قال هنا (وَلَا يَصِحُّ الْإِيمَانُ بِالرُّؤْيَةِ لِأَهْلِ دَارِ السَّلَامِ لِمَنِ اعْتَبَرَهَا مِنْهُمْ بِوَهْمٍ أَوْ تَأَوَّلَهَا بِفَهْمٍ، إِذْ كَانَ تَأْوِيلُ الرُّؤْيَةِ وَتَأْوِيلُ كُلِّ مَعْنًى يُضَافُ إِلَى الرُّبُوبِيَّةِ تَرْكِ التَّأْوِيلِ وَلُزُومِ التَّسْلِيمِ)
_________________
(١) (دَارِ السَّلَامِ) التي هي الجنة ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام:١٢٧]؛ لأنَّ فيها السلامة بجميع أنواعها؛ السلامة في البدن والسلامة في القلب، والسلامة في الخواطر، حتى اللغو لا يسمعون وحتى كما قال ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾ [الغاشية:١١]، حتى ما يُؤذي السمع فلا يُسْمَعْ، وخرير الأشجار وحركة الأوراق ألحان في الجنة، فكل ما فيها سلام، وتحية أهلها السلام. قال (وَلَا يَصِحُّ الْإِيمَانُ بِالرُّؤْيَةِ لِأَهْلِ دَارِ السَّلَامِ لِمَنِ اعْتَبَرَهَا مِنْهُمْ بِوَهْمٍ) يعني أنَّ الإيمان بالرؤية فرض؛ لأنَّ الله - ﷿ - ذكرها في كتابه وذكرها النبي ﷺ في سنته، فهي عقيدة الإيمان بها فرض، فمن تأول الرؤية فلا يصح إيمانه. وهذا ليس للرؤية فحسب، بل كل من تأَوَّلَ شيئًا من الغيبيات فلا يصح إيمانه به، لأنَّ الإيمان بالأمور الغيبية إيمانٌ بما دلَّ عليه ظاهر اللفظ، إيمانٌ بما دلَّ عليه ظاهر الصفة، إذ كانت قاعدة السلف أمِرُّوهَا كما جاءت لا يُتجاوز القرآن والحديث. قال (لِمَنِ اعْتَبَرَهَا بِوَهْمٍ، أَوْ تَأَوَّلَهَا بِفَهْمٍ) . (اعْتَبَرَهَا بِوَهْمٍ) من تخيَّل شيئًا ما. (أَوْ تَأَوَّلَهَا) يعني سلَّط على نصوص الرؤية التأويل. قال في التعليل (إِذْ كَانَ تَأْوِيلُ الرُّؤْيَةِ وَتَأْوِيلُ كُلِّ مَعْنًى يُضَافُ إِلَى الرُّبُوبِيَّةِ تَرْكِ التَّأْوِيلِ وَلُزُومِ التَّسْلِيمِ) . يعني أنَّ تأويل الرؤيا وتأويل الصفات الحق هو ترك التأويل وهذا يأتي بيانه في المسائل. فتأويل الصفات هو ما تؤول إليها حقائقها، والعقل والقلب لا يدرك الغيبيات، فلذلك عدم إدراكه للغيبيات يدلُّ على أنها على ظاهرها. فقوله هنا (وَلَا يَصِحُّ الْإِيمَانُ) إلى آخره علَّلَهُ بقوله (إِذْ كَانَ تَأْوِيلُ الرُّؤْيَةِ وَتَأْوِيلُ كُلِّ مَعْنًى يُضَافُ إِلَى الرُّبُوبِيَّةِ) يعني إلى الرب - ﷿ - من الصفات جميعًا تأويلُ ذلك الحق هو (تَرْكِ التَّأْوِيلِ وَلُزُومِ التَّسْلِيمِ، وَعَلَيْهِ دِينُ الْمُسْلِمِينَ) . وهذه الجملة من كلامه واضحة المعنى فيما ذكرت لك لكن ينبني عليها لفهم مراده مسائل:
[ ١٥٥ ]
[المسألة الأولى]:
التأويل لغةً: هو ما تؤول إليه الأشياء، آلَ الأمر إلى كذا؛ يعني صار إلى كذا، والتأويل هو إِيَالُ الأشياء إلى نحو ما، هذا في اللغة.
تأويل الرؤية: ما تَؤُولُ إليه الرؤية، تأويل الطاعة ما تَؤُولُ إليه الطاعة ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [الإسراء:٣٥] يعني وأحْسَنُ عاقبة، أَحْسَنُ مآلًا.
فإذًا كلمة تأويل هذه اسم مصدر: آلَ الشيءُ، يَؤُولُ، إِيَالًَا، وتَأْويْلًَا، فَإِيَالُهُ؛ نهايته تسمى تأويله.
والكل يشترك في المعنى الأول اللغوي الذي ذكرته لك.
[ ١٥٦ ]
[المسألة الثانية]:
التأويل في استعمال أهل العلم أو فيما جاء في الكتاب والسنة وفيما جرى عليه كلام العلماء ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
١- القسم الأول: التأويل بمعنى التفسير.
