_________________
(١) يريد بالإيمان: الإيمان الذي أمَرَ الله - ﷿ - به الناس والذي يصير به المرء معصوم الدم والمال. فَعَرَّفَ الإيمان بأنه (الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَالتَّصْدِيقُ بِالْجَنَانِ)، وهذا التعريف من جهة مورد الإيمان وهو اللسان والجنان، فيتعلق باللسان عبادة الإقرار في الإيمان ويتعلق بالجنان عبادة التصديق في الإيمان. وهذا التعريف من جهة المورِدْ هو المشهور عن الطائفة التي يسميها العلماء مرجئة الفقهاء، وهم الإمام أبو حنيفة ومن تبعه من أصحابه، ومنهم أبو جعفر الطحاوي صاحب هذه العقيدة. وهذه الجملة مما وافَقَ فيه المؤلف الطّحاوي المرجئة وقَرَّرَ فيها عقيدتهم. وطريقة أهل السنة ومذهب أهل الحق خلاف هذا لأدلةٍ كثيرة في هذا الموطن. إذا تبين ذلك من جهة أنَّ الطحاوي في هذا الموطن لم يُقَرِّرْ عقيدة أهل السنة والجماعة وإنما ذَكَرَ مُعْتَقَدْ طائفته وهم الحنفية في هذه المسألة، وهو قول المرجئة -مرجئة الفقهاء- فإننا نقول: لابد من بيان لهذا الأصل العظيم وذلك يُرَتَّبُ على مطالب أو مسائل:
[ ٣٩٤ ]
[المسألة الأولى]:
أنَّ الإيمان لفظٌ مُسْتَعْمَلٌ في اللغة قبل ورود الشرع.
والألفاظ لها في استعمالها قبل ورود الشرع حالان:
- الأول: الحال العُرْفِي.
- والثاني: الحال الأصلي.
والحال العرفي جعلناه الأول لِقُرْبِهِ.
والحال الثاني الأصلي جعلناه الثاني لأنه بعيد؛ يعني من جهة العموم.
وهذا هو الذي يسميه طائفة من العلماء يسمونه الحقيقة اللغوية والحقيقة العرفية، فإنَّ الألفاظ المُستعملة لها حقائق لغوية حقيقة ليست مجاز، ولها حقائق عرفية يعني في استعمال أهل العرف لها.
مثال ذلك لفظ الدّابَّةْ، فإنه في اللغة الأصلية- في لغة العرب في الاستعمال العام- الدابة كل ما يَدُبُّ على الأرض سواءٌ أكان يَدُبُّ على بطنه أم يَدُبُّ على رجلين أم يَدُبُّ على أربع، ودلّ على هذا قول الله - ﷿ - ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ يعني من الدواب ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [النور:٤٥] .
ثم خُصَّتْ في الاستعمال العُرْفي بأنَّ الدابة هي ذات الأربع التي تُرْكَبُ في الاستعمال، يعني يركبها الناس أو يحرثون عليها أو إلى آخره، فهذه تسمى حقيقة عرفية، والمعنى الأول يسمى حقيقة لغوية.
فإذًا صارت الحقيقة العرفية أخص من الحقيقة اللغوية.
اللغة دائمًا تكون عامة، ثُمَّ الناس يُقَيِّدُونَ المعنى اللغوي ببعض ما يحتاجون إليه في الاستعمال، فتكون الحقيقة العرفية دائمًا أضيق من الحقيقة اللغوية.
ثُمَّ لمَّا أَتَى الشرع ظهرت ما سَمَّاهُ العلماء الحقيقة الشرعية، أو ما سَمَّاهُ طائفة ممن ألَّفَ في فقه اللغة بالأسباب الإسلامية.
الأسباب الإسلامية يعني ألفاظ جُعِلَ لها معانٍ لأجل سبب مجيء الإسلام. (١)
من الأمثلة على ذلك لفظ السجود:
ففي اللغة لفظ السجود للخضوع والذل بحركة البدن.
وفي العُرْفْ أنَّ السجود يكون بالانحناء إمَّا بركوعٍ أو بما نسميه السجود؛ يعني وضع الجبهة على الأرض.
وفي الشرع السجود هو من وضع جبهته وأنفه على الأرض.
قال - ﷿ - لبني إسرائيل ﴿ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [البقرة:٥٨] يعني راكعين؛ لأنَّ السجود العرفي يدخل فيه الركوع.
أمَّا في شريعة الإسلام صارت الحقيقة الشرعية للسجود هي وضع الجبهة على الأرض.
هذه المقدمة مهمة في تأصيل هذه الحقائق الثلاث على مسألة الإيمان.
اللغة مرتبطة بالاشتقاق، اللغة لها اشتقاق يجمع الكلام الذي حروفه واحدة:
فالإيمان والأَمْنْ والأَمان هذه كلماتها واحدة، (أَمْنٌ وأمان وإيمان) فاشتقاقها من حيث الأصل واحد، ولهذا الإيمان يرجع إلى الأمْنْ في اللغة، والأمان يرجع إلى الأمْنْ وإلى الإيمان.
فهذه الألفاظ في أصل اللغة اشتقاقها واحد وذلك من الأمن الذي هو المصدر.
ما علاقة الإيمان في اللغة بالأمن يعني في دلالة اللغة؟
لأنه من آمَنَ فقد أمِنَ، آمَنَ بالشيء أمِنَ على نفسه، آمَنْ يعني صدَّقْ استسلم أطاع إلى آخره فإنه يعتبر مُسْتسلما؛ يعني يُعْتَبَرْ أَمِنَ عدوه، لو آمَنَ بما قال عدوه صَدَّقَهُ فإنه يكون أَمِنَ غائلته.
إذا تبين هذا فهذا الأصل اللغوي الذي هو مجيء الاشتقاق من كلمة واحدة يدلُّكَ على أنَّ أصْلْ كلمة الإيمان في اللغة من حيث الاشتقاق من الأمن، ثُمَّ في الاستعمال العرفي -عُرْف العرب- (٢) خَصَّتْ ذلك المعنى إلى أنَّ الإيمان هو التصديق، التصديق الجازم الذي يكون معه عمل يَأْمَنُ معه.
وهذا جاء في القرآن يعني في استعمال المعنى اللغوي للإيمان في مواضع:
كقوله - ﷿ - في قصة يوسف مخبرًا عن قول إخوة يوسف لأبيهم ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٧] لاحظ الأَمْنْ يعني بِمُصَدِّقٍ لنا التصديق الجازم الذي يتبعه عمل أنَّكَ لا تؤاخنا بما فعلنا، قال ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ [يوسف:١٨]، فما أعطاهم الأمْنْ.
كذلك قال - ﷿ - في قصة إبراهيم ﵇ ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت:٢٦] ﴿آمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ يعني صَدَّقَهُ تصديقًا جازمًا تبعه عملٌ له بحيث يأمن من العذاب الذي توعد به إبراهيم قومَه.
كذلك في وصف النبي ﷺ في سورة براءة قال ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [براءة:٦١] ﴿وَيُؤْمِنُ﴾ أي يُصَدِّقُهُمْ فيما يقولون فيَأْمنون معه عقوبة النبي ﷺ.
إذًا فالإيمان في اللغة اُستُعْمِلَ ويُرادُ به التصديق الجازم الذي يكون معه عمل يأمن معه؛ لأنه فيه صلة دائمًا بين المعنى العرفي، الحقيقة العرفية والحقيقة اللغوية.
_________________
(١) لأجل مزيد من التفصيل في هذه المسألة استمع لشريط بعنوان: المصطلحات وأثرها في العلن والثقافة والرأي العام للشيخ صالح، وهو مفرّغ أيضا.
(٢) انتهى الوجه الأول من الشريط التاسع والعشرين.
[ ٣٩٥ ]
جاء الشرع فَأَمَرَ الناس بالإيمان، فهذا الإيمان فيه كما ذكرنا لك أنَّ الحقيقة العرفية تخصيص للحقيقة اللغوية، والحقيقة الشرعية أسباب زائدة، فيها زيادة عن الحقيقة العرفية، قد تكون تخصيصًا لها وقد تكون رجوع إلى أصل المعنى اللغوي وتكون أوسع منها.
فالإيمان في الشرع جاء بأنه مُتَّجِهْ إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله إلى آخر أركان الإيمان الستة، وهذا الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر عَرَفْنَا منه أنَّهُ لا يكون إلا بِعَمَلْ ولا يكون إلا بإقرار ولا يكون إلا بتصديق، قال - ﷿ - ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:١٣٦]، ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّين وَآتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبَى﴾ [البقرة:١٧٧] الآية ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢] .
فإذًا وَصَفَ الله - ﷿ - المطلوب من المؤمن بأنَّ المؤمن مؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وأيضًا أنه يعمل، وأيضًا أنه يقول بلسانه.
ولهذا جعل الله - ﷿ - الصلاة للدلالة على هذا الأصل، جعل الصلاة هي الإيمان فقال سبحانه ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣]، -نحن الآن نبحث هذا من جهة لغوية، من الجهة التأصيلية للكلمة لا من جهة التعريف- ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ هذا استعمال لكلمة الإيمان ويراد بها الصلاة.
الصلاة هي الإيمان معنى هذا أنَّ هذا تخصيص لكونه تصديق، فهو ليس تصديقًا فقط، بل الإيمان صار صلاةً.
إذًا هذا من جهة الاستعمال اللغوي زاد على العُرْفْ ورَجَعَ إلى سَعَةِ اللغة، وهو تخصيص في الواقع للتصديق ببعض ما يشمله التصديق الذي يتبعه عمل.
إذا تبين هذا فيظهر لك أنَّ الإيمان في الشرع نُقِلَ عن الإيمان في العُرف، كما أنَّ الإيمان في العرف نُقِلَ عن الإيمان في اللغة.
فتأصيل الإيمان على أنه في اللغة هو إقرارٌ وتصديقْ ليس صحيحًا؛ لأنَّ الإيمان في اللغة أعم من ذلك، مثل ما ذكرنا لك، الإيمان ما يَجْلُبُ الأمن من عمل، من إقرار، من تصديق، من تصرف، من موالاة، كل ما يجلب الأمن فهو إيمان.
- في اللغة قُيِّد ذلك على نحو ما ذكرت لك من الآيات.
- في الشرع جاء تسمية الإقرار إيمانًا، وجاء تسمية الاعتقاد إيمانًا، وجاء تسمية العمل إيمانًا.
فإذًا من حيث الدلالة اللغوية والدلالة العرفية والدلالة الشرعية تبيَّنَ لك أنَّ هناك اختلاف في معنى الإيمان.
المرجئة مع أهل السنة في هذه المسألة اختلفوا، وهذا الاختلاف طويل الذيول كما هو معلوم؛ لكنهم اتفقوا من حيث الأصول -أصول الفقه- على أنَّ الكلمة إذا اعتراها هذه الأمور الثلاثة: الحقيقة اللغوية والشرعية والعرفية اتفق الجميع -الحنفية مع الشافعية والمالكية والحنابلة وغيرهم- اتفقوا على أن تُقَدَّمَ الشرعية، لماذا؟
لأنَّ الألفاظ الشرعية تخصيص، فلا يقول الحنفية -الذين قالوا في الإيمان بهذا التعريف- لا يقولون إنَّ السجود إذا أُمِرَ به فإنه يصلح بالركوع.
يعني مثلا لو قرأ القارئ القرآن وهو يمشي، ثم مَرَّتْ آية سجدة، فهل يركع ويُكْتَفَى بها؟ أم أنه يصير إلى السجود؟
السنة في السجود الشرعي، ولماذا؟
لأنَّ السجود جاء بهذا اللفظ الشرعي وبَيَّنَتْهُ السنة فإذًا يكون هو المراد لا السجود العرفي.
المسألة لها نظائر في الفقه في العقيدة في اللغة بعامة.
فإذًا نقول: اجتمعوا على أنَّ الحقيقة الشرعية مُقَدَّمَة، ثم هل تقدم اللغوية أو العُرْفِيَة؟
خلاف بينهم.
لهذا نقول: ما دام أنَّ الجميع اتفقوا على تقديم الحقيقة الشرعية، فما هي أدلة الحقيقة الشرعية في الإيمان؟ الأدلة على ذلك يطول الكلام عليها، ونرجئها مع تفصيلها في الكلام والمذاهب للدرس القادم، لكن نكمل المُقَدِّمَات.
أنا أريدك تفهم مسألة الإيمان لأنها مسألة مُشْكِلَة، وكثير ممن خاض فيها في هذا العصر ما أدرك حقيقة الفرق ما بين قول أهل السنة وقول المرجئة في هذا الباب.
[ ٣٩٦ ]
[المسألة الثانية]:
الإيمان في اللغة هو التصديق الجازم -كما ذكرنا لك- الذي يتبعه عمل يأمن معه المُؤْمِنْ الغائلة أو العقوبة إلى آخره.
وقولنا التصديق الذي معه عمل هذا تحصيل حاصل؛ لأنَّهُ إذا كان الشيء يلزَمُ منه العمل فإنه لا يُطْلَقُ لفظ مُصَدِّقًَا في اللغة على من صَدَّقَ حتى يعمل.
مثاله: أتى شخص وقال لآخر سيارتك الآن تُسْرَقْ.
فقال له الآخر: جزاك الله خيرًا.
قال: لك فيها أموال ولك فيها أشياء وهي الآن تُسْرَقْ.
قال الآخر: جزاك الله خيرا وجَلَسَ ولم يتحرك.
فهل يُعْتَبَرُ في اللغة مُصَدِّقًَا؟
إذا كان قد صَدَّقَ الخبر فإنه لابد أن يتبعه بعمل يدلُّ على صدقه؛ لأنَّ الناس لا يُفَرِّطُونْ بأموالهم ولا يفرِّطُون بما فيه قوام حياتهم.
فإذا مَكَثَ وقال أنا مُصَدِّقْ، وهو ما ذَهَبَ، ما أتْبَعَهُ عمل، فلا يُسَمَّى مُصَدِّقًَا في اللغة، ليس في الشرع، لا يسمى مُصَدِّقًَا في اللغة.
ودلَّ على هذا الأصل قول الله - ﷿ - في قصة إبراهيم الخليل مع ابنه إسماعيل في سورة الصافات قال ﴿قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:١٠٢-١٠٣]، لاحظ العمل ﴿فَلَمَّا﴾ و﴿لَمَّا﴾ انتبه لكلمة ﴿لَمَّا﴾، ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات:١٠٣-١٠٥]، رؤيا الأنبياء حق، إذا رآها النبي صدَّقَ بأنها وحي من الله - ﷿ -.
لكن متى صار مُصَدِّقًَا بالرؤيا؟
لمَّا امتثل دلالتها ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ وهذا تصديق لغوي وهو أيضًا تصديق شرعي.
إذًا فالإيمان في العُرْفْ - الحقيقة العرفية- ولو أرجعناه إلى التصديق فإنَّ حقيقة التصديق أن يكون معه عمل، فلا يُسَمَّى مُصَدِّقًَا من ليس يعمل أصلًا فيما صدّق به.
[ ٣٩٧ ]
[المسألة الثالثة]:
يمكن أن يُضْبَطَ ما جاء في القرآن من استعمال الإيمان في الحقيقة اللغوية والعرفية والشرعية بضابط وهو أنه:
- إذا اقْتُرِنَ بالإيمان الأمَنْ ْأو كانت الدِّلَالَةُ عليه فإنَّ المراد به سعة المعنى اللغوي.
- وإذا عُدِّيَ الإيمان باللام في القرآن أو في السنة فإنَّ المراد به الإيمان العرفي؛ يعني اللُّغَوِي العرفي.
- وإذا عدي الإيمان بالباء، فإنه يراد به الإيمان الشرعي.
وهذه كل واحدة لها طائفة من الأدلة تَدُلُّ عليها.
١- المعنى اللغوي: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]، ﴿آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ﴾ هذا دلالة على عموم المعنى اللغوي.
٢- المعنى العرفي: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف:١٧]، لاحظ التعدية باللام ﴿بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾، ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت:٢٦]، ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [براءة:٦١] يعني النبي ﷺ ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا المعنى العرفي.
٣- الإيمان الشرعي: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]، لاحظ الباء، عُدِّيَ الباء للدلالة الشرعية.
لماذا اختلفت التعدية؟
لأنَّ المطلوب اختلف.
كيف؟
@ الإيمان اللغوي ما دام أنَّهُ تصديق فتقول: العرب صَدَّقَ لفلان، تعديه باللام، صَدَّقَ لفلان، وتقول صَدَّقَ بكذا أيضا فتعديه بالباء
@ لكن الإيمان الشرعي آمن بكذا -لاحظ التعدية مُضَمَّنٌ أَقَرَّ بكذا -أَقَرَّ تتعدى بالباء في اللغة أليس كذلك؟ - أَقَرَّ بكذا، فتكون صحيحة، عمل بكذا صحيحة، صَدَّقَ بكذا صحيحة.
ولهذا لمَّا عُدِّيَ الإيمان في اللغة بالباء علمنا أنه ضُمِّنَ المعنى الأصلي في اللغة وزيادة تصلح للتعدية بالباء.
فالمعنى اللغوي يتعدى باللام، فلماذا عُدِّيَ بالباء تفريقًا ما بين الإيمان الشرعي والإيمان اللغوي؟
هو تضمين العمل للإيمان الذي هو زيادة على ما جاء في المعنى العُرفي.
هذا كثير: في القرآن وفي اللغة أنه يأتي الفعل ويراد منه معنى، ثم تختلف التعدية بالحرف فيُضَمَّنْ الفعل معنى فعل آخر.
سنضرب له مثالًا حاضر عندكم جميعًا وإن كان الأمثلة كثيرة لكن لقربه منكم.
مثلا تعلمون قول ابن القيم وابن تيمية وعدد من مشايخنا حفظ الله الجميع ورحم الأموات في قوله تعالى في المسجد الحرام ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥]، قالوا هنا ما معنى الإرادة؟
الهم، يعني الهم الجازم.
لماذا؟
قالوا لأنَّ الإرادة بنفسها تَتَعَدَّى، الإرادة المعروفة تتعدى بنفسها، تقول أردت الذهاب، أردت المجيء، أردت القراءة، ما تقول أردت بالقراءة، فلما قال ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾، ما قال (ومن يرد فيه إلحادًا)، بل قال ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ علمنا أنَّ كلمة ﴿يُرِدْ﴾ هذه فيها فعل يناسب التعدية بالباء وهو هَمَّ.
هَمَّ بكذا هَمَّ فلان بكذا هذا الذي يناسب.
ولذلك فسره الأئمة بأنَّ المراد بالإرادة هنا الهم الجازم فيُؤَاخَذْ عليه ولو لم يحقق الإرادة من كل وجه وإنما يَصْدُقُ عليه الهَمْ؛ إذا هَمَّ بالفعل، هَمَّ به صار داخلًا في الفعل.
نرجع هنا في اللغة ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت:٢٦]، يعني صَدَّقَ له، أَقَرَّ لَهُ، تقول أنا أقررت لك، إيش أقول أقررت إياك؟
لا، أقررت بكذا؛ لكن لفلان، أقررت بفلان ولا أقررت لفلان ما قال؟
أقررت لفلان ما قال، ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ يعني صَدَّقَ له، أَقَرَّ له، إلى آخره.
لاحظ هذا التصديق والإقرار الذي هو المعنى اللغوي؛ لكن جاء المعنى الشرعي في القرآن بزيادة عن التعدية باللام إلى التعدية بالباء قال - ﷿ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء:١٣٦] . ما قال آمنوا لله ولرسوله مع أنه قال في النبي - ﷺ - ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [براءة:٦١]، وقال في لوط ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ قال ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ إلى آخره ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء:١٣٦] .
فإذًا دَلَّنَا على أَنَّ هذا المعنى هو المعنى اللغوي، وزيادة عليه ما دخل فيه مما يناسب التعدية بالباء وهو العمل.
تقول عملت بكذا يعني آمنت بكذا فعملت به، آمنت بأنَّ الأمر واقع فعملت به؛ يعني عَمِلْتَ بما آمنت، فلذلك دخلت زيادة تعدية بالباء لتدلنا على أنَّ العمل دخل في مسمى الإيمان أصلًا، وهذه يأتي لها مزيد تفصيل في الأدلة إن شاء الله تعالى.
[ ٣٩٨ ]
إذا تبين هذا فمن المهم في تأصيل هذه المسألة التي غَلِطَ فيها الكثيرون منذ نَشَأَتْ المرجئة، أن يُعرَفَ أنَّ الإيمان في اللغة في حقيقته تصديق وإقرار؛ لكن تصديق معه نوع عمل وليس لازمًا في حقيقته؛ لكن لا يُسَمَّى تصديقًا حتى يكون معه عمل يأمن به، لصلته بالمعنى اللغوي العام.
أما في الشرع فهو إقرارٌ وتصديقٌ وعمل؛ لأنَّ الشرع جاء بزيادة على المعنى اللغوي في هذه المسألة العظيمة.
[ ٣٩٩ ]
[المسألة الرابعة]:
تعريف الطحاوي لهذه المسألة وهي (وَالْإِيمَانُ: هُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَالتَّصْدِيقُ بِالْجَنَانِ)، هذا فيه إخراج العمل أن يكون مورِدًَا للإيمان وقَصْرْ الإيمان من حيث المورد على الإقرار والتصديق، وهذا كما ذكرت لك مذهب مرجئة الفقهاء.
والمرجئة في هذه المسألة لهم أقوال متعددة أشهرها قولان:
١- قول جمهور المرجئة وهو أنَّ الإيمان هو التصديق، ولا يلزم معه إقرار.
٢- ثُمَّ مرجئة الفقهاء -وذهب إليه الماتريدية والأشاعرة وجماعة- أنَّ الإيمان إقرار باللسان وتصديق بالجنان.
وسُمُّوا مرجئة لأنهم أرجؤوا العمل عن مسمّى الإيمان؛ يعني أخَّرُوهُ عن مسمى الإيمان، فجعلوا الإيمان متحققًا بلا عمل.
واستدلوا لمذهبهم بعدة أدلة من أشهرها قول الله - ﷿ - في آيات كثيرة ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ وهذا من أقوى أدلتهم على هذه المسألة، فعَطَفَ العمل على الإيمان، قالوا فهذا يدل على التغاير ما بين العمل وما بين الإيمان؛ لأنه لو كان عمل الصالحات في الإيمان لما قال ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فلمَّا عَطَفَ العمل على الإيمان قالوا دلَّنَا على تأخير العمل وإرجاء العمل عن مسمى الإيمان.
