قال ﵀ (وَخَلَقَ لَهُمَا أَهْلًا)
_________________
(١) يعني به قبل خلق السموات والأرض، فإنَّ الله - ﷿ - كتب أنَّهُ سيخلق هؤلاء وهؤلاء وأنَّ الجنة لها أهلها وأنَّ النار لها أهلها، ولما خَلَقَ آدم أيضًا نَشَرَ ذريته من ظهره ثم قَبَضَ قبضة فقال هؤلاء إلى الجنة، وقبض أخرى وقال هؤلاء إلى النار. فالله - ﷿ - خَلَقَ الجنة وجعل لها أهلًا سيدخلونها فضلًا منه وتكرمًا، وخلق النار وجعل لها من يملؤها عدلًا منه وحكمة. قال بعدها (فَمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ فَضْلًا مِنْهُ، وَمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ إِلَى النَّارِ عَدْلًا مِنْهُ) وهنا مسألتان:
[ ٥٤٩ ]
[المسألة الأولى]:
الفضل هو الإكرام، والله - ﷿ - عَلَّقَ دخول الجنة بالعمل الصالح ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٣٢]، وعَلَّقَ دخول النار بالعمل السيئ وبالكسب السيئ ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت:٢٨]، ونحو ذلك من الآيات، وهذه الباء في المقامين هي باء السبب فإنَّ الله - ﷿ - جعل الأعمال الصالحة وأعظمها التوحيد سببًا في دخول الجنة، وجعل الأعمال السيئة وأعظمها الشرك بالله سببًا لدخول النار.
ولكن هذا السبب ليس كافيًا في تحقيق المراد؛ بل لا أحد يدخل الجنة إلا برحمة الله - ﷿ -، لهذا صح عنه ﷺ أنَّهُ قال «لن يُدْخِلَ أحدكم عمله الجنة» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضلا» (١)، فدلّ على أنَّ أصل دخول الجنة برحمة الله وفضله، وذلك لأنَّ:
- الفضل هنا هو الامتنان، الفضل هنا هو الإعطاء والإكرام، والأعمال وإنْ كان للعبد فيها أجور فلو قوبِلَتْ بالنعم لصارت القسمة أو لصار الشأن واضحًا في أنَّ العبد قوبلت أعماله بالنِّعَمْ التي كرّمه الله - ﷿ - بها.
- وأيضًا لو نظرت إلى أنَّ العمل الصالح أصلًا ما كان من العبد إلا بإعانة وتوفيق من الله - ﷿ -، فأصلًا نشوء العمل الصالح هو بفضل من الله وهدى من الله وإعانة وتوفيق فما يكون نتيجة فلابد أنَّهُ فضل أيضًا من العدل معناه أن يُعَامَل المرء بما يستحقه دون تَفُضُّلٍ عليه، يعني أن يُنظَرَ ويُنَاقَشْ الحساب ويُعْطَى ما يستحق.
وأهل النار دَخَلُوا النار بما يستحقون عدلًا مِنَ الله - ﷿ -؛ لأنَّهُ سبحانه لِمَا عَلِمَ بما في صدورهم لم يُعِنْهُمْ إعانةً خاصة ولم يوفقهم للعمل الصالح؛ بل خذلهم يعني لم يوفقهم، ترك إعانتهم على أنفسهم، فوُكِلُوا إلى أنفسهم، وهذا عَدْلٌ أن تَعْمَلَ بما لديك، وبما عندك من الاستعدادات والآلات إلى آخره.
ولهذا قال الله - ﷿ - في بيان مِنَّتِهِ لأهل الإيمان ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات:٧]، فدلّ على أنَّ الله - ﷿ - مَنَّ على هؤلاء بشيء، ولم يتفضّل على أولئك بل عاملهم بالعدل.
وذلك بسبب أنَّ هؤلاء في قلوبهم الخير وهم يريدونه وأقبلوا عليه، وأولئك لا يريدون الخير ولا يحبون سماعه ولم يريدوا الإهتداء أصلًا، فعاملهم الله - ﷿ - بعدله، قال - ﷿ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة:٦-٧] الآية.
فقوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني أنَّ الكفر وُجِدَ منهم، الكفر أصلًا في قلوبهم، ولهذا قال في آية النساء ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٣٧]، ﴿لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء:١٦٨-١٦٩] الآية، فَدَلَّ هذا على أنَّ المعاملة بالعدل أن يُوكَلَ إلى نفسه، وهو أصلًا لم يُعَنْ ويُتَفَضَّلْ عليه لأنَّهُ لم يسع إلى الخير، لم يُوَفَّقْ لأنه لم يسعَ، وفي قلبه حب للشر ونوع بغض للخير، فلذلك لم يُعِنْهُ الله - ﷿ - على نفسه.
_________________
(١) سبق ذكره (٣٧٨)
[ ٥٥٠ ]