قال بعدها ﵀ (وَأَفْعَالُ الْعِبَادِ خَلْقُ اللَّهِ، وَكَسْبٌ مِنَ الْعِبَادِ)
_________________
(١) يريد أنَّ فعل العبد ليس مَخْلُوقًا له بل الله - ﷿ - هو الذي خَلَقَ فعل العبد. وهذا يعني أنَّ العبد يفعل ولا يُنْفَى عنه الفعل؛ بل هو يفعل ويعمل، وأفعاله صدرت منه، وهو الذي فَعَلَهَا وهو الذي اختارها وهو الذي أنتجها بإرادته وقدرته، وأمَّا نتيجة الفعل-يعني مع اجتماع الأسباب: القدرة والإرادة إلى آخره- فالله - ﷿ - هو الذي خَلَقَ الفعل. وهذا يخالف مذهب القَدَرِيَّة الذين يقولون إنَّ العبد يخلق فعل نفسه. وقوله (خَلْقُ اللَّهِ، وَكَسْبٌ مِنَ الْعِبَادِ) يعني فِعْلْ وعَمَل من العباد، فالعبد يُنْسَبُ إليه الفعل ولا يُنْسَبُ إليه خلق الفعل. فهو يفعل حقيقة، والله - ﷿ - هو الخالق لفعله. ودليل ذلك لأهل السنة والجماعة قول الله - ﷿ - ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر:٦٢]، وقال أيضًا - ﷿ - ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦]، وقال - ﷿ - ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١] . إذًا فإثبات عمل العبد وكسب العبد وأنَّهُ هو الذي حَصَّلْ الفعل هذا واضح، وكذلك إثبات أنَّ الله - ﷿ - خلق كل شيء، هذا دليل هذه المسألة. ونذكر عدة مسائل تفصيلية:
[ ٥٦٤ ]
[المسألة الأولى]:
خَلْقْ الله - ﷿ - لأفعال العباد اختلف الناس فيه على أقوال ثلاثة:
١- القول الأول:
هو قول أهل الحق والسنة والهدى أنَّ الله - ﷿ - خَلَقَ العبد وخَلَقَ عمله أيضًا، فأعمال العبد من الخير والشر من الحسنات والسيئات هي خَلْقٌ من الله - ﷿ -؛ لأنَّهُ لا يحدث في ملك الله شيء إلا وهو خالقه ﷾.
٢- القول الثاني:
قول المعتزلة بأنَّ الله - ﷿ - لا يَخْلُقُ فعل المكلفين أما غير المُكَلَّفْ فهو خالق كل شيء أما فعل المُكَلَّفْ فلا يخلقه ﷾؛ بل العبد هو الذي يخلق فعل نفسه، ويستدلون لذلك:
- بأدلةٍ عقلية واضحة على مذهبهم.
- وأدلة نقلية محتملة.
أمَّا الأدلة العقلية فهم يقولون: إنَّ الله لا يُوصَفُ بأنَّهُ يخلق فعل العبد لسببين:
@ السبب الأول: أنَّ فعل العبد فيه الأشياء المشينة، فيه الكفر وفيه الزنا وفيه السرقة وفيه القتل وفيه إلى آخره، ولو قيل أنَّ الله هو الذي يخلق هذه الأشياء لصار نسبةً للأشياء السيئة إلى الله وهو منزهٌ عنها.
@ والسبب الثاني: أنَّ خَلْقَ الفعل من الله يقتضي التفريق بين المُكَلَّفِين، هذا خَلَقَ فعل طاعته فأدخله الجنة، وهذا خَلَقَ فعل معصيته فأدخله النار، وهذا ظلم لأنَّهُ لم يساوي بينهم في خلقه وفعله.
٣- القول الثالث:
قول الجبرية بأنَّ العبد لا يخلق فعل نفسه، بل الله يخلق فعله وهو ليس له فِعْلْ حقيقة، وليس له تَصَرُّفْ حقيقة، ولا كسب حقيقة، وإنما هذه أمور مَجَازِيَّة، وفِعْلُ العبد في الحقيقة هو فِعْلُ الله - ﷿ - لكن أُضِيفَ للعبد اقترانًا ولم يُضَفْ إليه حقيقةً، وأخرجوا لفظ الكسب كما سيأتي وعلَّلُوا به.
[ ٥٦٥ ]
[المسألة الثانية:]
قول أهل السنة إنَّ العبد فِعْلُهُ مخلوق لله - ﷿ - استدلوا له بـ: -أدلةٍ نقلية. و-أدلة عقلية.
$ أولًا: من الأدلة النقلية:
قوله تعالى ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦، الزمر:٦٢] وهذا عموم لأنَّ كلمة ﴿كُلِّ﴾ في الأصول من الألفاظ الظاهرة في العموم، وهي في عموم كل شيء بحسبه.
