قال (نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ)؟ يعني ثَمَّ نور حاجب فكيف أراه؟
وهذا هو الصحيح لأنّ النبي ﷺ لم ير ربه، بل لا يرى أحدٌ ربه بعينيه في الدنيا.
& أمَّا القول الثاني: من قال إنَّ محمدا ﷺ رأى ربه بعينيه أو بقلبه وهو منسوب إلى ابن عباس وقاله طوائف قليلة من الناس، فهذا بناء على آية سورة النجم، والاستدلال بها فيه نظر.
& أما القول الثالث: التوقف فلا يصلح؛ لأنَّ الحديث دال على نفي الرؤية مع كلام عائشة ك.
نكتفي بهذا القدر، وثَمَّ مسائل كثيرة في رؤية الله - ﷿ - نرجئها أو نطويها، والمسألة من أراد المزيد فيها فليراجعها في مظانها.
أسأل الله سبحانه أن يوفقني وإياكم لما يحب ويرضى وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. (٢)
_________________
(١) سبق ذكره (١٤٢)
(٢) انتهى الشريط العاشر.
[ ١٤٠ ]
: [[الشريط الحادي عشر]]:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد: