قال بعدها (وَأَهْلُ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي النَّارِ لَا يُخَلَّدُونَ، إِذَا مَاتُوا وَهُمْ مُوَحِّدُونَ)
_________________
(١) هذه الجملة يقرر فيها الطحاوي ﵀ عقيدة أهل الأثر وأهل السنة في أهل الكبائر، مُخَالِفين في اعتقادهم ذلك لطوائف الضلال من الخوارج والمعتزلة والوعيدية بعامة. فأهل السنة في أهل الكبائر وسط ما بين فرقتين غالية كالخوارج والمعتزلة وجافية كالمرجئة. وسَطٌ ما بين من يقول (يخرج من الإيمان بكل كبيرة) وما بين من يقول (لا يضر مع الإيمان كبيرة) . فيعتقد أهل السنة والجماعة أنَّ أهل الكبائر من هذه الأمة مُتَوَعَّدُونَ بالنار؛ لكن إذا دخلوها وكانوا مُوَحِّدِينَ فإنهم لا يخلدون فيها، وقد يعذِّبهم الله - ﷿ - وقد يغفر لهم. وهذه مسألة واضحة من جهة الصّلة بمباحث الإيمان -كما سيأتي-، وسبق أن تكلمنا عن القول أو صلة البحث في الكبائر وأهل الكبائر مع الإيمان والمسألة المُسَمَّاةْ بمسائل الأسماء والأحكام. ودليل الطحاوي على هذه الجملة من النصوص كثير لا يُحْصَى-يعني كتقعيد-أنَّ كل آية فيها ذِكْرُ وَعْدٍ لأهل الإيمان فإنه يدخل فيها أهل الكبائر؛ لأنهم يدخلون في أنهم مؤمنون. وكل وعيد جاء لأهل الكفر بالخلود في النار فإنه يخرج منه أهل الكبائر من هذه الأمة إذا ماتوا موحّدين؛ لأنهم ليسوا من أهل الإشراك والكفر. فنصوص الوعد تشمل أهل الكبائر، ونصوص الوعيد للكفار لا يدخُلُهَا أهل الكبائر، وإنما لأهل الكبائر من هذه الأمة وعيدٌ خاص في أنهم قد يُعذَّبون وقد يُغفر لهم، وأنهم يَؤُول بهم الأمر بتوحيدهم إلى الجنة. ومن ذلك قول الله - ﷿ - في وعد أهل الإيمان ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٢٩]، وهذا في حق الصحابة رضوان الله عليهم، وكان منهم بالنَّصْ من عَمِلَ بعض الكبائر، وكذلك قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم:٩٦]، وكذلك قوله ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [النساء:٥٧، ١٢٢]، ونحو ذلك من آيات الوعد التي فيها وَعْدٌ لأهل الإيمان بدخول الجنة تشمل أهل الكبائر لأنهم مؤمنون. ومِنَ السّنة ما صح عنه ﷺ من دخول الموحد الجنة وإن زنى وإن سرق إذا مات على التوحيد. والمسألة مشهورة؛ يعني الأدلة فيها أنواع «يَخْرُجُ من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان» (١)، «أخْرِجُوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان» (٢)، «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» (٣)، «من قال لا إله إلا الله مُخْلِصًَا من قلبه أو نفسه دخل الجنة» (٤) كما رواه البخاري عن أبي هريرة؛ يعني أنواع النصوص في وعد المؤمنين بعامة، وكذلك في التنصيص على أنه يدخل الجنة وإن حصلت منه الكبيرة. نذكر هنا مسائل:
(٢) الترمذي (٢٥٩٨)
(٣) الترمذي (٢٥٩٣)
(٤) أبو داود (٣١١٦)
(٥) البخاري (٩٩)
[ ٤٣٦ ]
[المسألة الأولى]:
(أهل الكبائر) يُسَمَّى من ارتكب الكبيرة أنه من أهل الكبائر، أو يُوصَفُ أنه من أهل الكبائر إذا اجتمع فيه وصفان:
- الأول: العلم.
- والثاني: عدم التوبة.
فإذا عَلِمْ أنَّ هذا الفعل معصية واقتَحَمَهُ وكان مَنْصُوصًَا عليه أنَّهُ من الكبائر فيكون من أهل الكبائر.
والثاني أن لا يكونَ أَحْدَثَ توبة فإذا أحدث توبة فلا يُوصَفُ أنه من أهل الكبائر.
والكبائر جمع كبيرة، والكبيرة اختلف فيها العلماء اختلافًا كبيرًا، على أقوال شتى -ذكر لك عددا من الأقوال الشارح ابن أبي العز-:
- فمن أهل العلم من قال هي سبع مُقْتَصِرًا على حديث «اجتنبوا السبع الموبقات» (١) .