والجواب عن ذلك؛ يعني عن هذا الاستدلال بجواب مختصر ونرجئ الجواب المطول، الجواب عن ذلك أنَّ اللغة فيها:
& العطف بالواو ويُرَادُ بالعطف بالواو التَّغايُرْ:
والتغاير:
- تارةً يكون تغاير ذوات:
ومعناه أنك تقول مثلًا في اللغة: دخل محمد وخالد، فمحمد ذاته غير ذات خالد، هذا له حقيقة ذات وهذا له حقيقة، هذا يسمى تغاير ذوات.
- وتارةً يكون تغاير صفات.
تغاير الصفات تقول عندي مُهَنَّدٌ وصارمٌ وحسام، والذي عندك سيفٌ واحد يعني الذي عند العربي سيفٌ واحدٌ، لكن يقول:
مُهَنَّدٌ من جهة وصفه أنه صُنِعَ في الهند.
وصارمٌ من جهة شهرته وأنه يَصْرِمْ.
وحسام من جهة أنه من وَقَعَ عليه حَسَمَهُ وقتله.
منه في القرآن قال - ﷿ - في تغاير الصفات ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر:١]، الكتاب هو القرآن، والقرآن هو الكتاب، عَطَفَ بالواو هل لتغاير الذوات، الكتاب شيء والقرآن شيء؟
لا أحد يقول بهذا من المتقدمين لا أحد يقول بهذا، فصار التعاطف هنا لتغاير الصفات ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ نُظِرَ فيه إلى جهة كونه مكتوبًا باقيًا، ﴿وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ يعني أنه يُقْرَأُ ويُنْظَرُ فيه إلى التلاوة والقراءة فهذا تغاير صفات.
@ وتارةً يكون العطف بالواو لا لأجل التغاير ولكن تَغَايُرٌ ما بين الجزء والكل، وما بين العام والخاص:
فيُعْطَفْ الخاص على العام ويعطف العام على الخاص، ومثاله قول الله - ﷿ - في سورة البقرة ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٩٨] ﴿عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ﴾ لاشك الملائكة غير الله - ﷿ -، الملائكة مخلوقة والرب - ﷿ - هو مالك الملك وخالق الخلق.
﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ﴾ الرسل منهم رسل من الملائكة، ومنهم رسل من ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥]، فالرسل هنا أعم من الملائكة لأنَّ منهم الرسل من الملائكة ومنهم الرسل من البشر.
فإذًا هنا صار عطفًا: عَطْفْ الكلي على الجزئي.
ثم قال ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ جبريل وميكال من الرسل أو لا؟
من الرسل.
من الملائكة؟
نعم.
فعطفهم، هل حقيقة جبريل وميكال غير الملائكة؟
لا، هذا تغاير صحيح؛ ولكن تغايرٌ بين حقيقة الجزء والكل والكل والجزء، وليس تغاير ذوات ولا تغاير صفات ولا تغاير حقيقة.
ومن هذا عَطْفُ الخاص على العام لأجل التغاير ما بين الجزء والكل بقوله ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ﴾ [الكهف:١٠٧]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَانُ وُدًّا﴾ [مريم:٩٦]، الآيات كثيرة آمنوا وعملوا الصالحات، عَطَفَ العمل على الإيمان لأجل هذا وإلا فهو داخل في حقيقته.
هنا لماذا تُخَصُّ الخاص بالذكر بعد العام؟
لأجل التنبيه على شرفه.
فالعرب تَعْطِفُ الخاص على العام وتغاير في هذا لأجل التنبيه على شرف ما ذُكِرْ.
لأنك تقول مثلا جاءني المشايخ وسماحة الشيخ عبد العزيز، هل هو ليس من المشايخ؟
لكن هنا للتنبيه على شرفه أنه هو المقصود، جاءني المشايخ جميعًا وجاء المقصود أو المقدم فيهم إلى آخره تنبيهًا على شرفه ومنزلته إلى آخره.
فإذًا الاستدلال بهذا، هذا جواب مختصر ونذكر لكم بقية الأدلة والإجابة عليها فيما يأتي.
[ ٤٠٠ ]
* أنا أردت بهذا التطويل اللغوي تأصيل المسألة لكم؛ لأنَّ مسألة الإيمان خاض فيها كثيرون في هذا العصر، كتبوا فيها كتابات سواء في الإيمان أو في التكفير، وهم لم يدركوا حقيقة مذهب أهل السنة والجماعة في هذه المسألة.
فمنهم من أدخل مذاهب المرجئة في مذهب أهل السنة وقَصَرْ الكفر على التكذيب والإيمان على التصديق وإما قولًا أو باللازم.
ومنهم من ذهب إلى أنَّ الإيمان قول واعتقاد وأنَّ العمل ليس من الإيمان أصلًا كما هو قول المرجئة، والأقوال في هذا متعددة.
نسأل الله - ﷿ - أن يثبتني وإياكم على طريقة أئمتنا، وأن يَكُفَّ عنا الشر وأن لا يخذلنا وأن ينور بصائرنا وبسائر أحبابنا إنه جواد كريم.
نكتفي بهذا القدر ونكمل المرة القادمة.
[ ٤٠١ ]
من قوله (والإيمان: هو الإقرار باللسان) إلى قوله (وملازمة الأولى)
وَالْإِيمَانُ: هُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَالتَّصْدِيقُ بِالْجَنَانِ.
_________________
(١) قال ﵀ (وَالْإِيمَانُ: هُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَالتَّصْدِيقُ بِالْجَنَانِ) هذه الجملة من كلامه في تعريف الإيمان المقصود بها التعريف الشّرعي للإيمان عند الطحاوي ﵀. والذي دَلَّتْ عليه الأدلة من الكتاب والسنة وإجماع الأئمة -أئمة أهل الحديث والسنة- أنَّ الإيمان قول وعمل. وبعض أهل العلم يُعَبِّرْ بقوله (الإيمان قول وعمل ونية) كما قالها الإمام أحمد في موضع؛ ويعني بالنية الإخلاص يعني الإخلاص في القول والعمل. وهذا الأصل وهو أنَّ الإيمان قول وعمل وُضِّحَ بقول أهل العلم: الإيمان اعتقادٌ بالقلب يعني بالجنان، وقولٌ باللسان وعملٌ بالجوارح والأركان، يزيد بطاعة الرحمن وينقص بطاعة الشيطان. فشمل الإيمان إذًا فيما دلت عليه الأدلة هذه الأمور الخمسة، وهي: أنه اعتقاد، وأنه قول، وأنه عمل، وأنه يزيد، وأنه ينقص. وتعريف الطحاوي للإيمان بقوله (هُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَالتَّصْدِيقُ بِالْجَنَانِ) هذا تعريفٌ بالمقارنة مع ما سبق فيه قصور، وهو موافقٌ لما عليه الإمام أبو حنيفة ﵀ وأصحابُه، فإنهم لم يجعلوا العمل من مُسَمَّى الإيمان، وجعلوا الإيمان تصديق القلب وإقرار اللسان، وجعلوا الأعمال زائدة عن مُسَمَّى الإيمان مع كونها لابد منها ولازمة للإيمان. فقول الطحاوي هذا ليس مستقيمًا مع معتقد أهل السنة والجماعة وأتباع أهل الحديث والأثر، وفيه قصور لأنه أخرَجَ العمل عن تعريف الإيمان. وكون العمل من الإيمان له أدلةٌ كثيرة من الكتاب والسنة أظن أني قدمت لكم بعضها قبل رمضان: ومنها في هذا المقام قول الله - ﷿ - ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣]، ويعني بالإيمان الصلاة، فسمى الصلاة إيمانًا والصلاة عمل. وقال أيضا - ﷿ - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ . وقال ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥] . دَلَّتْ الآية على أنّ الإيمان له حقيقةٌ هي الاعتقاد والإيمان بهذه الأركان الخمسة ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ فإذا كان العمل ناشئًا عن هذه، فإنه لا يُتَصَوَّرْ الانفكاك ما بين العمل والإيمان، ولهذا في آية البقرة ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ جَعَلَ العمل هو الإيمان لأنّه منه ولأنه ينشأ عنه. فنفهم إذًا أنَّ قوله ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (١) ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ونحو ذلك، بما فيه عَطْفْ العمل على الإيمان -كما قدّمنا آنفًا- أنَّ هذا عَطْفُ الخاص بعد العام وعَطْفُ الجزء بعد الكل، وهذا كثير في القرآن وفي اللغة كما قدمته لك. ومن السنة قول النبي ﷺ كما قال لوفد عبد القيس لما أتوه في المدينة قال «آمركم بالإيمان بالله وحده أتدرون ما الإيمان بالله وحده» ثم فَسَّرَهٌ بأركان الإيمان ثم قال «وأن تؤدوا الخمس من المغنم» (٢) وهذا -أداء الخمس- عمل فجعله تفسيرًا للإيمان. وكذلك قوله ﷺ «الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان» (٣) فجعل الإيمان: - له قولْ مرتبط بالنطق. - وله عمل الذي هو إماطة الأذى عن الطريق-يعني الذي هو نوع العمل-. - وجَعَلَ له عمل القلب وهو الحياء. ففي هذا الحديث مَثَّلَ النبي ﷺ شُعَبْ الإيمان بثلاثة أشياء منها القول ومنها الاعتقاد أو عمل القلب ومنها عمل الجوارح. ويأتي مزيدُ بيان لهذا الأصل في المسائل إن شاء الله تعالى. ثُمَّ زيادة الإيمان ونقصانه دلَّ على الزيادة قول الله - ﷿ - ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال:٢]، وكذلك قوله ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤]، وكذلك قوله ﴿زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧]، ونحو ذلك مما فيه زيادة، وإذا كان فيه الزيادة فإنه لابد أن يكون فيه النقص بمقابل ما تُرِكَ مما يسبب الزيادة في الإيمان.
(٢) الشعراء:٢٢٧، ص:٢٤، الإنشقاق:٢٥، التين:٦، العصر:٣.
(٣) البخاري (٨٧) / أبو داود (٤٦٧٧)
(٤) البخاري (٩) / مسلم (١٦٢)
[ ٤٠٢ ]
ولهذا بعض الصحابة لما ذَكَرَ زيادة الإيمان وذَكَرَ نقصانه قال (إذا سَبَّحْنَا الله وحمدناه وذكرناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا فذلك نقصانه) (١) .
فزيادة الإيمان ونقصانه دل عليها قول الله - ﷿ - والسنة وقول الصحابة رضوان الله عليهم.
فمن هذا يتقرر أنَّ قول الطحاوي (وَالْإِيمَانُ: هُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَالتَّصْدِيقُ بِالْجَنَانِ.) هذا يوافق قول مرجئة الفقهاء وهم أبو حنيفة النعمان بن ثابت الإمام المعروف، وأصحابه ممن أخرجوا العمل عن كونه جزءا من الماهيَّةْ؛ عن كونه ركنًا في الإيمان.
إذا تقرّر هذا فإنَّ في مسألة الإيمان مباحث كثيرة جدًا، وذلك لكثرة الخلاف في هذه المسألة وطول الكلام عليها وكثرة التصانيف التي صنفها السلف ومن بعدهم في هذه المسألة؛ لكن يمكن تقريب هذه المسألة لطالب العلم في مسائل:
_________________
(١) عن عمير بن حبيب بن خماشة أنه قال «الإيمان يزيد وينقص قيل له وما زيادته وما نقصانه قال إذا ذكرناه وخشيناه فذلك زيادته وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه» مصنف ابن أبي شيبة (٣٠٣٢٧) / شعب الإيمان (٥٦)
[ ٤٠٣ ]
[المسألة الخامسة]:
الإيمان يجمع:
- أولًا: الاعتقاد بالقلب، وهو الذي يسميه المرجئة -مرجئة الفقهاء- أو يسميه العامة التصديق.
- ثانيًا: قول اللسان.
- ثالثًا: عمل الجوارح والأركان.
- رابعًا: الزيادة.
- خامسًا: النقصان.
هذه خمسة أشياء فيها اختلف المنتسبون إلى القبلة على أقوال:
١- القول الأول:
هو أنَّ الإيمان تصديقٌ فقط، وهذا هو قول جمهور الأشاعرة، وهو أيضًا قول أبي منصور الماتريدي والماتريدية بعامة.
وهذا مبنيٌ منهم على أنَّ القول ينشأ عن التصديق، وعلى أنَّ العمل ينشأ عن التصديق، فَنَظَرُوا إلى أصله في اللغة بحَسَبِ ظنهم، وإلى ما يترتّب عليه فجعلوه التصديق فقط.
واستدلوا له بعدة أدلة مما فيه أنّ الإيمان تصديق كقوله ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]، وهذه أمور غيبية والإيمان بها يعني التصديق بها، وغير ذلك من الأدلة التي فيها حَصْرْ الإيمان بالغيبيات، والإيمان بالغيبيات يُفْهَمْ على أنه التصديق.
وهؤلاء يُسَمَّونَ المرجئة، وهم المشهورون بهذا الاسم.
ومن المرجئة طائفة غالية جدًا وهم الذين جعلوا الإيمان ليس التصديق بالقلب ولكن هو المعرفة بالقلب، وهو القول المنسوب إلى الجهمية وغلاة الصوفية كابن عربي ونحوِهِ ممن صَنَّفُوا في إيمان فرعون.
٢- القول الثاني:
من قال إنَّ الإيمان قول باللسان فقط، وهؤلاء يُسَمَّونَ الكَرَّامِيَّة -بالتشديد-.
الكَرَّامِيَّة يُنْسَبونَ إلى محمد بن كرّام، وهذا يقول: الإيمان هو الإقرار باللسان.
لم؟
قال لأنَّ الله - ﷿ - جَعَلَ المنافقين مخاطَبِينَ باسم الإيمان في آيات القرآن، فإذا نودي المؤمنون في القرآن فيدخُلُ في الخطاب أهل النّفاق، والمنافقون إنما أقرُّوا بلسانهم ولم يصدِّقُوا بقلوبهم فدخلوا في اسم الإيمان لهذا الأمر.
٣- القول الثالث:
هو مذهب مرجئة الفقهاء الذين قالوا: إنَّ الإيمان قول باللسان وتصديق بالجنان. وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، إقرارٌ باللسان وتصديق بالجنان، ويجعلونَ أنَّ الناس في التصديق -كما سيأتي- وفي أعمال القلوب أنهم واحد، فأعمال القلوب التي أصلها التصديق عندهم شيءٌ واحد، والعمل ليس من الإيمان عندهم يعني من حقيقة الإيمان وإن كان لا بد منه في تحقيق الإيمان، بخلاف أهل القولين السابقين يعني الماتريدية (١) .
: [[الشريط الثلاثون]]:
والأشاعرة والكرامية فإنهم يقولون أنَّهُ لو وَافَى بلا عمل فإنه ناجٍ، لو لم يعمل قط فإنه ينجو.
وأما مرجئة الفقهاء فيقولون لابُدَّ لَهُ مِنَ العمل فإذا ترك العمل فهو فاسقٌ، لكن [لا] (٢) يُدْخِلُونَهُ في مُسَمَّى الإيمان.
وأظن شبهتهم نَصْ أبي حنيفة في هذه المسألة وهو بَنَاهُ على أنَّ الذين خُوطِبُوا بالإيمان هم المؤمنون والمنافقون، والمنافقون ليس لهم عمل، عَمَلُهُم باطل، وإنما أَقَرُّوا باللسان فقط، والمؤمنون مُصَدِّقُونَ مُقِرُّونْ، فَجَمَعَ لهم ما بين -يعني بين الطائفتين- ما بين الإقرار باللسان والتصديق بالجنان؛ يعني في الخطاب الظاهر، وأما الأعمال فالحساب عليها آخر.
ومن أدلّتهم الأصل اللغوي الذي هو حَسَبْ ما قالوا أنَّ الإيمان هو التصديق، والإقرار أُخِذَ من زيادة في الشريعة لأنه لابد من قول لا إله إلا الله محمد رسول الله.
٤- القول الرابع:
هو قول الخوارج والمعتزلة وهو أنَّ الإيمان: اعتقادْ بالجنان أو تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالجوارح.
وهذا العمل عندهم بِكُلِّ مأمورٍ به، والانتهاء عن كلِّ منهيٍّ عنه.
فما أُمرِ َبه وُجُوبًا فيدخل في مسمى الإيمان بِمُفْرَدِهِ، وما نُهِيَ عنه تحريمًا فيدخل في مسمَّى الإيمان بمفرده.
يعني أنَّ كلَّ واجبٍ يدخل في مسمى الإيمان على حِدَهْ، فيكون جزءًا وركنًا في الإيمان، وكُلُّ محرمٍ في الانتهاء عنه يدخل في مسمى الإيمان بمفرده.
وبناءً على ذلك قالوا: فإذا تَرَكَ واجبًا فإنه يكفر، وإذا فعل محرمًا من الكبائر فإنه يكفر؛ لأنَّ جزء الإيمان وركن الإيمان ذَهَبْ.
فعندهم أنَّ هذا العمل جزء واحد، إذا فُقِدَ بعضه فُقِدَ جميعه.
وبين الخوارج والمعتزلة خلاف فيمن استحق النار بالآخرة ماذا يسمى في الدنيا؟
على القول المعروف عندهم:
- وهو عند الخوارج في الدنيا عند يُسَمَّى كافر.
- وعند المعتزلة هو في منزلة بين المنزلتين لا يقال مؤمن ولا يقال كافر.
مع اتفاقهم على أنه في النار مخلدْ فيها لانتفاء الإيمان في حقه.
٥- القول الخامس:
هو قول أهل الحديث والأثر وقول صحابة رسول الله ﷺ وهو أنَّ الإيمان:
اعتقاد -ومن الاعتقاد التصديق-، وقول باللسان وهو إعلان لا إله إلا الله محمد رسول الله، وعمل بالأركانـ وأنه يزيد وينقص.
ويعنون بالعمل جنس العمل؛ يعني أنْ يكون عنده جنس طاعة وعمل لله - ﷿ -.
فالعمل عندهم الذي هو ركن الإيمان ليس شيئًا واحدًا إذا ذَهَبَ بعضه ذهَبَ جميعه أو إذا وُجِدَ بعضه وُجد جميعه؛ بل هذا العمل مُرَكَّبٌ من أشياء كثيرة، لابد من وجود جنس العمل.
وهل هذا العمل الصلاة؟ أو هو أيُّ عملٍ من الأعمال الصالحة بامتثال الواجب طاعةً وترك المحرم طاعةً؟
هذا ثَمَّ خلافٌ بين علماء الملة في المسألة المعروفة بتكفير تارك الصلاة تهاونا أو كسلًا.
* الفرق ما بين مذهب أهل السنة والجماعة وما بين مذهب الخوارج والمعتزلة:
- أنَّ أولئك جعلوا تَرْكَ أي عمل واجب أو فعل أي عمل محرّم فإنه ينتفي عنه اسم الإيمان.
- وأهل السنة قالوا: العمل ركن وجزءٌ من الماهية؛ لكن هذا العمل أبعاض ويتفاوت وأجزاء، إذا فات بعضه أو ذهب جزء منه فإنه لا يذهب كله.
فيكون المراد من الاشتراط جنس العمل؛ يعني أن يُوجَدَ منه عملٌ صالح ظاهرًا بأركانه وجوارحه، يدلُّ على أنَّ تصديقه الباطن وعمل القلب الباطن على أنه استسلم به ظاهرًا.
وهذا مُتَّصِلٌ بمسألة الإيمان والإسلام، فإنه لا يُتَصَوَّرْ وجود إسلام ظاهر بلا إيمان، كما أنه لا يُتَصَوَّرْ وجود إيمان باطن بلا نوع استسلام لله - ﷿ - بالانقياد له بنوع طاعةٍ ظاهرًا.
_________________
(١) انتهى الشريط التاسع والعشرون.
(٢) لعل الشيخ لم يقصد هذا الحرف وإنما أراد أنهم يُدْخِلُونَهُ في مسمى الإيمان إذ قال عن مرجئة الفقهاء في شرح العقيدة الواسطية/ الشريط (٢٣) ما نصه «فقالوا الايمان قول واعتقاد وأما العمل فليس من مُسَمَّى الايمان وإنما هو لازم له - يعني لابد أنه يعمل لكن لو لم يعمل ما خرج عن اسم الايمان)
[ ٤٠٤ ]
[المسألة السادسة]:
الطحاوي هنا تَرَكَ العمل؛ يعني ما ذَكَرَ العمل في مسمى الإيمان، وكما ذكرتُ لك أنَّ العمل عند أهل السنة والجماعة داخِلٌ في مسمى الإيمان وفي ماهيته وهو ركن من أركانه.
والفرق بينهما يعني بين قول مرجئة الفقهاء -وهو الذي قرَّرَهُ الطحاوي- وبين قول أهل السنة والجماعة أتباع الحديث والأثر، الفرق بينهما:
- من العلماء من قال: إنه صُورِي لا حقيقة له؛ يعني لا يترتب عليه خلافٌ في الاعتقاد.
- ومنهم من قال: لا، هو معنوي وحقيقي.
ولبيان ذلك؛ لأنَّ الشارح ابن أبي العز ﵀ على جلالة قدره وعُلُوِّ كعبه ومتابعته للسنة ولأهل السنة والحديث فإنه قَرَّرَ أنَّ الخلاف لفظي وصوري، وسبب ذلك أنَّ جهة النظر إلى الخلاف منفكَّة:
- فمنهم من ينظر إلى الخلاف بأثَرِهِ في التكفير.
- ومنهم من ينظر إلى الخلاف بأثرِهِ في الاعتقاد.
@ فمن نظر إلى الخلاف بأثرِهِ في التكفير قال الخلاف صوري، الخلاف لفظي.
لأنَّ الحنفية الذين يقولون هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان هم متّفقون مع أهل الحديث والسنة مع أحمد والشافعي على أنَّ الكفر والرِدَّةْ عن الإيمان تكون بالقول وبالاعتقاد وبالعمل وبالشك.
فهم متفقون معهم على أنَّ:
- من قال قولًا يخالف ما به دخل في الإيمان فإنه يكفر.
- ومن اعتقد اعتقادًا يخالف ما به دخل في الإيمان فإنه يكفر.
- وإذا عمل عملًا ينافي ما دخل به في الإيمان فإنه يكفر.
- وإذا شَكَّ أو ارتاب فإنه يكفر.
بل الحنفية في باب حكم المرتد في كتبهم الفقهية أشد في التكفير من بقية أهل السنة مثل الحنابلة والشافعية ونحوهم.
فهم أشد منهم، حتى إنهم كَفَّرُوا بمسائل لا يُكَفِّرُ بها بقية الأئمة كقول القائل مثلا سورةٌ صغيرة فإنهم يُكفِّرون بها، أو مسيجد أو نحو ذلك أو إلقاء كتاب فيه آيات فإنهم يُكَفِّرون إلى آخر ذلك.
فمن نَظَرَ -مثل ما نَظَرْ الشارح، ونَظَرْ جماعة من العلماء- من نَظَرَ في المسألة إلى جهة الأحكام وهو حكم الخارج من الإيمان قال:
الجميع متّفقون، سواءٌ كان العمل داخلًا في المسمى أو خارجًا من المسمى فإنه يكفُرُ بأعمال ويكفُرُ بترك أعمال.
فإذًا لا يترتّب عليه على هذا النحو:
١ - دُخُولٌ في قول المرجئة الذين يقولون: بلا عَمَلٍ ينفع، ولا يَخْرُجُ من الإيمان بأي عَمَلٍ يعمله.
٢ - ولا يدخلون مع الخوارج في أنهم: يُكَفِّرونَ بأي عمل أو يترك أي واجب أو فعل أي محرم.
فمِنْ هذه الجهة إذا نُظِرَ إليها تُصُوِّرْ أنَّ الخلاف ليس بحقيقي؛ بل هو لفظي وصوري.
@ الجهة الثانية التي يُنْظَرُ إليها وهي أنَّ العمل -عمل الجوارح والأركان- هو مما أمَرَ الله - ﷿ - به في أن يُعْتَقَدَ وجوبُهُ أو يُعْتَقَدَ تحريمه من جهة الإجمال والتفصيل.
يعني أنَّ الأعمال التي يعملها العبد لها جهتان:
١- جهة الإقرار بها.
٢- وجهة الامتثال لها.
وإذا كان كذلك فإنَّ العمل بالجوارح والأركان، فإنه إذا عَمِلَ:
- فإما أن نقول: إنَّ العمل داخِلٌ في التصديق الأول؛ التصديق بالجنان.
- وإما أن نقول: إنه خارجٌ عن التصديق بالجنان.
& فإذا قلنا إنَّهُ داخلٌ في التصديق بالجنان -يعني العمل بالجوارح باعتبار أنَّهُ إذا أقَرَّ به امتثل- فإنه يكون التصديق إذًا ليس تصديقًا، وإنما يكون اعتقادًا شاملًا للتّصديق وللعزم على الامتثال، وهذا ما خَرَجَ عن قول وتعريف الحنفية.
& والجهة الثانية أنَّ العمل يُمتَثَلُ فعلًا فإذا كان كذلك كان التنصيص على دخول العمل في مسمى الإيمان هو مقتضى الإيمان بالآيات وبالأحاديث، لأنَّ حقيقة الإيمان فيما تُؤْمِنُ به من القرآن في الأوامر والنواهي في الإجمال والتفصيل أنَّكَ تؤمن بأنّ تَعْمَلْ، وتؤمن بأن تنتهي، وإلا فلو لم يدخل هذا في حقيقة الإيمان لم يحصل فرقٌ ما بين الذي دخل في الإيمان بيقين والذي دخل في الإيمان بنفاق.
يُبَيِّنُ لك ذلك أنَّ الجهة هذه وهي جهة انفكاك العمل عن الاعتقاد، انفكاك العمل عن التصديق هذه حقيقةً داخلةٌ فيما فَرَّقَ الله - ﷿ - به فيما بين الإسلام والإيمان.
ومعلومٌ أنَّ الإيمان إذا قلنا إنَّهُ إقرارٌ وتصديق فإنه لابد له من إسلام وهو امتثال الأوامر والاستسلام لله بالطاعات.
لهذا نقول إن مسألة الخلاف هل هو لفظي أو هو حقيقي راجعة إلى النظر في العمل.
هل العمل داخلٌ امتثالًا فيما أمر الله - ﷿ - به أم لم يدخل امتثالًا فيما أمر الله - ﷿ - به؟
[ ٤٠٥ ]
والنبي ﷺ بَيَّنَ أنه يأمُرُ بالإيمان «آمركم بالإيمان بالله وحده» (١)، والله - ﷿ - أمر بالإيمان ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ [النساء:١٣٦] . فالإيمان مأمور به، وتفاصيل الإيمان بالاتفاق بين أهل السنة وبين مرجئة الفقهاء يَدْخُلُ شُعَبْ الإيمان، يَدْخُلُ فيها الأعمال الصالحة؛ لكنها تَدْخُلُ في المُسَمَّى من جهة كونها مأمورًا بها، فمن امتثل الأمر على الإجمال والتفصيل فقد حَقَّقَ الإيمان، وإذا لم يمتثل الأمر على الإجمال والتفصيل فإنه بعموم الأوامر لا يدخل في الإيمان.
وهذه يكون فيها النظر مُشْكِلًَا من جهة:
هل يُتصوَّرْ أن يوجد أحد يؤمن بالإيمان، يؤمن بما أنزل الله - ﷿ - ولا يفعل خيرًا البتة، لا يفعل خيرًا قط، لا يمتثل واجبًا ولا ينتهي عن محرم مع اتساع الزمن وإمكانه؟؟
في الحقيقة هذا لا يُتَصَوَّرْ أن يكون أحد يقول أنا مؤمن ويكون إيمانه صحيحًا ولا يعمل صالحًا مع إمكانه، لا يعمل أي جنس من الطاعات خوفا من الله - ﷿ -، ولا ينتهي عن أي معصية خوفا من الله - ﷿ -، هذا لا يُتصَوَّرْ.
ولهذا حقيقةً المسألَةُ تَرْجِعُ إلى الإيمان بالأمر، الأمر بالإيمان في القرآن وفي السنة كيف يؤمن به؟ كيف يحققه؟
يحقق الإيمان بعمَلٍ، بِجِنْسِ العمل الذي يمتثل به، فَرَجَعَ إذًا أن يكون الامتثال داخل في حقيقة الإيمان بأمره، وإلا فإنه حينئذ لا يكون فرقًا بين من يعمل ومن لا يعمل.
لهذا نقول إن الإيمان الحق بالنص، بالدليل يعني بالكتاب والسنة بالله وبرسوله ﷺ وبكتابه لابد له من امتثال، وهذا الامتثال لا يُتَصَوَّرُ أن يكون غير موجودٍ للمؤمن، أن يكون مؤمن ممكن أن يعمل ولا يعمل البتة.
وإذا كان كذلك، كان إذًا جزءًا من الإيمان لـ:
- أولا لدخوله في تركيبه.
- والثاني أنه لا يُتَصَوَّرْ في الامتثال للإيمان والإيمان بالأمر أن يؤمن ولا يعمل البتة.
إذًا فتحَصَّلْ من هذه الجهة أنّ الخلاف ليس صوريًا من كل جهة؛ بل ثَمَّ جهة فيه تكون لفظية، وثَمَّ جهة فيه تكون معنوية.
والجهات المعنوية والخلاف المعنوي كثيرة متنوّعة، لهذا قد ترى من كلام بعض الأئمة من يقول أنَّ الخلاف بين مرجئة الفقهاء وبين أهل السنة صوري؛ لأنهم يقولون العمل شرط زائد لا يدخل في المسمى، وأهل السنة يقولون لا هو داخل في المسمى فيكون إذًا الخلاف صوري.
من قال الخلاف صوري فلا يُظَنْ أنَّهُ يقول به في كل صُوَرِ الخلاف، وإنما يقول به من جهة النظر إلى التكفير وإلى ترتب الأحكام على من لم يعمل.
أما من جهة الأمر، من جهة الآيات والأحاديث والاعتقاد بها والإيقان بالامتثال فهذا لابد أن يكون الخلاف حينئذ حقيقيًا.
_________________
(١) سبق ذكره (٤٠٢)
[ ٤٠٦ ]
[المسألة السابعة]:
زيادَةُ الإيمان ونقصانُهُ اختلف فيها العلماء على أقوال:
١- القول الأول:
وهو قول جمهور أهل العلم من أهل السنة ومن المرجئة ومن غيرهم، قول الجمهور من جميع الطوائف أنَّ الإيمان يزيد وينقُصْ.
٢- القول الثاني:
أنَّ الإيمان يزيد ولا ينقُصْ، وهذا منسوبٌ إلى بعض أئمة أهل السنة؛ لأنَّ الدليل دلَّ على زيادته وهذا أمْرٌ لا يدخله القياس، فلا نقول بنقصانه لعدم ورود الدليل في ذلك.
٣- القول الثالث:
من قال إنَّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص وهو قول طائفة من المرجئة ومن غيرهم.
* ولا ارتباط ما بين الإرجاء والخلاف في الثلاثة أركان الأولى وما بين القول بزيادة الإيمان وبنقصانه.
تارَةً تجد من ذهب إلى أحد الأقوال يقول بزيادته ونقصانه ومن ذهب إليه لا يقول بزيادته ونقصانه.
يعني مثلًا الأشاعرة الذي هم مرجئة والماتريدية منهم من يقول بزيادته ونقصانه ومنهم من لا يقول بذلك لعدم ترتبها على حقيقة الإيمان، هذا أمر زائد أَدْخَلُوهُ في البحث.
فإذًا لا أثر في الخلاف في مسألة زيادته أو نقصانه على كونه مرجئًا.
فإذا قال أحد (الإيمان ما يزيد ولا ينقص) فإن هذا لا يدل على كونه مثلًا مرجئًا؛ لكنَّهُ يدل على أنه ليس من أهل السنة.
إذا قال (الإيمان نقول بزيادته ونقصانه) فهذا لا يدل على أنه من أهل السنة والجماعة، بل قد يكون مرجئًا.
فلا ارتباط بين مسألة الزيادة والنقصان ومسائل التعريف السالفة للإيمان.
[ ٤٠٧ ]
[المسألة الثامنة]:
عرَّف الإيمان بقوله إقْرارٌ باللِّسانِ، وتصديقٌ بالجَنَانِ، وقلنا في التعريف اعتقاد بالجنان.
والفرق ما بين التصديق والاعتقاد:
أنَّ التصديق شيء واحد؛ بمعنى أنَّهُ أمْرٌ واحد، عِبَادَةٌ واحدة.
وأما الاعتقاد فإنه يشمل أشياء كثيرة من أعمال القلوب.
لهذا قالت طائفة من السّلف في تعريف الإيمان (الإيمان قول وعمل) وهذا دقيق لأنه يشمل قول القلب وقول اللّسان.
(قول القلب) هو تصديقه وإخلاصه في الله - ﷿ -.
(وقول اللّسان) هو إعلانه الشّهادة.
وعَمَلْ: يشمل عمل القلب وعمل الجوارح.
(وعَمَلُ القلب) من محبة الله - ﷿ - والتوكل عليه والخوف منه - ﷻ - ورجاؤه والإنابة إليه وخشية الرّب - ﷻ - ونحو ذلك من أعمال القلوب.
فإذًا ما يتّصِلُ بالقلب من أمور الإيمان ليست شيئًا واحدًا، ليس هو التصديق فقط، بل ثَمَّ أشياء كثيرة في القلب، والتصديق هو أحدها.
ولهذا فإنَّ التفاضل -الزيادة والنقصان- زيادةٌ ونقصان باعتبار العمل الظاهر، وزيادةٌ ونقصان باعتبار عمل القلب الباطن.
فالناس يتفاوتون في الإيمان من جهة:
١ - زيادته ونقصانه في أعمالهم الظاهرة وهي أمور الإسلام: من الصلاة والزكاة والصيام والحج والاستسلام لله - ﷿ - في الأوامر والانقياد ونحو ذلك والانتهاء من المحرمات.
٢ - وكذلك أعمال القلوب.
وأعمال القلوب نوعان:
- أعمالٌ واجِبَةُ الفعل.
- وأعمالٌ مُحَرَّمَةُ العمل أو واجبة الترك.
@ أما واجبة الفعل مثل: محبة الله - ﷿ -، والإنابة إليه، والتوكل عليه، وخشيته، والخوف منه، والطمأنينة له، ونحو ذلك من أعمال القلوب.
@ وما يجب تركه من أعمال القلوب المحرمات، محرمات أعمال القلوب التي هي الكِبْرْ والبَطَر وتزكية النفس وسوء الظن بالله - ﷿ - ونحو ذلك، هذه كلها يجب تركها.
فإذًا أعمال القلوب مشتملة على:
١ - تصديق.
٢ - ومشتملة على أمور واجبٌ أن يعملها القلب، وأمور واجب أن ينتهي عنها القلب.
* وهذه كلها في الحقيقة متصلة؛ فالتصديق مُتَأَثِرٌ زيادَةً ونُقْصَانًَا بأعمال القلوب.
فأعمال القلوب تؤثر على تصديقه، فأعمال القلوب الواجبة إذا زادت محبته لله - ﷿ - زاد تصديقه، إذا زادت إنابته إلى الله وزاد خشوعه وخضوعه بين يدي الله وزاد توكله على الله ﷾ زاد تصديقه وزاد يقينه.
وكذلك إذا انتهى عن المحرمات، خضع لله - ﷿ -، لم يكن مُتَكبرا، ذليلًا لله - ﷿ -، غير مترفع على الخلق، مُحِبًَا لسلامته -سلامة قلبه-، مُبْتَعِدًا عما يفسد القلب، هذه كلها مؤثرة في تصديقه.
فإذًا رجع الأمر في زيادة الإيمان وفي نقصانه إلى زيادة الإيمان في أركانه الثلاثة ونقصان الإيمان في أركانه الثلاثة.
فإذًا زيادة الإيمان (يزيد بطاعة الرحمن) يعني:
- يزيد التصديق أو الاعتقاد بطاعة الرحمن.
- يزيد الإقرار باللسان بطاعة الرحمن.
- يزيد العمل بالأركان أيضا بطاعة الرحمن.
فزيادة الإيمان راجِعَةٌ للثلاثة جميعًا.
لأنَّ الزيادة: تارةً تكون بالعمل الظاهرمثل زيادة صلاة، زيادة صدقة، زيادة بر، زيادة جهاد في سبيل الله، طلب علم ونحو ذلك، فيَرْجِعُ هذا إلى التصدِيقِ وإلى الإقرار بزيادة.
فيكون تصديقه واعتقاده أكثر وأعظم وأمتن وأثبت وكذلك إقراره.
وهذا يُحِسُّهُ الإنسان من نفسه فإنه إذا زاد إيمانه زاد لَهَجُهُ بذكر به - ﷿ - تهليلًا وتسبيحًا وتحميدًا وتكبيرًا وتمجيدًا.
المسائل كثيرة نرجئ البقية إلى موضعٍ آتٍ إن شاء الله.
[ ٤٠٨ ]