تأويل كذا يعني تفسيرَه، ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي﴾ [يوسف:١٠٠] يعني هذا تفسير ﴿رُؤْيَاي﴾ .
و[ذهب] قول العلماء في تفسير القرآن (قول أهل التأويل)؛ مثل ما يستعمل الإمام ابن جرير في تفسيره ويكثر منه، فيقول (قال أهل التأويل) يعني أهل تفسير القرآن.
٢- القسم الثاني: تأويل الأخبار وتأويل الأمر والنهي.
تأويل الخبر ما تؤول إليه حقيقة الخبر.
يعني أنه إذا ذُكِرَ شيء لك فأُخْبِرْتَ به فتَأْوِيْلُهُ حينما تراه كما قال - ﷿ - ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ يعني تأويل ما ذَكَرَ الله في سورة الأعراف من خبر يوم القيامة من الجنة والنار ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ﴾ [الأعراف:٥٣] إلى آخر الآية.
قوله ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ يعني ما يؤول إليه حقيقة الخبر وهو ما سيراه الناس.
فتأويل كل خبر في الأمور الغيبية هو حقيقته التي هي عليه.
فتأويل الجنة هو حقيقة الجنة، تأويل النار حقيقة النار.
فهذه الأخبار التي أَخْبَرَ الله - ﷿ - بها من الغيبيات تأويلها هي حقائقها في الأمور الغيبية، ولهذا قال - ﷿ - ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] على من وقف عند لفظ الجلالة.
لأنَّ أَحَدًَا لا يعلم التأويل إلا الله؛ يعني تأويل المتشابه.
يُعنى بهذا التأويل ما تؤول إليه حقائق هذه الأشياء، يعني ما هي عليه وهذه لا يعلمها إلا الله.
لا يعلم حقيقة الصفات إلا الله، لا يعلم حقيقة الجنة والنار إلا الله، لا يعلم حقيقة يوم القيامة إلا الله، لا يعلم حقيقة ما في السماء إلا الله، لا يعلم حقيقة الصراط وأحوال البرزخ إلا الله - ﷿ -.
فهذه الحقائق لا يعلمها إلا الله؛ لكن المسلم يعلم المعاني في الأمور الغيبية، أُخبرنا في الأمور الغيبية بأشياء لها معنى فنعتقدها، وأما حقيقة ما هي عليه بكمالها من جهة المعنى والكيفية، هذه لا يعلمها إلا الرب - ﷿ -.
لهذا صَحَّ عن ابن عباس ﵄ أنَّهُ قال (ليس في الجنة من دنياكم إلا الأسماء) (١) .
يعني أنك تعرف أصل المعنى، أما الحقائق فالمسألة ليست بمقدور الناس أن يفهموا حقيقة ما في الجنة.
حقائق الأخبار إذًا، حقيقة الخبر من جهة تمام المعنى ومن جهة كيفية الأمور الغيبية هذه لا يعلمها إلا الله.
فيكون الوقف عند الآية ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ .
والراسخون في العلم لا يعلمون تأويل الأخبار بمعنى حقائق الغيبيات على ما هي عليه من جهة الكيفية ومن جهة تمام المعنى.
أمَّا الأمرُ والنهي: فالله - ﷿ - أَمَرَ بأوامر ونَهَى عن نواهي: فتأويل الأمر امتثاله، وتأويل النهي الانتهاء عنه؛ لأنَّ الله - ﷿ - قال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء:٥٩]؛ يعني وأحسن امتثالًا لأمر الله - ﷿ - وأحسن عاقبة.
فإذًا كل من أُمِرَ بِأَمْرٍ فتأويلُ الأمْرِ؛ يعني ما تؤول إليه حقيقة الأمر هو أنْ يمتثله.
فمن لم يمتثل فلم يستسلم للأمر ولم يطع في ذلك.
تأويل النهي هو ما تؤول إليه حقيقة النهي وهو امتثاله - امتثال النهي يعني أن يجتنب النهي؛ أي ما نُهِيَ عنه.
ثم يزيد على الأمرين:
- في الامتثال بالأوامر عاقبة أو جزاء الامتثال.
- وفي الإنتهاء جزاء الانتهاء عما نهي عنه بالنواهي.
فإذًا التأويل بالأمر والنهي يشمل شيئين:
- الأول: أن يمتثل الأمر ويجتنب النهي.
- والثاني: ما سيراه في الآخرة من جزاء الأمر، وما امتثله، ومجازاة العبد على انتهائه عن ما نهي عنه.
٣ - القسم الثالث التأويل بمعنىً حادث لم يأتِ في القرآن وفي السنة.
وهو أنْ يُصرَفْ دليل عن ظاهره لِحُجَّة.
وهو صحيح إذا كان بضابطه الذي ضبطه به أهل العلم.
ويُعَبِّرْ عنه الأصوليون بقولهم: صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى غيره لقرينة.
وهذا للأصوليين فيه تفصيلات حيث أنَّه ينقسم إلى ثلاثة أقسام.
لكن هذا المعنى من التأويل صحيح، يعني أنَّ النصوص ربما صُرِفَ اللفظ إلى غيره، صُرِفَتْ دلالة الدليل إلى آخر لدليل آخر لقرينة.
_________________
(١) انظر تفسير الطبري (البقرة/٢٥)
[ ١٥٧ ]
[المسألة الثالثة]:
هذا التأويل الأخير هو الذي به تسلَّط (١) []
[] وأوَّلوها بالتأويلات.
فنصوص الرؤية حَرَّفُوهَا وسَمَّوا تحريفهم تأويلًا.
ونصوص إثبات الصفات من الوجه واليدين والرحمة والرضا من الصفات الذاتية والصفات الفعلية جميعا حَرَّفُوهَا وسمَّوا تحريفهم لها تأويلًا.
وهذا هو الذي أراده الطحاوي بقوله (إِذْ كَانَ تَأْوِيلُ الرُّؤْيَةِ وَتَأْوِيلُ كُلِّ مَعْنًى يُضَافُ إِلَى الرُّبُوبِيَّةِ تَرْكُ التَّأْوِيلِ وَلُزُومِ التَّسْلِيمِ)؛ لأنَّ تأويلهم له كان باطلًا، وحقيقة التأويل أن يُتْرَكْ التأويل.
يعني التأويل المطلوب شرعًا أن يُترك التأويل، وهذا يحتاج على تطبيق.
فالتعريف، عَرَّف الأصوليون التأويل بأنه صرف اللفظ -يعني الذي جاء بالدليل- عن ظاهره المتبادر منه إلى غيره لقرينة.
هنا القرينة لابد أن تَدُلَّ على أنَّ الظاهر غير مراد حتى يُمكن أن يُصرَفْ اللفظ عن ظاهره لأنّ الظاهر هو الأصل.
فإذا أردنا أن نُؤَوَّلْ الظاهر لابد من قرينة.
هذه القرينة هي التي بها قلنا الظاهر غير مراد.
فأتوا بهذه القرينة وسَلَّطُوهَا على نصوص الصفات.
فقالوا في الرؤية مثلًا: الرؤية ظاهرها يقتضي التجسيم، يقتضي التحيز، يقتضي التشبيه - رؤية الرب - ﷿ --، يعني أنَّهُ يكونُ مُتَحِيِّزًَا حتى يمكن أن يراه الناس، لابد أن يكون في جهة حتى يمكن أنَّ الناس يروه، لابد أن يكون في مقابلة العينين حتى تراه العينين، وهكذا.
فلَّمَا كانت هذه القرينة العقلية عندهم وهي أنَّ الله - ﷿ - لا يشبه المخلوق ولا يماثل المخلوق، قالوا: إذًا الرؤية تُؤَوَّل لأنَّ معناها الظاهر غير مراد قطعًا؛ لأنَّ فيه تمثيلًا وتشبيهًا لله بخلقه.
وهذا ينطبق على جميع الصفات، فيمكن أن تُطَبِّقْ هذه القاعدة على كل ما أُوِّلَ من النصوص في الصفات والأمور الغيبية سواءً كان في الصفات الذاتية أو الصفات الفعلية.
ونناقش هؤلاء -وأنا أريد منكم أن تتابعوا معي؛ لأني أريد كلمة مهمة لبناء ما بعدها عليها-:
هؤلاء جاءوا بشيءٍ سَمَّوهُ قرينة فحَكَّمُوهُ على النص، فسَمَّوا هذا الذي فَعَلُوهُ تأويلًا.
ونحن بقاعدة الأصوليين -بتعريف الأصوليين- نناقشهم، هل طبقتم التأويل حقا؟ أم أنكم عملتم شيئًا سَمَّيتُمُوهُ تأويلًا؟
القاعدة ما عليها غبار، القاعدة صحيحة.
فنقول هنا (صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى غيره لقرينة):
لصرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى غيره لابد أن يكون الظاهر الذي صُرِفَ عنه معلوم المعنى حتى نصرفه إلى غيره؛ ونقول هذا الظاهر الأول غير مراد لأنَّهُ لا يصلح، حتى يمكن أن نصرفه.
وهذا في التقعيد واضح.
صفات الرب - ﷿ - في ظاهرها المتبادِرْ منها أصل المعنى، وليس ظاهرًا في الكيفية وليس ظاهرًا في كل المعنى.
إذًا فعندنا في النص ثلاثة أشياء:
- عندنا أصل المعنى الذي نفهم به، نفهمه من اللغة.
- وعندنا كمال المعنى، تمام الصفة، كمال معنى الصفة.
- وعندنا ثالثا الكيفية.
فإذًا ظاهر النص مشتمل على أصل المعنى؛ يعني على إثبات الصفة من حيث الوجود، صفة الرحمة ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ هذا فيه إثبات صفة الرحمة؛ لكن ما هو كمال معنى الرحمة؟
ليس واضحًا في النص، إِذْ النصوص فيها أصل إثبات الصفة.
فإذًا صرف اللفظ عن ظاهره المتبادِرِ منه إلى غيره لقرينة، هم لم يصرفوا الظاهرَ، وإنما صَرَفُوا شيئًا تَوَهَّمُوهُ زيادةً على الظاهر.
فالظاهر يجب الإيمان به والاستسلام له.
فهم تَوَهَّمُوا للظاهر شيئًا زائدًا على دلالة النص، توهموا تمام معنىً وتوهموا كيفيةً.
فإذًا لم يقتصروا على الأمر الأول؛ وهو أنَّ النص جاء في الصفات وفي الأمور الغيبية لأصل المعنى وإنما توَّهَمُوا كيفية، فقالوا: كيف أن الإنسان يرى الله - ﷿ - بعينيه؟
معناه أنَّ الله - ﷿ - يكون متحيز، وسوف يكون في جهة، وسوف يكون إلى آخره من الأمور الباطلة.
ونقول هذه زائدة على النص.
فإذن التأويل الذي سُلِّطَ على النص في الحقيقة سُلَّطَ على ما في الأوهام ولم يُسلَّط على النص، فإنكم تَخَيَّلْتُم أنَّ النص يشمل الثلاث هذه جميعًا: في أصل المعنى وفي تمامه وفي الكيفية، ثُمَّ سَلَّطْتُم التأويل عليها.
فسلطتم إذًا التأويل ليس على اللفظ وإنما على ما تَوَهَّمْتُمُوهُ من اللفظ.
فإذًا قاعدة التأويل في الحقيقة لم تُطَبَّقُوهَا وإنما طبَّقتم ما في أذهانكم.
لهذا نقول: إنَّ إثباتَ الصفة هو إِثْبَاتُ وجودٍ لمعنى وليس إثبات تمام المعنى أو الكيفية.
فالقرينة التي بها تَسَلَّطُوا على النص هي قرينة المماثلة أو المشابهة.
فيقولون: هذا يقتضي التمثيل، يقتضي التشبيه، يقتضي التجسيم، فلذلك يُؤَوَّلْ.
_________________
(١) انتهى الوجه الأول من الشريط الثاني عشر.
[ ١٥٨ ]
فالقرينة عندهم عقلية بحتة وليست نصًا، القرينة عقلية في أنَّ هذه الأشياء ظاهرها يماثل صفات المخلوقين، يشابه صفات المخلوقين، فلذلك يجب أن نَنْفِي هذا الظاهر.
وهذا في الحقيقة ليس هو ظاهر النص.
ظاهر النص ليس فيه الكيفية، ظاهر النص ليس فيه كمال المعنى.
وإنما ظاهر النص الذي يجب الإيمان به أنَّ فيه أصل اتصاف الله - ﷿ - بالصفة.
فنؤمن بأنَّ الله - ﷿ - ذو وجه - ﷿ -، وأنه سبحانه مُتَّصِفٌ بصفة السمع.
لكن كيف يسمع؟
يسمع دبيب النملة على ظهر الصخرة الملساء.
كيف حصل هذا السمع؟
تمام معنى السمع لا نستطيع أن ندخل فيه، وإنما نقول الله - ﷿ - موصوفٌ بصفة السمع وله من هذه الصفة كمالها؛ كمال هذه الصفة، الكمال المطلق.
لكن هل نستطع أن نخوض في تفصيلاته؟
لا نستطيع.
كذلك صفة الوجه، صفة اليدين، إلى غير ذلك من الصفات.
فإذًا هو إِثْبَاتُ وجود لا إثبات كيفية، إثبات اتصاف بالصفة لا إثبات كيفية.
فإذًا الذين سَلَّطُوا القرينة سَلَّطُوهَا بشيءٍ مُتَوَهَّمْ، فلهذا لا يَصِحُّ أن يُقَال إنهم طَبَّقُوا قاعدة التأويل، بل هم حرَّفوا؛ لأنهم جعلوا للنص دِلَالَة بأوهامهم خلاف دلالة النص، ثم بعد ذلك سلطوا عليها تأويلهم.
لهذا قال طائفة من أهل العلم (كل مُؤَوِّلْ مُمَثِّلْ، كل مُؤَوِّلْ مُشَبِّهْ) .
لأنه لا يمكن أن يُؤَوِّلْ إلا وقد قام في قلبه من دِلَالَةِ النص التشبيه أو التمثيل، هذا واحد.
الأمر الثاني نقول لهم: إذا لم تُسَلِّمُوا بذلك وقلتم:
إنَّ تأويلنا كان لأصل المعنى وليس لما قام في أوهامنا وفي أذهاننا.
فنقول يلزم من ذلك أن تُأَوِّلُوا صفة السمع، يلزم من ذلك أن تُأَوِّلُوا صفة البصر، يلزم من ذلك أن تُأَوِّلُوا صفة الكلام، فما الفرق بين صفة الكلام لله - ﷿ - وصفة السمع والإرادة والحياة وصفة الرحمة؟ ما الفرق بينها؟ ما الفرق بين هذه الصفات وبين صفة اليدين؟
فإذًا في صفة السمع: للمخلوق سمع، فالمشابهة حاصلة بحسب أفهامهم.
فالنص الذي به أَثْبَتُّمْ صفة السمع والبصر وصفة الكلام هو النص الذي أُثْبِتَتْ به سائر الصفات.
فلِمَ لم تتعرضوا لهذا بتأويل وتَعَرَّضْتُم للآخر بتأويل؟
إنْ كان الآخر أخذتم كما قلتم أصل المعنى فأوّلتم، فهذه أنتم أخذتم أصل المعنى فيلزمكم التأويل.
إذًا فالحاصل من هذا أنَّ كل مؤول لا يصح أن يقال إنه مُؤَوِّل؛ بل هو مُحَرِّفْ لأَنَّ التأويل لا ينطبق على قاعدته، لا ينطبق على هذه الحالة.
فالنصوص الغيبية بابها باب واحد، تطبيق القاعدة الأصولية التي هي التأويل لا يصلح على هذه المسائل، المسائل الغيبية لما ذكرته لك.
تتميم للمسألة، إذًا قول الطحاوي هنا دقيق للغاية يُتنبه لقوله، قَالَ (إِذْ كَانَ تَأْوِيلُ الرُّؤْيَةِ وَتَأْوِيلُ كُلِّ مَعْنًى يُضَافُ إِلَى الرُّبُوبِيَّةِ تَرْكِ التَّأْوِيلِ) .
إذا أردت أن تُطَبِّقْ قاعدة التأويل فتخرج منها وسَتَسْتَنْتِجْ منها أنَّ التأويل تَرْكُ التأويل.
كيف؟
إذا قلنا إنَّ القرينة غير ممكنة؛ لأنَّ هذا المعنى غيبي، فإذًا سينتج منه أنَّ القاعدة غير منضبطة.
فإذًا التأويل سَيُؤَدِّيْكَ إلى ترك التأويل؛ لأنَّ القاعدة غير جائية وسارية في مسائل الغيبيات.
وهذه كلمة دقيقة منه ﵀ (إِذْ كَانَ تَأْوِيلُ الرُّؤْيَةِ وَتَأْوِيلُ كُلِّ مَعْنًى يُضَافُ إِلَى الرُّبُوبِيَّةِ تَرْكِ التَّأْوِيلِ وَلُزُومِ التَّسْلِيمِ) لأنك لو طَبَّقْتَ قاعدة التأويل نَتَجَ منها تَرْكُ التأويل.
التأويل: يعني أن تترك التأويل.
[ ١٥٩ ]
[المسألة الرابعة]:
مِثْلُ التأويل في تسليطه على نصوص الغيبيات ما يسمى بالمجاز.
والتأويل والمجاز يُستخدَمَانِ في مباحث الصفات والأمور الغيبية بعامة، يستخدمها أهل البدع الذين لم يُسَلِّمُوا للنصوص دِلَالَتِهَا.
(المجاز) لم يأتِ هذا اللفظ لا في القرآن ولا في السنة ولا في كلام الصحابة ولا في كلام التابعين ولا في كلام تبع التابعين.
يعني انقضت القرون الثلاثة المفضلة ولم يُستعمل هذا اللفظ، فلفْظُهُ حادث.
والألفاظ الحادثة بحسب الاصطلاح:
- إن كان هذا المصطلح أُسْتُخْدِمَ في شيءٍ سليم، في شيء مقبول شرعًا، فلا بأس به إذ لا مُشَاحَّةَ في الاصطلاح، مِثْلْ ما قالوا التأويل هو كذا وكذا فَعَرَّفُوهُ، ومثل ما تَعَارَفُوا على أشياء كثيرة في العلوم.
ولهذا اسْتَعْمَلَ لفظ المجاز بعض العلماء في معاني صحيحة؛ فَكَتَبَ أبو عبيدة مَعمَر بن مثنى كتابًا سَمَّاهُ مجاز القرآن، وتجد في ألفاظ لابن قتيبة أيضًا ذِكْرًَا للمجاز -للمجاز العام-؛ يعني المجاز المقبول؛ وله هو نَظَرْ في المجاز لا نَعْرِضُ له الآن.
إذًا هذا تاريخ اللفظ أنَّ اللفظة حادثة ما كانت مستعملة.
ماذا يُقْصَدْ بلفظة (مجاز) من حيث اللغة؟
المجاز يعني: ما يجوز، هذا في اللغة.
ولهذا قال أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه مجاز القرآن ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون:٢٨]، قال: مَجَازُهُ علا على العرش، وهذا يعني أَنَّهُ معناه في اللغة؛ يعني ما تُجِيْزُهُ اللغة.
يعني هذا مجازه اللفظي في اللغة وما أجازته العرب من المعنى.
إذا نظرت لذلك وجدت أَنَّ استعمال من استعمل لفظ المجاز غير استعمال المُحَرِّفين.
لهذا نقول: المجاز عند أهل التّحريف عَرَّفُوهُ بما يلي:
قالوا: المجاز هو نقل اللفظ من الوضع الأول إلى وَضْعٍ ثانٍ لعلاقة بينهما.
وعَرَّفَهُ آخرون بقولهم: المجاز هو استعمال اللفظ في غير ما وُضع له.
مثاله عندهم، يقول مثلا: أَلْقَى فلان عَلَيَّ جناحه.
فمجاز الجناح هنا قالوا: الجناح يعني كنفه ورعايته ويده إلى آخره.
قالوا: أصل الجناح للطائر، جناح الطائر.
فلما اسْتُعْمِلَ في الإنسان صار استعمال اللفظ لغير ما وُضِعَ له، لهذا سَمَّوهُ مَجَازًَا.
إذا تبين لك ذلك فنقول:
أولًا قولهم في تعريف المجاز: إنَّ المجاز هو استعمال اللفظ في غير ما وضع له مَبْنِيٌّ على أنَّ الألفاظ موضوعة لمعاني.
ومن الذي وَضَعَ المعنى أو اللفظ للمعنى؟ من الذي وضع؟
يقولون العرب وَضَعَتْ.
التعريف الأول -وهو المشهور عند الأصوليين- المجاز نقْلُ اللفظ من وضع أول إلى وضع ثاني.
يعني أنَّ العرب وضعت للألفاظ شيئًا ثم نقلته من الوضع الأول إلى الوضع الثاني.
هذا التصور مبني على خيالٍ في أصله.
وهو أنه يُطَالَب من عَبَّر هذا التعبير بأن يقال له: من الذي وَضَع الوضع الأول؟
هذا أَوَّلًَا في التعريف
لهذا لا تدخل مع الذين يبحثون في المجاز أصلًا، يعني في الغيبيات
أما في الأمور الأدبية، هذا الأمر سهل؛ يعني الخلاف الأدبي سهل.
لكن إذا أتى المجاز في الأمور الغيبية والصفات فَنَاقِشْهُ في التعريف.
الآن ما هو تعريف المجاز؟
استعمال اللفظ في غير ما وُضِعَ له، أو نَقْلُ اللفظ من الوضع الأول إلى الوضع الثاني.
هذا الوضع الأول والوضع الثاني كيف عرفنا أَنَّ هذا هو الوضع الأول؟
الجواب: لا سبيل إلى الجواب.
ليس ثَمَّ أحد يمكن أن يقول هذا اللفظ وُضِعَ لكذا، إِذْ معنى ذلك أَنَّ العرب اتفقت، عَقَدَتْ مُؤْتَمَرًَا، اجتمعت جميعًا وقالت: الآن نحدد لغتنا في الوضع الأول.
هذا السقف السماء وضعها الأول هو ما علا.
الأرض هي هذه هذا الوضع الأول.
السَّيْرُ، جَرَى، مَشَى، معناه كذا.
جَنَاحْ هُوَ لهذا الطائر، حَمَامْ هو لهذا الطائر، وهكذا.
فَيُتَصَوَّرْ من التعريف أنَّ العرب اجتمعت وجَعَلَتْ لكل لفظٍ معنىً في لغتها.
وهذا خيال؛ لأنّ من عَرَفَ ودرس نشأة اللغات لا يمكن أن يتصوّر أنَّ اللغة العربية نشأت على هذا النّحو.
لهذا نقول: أولًا التعريف غير صحيح، لأنَّ الوضع الأول يَحْتَاجُ إلى برهان لإِثْبَاتِ أَنَّهُ وَضْعٌ أول.
أَثْبِتْ لي أَنَّ هذا هو الوضع الأول ولا بأس.
ولا سبيل إلى الإثبات.
لهذا نقول: إنَّ المعاني في اللغة العربية كثيرٌ منها كُلِّيَّةْ.
وكلما ذهبت إلى المعنى الكلي كلما كنت أحْذَقْ وأَفْهَم للغة.
وهذا ما جرى عليه العالم المحقق ابن فارس في مقاييس اللغة، كتاب سماه (معجم مقاييس اللغة) جَعَلَ الكلمات لها معاني كلية ثم تندرج التفريعات تحت المعنى الكلي، وليس وضعًا أول ثم وضعًا ثانيا، وهذا حقيقة وهذا مجاز، ليس كذلك.
إذا تبين ذلك فنقول: لفظ التأويل ولفظ المجاز يُسْتَعْمَلَانِ كثيرًا.
الظاهر: يقابله التأويل.
والحقيقة: يقابلها المجاز.
فيُقَال هذا حقيقة وهذا مجاز، ويُقَالْ هذا ظاهر وهذا تأويل.
[ ١٦٠ ]
ولا يقال في التأويل مجاز وللمجاز تأويل، لا، التأويل يختلف عن المجاز كما ذكرته لكم مرارًا.
المجاز كتطبيق لأجل أن تفهم كيف يطبقون المجاز على قاعدتهم وكيف أنَّ هذا الكلام الذي طبقوه غير جيد غير صحيح.
يقولون مثلًا: الرحمة مجاز عن الإنعام.
طيب مجاز عن الإنعام يعني أنَّ لفظ الرحمة وضعته العرب للمخلوق للإنسان.
فلما أسْتُعْمِلَ في صفات الرب - ﷿ - نَقَلُوهُ من الوضع الأول إلى وضع ثانٍ وهو الإنعام لأنَّ العرب استعملت الرحمة بمعنى الإنعام.
فإذًا الرحمة تشمل رحمة الأم بولدها، ورحمة الوالد بولده، ورحمة الإنسان بمن يتعرض لشيء أمامه من المكروهات، وتشمل الإنعام.
رَحِمَهُ يعني أنْعَمَ عليه.
قالوا الإنعام هذا وضع ثاني والرحمة التي يجدها الإنسان في نفسه هذا الوضع الأول.
ففي صفات الرب - ﷿ - لا نقول إنه متصف بالرحمة لم؟
قالوا لأنَّ الرحمة لا تحصل إلا بضعف، إلا بانكسار، وهذا منزه عنه الرب - ﷻ -.
فإذًا نقلوا من الوضع الأول إلى وضعٍ ثانٍ لعلاقة.
العلاقة بينهما هي مناسبة هذا لله - ﷿ -.
يعني الإنعام مناسب في هذا وفي هذا.
العلاقات عندهم في المجاز نحو ثلاثين علاقة، وأُلِّفَتْ فيها كتب، يعني من باب الذكر وليست مهمة.
طيب، عندكم الرحمة بمعنى الإنعام، والرحمة حينما فسرتموها قلتم الوضع الأول في الإنسان لماذا؟
الرحمة هذا اللفظ وُجِدَ مع الإنسان، أليس كذلك؟
وُجِدَ مع الإنسان، أحَسَّ بهذا الشيء الذي في نفسه وهذا الشيء سُمِّيَ رحمة.
فهل هذه الرحمة حينما وُضع لها هذا المعنى هي في لغة العرب أو هي في اللغات جميعًا؟
الجواب أنها في لغة العرب؛ يعني من حيث لفظ (رحمة) .
وأما المعنى المُشْتَرَكْ لهذه الصفة فهذا عام في جميع اللغات؛ يعني موجود في كل لغة ما يدل عليه.
اللغة هل تضع الأشياء محدودة أو كلية؟
اللغة المفروض فيها أنها تجعل الألفاظ للمعاني الكلية، لا لمعانٍ محدودة.
فنأتي للرحمة فنقول الإنسان عنده هذه الرحمة، وَجَدَ هذه الصفة في نفسه فَسَمَّاهَا رحمة.
لكن لا يوجد تعريف في أي كتاب من كتب اللغة للرحمة بتعريف جامع مانع محدود.
كذلك الرأفة، كذلك الوُد، كذلك المحبة، ونحو ذلك، فالمعاني النفسية هذه الموجودة في داخل نفس الإنسان هذه لا يوجد تعريف محدّد لها حتى في كتب اللغة.
إذًا فهي ليست موضوعة لما يحسُّهُ الإنسان، وهي إذًا موضوعة لمعانٍ كلّية تشمل هذه الصفة.
ولهذا نجد أنّ كل الصفات المعنوية لا يمكن تعريفها.
لو أتاك أحد وقال عرف لي هذه الرحمة التي في قلبك؟
لا يُحْسِنْ حتى هؤلاء الذين يَحْكُمُون بالمجاز وبالتأويل لا يُحْسِنُونَ أَنْ يُعَرِّفُوا الرحمة بشيءٍ جامعٍ مانع.
هات الرحمة بتعريف جامع؟
فيُفَسِّرْ الرحمة بأثر الرحمة، فيُفَسِّرْ الرأفة بأثر الرأفة، فيُفَسِّرْ المحبة بأثر المحبة.
لكن كل إنسان في أي لغة إذا طَرَقَ سمعه الرحمة هو يعرف مدلول الرحمة بما يجده في نفسه.
إذًا فالمعاني النفسية هذه التي هي ليست ذوات هذه كليات، والكليات ليست مفردات، الكليات للجميع.
فإذًا جَعْلُ الكلية اللغوية مُفْرَدًَا في حال الإنسان، وجَعْلُ هذه المفْرَدَةَ وضْعًَا أول هذا لاشك أنه ليس له دليل في اللغة وليس له أيضًا برهان وهو تَحَكُّم.
فإذًا لكل شيء يناسبه.
إذا قلت للعربي رحمة الطير، الطير حينما رَحِمَ، هل كانت الرحمة في الإنسان واستعار للطَّيْرِ الرحمة؛ أي جَعَلَهَا في الطير مجازًا؟
الجواب: لا، يقول لا، الطير فيه رحمة، طيب هذا المعنى الكلي بين الطير والإنسان هل كان في الوضع الأول خاصًَّا بالإنسان ثم عُدِّيَ أو كان للجميع؟
فإن قال للإنسان وحده فإنه لن يقوله؛ لأنه لا يُسَلَّمْ له.
وإن قال للإنسان والطير وللحيوان فيما يَرْحَمْ، قيل له فإذًا العرب وضعت هذا اللفظ بالوضع الأول للجميع لهذين فقط، أو وضعت كُلِّيَّة فَطُبِّقَتْ على الإنسان والحيوان وعلى الطير؟
فَمُؤَدَّى الأمر أَنَّ هذه الكلمات مبنية على برهانين:
١ - البرهان الأول:
معرفة نشأة اللغات، وأنَّ الوضع الأول للأشياء في الإنسان أو في الطير فقط أنَّ هذا غير جارٍ؛ لأنه ما يُتَصَوَّرْ -كما قلت لك خَيَالٌ أنَّ العرب اجتمعت ووضعت هذه الأشياء على هذا النحو-.
٢ - البرهان الثاني:
أن يُقَال المعاني الكلية المشتركة هذه لها تعريف عام لُغَوِي، وإذا كان لها تعريف عام، ووجودها في الإنسان تمثيل، ووجودها في الطير تمثيل ووجودها في الأم من الحيوان لولدها تمثيل، وهكذا، فإذًا القضية الكلية أو التعريف الكلي لا يُسَلَّط عليه المجاز بالأمثلة.
هذه القضية كبيرة بلا شك، ولابد منكم لمن أراد التحقيق في علوم العقيدة وفي علوم اللغة أن ينتبه إلى هذه المسألة؛ وهي نشأة اللغات.
كيف نشأت اللغات؟
كيف نشأت اللغة العربية؟
في اللغة العربية أتى العرب موجودون فكانت أمامهم لغة؟
لا، الأسماء عُلَّمها آدم ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة:٣١] .
[ ١٦١ ]
هذه الأسماء هل كانت باللغة العربية؟
لا، كانت بلغة، ثم بعد ذلك تداخل أولاد آدم تنوعت لغاتهم، اكتسبوا أشياء من الأصوات، اكتسبوا أشياء من الرؤية.
كلمة كانت بسبب الصوت مثلًا.
مِثْلْ كلمة جَرَّ، جَرَّ هذه أنْتَ لو حَمَلْتَ جذع شجرة تحتاجه في إيقاد النار، تأتي به من مكان بعيد عن المكان الذي تطبخ فيه، تسمع صوته في الأرض بهذه الكلمة جَرْرْرْرْ، فتسمع هذه.
مثل كلمة خرير؛ خرير الماء هذا الصوت.
مثل كلمة وسوسة الصوت هذه الوسوسة مأخوذة بالسمع.
إذًا اللغة تَشَكَّلَت من أشياء، ومَنْ دَرَسَ نشأة اللغات يقول:
إنَّ البرهان على الوضع الأول الذي أعْتُمِدَ عليه بالمجاز ممتنع.
وأنا أريد الحقيقة من باب طلب الحق أن يأتي باحث ممن يبحث في اللغة ويُثبت لي هذا الوضع الأول كيف جاء؟ كيف تواضعت العرب على أنّ الكلمة بهذا المعنى في الإنسان المحدَّدْ أو في الحيوان إلى آخره.
خذ مثلا كلمة جناح.
جناح في اللغة فيها دِلَالَة على المَيْلْ، ميل واستطالة في الميل؛ يعني مَالَ وثَمَّ زيادة واستطالة في الميل، ليس ميلًا خفيفًا لكن فيه استطالة، لهذا قال ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال:٦١]، ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [الممتحنة:١٠]؛ يعني لا إثم عليكم لأنَّ الإثم ميل واستطالة.
إذًا فتسمية جناح الطائر بجناح، هل هو لأنهم أطلقوا على هذا الجزء؛ يعني قَسَّمُوا الطائر إلى أجزاء، وقالوا هذا سَمُّوهُ جناح، أو هو لمعْنىً كلي موجود قبل وَجَدُوهُ في هذا الجزء من الطائر فَسَمَّوهُ بِهِ.
هم عندهم الميل، رأوا أَنَّ جناح الطائر فيه استطالة وميل، يمتد يستطيل ويميل إلى آخره، نفس الجناح، لكن جسم الطائر ثابت، لكن هذا الذي يذهب ويجيء هذا الجناح، فسمّوا هذا الجناح بهذا الاسم.
طيب جاء في الإنسان: الإنسان فيه أيضًا شيء يميل وهو اليد، فاليد تميل.
إذًا اليد أيضا جناح، ولذلك قول الله - ﷿ - ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء:٢٤]، كما قال المفسرون اخفض لهما جناحك الذليل، ليست استعارة وليست مجازًا وإنما اليد جناح؛ لأنها فاعلة وتذهب وتجيء، ولهذا قال - ﷿ - في قصة موسى ﵇ ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنْ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص:٣٢] .
﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنْ الرَّهْبِ﴾ الجناح ما هو؟
اليد ليست استعارة لأنها المعنى الكلي.
إذن في هذه المسائل تطول.
يعني العنق سُمَّيَ عنق يعني هكذا أم ثَمَّ معاني نشأت منها اللغات ثم تَوَسَّعَتْ؟
لهذا نقول اللغة كليات جاءت أمثلة عليها تطبيقات في الواقع، قواعد عامة.
لهذا من عَرَفَ أَقْيِسَةَ اللغة فَهِمَ حقيقتها، أما وجود وضع أول يُبْنَى عليه المجاز فهذا غير ممكن.
[ ١٦٢ ]