_________________
(١) قال ﵀ (وَالْإِيمَانُ: هُوَ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَحُلْوِهِ وَمُرِّهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى) لَمّا ذَكَرَ الإيمان وأنَّهُ الإقرارُ باللسان والتصديق بالجنان، ومَرَّ معك أنَّهُ لابد فيه من العمل وهو جزء مسماه، عَرَّفَ الإيمان الذي يُصَدَّقْ به والذي يُقَرْ به. ما هو الإيمان؟ (الْإِيمَانُ: هُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَالتَّصْدِيقُ بِالْجَنَانِ) تصديق بالجنان بأي شيء؟ وإقرار باللسان بأي شيء؟ فذَكَرَ لك أركان الإيمان الستة المعروفة التي دلَّ عليه الكتاب والسنة وإجماع الأمة. وهذه الأركان الستة تسمى أركان الإيمان؛ لأنها جاءت حصرًا في جواب سؤال وهو قول جبريل ﵇ للنبي ﷺ: أخبرني عن الإيمان؟ قال «الإيمانُ أن تؤمن باللهِ، وَمَلاَئِكَتِهِ، وَكتبهِ، وَرُسُلِهِ، واليومِ الآخِر، وَالقَدَرِ: خَيْرِهِ وشَرِّهِ» (١) قال: صدقت. وسُمِّيَت أركان الإيمان هذه عند أهل السنة والجماعة وعند غيرهم أيضًا؛ لأنها جاءت جوابًا على سؤال، والأصل في الجواب أنه يقتضي الحصر والحد الأدنى مما يَصْدُقُ عليه الجواب، وذِكْرُهَا للتنصيص عليها في القرآن والسنة: أما في القرآن فجاءت في غير موضع كقول الله - ﷿ - ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة:١٧٧] . و﴿الْبِرَّ﴾ هنا المقصود به الإيمان. وكذلك قوله ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥] . وكذلك قوله ﷻ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:١٣٦] . وفي القَدَرِ قوله - ﷿ - ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢]، وكذلك قوله ﷻ ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] . ومن السنة حديث عمر ﵁ الذي رواه مسلم في الصحيح -المعروف بحديث جبريل- حيث جاء أعرابي في الحديث المعروف لديكم إلى النبي ﷺ لا يُرَى عليه أثر السفر ولا يعرفه أحد من الصحابة، إلى أن سأله عن الإيمان فقال أخبرني عن الإيمان فذكر هذه الستة. وكذلك هو في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁. وهذه الأصول الستة، أركان الإيمان الستة هي التي يجب التصديق بها والإقرار بها لسانًا؛ يعني يُقِرْ بلسانه أنَّهُ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، وكذلك يعتقد بقلبه مُصَدِّقًَا بهذه الأشياء الستة. وقد مر معنا فيما قبل تفصيل الكلام على هذه الأركان الستة من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، ويأتي الكلام على الإيمان باليوم الآخر تفصيلًا، وتتمة الكلام على الإيمان بالقدر. وعلى هذه الجملة نذكر بعض المباحث والمسائل.
(٢) سبق ذكره (٩)
[ ٤٢٧ ]
[المسألة الأولى]:
أنَّ هذه الستة يُعَبَّرُ عنها بالأركان، وكلمة الأركان سواءً أركان الإسلام أو أركان الإيمان أو غير ذلك هي تسمية اصطلاحية، لم يأتِ بها الدّليل أنَّ هذا ركن.
فالأدلة ليس فيها تفريق في المباني ما بين الركن وما بين غيره من حيث التّسمية.
وفي العبادات أيضًا ليس في الأدلة تسمية الأركان أركانًا والواجبات واجبات.
والعلماء من جهة الاصطلاح وما دلَّ عليه الدليل:
- جعلوا ما يقوم عليه الشيء ويسقُطُ بسقوطه رُكنًا.
- وجعلوا ما يتمّ به الشيء على جهة اللزوم جعلوه واجبًا.
ولهذا سَمُّوا أركان الإسلام الخمسة أركانًا وهي واجبات؛ لأنَّ الركن أعظم من الواجب فيُسَمَّى واجبًا وهو ركن بسقوطه يسقط البناء.
ومما يدلّك على أنَّ التسمية اصطلاحية أنهم مع اتِّفَاقِهِم على أنَّ أركان الإسلام خمسة فهم اختلفوا اختلافًا شديدًا فيمن ترك ركنًا من هذه الأركان الخمسة غير الشهادتين والصلاة والزكاة؛ يعني من ترك الصيام أو ترك الحج فهل يقال انهدم إسلامُه.
وكذلك في أركان الإيمان هل من تَرَكَ بعض أفراد هذه الأركان يعني شكَّ أو تَرَكَ الإيمان ببعض ما يتصل باليوم الآخر لجهله أو لتأويله أو نحو ذلك هل يسقط الركن في حقه؟ أو ما تتصل به مسائل القدر هل يسقط الركن في حقه؟ مما للعلماء فيه بحث.
هذا مهم لك لأجل أنَّ تسمية الركن تسمية اصطلاحية، ولا يعني أن تُرَتِّبَ عليها أنَّ ذهاب ما تظن أنه الركن أو بعض أفراده أنَّهُ يعني عدم صحة الإيمان أو عدم صحة الإسلام أو الكفر.
وحقيقة الركن في الاصطلاح هو ما تقوم عليه ماهية الشيء ولا يُتَصَوَّرُ بدونه.
والإيمان بالله - ﷿ - ركْنٌ، فمن لم يؤمن بالله لم يصحّ إيمانه، كذلك الإيمان بالملائكة وأنهم موجودون وعلى نحو ما فصَّلنا لك في القَدْرِ المُجْزِئِ من الإيمان هذا ركن.
فلكل ركنٍ من هذه الأركان الستة قَدْرٌ يَصِحُّ به، وهناك شيء زائد قد يكون واجبًا؛ ولكن يأثم الإنسان على عدم الإيقان به ولكن ليس داخلًا في حد الركن؛ يعني بمعنى إذا سَقَطْ أو لم يأت به فإنه لا يَصِحّ إيمانه.
فإذًا الإيمان إقرارٌ باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان، وما يتصل بأركان الإيمان الستة هذه تصديق بالجنان على نحو ما فصلنا لك سابقا في القَدْرِ المجزئ من كل مسألة وركن منها.
من تتمة البحث مسألة أركان الصلاة وواجبات الصلاة، ثَمَّ خلاف كبير بين العلماء هل هذا ركن أو هذا واجب؟ ولماذا سَمَّوا هذا ركنًا وهذا واجبًا؟ إلى آخره مما له صلة بفهمك لمعنى الركن ومعنى الواجب.
[ ٤٢٨ ]
[المسألة الثانية]:
خلاصة الكلام على هذه الأركان السّتة بحيث يمكنك معه أن تُقَرِّرْ حقيقة الإيمان وعقيدة السلف فيما يتصل بهذه الأركان الستة.
١- أولًا الإيمان بالله:
الإيمان بالله ثلاثة أقسام:
@ إيمان بالربوبية: يعني إيمان بأنَّ الله واحد في ربوبيته، في تدبيره لهذا الملكوت، وفي رجوع كل شيء إليه.
@ إيمان بالألوهية: يعني بأنَّ الله واحد في استحقاقه العبادة، ولا أحد معه يستحق شيئا من العبادة.
@ إيمان بالله في أسمائه وصفاته: يعني بأنَّ الله واحدٌ في أسمائه وصفاته ليس له مثيلٌ ولا ند وليس له كُفُو وليس له سَمِيٌ في أسمائه وصفاته من جهة الكيفية ومن جهة تمام المعنى وشمول ما دلّ عليه الاسم والصفة من المعنى.
٢- ثانيًا الإيمان بالملائكة:
الإيمان بالملائكة إيمانٌ بأنهم موجودون، وهذا الإيمان فيه إجمال وتفصيل، وكلُّ من عَلِمَ شيئًا مما جاء في الدليل من كتاب الله ﷻ أو في سنة المصطفى ﷺ الصحيحة فإنه يجب إيمانه به، كما ذكرنا لك سابقًا أنَّ القَدْرَ المجزئ للإيمان بالملائكة الإيمان بوجود الملائكة، وأنهم عُبَّادْ لله - ﷿ - لا يُعبَدُون.
٣- ثالثًا الإيمان بالكتب:
وهو الإيمان بكل كتاب أنزله الله - ﷿ - ما عَلِمْنَا منه وما لم نعلم، إيمانًا إجماليا في المجملات -يعني فيما لم نعلم- وتفصيليًا فيما وقفنا على اسمه من كتب الله - ﷿ -.
٤- رابعًا الإيمان بالرسل:
الإيمانبالرسل أيضًا على نفس المنوال؛ إيمانٌ بأنَّ الله - ﷿ - أرسَلَ رُسُلًا وأيّدهم بالبراهين والآيات والمعجزات، وجعلهم هُدَاةً إلى الحق دالّين عليه، وهم كثير منهم من قُصَّ علينا ومنهم من لم يُقَصَّ علينا، فتؤمن بهم إجمالا ونؤمن بهم تفصيلا فيما بلغنا تفصيله.
هذه كلها جمل سبق الكلام عليها مُفَصَّلًا -تذكرون- في مواضعها.
٥- خامسًا الإيمان باليوم الآخر:
القَدْرْ المُجْزِئْ منه أن يؤمن العبد ويوقن ويُصَدِّقْ بأنَّ هناك يومًا يبعث الله فيه العباد فيجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، ثُمَّ تحته مباحث كثيرة من الحال في البرزخ، ثم ما بعد النفخة الأولى، ثم ما بعد النفخة الثانية، ثم اجتماع الناس في العَرَصَات -عرصات القيامة-، ثم الحوض، ثم الصحف، ثم الميزان والصراط والظُلْمَة والنار والجنة والحساب والاقتصاص وانقسام الناس كل ما في القرآن من ذلك.
واليوم الآخر كثيرٌ تفاصيله في القرآن جدًا، وكذلك في السنة كثيرٌ تفاصيله.
ويمكن أن يضبطه طالب العلم من جهة التفصيل بأن يُرَتِّبَ ما جاء فيه من الأدلة في القرآن أو في السنة، يرتبها في قلبه من حين نفخة البعث إلى دخول أهل الجَنة الجنة ودخول أهل النّار النار.
تُرَتِّبْ ما يحدث على مراحل:
النفخة، ما يحصل بعدها، مسير الناس، كيف يجتمعون، ما يحصل أثناء اجتماعهم بما جاء في الأدلة، ثم بعد ذلك ما هي الأشياء التي تحصل تباعًا شيئًا فشيئًا وتفاصيل ذلك إلى دخول أهل الجنة الجنةَ وأهل النار النارَ، وسيأتي تفصيلٌ للكلام على اليوم الآخر إن شاء الله تعالى في آخر هذه العقيدة المباركة.
٦- سادسًا الإيمان بالقدر:
ذكرنا لك أنَّ مراتب الإيمان بالقدر أربع، وأنه يجب على العبد والقَدْرْ المجزئ من الإيمان به أن يعلَمَ أنَّ كل شيء يحصل إنما هو بإذن الله وبمشيئته وبعلمه، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأن الرب ﷻ قَدَّرَ كل شيء إجمالًا وتفصيلًا.
الإيمان بالقدر كما ذكر قال (وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَحُلْوِهِ وَمُرِّهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى) والخير والشر والحلو والمر في القَدَرْ المقصود بها ما يضاف للعبد من القَدَرْ -يعني المقدور- فالقَدَرْ له جهتان:
- جهة صفة الله - ﷿ - وفعل الله - ﷿ -: وهذه مرتبطة بعددٍ من صفات الرب ﷻ: أولها العلم، والثاني الكتابة والمشيئة والخلق والحكمة وهي وضع الأمور مواضعها اللائقة بها الموافقة للغايات المحمودة منها، والعدل في حُكْمِهِ - ﷿ - القدري وهو وضع الأمور والمقادير في مواضعها، هذه جهَةٌ تتعلق بالله ﷻ.
- جهة تتعلق بالعبد: وهي المقدُورْ، وقوع المقدور وقوع المُقَدَّر عليه، وقوع القَدَرْ عليه أو حصول القَدَرْ وهذه تسمى المقدُور، وتسمى القضاء كما أسلفنا لكم في الفرق ما بين القَدَرْ والقضاء. هذا المُقَدَّر هو الذي ينقسم إلى خير وشر وإلى حلو ومر.
أما الجهة الأولى وهي صفة الله - ﷿ - فليس فيها شر؛ بل كلها خير؛ لأنَّ الله - ﷿ - طيبٌ ولأنه سبحانه ليس في أفعاله إلا الجميل والخير وما يؤولُ إليه فِعلُهُ وقَدَرُهُ هوالحكمة وما ينبغي أن تكون الأمور عليه.
[ ٤٢٩ ]
لهذا صحّ عنه ﷺ في دعائه في الليل أنه قال في ثنائه على ربه - ﷿ - «والشر ليس إليك» (١)؛ يعني أنّ الشر ليس إلى الله - ﷿ - فِعْلًا وليس إلى الله - ﷿ - إضافة، فلا يُنْسَبْ الشر إلى الله ﷾ لا من جهة الفعل ولا من جهة إضافة الشر إليه، وإنما هو شَرٌ بالنسبة إلى العبد فيؤمن بما كان خيرًا، له بما كان حسنة في حقه، ويؤمن بما كان شرًا في حقه أو كان سيئة تسوؤه في حقه، وكذلك ما كان حلوًا وما كان مُرًَّا.
وهذا للعباد فيه أحوال عظيمة، وهو الذي يظهر من العبد الإيمان به؛ يعني الإيمان بالمَقْدُورْ، يعني ما موقفه من المقدور هذا شر وخير بالنسبة إليه.
لكن معظم الناس -حاشا أهل العلم والحكمة- لا ينظرون إلى الجهة الأولى وهي جهة فعل الله - ﷿ - وعلمه ومشيئته وتقديره وخلقه ونحو ذلك في وقوع المُقَدَّرَاتْ عليهم أو فيما يرون من تقدير الله - ﷿ - الناس، هذا حاله كذا وهذا حاله كذا، لا ينظرون إلى الجهة الأولى، في الغالب يكون نظرهم من جهة الإضافة إليه، هذا حلو بالنسبة له هذا شر، ينظر إلى الناس هذا جاءه كذا وما جاءه كذا، هذا من صفته كذا وليس من صفته كذا.
ولأجل هذا نُصَّ على الخير والشر والحلو والمر هنا، وأصله -التنصيص عليه- في الحديث الصحيح عنه ﷺ قال «أن تؤمن بالقدر خيره وشره» (٢) وفي الحديث الآخر أيضا قال «خيره وشره وحلوه ومره» (٣)، وهذا هو الذي يُحَاسِبْ العبد نفسه عليه فيما يراه حاصلًا من المُقَدَّرْ.
ومن جهة الإيمان بالقَدَرْ يأتي كثير من السّيئات التي يُصَاب العبد بها، وهي جهة سوء الظن بالله ﷿.
ولهذا كان الإيمان بالقدر خيره وشره فيما يضاف إلى العبد من وقوع المُقَدَّرَات كان الإيمان به عظيمًا؛ لأنَّ أكثر الخلق يُسيئون الظن بالله - ﷿ - وهذه من سِمَةِ أهل الجاهلية ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران:١٥٤]، يأتيه الشيطان في خاطره فيما وقع عليه مما يسوؤه من الشر يقول: غيري كذا وأما لا أستحق هذا أو كيف يحصل هذا ونحو ذلك.
ولقد أحسن ابن القيم ﵀ حينما ذكر سوء الظن بالله - ﷿ - وقال في أواخر بحثه (ففتش نفسك فإن تنجُ منها تنجُ من ذي عظيمة وإلا فإني لا إِخالُك ناجيا) (٤)
وقلَّ من يسلم من سوء الظن بالله - ﷿ - ومن الاعتراض.
فهو أعظم وأكثر من التَطَيُّرْ؛ لأنَّ التَطَيُّرْ يحصل أحيانًا؛ ولكن وقوع المُقَدَّرَات هذا كل لحظة.
ولهذا ينبغي للعبد في إيمانه بالقدر خيره وشره؛ بل يجب عليه أن يُحَسِّنْ الظن دائما بالله - ﷿ -، وأن يُسَلِّمَ لما أراده الله - ﷿ - بعبده من الأمور الكونية.
_________________
(١) مسلم (١٨٤٨) / أبو داود (٧٦٠) / الترمذي (٣٤٢٢) / النسائي (٨٩٧)
(٢) سبق ذكره (٩)
(٣) ابن حبان (١٦٨) / المعجم الكبير (١٣٥٨١) / مصنف ابن أبي شيبة (٣٠٤٢٩)
(٤) زاد المعاد (٣/١٩٦) / إغاثة اللهفان (٢/٢٥٦) / مفتاح دار السعادة (٢/٧١)
[ ٤٣٠ ]
[المسألة الثالثة]:
الإيمان إقرارٌ وتصديقٌ وعمل، وهذه الأركان أركان الإيمان الستة لا يظهر تعلُّقُها بنفسها بالعمل، فهي كلها أمور اعتقادية بحتة، فأين العمل في هذه الأركان الستة؟
الجواب عن هذا من جهتين:
أ - الجهة الأولى:
أنَّ العمل مُتَضَمَّنٌ في هذه الأركان الستة:
فالإيمان بالله إيمانٌ بربوبيته وألوهيته وبالأسماء والصفات.
والإيمان بتوحيده في العبادة يعني بأنه هو المستحق للعبادة وحده - ﷿ - فيه التوجه إليه بالعبادة.
وكذلك الإيمان بالربوبية فيه الاعتراف له بالربوبية.
وهذا يَلْزَمُ منه أن يُعْبَدْ أو أن يُشْكَرْ أو نحو ذلك وهذا مَدْخَلٌ للعمل في الإيمان.
الإيمان بالملائكة يتصل به العمل من جهة المراقبة، باعتقاده أنَّ الملائكة موجودون وأنَّ منهم من يُرَاقب العبد ويكتب ويحسب عليه ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] .
الإيمان بالكتب فيها الإيمان بأعظم الكتب وهو القرآن، والإيمان بالقرآن فيه العمل بما في القرآن من أوامر ونواهٍ والحكم به، وهذا عمل.
الإيمان بالرسل فيه الإيمان بمحمدصلى الله عليه وسلم؛ بل هو أعظم أركان الإيمان بعد الإيمان بالله ﷻ، والإيمان بالنبي ﷺ أنه رسول لابد فيه من العمل.
الإيمان باليوم الآخر وأن الله يحاسب العباد فيجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، هذا يَبْعَثُ على العمل في أن يَتَقِيَ السوء ويعمل بالخير.
الإيمان بالقدر كذلك من جهة أنه متضمّن إلى أنَّ العبد لا يعمل عملًا يسخط الله - ﷿ - فيما قدر، ويعمل عملًا يشكر الله - ﷿ - به فيما قدر.
لأنَّ القدر إما خير يستوجب الشكر، أو شر بالنسبة للعبد (١)
: [[الشريط الثاني والثلاثون]]:
يستوجب الصبر، وهذه أعمال.
هذه هي الجهة الأولى من التعلق.
ب - الجهة الثانية:
أنه لا يُتصَوَرُ في الشرع أنَّ ثَمَّ إيمان بلا إسلام، كما أنَّهُ لا يُتَصَوَّرْ أن ثمة إسلامًا بلا إيمان.
فكل إسلامٍ لابد فيه من قَدْرٍ من الإيمان يصح معه الإسلام الظاهر.
كذلك كل إيمان بهذه الأركان السّتة الباطنة الاعتقادية لابد معه من عملٍ، من إسلامٍ، يُصَحِّحُ هذا الإيمان.
ولهذا كان من الشرطِ في صحة الإسلام أن يكون ثَمَّ إيمان، وفي صحة الإيمان أن يكون ثَمَّ إسلام.
فلا يُتَصَوَّرُ مسلمٌ ليس معه من الإيمان شيء، ولا يُتَصَوَّرُ مؤمنٌ ليس معه من الإسلام شيء.
فإذًا دَخَلَ العمل بدخول الإسلام -وهو أركان الإسلام- في صحة هذا الإيمان، فالإيمان المُنْجِي إيمانٌ لابد معه من إسلام، وهذا ظاهرٌ بَيِّنْ في أنَّ الله لا يقبل عمل أحدٍ حتى يكون مؤمنًا.
_________________
(١) انتهى الشريط الواحد والثلاثون.
[ ٤٣١ ]