- ومنهم من قال هي سبعون -يعني من جهة العدد-.
- ومنهم من قال كل معصية كبيرة.
وهذه الأقوال ليست جيدة؛ بل الجميع غلط، فلا يُحَدُّ العدد بِحَدْ لعدم النص عليه، وليست كل معصية كبيرة للفَرْقِ في القرآن -كما سيأتي-، وكذلك ليست هي سبعين؛ يعني لم يثبت في العدد ولا في أنَّ كل معصية كبيرة شيء يمكن أن يُستَدَلَ به على ذلك.
ولهذا صار أجود الأقوال في الكبيرة قولان:
١- القول الأول: أنّ الكبيرة ما فيه حَدٌ في الدنيا أو عيدٌ بنار أو غضب.
٢- والقول الثاني: أنّ الكبيرة هي المعصية التي يُؤَثِّرُ فِعْلُهَا في أحد مقاصد الشّرعْ أو كُلِّيَاتِهِ الخمس، مقاصد الشّرع العظيمة أو في أحد كلياته الخمس.
والقول الأول هو المعروف عن الإمام أحمد وعددٍ من أهل العلم من أهل السنة.
والقول الثاني اختاره جمع من العلماء كالفقيه العز بن عبد السلام في قواعده، وقوّاهُ جمعٌ ممن تبعه في ذلك، وذكره النووي أيضًا في شرحه على مسلم من الأقوال القوية في المسألة.
هذان القولان قريبان.
والقول الأول عُرِّفَتْ فيه الكبائر بـ (ما فيه حد في الدنيا أو وعيد) .
(حد في الدنيا) يعني ما رُتِّبَ عليه حَدْ مَحْدُودْ، مثل السرقة فيها حد كبيرة، الزنا فيه حد كبيرة، شرب الخمر فيه حد كبيرة، السحر فيه حد كبيرة، الشرك بالله - ﷿ - هو رأس الكبائر، وكُلُّ ما رُتِّبَ فيه حد، فهذا ضابط لمعرفة أنه كبيرة.
(أو وعيد) ما تُوُعِّدَ عليه بالنار، فِعْلٌ تَوَعَدَ الله - ﷿ - عليه بالنار، جاء في الكتاب أو السنة التَوَعُّدْ عليه بالنار، قتل النفس هذا فيه حد وأيضًا تَوَعُّدْ بالنار، والخيانة، وأكل المال بالباطل أكل مال اليتامى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]، وأشباه ذلك، فما كان فيه حد أو كان توعد بنار فهذا ظاهر في أنه كبيرة.
ابن تيمية أضاف (ما نُفِيَ فيه الإيمان -لا يؤمن-، أو جاء فيه -ليس منا-):
ما نُفِيَ فيه الإيمان (لا يؤمن): يعني أضاف على التعريف الأول ما نُفِيَ فيه الإيمان «لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه» (٢) يقول: عَدَمُ أَمْنِ الجار من البوائق والاعتداء عليه هذا صار من الكبائر؛ لأنه نَفَى فيه الإيمان، ونَفْيُ الإيمان لا يُطْلَقُ عند ابن تيمية إلا على نَفْيِ الكمال الواجب، ولا يُنْقِصْ الكمال الواجب عنده إلا ما كان كبيرة.
أو جاء فيه (ليس منا): ليس منا من فَعَلَ كذا، ليس منا من غش، «من غشنا فليس منا» (٣)، «ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» (٤) هذا يدُلْ على أنَّ الفعل كبيرة عند ابن تيمية؛ لأنَّ النفي هذا (ليس منا) يقول يتوجَهُ إلى أنَّهُ ليس من أهل الإيمان وهذا النفي يرجع إلى الأول في أنه فَعَلَ كبيرة.
وذكرت لكم مرة أو أكثر أنَّ ابن عبد القوي في منظومته في الآداب الطويلة ذكر التعريف بقوله:
فما فيه حد في الدُّنى أو تَوَعُدٌ ****** بأخرى فَسَمْ كبرى على نَصِّ أحمدِ
وزاد حفيد المجد أو جا ****** وعيدُه بنفي لإيمان وطرد لمُبْعَدِ
يعني جَمَعَ قول الإمام أحمد واستدراك ابن تيمية عليه.
والتحقيق أن يُقال هذه الأقوال أعني هذين القولين قريبة، وهي صواب، وما كان فيه قَدْحٌ في مَقْصَدْ من مقاصد الشارع أو ضروري من الضروريات الخمس وصار إِحْدَاثُهُ أو فِعْلُهُ مَضَرَّتُهُ وإِفْسَادُهُ يرجع إلى هذه فهو في الحقيقة يكون في الشرع مُرَتَّبًَا عليه حد أو يكون في الشرع مُرَتَّبًَا عليه لعن أو طرد أو وعيد.
يدخل في التعريف الأول -يعني على كلام ابن تيمية- اللعن، كل ما فيه لعن أيضًا يدخل في حد الكبيرة -سبق أن ذكرنا لكم شيئا من ذلك-.
_________________
(١) سبق ذكره (٢٦٤)
(٢) سبق ذكره (٢٦٤)
(٣) مسلم (٢٩٤) / ابن ماجه (٢٢٢٤)
(٤) البخاري (١٢٩٤)
[ ٤٣٧ ]
[المسألة الثانية (١)]:
هل الإصرار على الصغيرة يُصَيِّرُهَا كبيرة أم لا؟
يعني من أَصَرَّ على كبيرة قلنا هو من أهل الكبائر من أمة محمد ﷺ أم لا؟
للعلماء في ذلك قولان:
القول الأول:
أنَّ الإصرار على الصغيرة يُصَيِّرُهَا كبيرة، كما جاء عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم كابن عباس وغيره.
- القول الثاني:
أنَّ الصغائر تختلف، وأنَّ الإصرار على الصغائر لِمَنْ تَرَكَ الكبائر لا يبقى معه صغيرة؛ لأنَّ الله - ﷿ - جعل الصلاة إلى الصلاة مُكَفِّرَات لما بينهن، إذا اجتُنِبَتْ الكبائر وجعل رمضان إلى رمضان مُكَفِّرًَا لما بينهما إذا اجتُنِبَتْ الكبائر، وهكذا العمرة إلى العمرة، وهكذا الحج ليس له جزاء إلا الجنة، الحج المبرور «ومن حج ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» (٢)، ونحو ذلك من الأذكار التي يمحو الله بها السّيئات، كذلك اتْبَاع السّيئة الحسنة، وهذا يَدُلُّ على أنَّ الموحد الذي لم يفعل الكبائر فإنَّ هذه العبادات العظيمة بفضل الله - ﷿ - تمحو عنه الصغائر التي وقعت منه، فلا يُتَصَوَّرْ أنَّ الصغائر تجتمع في حقه فتتحول إلى كبيرة، وهذا النّظر ظاهر من حيث الاستدلال.
ومن قال: إنَّ المُدَاوَمَة على الصغائر تحولها إلى كبيرة. يحتاج إلى دليل واضح من الكتاب أو السنة، والأدلة كما ذكرت تدلُّ على أنَّ الصغيرة من الموحد تُكَفَّرْ، فلا تجتمع عليه؛ ولكن هذا بشرط اجتناب الكبائر كما قال - ﷿ - ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفَّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء:٣١] .
نقف هنا، ونكمل بقية المسائل على بحث الكبائر في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.
وفّقكم الله لما يحب ويرضى، وجمعنا على الحق والهدى. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
_________________
(١) هذه المسألة لم يجعلها الشيخ مستقلة وإنما هي تابعة لما قبلها، وقد جعلتها في مسألة مستقلة تنبيهًا عليها.
(٢) البخاري (١٥٢١)
[ ٤٣٨ ]
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:
الأسئلة
س١رحمه الله ما توجيهكم لحديث البطاقة وحديث «يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطيئة ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة» رواه مسلم (١) مع العلم أنَّ صاحب الكبيرة تحت المشيئة؟
جرحمه الله ما فهمت وجه الاستشكال؛ لكن لعله أنه فَهِمْ من العموم في حديث «يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة» فَهِمْ من العموم أنَّ هذا يعارض كون صاحب الكبيرة تحت المشيئة إذا مات غير تائب.
وهذا غير وارد لأنَّ النصوص يُصَدِّقُ بعضها بعضًا، والآيات يفسر بعضها بعضًا، والأحاديث يفسر بعضها بعضًا، وكذلك الوعد لا ينافي الوعيد، فقوله «أتيتك بقرابها مغفرة» هذا وعدٌ من الله - ﷿ - لمن حقَّقَ التوحيد لا يُشْرِكُ بالله شيئا، وكون صاحب الكبيرة تحت المشيئة لا يُعَارِضُ هذا الأصل؛ لأنَّ هذا والوعد والوعيد يُطلقان ويكونان على إطلاقهما، وكذلك يجتمعان في حق المعين، فيجتمع في حق المعين الوعد والوعيد، وهذا في حق مرتكب الكبيرة، ويدخُلُ في عموم أهل الإيمان الذين وعدهم الله - ﷿ - بالجنة، كل مؤمن وعَدَهُ الله - ﷿ - بالجنة، يدخل في المسلمين الذين جعل الله - ﷿ - لهم مغفرة وأجرا عظيما كما في آية الأحزاب ﴿الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى قوله ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٣٥] ونحو ذلك.
فأهل السنة والجماعة في مثل هذه الأدلة التي فيها الوعد وفيها الوعيد، يُعمِلُونَ الوعد ويُعمِلُونَ الوعيد والوعد بشرطه والوعيد أيضا بشرطه، فلا مُنافاةَ ما بين الأدلة بل الأدلة يُصدِّق بعضها بعضا.
س٢/ ﵀ ما الضابط في التفريق بين الفعل والصفة في صفات الله - ﷿ - وأفعاله؟
ج/ ﵀ صفة الرب - ﷻ - مُشتملة على فِعلٍ له ﷾ ومُشتملة على ما هو لازِمٌ من غير الفعل؛ يعني أنَّ صفات الرب - ﷻ - منها ما هو صِفَةُ فعل ومنها ما هو صفة ذات، فليست كلها متعدية تَعَدِّي الأفعال.
فمثلا وجه الرّب - ﷻ - صفة وليس بفعل، اليدان للرب - ﷻ - وصف له سبحانه وليستا باسْمٍ ولا فعل.
فإذًا الفعل هو فِعْلٌ يفعله الله - ﷿ - له أثره، فالصفات منها ما هو صفة فعلٍ مثل الرحمة وهي صفة ذات لكن لها أثرها ومثل النزول وأشباهه والغضب الرضا، وهذا يتعلق بالمخلوق، فيفعله - ﷿ - ويتصف به ﷾.
وهناك القسم الآخر التي هي صفات الذات، صفات الذات كثيرة لا علاقة لها بالأفعال.
فإذًا نقول: ليست كل صفة لله - ﷿ - فِعْلًا، فقد تكون متعلِّقَة بفعل أو لها فعل أو أثرُها فيه فعل، وقد لا يكون ذلك، ولهذا لا يُشْتَقُ من الصفة فِعْلْ مُطْلَقًَا، كما أنه لا يُشتق من الفعل صفة مطلقًا، وذلك أنّ الأفعال أوسع في باب وصف الله - ﷿ - من الصفات، فقد يكون ثَمَّ فعل لله - ﷿ - ولا نشْتَقُ منه صفةً؛ يعني لا نشتق من الحدث المُسْتَكِنّْ في الفعل صفة لله - ﷿ -.
مثلًا الأفعال المنقسمة إلى محمود ومذموم مثل المكر ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال:٣٠]، ومثل ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢]، ومثل ﴿مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة:١٤-١٥]، ونحو ذلك من الأسماء نشتق منها صفات مُطْلَقًَا (٢)، ونقول الفعل أُطْلِقَ على الله - ﷿ - فنقول له صفة الاستهزاء، له صفة المخادع، له صفة المكر، وهكذا، بل تُطْلَقْ هذه الصفات مُقَيَّدَة لأنَّ المكر والمخادعة والاستهزاء ليست كمالًا في كل حال؛ بل قد تكون كمالًا، وقد تكون نقصًا، فتكون كمالًا إذا كانت بحق، ومن آثار صفات الكمال الأخّرْ، وتكون نقصًا إذا كانت بباطل، وكانت من آثار صفات النقص في المخلوق.
فإذًا باب الأفعال أوسع من باب الصفات، وليس كل فعل نشتق منه صفة لله - ﷿ -، وليست كل صفة نشتق منها الفعل لله - ﷿ -؛ لأن الصفات منها ما هو صفة ذات ومنها ما هو صفة فعل.
نكتفي بهذا.
_________________
(١) مسلم (٢٦٨٧)
(٢) - لعل مراد الشيخ (ونحو ذلك من الأفعال لا نشتق منها صفات مطلقًا)
[ ٤٣٩ ]
[المسألة الثالثة]:
في قوله (مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ) هذه الجملة أو شبه الجملة لا مفهوم لها، فليس هذا الحكم خاصًا بأمة محمد ﷺ بل هو عام لهذه الأمة ولغيرها؛ لأنه:
- لم يَدُلَّ دليل على تخصيص هذه الأمة بهذا الفضل.
- ولأنَّ هذه ترجع إلى قاعدة الوعد والوعيد، وهما مما تشترك فيه الأمم لأنَّ أصلها واحد، قال (وَأَهْلُ الْكَبَائِرِ فِي النَّارِ لَا يَخْلُدُونَ -أو يُخَلَّدُونَ-) بشرط (إِذَا مَاتُوا وَهُمْ مُوَحِّدُونَ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا تَائِبِينَ) .