فهنا لم يدخل في ذلك صفات الرب ﷾، يعني الله - ﷿ - وذاته وصفاته لم تدخل لأنه سبحانه ليس بمخلوق بذاته وصفاته وأفعاله - ﷻ -؛ لأنَّ المخلوق حَادِثْ والله - ﷿ - مُتَنَزِّهٌ عن أن يكون حادثًا بل هو - ﷿ - هو الأول والآخر والظاهر والباطن.
ويُسْتَدَلْ أيضًا لهم بقوله تعالى في قصة إبراهيم ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٩٦] .
والعلماء يبحثون كلمة ﴿مَا﴾ هنا ﴿مَا تَعْمَلُونَ﴾ هل ﴿مَا﴾ هنا مصدرية أو موصولة بمعنى الذي؟ (١)
- فقالت طائفة ﴿مَا﴾ هنا مصدرية فيكون المعنى: والله خلقكم وعملكم.
فعند هؤلاء واضح الاستدلال بأنّ العمل مخلوق لله - ﷿ -.
- وقال آخرون وهم أحظى بالتحقيق أنَّ ﴿مَا﴾ هنا ليست مصدرية بل بمعنى الذي فتقرير الآية: والله خلقكم والذي تعملون.
@ فمن قال إنها مصدرية وليست موصولة ففيه ضعف من جهة أنَّهُ احْتَجَّ عليهم في عبادتهم لَِما نُحِتَ، فقال - ﷿ - في قول إبراهيم في سورة الصافات ﷺ ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٥-٩٦]، فإذا كانت مصدرية صار المعنى: والله خلقكم وعملكم.
وعَمَلُهُمْ إيش؟
النحت.
فيصير معنى الكلام والله خلقكم ونحتكم وهم لم يعبدوا النحت إنما عبدوا المنحوت.
@والقول الثاني إنها موصولة أوضح في الاستدلال وموافق لقصة إبراهيم الخليل ﵇ ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ يعني والذي تعملون، والاستدلال على هذا واضح وهو موافق للسياق.
وتقدير ﴿مَا﴾ بمعنى الذي أفاد فائدتين:
- الفائدة الأولى: أنَّهُ موافق لقوله ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ والذي يعملون هو ما ينحتون وهي الأصنام؛ يعني يقول: أنَّ الله خَلَقَكُم وخلق الأصنام التي تعلمونها.
- الفائدة الثانية: أنه في إثبات هذا إثبات أنَّ الأصنام هذه التي عملوها أنها مخلوقة أيضًا؛ لأنهم مخلوقون، قال ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾ وخَلْقُهُمْ يشمل خلق ذواتهم وخلق تصرفاتهم، فرجع الأمر إلى أنَّ هذه الأصنام التي تعملونها مخلوقة لله وأيضًا هي عملكم الذي هو مخلوق لأنكم مخلوقون.
فتحصَّلَ من هذا القول أنَّهُ مناسبٌ للسياق، ويشمل خلق الأصنام والاحتجاج عليهم بعبادتها -يعني في عدم عبادتها- وكذلك فعلهم لذلك.
$ ثانيًا: من الأدلة العقلية:
أنَّ الفعل لا يكون -مثل ما ذكرنا- إلا: بقدرةٍ وإرادة.
وقدرة العبد لم يخلقها هُوَ وإنما خلقها الله.
والإرادة نفسها، وجودها في العبد لم يخلقها هو وإنما خلقها الله.
ثم الثالث وهو مشيئة الله.
هذه الثلاث يحصل بها الفعل، والأول والثاني مخلوقة لله - ﷿ - والثالث هو فعل الله - ﷿ - مشيئته صفته ﷾.
فإذًا ما ينتج عنها يكون مخلوقًا.
فإذا كان العَمَلْ حَصَلَ بقدرة وإرادة، والقدرة مخلوقة والإرادة مخلوقة إذًا فالعمل مخلوق.
وهذا استدلالٌ عقلي صحيح وهو موافق للأدلة.
أما كلام المعتزلة والرد عليهم فله مكان آخر لأنَّ المقام يضيق عن بسطه.
_________________
(١) سبق ذِكْرُ هذه المسألة (٢٣١) وكذلك (٢٤١)
[ ٥٦٦ ]
[المسألة الثالثة]:
في قوله (كَسْبٌ مِنَ الْعِبَادِ) الكَسْبُ من الألفاظ التي جاءت في الكتاب والسنة.
- فأُضيفَ الكسب إلى القلب فقال - ﷿ - ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٥] .
- وأضيف الكسب إلى العبد فقال - ﷿ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٦٧] .
- وأضيف في التكليف أيضًا في قوله ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦]، ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة:٨٢، ٩٥]، ونحو ذلك.
وتفسيره في الآيات أن يُقَال:
@كسب القلب هو عمله وهو قَصْدُهُ وإرادته، يعني عمل القلب هو قَصْدُهُ وإرادته وتوجهه وعزمه إلى آخره، يعني في اليمين ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ يعني بما قَصَدْتُمْ أن تُوقِعُوهُ يميناَ، ولهذا في الآية الأخرى في المائدة قال ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ [المائدة:٨٩] الآية.
@ أما كسب العمل ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ يعني من طيبات ما تَمَوَّلْتُمْ من الأموال ومن التجارات ومما أُخْرِجَ لكم من الأرض نتيجة لعملكم.
@ أما الكسب الذي هو نتيجة التكليف ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ فالكسب هنا بمعنى العمل، لذا قال في الآية ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨١، آل عمران:١٦١] وفي الآية الأخرى سورة [آل عمران]، قال ﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [النحل:١١١] .
فإذًا كَسَبَتْ وعَمِلَتْ تتنوع في القرآن:
فالكسب الذي هو نتيجة التكليف هو العمل؛ لكن قيل عنه كسب تفريقًا ما بينه وما بين الاكتساب؛ لأنَّ الله - ﷿ - لمَّا ذَكَرَ التكليف في آية البقرة قال ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ليبيِّنَ - ﷿ - أنَّ عمل العمل الصالح كسب سهل يمكن أن يعمله بدون كُلفةٍ منه ومشقة عليه، أما عمل السيئات التي عليه فيعملها بكُلفَةٍ منه ومخالفَةْ وزيادة اعتمال وتَصَرُّفْ في مخالفة ما تأمره به فطرته.
لهذا قالوا: زاد المَبْنَى في ﴿اكْتَسَبَتْ﴾ لأنَّهُ يحتاج إلى جُهدٍ منه ومشقة بخلاف العمل الصالح فإنه يُقْبِلُ عليه بنفسه.
فإذًا العمل هو الكسب، وهذا هو تفسير أهل السنة والجماعة للكسب على ما دلّت عليه الآيات.
وأما الآخرون من الفِرَقْ: الجبرية والقدرية ففسَّرُوا الكسب بتفسيرات أُخَرْ.
- أما القدرية فإنهم قالوا: الكسب هو خَلْقُ العبد لفعله؛ لأنَّهُ يوافق لمعتقدهم في ذلك.
- والجبرية الذين هم الأشاعرة في هذا الباب فأخرجوا للكسب مصطلحًا جديدًا غير ما دلَّ عليه الكتاب والسنة، وقد ذكرته لكم عدة مرات في أنَّ الكسب عندهم هو اقتران الفعل بفعل الله - ﷿ -، اقتران ما يُحْدِثُهُ العبد بفعل الله - ﷿ -.
فعندهم أنَّ الفعل حقيقة هو فعل الله، والعبد حَصَلَ له العمل؛ لكن النتيجة هي الكسب.
فالعبد في الظاهر مُخْتَارْ، العبد في الظاهر يعمل، العبد في الظاهر يُحَصِّلْ ما يريد؛ لكنه في الباطن مفعول به.
والكسب هذا عندهم مما اختلفوا فيه على أقوال كثيرة جدًا وليس تحتها حاصل.
المقصود من الكلام أنَّ الكسب عند الجبرية عند الأشاعرة ما يُفَسَّر بتفسيرٍ صحيح، وهو من الألفاظ المبتدعة التي ضَلُّوا بسببها في باب القدر، أَحْدَثَهُ الأشعري ولم يُفَسِّرْهُ بتفسيرٍ صحيح، وأصحابه أيضًا لم يُفَسِّرُوهُ بتفسير صحيح إلا بدعوى الاقتران.
إذا تبيَّنَ هذا، فإذًا حقيقة الكسب الذي أثبته الطحاوي هنا بقوله (خَلْقُ اللهِ، وَكَسْبٌ مِنَ العِبَادِ) نحمِلُهُ على قول أهل السنة والجماعة، مع أنَّهُ يمكن أن يُحْمَلَ على قول الأشاعرة والماتريدية في ذلك.
والأَوْلَى أن يُحْمَلْ على الأصل وهو ما يوافق القرآن والسنة؛ لأنَّهُ هو في جُلِّ عقيدته يوافق طريقة أهل السنة والحديث.
كان بودي أن أذكر تفصيل أكثر؛ لكن على كل حال لها إن شاء الله موضع آخر، أو مناسبة أخرى.
نكتفي بهذا القدر، فالجملة هذه ما أعطيناها حقها (خَلْقُ اللَّهِ) المفروض أن نتكلم على الردود على المعتزلة في قولهم بأنَّ العبد يخلق فعل نفسه ونُبْطِلُ مسألة الظلم والعدل والقياس في الأفعال، ونتكلم عن الكسب عند الأشعرية بتفصيل أكثر؛ لأني سبق أن أوضحته لكم أكثر من هذا في الواسطية (١)؛ لكن على كل حال، بعض العلم يخدم بعضًا.
نكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد. (٢)
_________________
(١) ذكر الشيخ مسألة الكسب في الشريط ٢٢ من شرح العقيدة الواسطية
(٢) انتهى الشريط التاسع والثلاثون.
[ ٥٦٧ ]
: [[الشريط الأربعون]]: