قال (وَالْخَيْرُ وَالشَّرُّ مُقَدَّرَانِ عَلَى الْعِبَادِ)
_________________
(١) يعني أنَّ ما يفعله العبد من الخير أو يفعله من السوء فهو لم يحصل ابتداءً منه دون قَدَرٍ سابق، بل الله - ﷿ - قَدَّرَ عليه ذلك. ومعنى قَدَّرَ عليه ذلك أي أنَّهُ سبحانه عَلِمَ ذلك منه وكَتَبَهُ عليه، وأنَّهُ أعانه بالأدوات والقُدْرَةْ والإرادة، بحيث فَعَلَ الخير وفعل الشّر، ما شاء الله كان، وَقَعَ الخير ووَقَعَ الشر بمشيئته، وهو سبحانه خالق كل شيء. وذَكَرَهُ هنا لأنَّ: @ (الْخَيْرُ وَالشَّرُّ مُقَدَّرَانِ) لأجل قوله ﷺ في جواب جبريل «وأن تؤمن بالقدر خيره وشره» . @ ولأنَّ الفِرَقْ المخالفة في مسألة القدر والخير والشر وأفعال العباد ونحو ذلك طرفان: - الطرف الأول: الجبرية. - والطرف الثاني: القدرية. & والجبرية يقولون: العبد مُجْبَرْ على كل شيء فهو كالريشة في مهب الريح وكحركة الأمعاء في داخل البطن ليس له فيها اختيار؛ بل هو يجري كما يشاء الله - ﷿ -، دون أن يكون العبد مُخْتَارًَا للخير أو مُخْتَارًَا للشر. & والقدرية يقولون: الخير والشر ليسا مُقَدَّرَيْنْ؛ بل العبد يعملهما وهما عمل العبد وخَلْقُ العبد لفعله، والله - ﷿ - يحاسب الناس على ما فعلوا، ليس الخير خَلْقًَا له في فعل العبد، وليس الشر خَلْقًَا له في فعل العبد، ولم يُقَدِّرْهُمَا على العباد فِعْلًا وتركًا، وذلك لأنّه عندهم ينافي العدل الواجب فيما قاسوا به أفعال العباد على أفعال الله - ﷿ -. نذكر هنا عدة مسائل:
[ ٥٥٢ ]
[المسألة الأولى]:
أنَّ الخير والشر المُقَدَّرَيْنْ على العباد؛ يُعنَى بهما ما يصيب العبد من خيرٍ له ومن شرٍ عليه، أمَّا في فعل الله - ﷿ - فليس في أفعاله سبحانه إلا الخير، كما قال ﷺ في دعائه في صلاته «والشر ليس إليك» (١) يعني أنَّ أفعال الله - ﷿ - لا توصف بالشر؛ بل كلها عدل أو فَضْلٌ وخير لما فيها من الغايات المحمودة؛ لكن ما يُضَافُ للعبد يكون شرًّا بالنسبة له؛ لكن بالنسبة للقدر هو خير.
مثلًا أصيب فلان بفقد والده، أصيب بفقد ماله فهذا بالنسبة له سوء وشر؛ لكن بالنسبة إلى الَقَدْر وفعل الله - ﷿ - هو خير؛ لأنَّهُ لا يُنْظَرُ إلى المسألة بمجردها؛ بل إلى الغاية المحمودة من ورائها، والغاية المحمودة من ورائها أن يَبْتَلِيَ العباد بذلك، يبتلي الحي يبتلي الميت ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢] .
فإذًا أفعال الله - ﷿ - كلها خير، وأما ما يضاف إلى العبد فينقسم إلى الخير والشر.
فقوله (وَالْخَيْرُ وَالشَّرُّ مُقَدَّرَانِ عَلَى الْعِبَادِ) يعني الخير والشر الذي يحصل للعبد مُقَدَّرٌ.
_________________
(١) سبق ذكره (٤٣٠)
[ ٥٥٣ ]
[المسألة الثانية]:
القَدَرْ هنا في قوله (مُقَدَّرَانِ عَلَى الْعِبَادِ) يعني أنَّهما لم يقعا استئنافًا؛ بل الله - ﷿ - يعلم ما سيحصل على العبد وكتب ذلك.
وذَكَرْتُ لك أنَّ الفِرَقْ المخالفة في هذه المسألة -في القَدَرْ - أنها طرفان:
١ - الجبرية:
والجبرية تنقسم إلى فرقتين:
@ الفرقة الأولى الجبرية الغلاة:
وهم الجهمية الذين يقولون: الله - ﷿ - يُجْبِرْ العبد على كل شيء، على الخير وعلى الشر، وإنما هو كالريشة في مهب الريح إلى آخره.
ويستدلون على ذلك بقوله - ﷿ - ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]، يقولون إنَّ الذي رَمَى في الحقيقة هو الله - ﷿ - ولكن النبي ﷺ ما رَمَى.
وهذا قول الغلاة منهم -غلاة الجبرية-، ويُرَدُّ عليهم في هذا الاستدلال على وجه الاختصار بجوابين:
& الجواب الأول: أنَّ الله - ﷿ - قال ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ يعني حين رميت فإنَّ الله - ﷿ - هو الذي رَمَى، وظاهر الآية كما هو واضح أنَّهُ أثْبَتَ للنبي ﷺ رميًا فقال ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾، ونفى عنه رميًا بقوله ﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾، والنظر الصحيح يدلُّ على أنَّهُ لا بد من الجمع ما بين الرمي المَنْفِي والرمي المُثْبَتْ، وهذا يتضح بأنَّ العبد إذا فَعَلَ الفعل فإنَّ الفعل الذي يفعله سَبَبٌ في حدوث المُسَبَّبْ، ولا يحصل المُسَبَّبْ ولا تحصل النتيجة بفعل العبد وحده في أكثر أو في جُلِّ المسائل؛ بل لابد من إعانة من الله - ﷿ -.
وهذا ظاهِرٌ في الرمي بخصوصه؛ لأنَّ الرمي عن بعد له ابتداءْ وله انتهاءْ، فابتداء الرمي من النبي ﷺ لكن الانتهاء بأن يصيب رمي النبل أو رمي الحصاة أن يصيب فلانًا المشرك ويموت منه هذا من الله - ﷿ -؛ لأنَّ العبد ما يملك أن تكون رميته ماضية فتصيب.
ولهذا فيكون العبد هنا مُتَخَلِّصًَا مِن رؤيته لنفسه ومِن حَوْلِه وقُوَّتِهْ مع فعله، فأراد - ﷿ - أن يُعَلِّمَ نبيّه والمؤمنين أن يتخلصوا من إعجابهم ورؤيتهم لأفعالهم وأنفسهم، فقال: افعلوا ولكن الذي يَمُنُّ عليكم ويُسَدِّدْ رميكم هو الله - ﷻ -.
فيكون إذًا معنى [] أصاب بما أعان على التسديد.
& الجواب الثاني: أنَّهُ لو قيل على قول الجبرية: إنَّ الله هو الذي يفعل الأشياء لكان تقدير الآية كما قاله جماعة أن يقال في كل فعل فعله العبد (ما فعله ولكن الله فعله) كأن تقول: ما صليت إذ صليت ولكن الله صلى، وما زكيت إذ زكيت ولكن الله زَكَّى، وما مشيت إذ مشيت ولكن الله مشى وهكذا في الأعمال القبيحة المشينة التي يُنَزَهْ الله - ﷿ - عنها بالإجماع كقول القائل -أعوذ بالله - وما سرقت إذ سرقت ولكن الله سرق، وما زنيت إذ زنيت ولكن الله إلى آخره، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
والقول إذا كان يلزم منه اللازم الباطل يدل على فساده وعدم اعتباره؛ لأنَّ القول الحقيق القول الصحيح القول الحق لا يلزم منه لوازم باطلة.
والقول الباطل هو الذي ينشأ عنه لوازم باطلة، ما الفرق بين هذه وهذه؟
@ الفرقة الثانية الجبرية المتوسطة:
والجبرية المتوسطة -أو يعني الذين هم ليسوا بالغلاة-، هم الذين يتوسطون، فيقولون: العبد مجبور باطنًا لكنه في الظاهر مختار، يعني ظاهرًا هو يَخْتَارُ فيمشي ويروح ويأتي للمسجد ويذهب إلى المكان الثاني باختياره؛ لكنَّهُ في الباطن مُجْبَرْ.
وهذا قول كثير من أهل الكلام والأشاعرة والماتريدية وجماعة ممن ينحون هذا المنحى بأنَّ الإنسان مجبور لكنه في الظاهر ليس بمجبور.
وإذا كان كذلك فإنهم يجعلون أفعال الإنسان له ولكنَّهَا عديمة الفائدة، لا معنى لها.
وهؤلاء هم الذين يقال عنهم نُفَاةْ الأسباب.
يعني إنَّ الإنسان إذا جامع زوجته فَحَمَلَتْ، يقولون: لم يحدث الحمل بالجماع.
إذًا كيف حدث الحمل؟
يقولون: أَحْدَثَ الله الحمل عند التقاء الرجل بالمرأة؛ لكن أنَّ ماء الرجل يلتقي بماء المرأة أو ببويضة المرأة ويحدث منهما حمل بما أجرى الله الأسباب عليه ينفون ذلك، ويطرُدُونَ هذا في كل شيء.
فيقولون: إنَّ فعل الإنسان فيما يفعله كحركة السّكين في قَطْعِهَا للورق أو قطعها للخبز أو قطعها لما تقطع، فيقولون بالتمثيل: إنَّ الله هو الذي كأنه يحمل السكين والسكين تتحرك هي التي تقطع؛ لكن في الواقع هي مجبورة على القطع وإن كانت ظاهرا تتحرك وقَطَعَتْ.
وهذا القول وهو قول هؤلاء مع زعمهم أنَّهُمْ عقلاء وأنَّهُمْ متكلمون وأنهم فلاسفة إلى آخره، هؤلاء قولهم هذا ينفيه العقل البسيط، فضلًا عن العقل الرصين، وأحْدَثُوا قولًا على هذا يسمى الكسب سيأتي بيانه في موضعه.
فالماء عندهم لم يُنْبِتْ الأرض، الله - ﷿ - يقول ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق:٩]
﴿فَأَنْبَتْنَا﴾ بإيش؟
بالماء.
[ ٥٥٤ ]
﴿أَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ يعني أن النبات خرج بإيش؟
بالماء، الماء سبب والتراب سبب.
لكن هل هذا يعني أنَّ الله لم يفعل لم يخلق لم يُنَمِيْ؟
لا.
الجماع سبب، لكن هل معناه أنَّ الله لم يفعل؟
لا.
فإذًا إثبات الأسباب هو سبيل العقلاء في أنَّ السبب ينتج عنه المُسَبَّبْ، وأنَّ الشيء تَنْتُجُ عنه نتيجته، الفعل ينتج عنه نتيجته، الأثر يقتضي أن يُوجَدَ مؤثر، وهكذا.
فإذا صار هنا هواء بارد لابد أنَّ فيه مصدر لهذا الهواء البارد الذي يأتينا.
يقول هؤلاء الأشاعرة ونحوهم -نفاة الأسباب- يقولون: لا، الهواء أرسله الله - ﷿ - عند تشغيل الجهاز.
وهذا مما يقتضي العقل أن ينفيه لأنَّهُ غير مطابق للعقل أصلًا.
وهؤلاء تجد ذكرهم في كثير من كتب أهل العلم بعنوان نفاة الأسباب.
إذا قيل لك نفاة الأسباب يعني الجبرية المتوسطة من الأشاعرة ونحوهم.
عمل العبد بين فعل الله - ﷿ - -لأنهم يقولون بخلق الله للأفعال- وبين فعل العبد الحاصل يُسَمُّونَهُ كَسْبًَا ويأتي عند قوله (وَأَفْعَالُ الْعِبَادِ خَلْقُ اللَّهِ، وَكَسْبٌ مِنَ الْعِبَادِ) .
٢ - القدرية:
والقدرية أيضًا فرقتان:
@ الفرقة الأولى القدرية الغلاة:
وهم الذين ينكرون علم الله السابق، ويقولون الأمر مُسْتَأْنَفْ جديد.
هل الخير والشر مُقَدَّرْ؟
لا، إنما هو مستأنف جديد، لا يعلم الله الخير حتى يقع، ولا يعلم الشر حتى يقع، تعالى الله عن قولهم عُلُوًا كبيرًا ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٠] ﷾.
فهؤلاء هم الذين صاح بهم السلف وكفَّرُوهم فقال فيهم الشافعي: ناظروا القدرية بالعلم فإن أقرُّوا به خُصِمُوا وإن أنكروا العلم -يعني عِلْمَ الله - ﷿ -- كفروا.
هؤلاء فرقة كانت موجودة وانتهت.
@ الفرقة الثانية المعتزلة وأشباه المعتزلة:
وهم الذين يُسَمَّونْ القدرية، وهم الذين يقولون: إنَّ الإنسان يخلق فعل نفسه، وأنَّ الله - ﷿ - لا يُضَافُ إليه خَلْقًَا كل ما هو سيئ، لا يُضَافُ إليه خَلْقًَا الشر ولا القتل ولا إلى آخره.
ويقولون أيضًا: إنَّ فعل العبد واستطاعة العبد وقدرة العبد، هذه ليس لله - ﷿ - فيها مأخذ؛ بل قدرة المطيع وقدرة العاصي وقدرة المؤمن وقدرة الكافر، إرادة المؤمن، إرادة الكافر للعمل واحدة.
وهذا الأصل الذي قالوه وذهبوا إليه لأجل شبهةٍ عندهم وضلالٍ عندهم، وهو أنهم قالوا: إنَّ العدل يوجب على الله - ﷿ - أن يساوي بين العباد، والظلم بالتفريق ما بين هذا وهذا، ما بين المؤمن والكافر والمطيع والعاصي هذا ظلم.
فَحَكَّمُوا عقولهم وآراءهم في فعل الله - ﷿ - وفي تَصَرُّفِهِ وصفاته - ﷿ -، والله ﷾ يقول ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٧، البروج:١٦] ويقول - ﷿ - ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] .
وقوله ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ لجهتين:
- الجهة الأولى: أنَّ الله - ﷿ - له التصرف في ملكه كيف يشاء.
- الجهة الثانية: أنَّ الله - ﷿ - له الحكمة البالغة فيما يفعل، وفيما يُجْرِيه في ملكوته ويشاؤه، والعباد قاصرون عن معرفة الحِكَمْ في أنفسهم، فكيف بالحِكَمْ في أفعال الله - ﷿ - وصفاته وتصرفه في ملكوته.
وهؤلاء المعتزلة هم الذين يكثر رد الأشاعرة عليهم في مسائل القدر وهم كالأشاعرة في المخالفة لما دَلَّتْ عليه الأدلة.
* الخلاصة: أنَّ هؤلاء وهؤلاء كُلٌ نَزَعَ بأدلة مختلفة، فهدى الله - ﷿ - أهل السنة ومَنَّ عليهم بأنهم لم يُفَرِّقُوا بين الكَلِمْ، ولم يُفَرِّقُوا بين الكتاب؛ بل اخذوا بكل الأدلة فقالوا:
- بخلق الله - ﷿ - لفعل العبد.
- وأنّ العبد يفعل حقيقة.
- وأنَّ الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء.
فأعملوا كل النصوص والأدلة، وقالوا إنَّ ربك فعال لما يريد ﷾، لا مُعَقِّبَ لحكمه ولا رادَّ لقضائه، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، جرى الأمر على ما يريده الرب - ﷻ - وتقدست أسماؤه.
ثم أَعْمَلُوا العقل الصحيح في أنَّ الإنسان يُحِسُّ من نفسه أنَّهُ مُخْتَار، يُحِسُّ من نفسه أنَّهُ يذهب إلى الخير ويذهب إلى الشر، يذهب إلى الخير فينشرح صدره له، ويذهب إلى الشر فيقتل ثُمَّ يندم وتُعَاقِبُهُ نفسه وتؤنبه نفسه على ذلك.
ففي الإنسان ما يُحِسُّ به أنَّهُ يختار ويختار؛ يختار الشر ويختار الخير، وهذه ضرورة في قَلْبِ كل أحد لا مَفَرَّ منها، فالإنسان مختار لهذا ومختار لهذا.
ثم ثالثًا يُقال: إنَّ أهل السنة نظروا إلى المسألة في قولهم في القدر في أنَّ الخير والشر مُقَدَّرَانِ على العباد بأنَّ من احتج على القدر فإنه يناقض نفسه، لماذا؟
[ ٥٥٥ ]
لأنَّهُ كل من قال في القدر قولًا؛ يقول مثلًا: إنَّ الله - ﷿ - كتب علي السيئات وجعلني أفعل الشر وكذا ثُمَّ يُعَذبني بالنار؛ لكنهم لا يتجاسرون أن يُحَكِّمُوا القضية المقابلة لذلك وهي أن يقول القائل: كذلك إذا جعلني أصلي جعلني أطيع الله - ﷿ - وجعلني أفعل من الخيرات، فلماذا يثيبني؟
والمسألة هذه بمقابل هذه.
فإذا قال القائل كتب علي السيئات فلماذا يعذب؟ فكذلك لابد أن يقول وكتب علي الخير فلماذا يُثِيْبْ؟
والإنسان بطبيعته يهرب مما هو عليه، فلا يُقِر على نفسه بما فيه مصلحته بأنَّ الخير الذي هو مصلحة له فيذهب ويسكت عنه؛ لأنَّهُ فيه مصلحة له.
لكن يأتي بما فيه مضرة عليه أو بما فيه تبرير لفعله ليهرب من الواقع.
والحقيقة أنَّ العقل الصحيح وإدراك الإنسان لنفسه وفطرته وضرورياته يَجِدْ أنَّهُ يفعل الخير اختيارًا ويفعل الشر اختيارًا، يفعل الخير فتنشرح نفسه له، ويفعل الشر فتنكره نفسه عليه؛ لأنه مفطورٌ على حب الخير وعلى كراهة الشر.
فإذًا اختياره دليل فطري في كل إنسان، مثل إحساس الإنسان، تحس بالشيء، الأعمى يحس ويقول هذا كذا ويستدل به ويكون مُتَيَقِّنًَا؛ لأن دليله صار ضروريًا، وكذلك يُحِسْ بالأمر الآخر فيكرهه لنفسه لأنَّ دليله صار ضروريًا.
نكتفي بهذا القدر. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
[ ٥٥٦ ]