[ ٤٤٠ ]
[المسألة الرابعة]:
دخول أَهْلُ الكَبَائِرِ في النَّارِ، هذا وعيد، وهذا الوعيد يجوز إخلافُهُ من الرب - ﷻ -؛ وذلك أنَّ مرتكب الكبيرة إذا تابَ في الدنيا تابَ الله عليه، وإذا طُهِّرَ بِحَدٍ أو نحوه كتعزير فإنه تكون كَفَّارَةْ له.
فإذًا يكون مرتكب الكبيرة من أهل الوعيد إلا في حالات:
الحال الأولى:
أن يكون تائبًا كما ذكرنا لك؛ لأنَّ التوبة تَجُبُّ ما قبلها، قال الله - ﷿ - في آخر سورة الزمر ﴿قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣] أجمَعَ أهل التأويل والتفسير-: أنها نزلت في التّائبين، فمن تَابْ تابَ الله - ﷿ - عليه، فلا يلحق التائب وعيد لأنه قد مُحِيَتْ عنه زلته وخطيئته بالتّوبة.
٢- الحال الثانية:
أن يُطَهَّرَ من تلك الكبيرة إما بِحَدْ كمن شرب الخمر مثلًا فأُقيمَ عليه الحد فهو طهَّارَةْ وكفَّارة له، وكذلك من قَتَلَ مسلمًا فقُتِلَ، أو من قَتَلَ مسلمًا خطأً فَدَفَعَ الدّية، فإنَّ هذا كفارةٌ له، أو سرق فقُطِعَتْ يده فهو كفارة له، أو قَذَفْ فأقيم عليه حد القذف (١) فهو كفارة له، أو زنى إلى أخره، أو كان تعزيرًا أيضًا فإنه طهارة.
يعني أنَّ ما يُقَامُ على المسلم من حد أو تعزير من عقوبة في الدنيا فإنها من جنس العقوبة في الآخرة تُطَهِّرُهُ من هذا الذنب.
٣- الحال الثالثة:
بعض الذنوب الكبائر تكون لها حسنات ماحية، مثلًا الصدقة في حق القاتل قال - ﷿ - ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة:٤٥]، ومثل الجهاد العظيم فإنه يُنْجِي من العذاب الأليم، قال سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ [الصف:١٠-١١]، والعذاب الأليم هو لمن فعل الكبيرة؛ لأنه وعيد شديد.
٤- الحال الرابعة:
أن يكون الله - ﷿ - يغفر له ذلك لأسباب متعددة، ذكرنا لكم شيئا منها فيما مضى في العشرة أسباب المشهورة (٢) وقد يدخُلُ بعضها فيما ذكرنا لكم آنفا.
٥- الحال الخامسة:
أن يغفر الله - ﷿ - له بعد أن صار تحت المشيئة.
يعني يوم القيامة، لا يكون عنده حسنات، ولا يكون أتى بشيء؛ ولكن يغفر له الله - ﷿ - مِنَّةً منه وتَكَرُّمًا.
وهؤلاء هم الذين يقال عنهم تحت المشيئة؛ يعني إذا لم يتوبوا ولم يُقَم عليهم الحد أو طُهِّرُوا ولم يأتوا بشيءٍ من أسباب تكفير الذنب، فإنهم تحت المشيئة إن شاء الله - ﷿ - غفر لهم وإن شاء عذّبهم في النار ثم يخرجون لا يخلدون.
وهنا شَرَطَ المؤلف -شرط الطحاوي﵀ لهؤلاء الذين لا يَخلُدون في النار إذا دخلوها -يعني لمن لم يغفر الله - ﷿ - له؛ بل شاء أن يعذبه- شَرَطَ له شرطين نذكرهما في المسألة الخامسة.
_________________
(١) انتهى الوجه الأول من الشريط الثاني والثلاثين.
(٢) انظر (٣٧٢)
[ ٤٤١ ]
[المسألة الخامسة]:
من لم يُغْفَرْ له ممن لم يتب فإنه يُشتَرَطُ لعدم خلوده في النار شرطان:
@ الشرط الأول: أن يكون مات على التوحيد، وهذا كما هو شرطٌ عام في دخول الجنة، كذلك هو شرطٌ عام في الخروج من النار، كما ثبت في الصحيح أنَّ النبي ﷺ قال «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرّة من إيمان» (١)، فالتوحيد أساس لعدم الخلود في النار، فكل موَحِدٍ لابد أن يخرج من النار.
@ الشرط الثاني: أنه لا يَخْلُدُ في النار إذا لم يأتِ في ارتكابه لهذه الكبيرة بما يجعله مُسْتَحِلًا لها، فقد يكون من جهةٍ مُوَحِّدًا في الأصل، في نطقه بالشهادتين، ويكون من جهة أخرى في هذه الكبيرة بعينها مُسْتَحِلًا لها، وهذا بقيد:
١ - أن تكون الكبيرة مما أُجْمِعَ على تحريمه.
٢ - وكان المُسْتَحِلُّ لها غير متأول.
وهذه قد تدخل مع شيء من النظر في الحال الأول لأنَّ حقيقة الموحد هو أنه غير مستحلٍ لشيءٍ من محارم الله - ﷿ -.
_________________
(١) سبق ذكره (٤٣٦)
[ ٤٤٢ ]
[المسألة السادسة]:
الخلود في النار نوعان: خلودٌ أمدي إلى أجل، وخلودٌ أبدي.
- والخلود الأمدي: هو الذي تَوَعَّدَ الله - ﷿ - به أهل الكبائر.
- والخلود الأبدي؛ المُؤَبد: هو الذي تَوَعَّدَ الله - ﷿ - به أهل الكفر والشرك.
& فمن الأول: قول الله - ﷿ - ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣]، فهذا خلود لكنه خلود أمدي؛ لأنَّ حقيقة الخلود في لغة العرب هو المُكث الطويل، وقد يكون مُكْثًَا طويلًا ثُمَّ ينقضي، وقد يكون مُكْثًَا طويلًا مؤبدًا.
& ومن الثاني: وهو الخلود الأبدي في النار للكفار قول الله - ﷿ - ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن:٢٣]، وكذلك قوله - ﷿ - في آخر سورة الأحزاب ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب:٦٤-٦٥]، هذا خلود أبدي.
ولذلك يُمَيَّزْ الخلود في القرآن بالأبدية في حق الكفار، وأما في حق الموحدين فإنه لا يكون معه كلمة (أبدًا) .
وهذا الذي بسببه ضَلَّتْ الخوارج والمعتزلة فإنهم رأوا (خالدين فيها) في حق المُرَابي وفي حق القاتل فظنوا أنَّ الخلود نوع واحد، والخلود نوعان.
ومما يتصل بهذا أيضًا لفظ التحريم في القرآن، ولفظ عدم الدخول للجنة في القرآن، وكذلك عدم الدخول إلى النار.
يعني لفظ التحريم (إنَّ الله حَرَّمَ الجنة)، أو (حَرَّمَ الله عليه النار)، أو (لا يدخل الجنةَ قاطع رحم)، أو (لا يدخلون الجنةَ)، ونحو ذلك.
فهذه مما ينبغي تأمُلُهَا وهو أنَّ التحريم في القرآن والسنة ونفي الدخول نوعان:
- تحريمٌ مؤبد.
- وتحريمٌ إلى أمد.
كما أنّ نفي الدخول:
- نفْيُ دخولٍ مؤبد.
- ونفي دخولٍ إلى أمد.
فتَحَصَّلَ من هذا أنَّ الخلود في النار نوعان: خلود إلى أمد، وخلود أبدي.
وأنَّ تحريم الجنة -كما جاء في بعض النصوص- أو تحريم النار وقد يكون تحريمًا إلى أمد وقد يكون تحريمًا إلى الأبد.
وكذلك نفي الدخول (لا يدخل الجنة) (لا يدخل النار) هذا أيضا نفي دخولٍ مؤبد أو نفي دخولٍ مؤقت
وهذا التفصيل هو الذي به يفترق أهل السنة والجماعة أتباع السلف الصالح مع الخوارج والمعتزلة وأهل الضلال بجميع أصنافهم فإنهم جعلوا الخلود واحدًا وجعلوا التحريم واحدًا وجعلوا نفي الدخول واحدًا، والنصوص فيها هذا وهذا.
[ ٤٤٣ ]
[المسألة السابعة]:
في قوله (لَا يَخْلُدُونَ، إِذَا مَاتُوا وَهُمْ مُوَحِّدُونَ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا تَائِبِينَ) هذه الجملة معروفة أصلًا لأنَّ التائب من الذنب كمن لا ذنب له، فهي من باب التأكيد ليست إشارة لخلاف ولا إشارة لشرط ونحو ذلك.
[ ٤٤٤ ]
[المسألة الثامنة]:
في قوله (بَعْدَ أَنْ لَقُوا اللَّهَ عَارِفِينَ مُؤْمِنِينَ) هنا توقف الشارح ابن أبي العز عند قوله (بَعْدَ أَنْ لَقُوا اللَّهَ عَارِفِينَ) وتَعَقَّبَ الطحاوي في لفظ (عَارِفِينَ) وأنَّ المعرفة ليست ممدوحة، فإنَّ بعض الكفار كانوا يعرفون، إبليس يعرف، وفرعون يعرف، وأنَّ في هذا القول وهو (بَعْدَ أَنْ لَقُوا اللَّهَ عَارِفِينَ) فيه نوع مشاركة للجهمية ولغلاة المرجئة.
وهذا التعقيب من الشارح ﵀ في هذا الموطن فيه نظر؛ لأنَّ لفظ العارف أو المعرفة هذه ربما جاءت في النص ويُرادُ بها التوحيد والعلم بالشهادتين، فكأنَّ الطحاوي يقول: بعد أن لقوا الله عالمين بالشهادتين مؤمنين.
وهذا جاء في حديث معاذ المشهور أنَّ النبي ﷺ لمَّا بعثه إلى اليمن قال له «إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فإن هم عرفوا ذلك فأعلمهم» (١) إلى آخره وهذا اللفظ رواه مسلم في الصحيح، فاستَعْمَلَ لفظ المعرفة ويُعنَى به العلم بالشهادتين.
وتوجيه كلام الطحاوي إلى هذا الأصل أولى من تخطئته فيه؛ لأنَّ الأصل في كلام العلماء الإتباع إلا ما دَلَّ الدليل على خلافه.
_________________
(١) البخاري (٧٣٧٢)
[ ٤٤٥ ]
[المسألة التاسعة]:
في قوله (وَهُمْ فِي مَشِيئَتِهِ وَحُكْمِهِ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ، وَعَفَا عَنْهُمْ بِفَضْلِهِ، كَمَا ذَكَرَ - ﷿ - فِي كِتَابِهِ: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨، ١١٦]، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ فِي النَّارِ بِعَدْلِهِ، ثُمَّ يُخْرِجُهُمْ مِنْهَا بِرَحْمَتِهِ وَشَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ مِنْ أَهْلِ طَاعَتِهِ، ثُمَّ يَبْعَثُهُمْ إِلَى جَنَّتِهِ) هذه الجملة الطويلة تقريرٌ لأصل عند أهل السنة والجماعة خالفوا به الخوارج والمعتزلة: أنَّ أهل الكبائر إذا ماتوا غير تائبين تحت المشيئة.
وقول الله - ﷿ - ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ يعني في الكبائر لمن مات غير تائبٍ منها.
والمحققون من أهل العلم جمعوا بين هذه الآية وآية سورة الزمر ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣]، وهنا ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فأطْلَقَ في آية الزمر وهنا قال ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وذلك أنَّ هذه الآية في حق غير التائبين، وأما آية الزمر ففي حق من تاب.
فهو سبحانه لمن مات غير تاب إن شاء غفر وعفا وهذا فضل وإن شاء عَذَّبَ وهذا عدل منه سبحانه بعباده.
ثم قوله (ثُمَّ يُخْرِجُهُمْ مِنْهَا بِرَحْمَتِهِ وَشَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ مِنْ أَهْلِ طَاعَتِهِ) هذا فيه ذِكْرُ سببين للخروج من النار في حق أهل الكبائر.
وهذان السَّببان ضَلَّتْ فيها الفرق من المعتزلة والخوارج ومن شابههم:
١- السبب الأول: رحمة الله - ﷿ -، والرحمة قاعدة عامة في كل فَضْلٍ يحصل للعبد في الدنيا وفي الآخرة.
فالخروج من النار برحمة الله، التخفيف من الحساب برحمة الله، دخول من دَخَلَ الجنة برحمة الله - ﷿ -، كما صح عنه ﷺ أنه قال «لن يُدْخِلَ أحَدَكُم الجنة عملُه» (١) أو «لن يَدْخُلَ أحدكم الجنة بعمله»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل»، فهذا السبب عام، فكل من خَرَجَ هو برحمة الله، حتى فيمن شَفَعْ وشُفِّعْ فإنَّ العبد يخرج بعد شفاعة الشافعين برحمة الله - ﷿ -، وهذا يعني أنَّ قوله (بِرَحْمَتِهِ وَشَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ) أنها نفهم منها أنه أراد شيئًا مستقلًا وهو أنه محض تفضِّلٍ منه - ﷿ -؛ عَذَّبَ ثم أخرجهم برحمته.
وهذه الرحمة في هذا الموطن لها تفسيران:
- الوجه الأول: أنَّ جَعْلْ الكبيرة مع ما فيها من عِظَمْ المبارزة لله - ﷿ - والتهاون بأمره ومخالفته وارتكاب نهيه، أنَّ هذه الكبيرة لم يحكم الله - ﷿ - على من ارتكبها أنَّهُ يُعَذَّبُ أبدًا.
فكون العذاب إلى أمد رحمة، ثم انقضاء العذاب رحمة، ثم بعثهم إلى الجنة أيضا رحمة.
- الوجه الثاني: أنّ الله - ﷿ - يُخرجُ من النار أيضًا أقوامًا صاروا حِمَمًا، يعني صاروا على لون السواد من شدة العذاب -والعياذ بالله-، ثم يُلْقَونَ في نهر الحياة فينبُتون فيه من جديد كما تنبت الحِبَّةُ في جانب الوادي وحميل السيل، وهذا أيضًا رحمةٌ من الله - ﷿ - في حق من ارتكب الكبيرة.
٢- والسبب الثاني: شفاعة الشافعين من أهل طاعته.
وشفاعة الشافعين:
- أعلاها شفاعة النبي ﷺ في أهل الكبائر أن يخرجوا من النار.
- ثم شفاعة الملائكة للمؤمنين الذين ارتكبوا الكبائر أن يخرجوا من النار.
- ثم شفاعة الوالدين لأولادهما.
- وهكذا شفاعة المُحِبْ لحبيبه من أهل الإيمان فيمن شاء الله - ﷿ - أن يُشَفِّعَهُ.
وهذان الأمران: الرحمة على ما ذكرت، وشفاعة الشافعين أيضًا على هذا الوصف- وقد تقدم أظن بحث الشفاعة مُطولًا-، وهذان خالف فيهما أهل الفرق وخاصةً الخوارج والمعتزلة ومن شابههم.
_________________
(١) سبق ذكره (٣٧٨)
[ ٤٤٦ ]
[المسألة العاشرة]:
قال (وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَوَلَّى أَهْلَ مَعْرِفَتِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُمْ فِي الدَّارَيْنِ كَأَهْلِ نُكْرَتِهِ الَّذِينَ خَابُوا مِنْ هِدَايَتِهِ، وَلَمْ يَنَالُوا مِنْ وَلَايَتِهِ) هذه الجملة يُذَكِّرُ بها الطحاوي ﵀ كُلَّ من أَنْعَمَ الله - ﷿ - عليه بنعمة أن يتذكَّرْ بأنه أُنْعِمَ عليه وتُفُضِّلَ عليه وأُحْسِنَ إليه ومَنَّ الله - ﷿ - عليه بهذه النعمة، فالذي عَصَى الله - ﷿ - وعفا الله عنه أو عَذَّبَهُ ثم أنجاه، هذا كله من آثار تولي الله - ﷿ - لأهل الإيمان.
وهذا يدل على أنَّ وَلاية الله - ﷿ - لعباده المؤمنين تتبعض ليست كاملة، فإنَّ وَلايَة الله - ﷿ - -وهي محبته لعبده ومودته له ونُصرتُه له وتوفيقه ونحو ذلك- لا يكون جملةً واحدة؛ إما أن يأتي في المعيّن وإما أن يزول كقول الوعيدية، بل يجتمع في حق المعين في الدنيا والآخرة أنه محبوبٌ من جهة ومُبغَضٌ من جهة، مُتولًا من جهة ومخذول من جهة أخرى.
وهذا هو الذي أراده في أنَّ أهل الكبائر في اعتقاد أهل السنة والجماعة لا يَخْلُون من نوع وَلايَةِ لله - ﷿ - لهم، فالله - ﷿ - (تَوَلَّى أَهْلَ مَعْرِفَتِهِ) يعني أهل توحيده، (وَلَمْ يَجْعَلْهُمْ فِي الدَّارَيْنِ) في الدنيا والآخرة (كَأَهْلِ نُكْرَتِهِ)؛ يعني أهل الكفر الذين ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾ [النحل:٨٣]؛ بل لهم نصيب من وَلايَةِ الله - ﷿ -.
فوَلايَةُ الله وهي محبَتُهُ ونُصرَتُهُ في حق المُعيَّن من أهل القبلة تتبعَّض، يعني تكون في فلان أعظم منها في فلان، فالمؤمن المًسَدَّد الذي كَمَّلَ إيمانه بحسب استطاعته له من وَلايَةِ الله - ﷿ - الولاية الكاملة التي تناسب مقامه في الإيمان، والذي يخلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا له نصيب من محبة الله - ﷿ - ووَلايَتِهِ ونُصرَتِهِ بحسب ما عنده من الإيمان.
فإذًا في حق المُعَيَّنْ حتى من أهل الكبائر يجتمع فيه وَلَايَة من جهة وخُذلان من جهة أخرى، وهذا هو معتقد السلف وأهل السنة والجماعة في هذه المسألة العظيمة.
[ ٤٤٧ ]