وَالِاسْتِطَاعَةُ الَّتِي يَجِبُ بِهَا الْفِعْلُ مِنْ نَحْوِ التَّوْفِيقِ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ الْمَخْلُوقُ بِهِ، فَهِيَ مَعَ الْفِعْلِ، وَأَمَّا الِاسْتِطَاعَةُ مِنْ جِهَةِ الصِّحَّةِ وَالْوُسْعِ وَالتَّمَكُّنِ وَسَلَامَةِ الْآلَاتِ فَهِيَ قَبْلَ الْفِعْلِ، وَبِهَا يَتَعَلَّقُ الْخِطَابُ، وَهُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] .
وَأَفْعَالُ الْعِبَادِ خَلْقُ اللَّهِ، وَكَسْبٌ مِنَ الْعِبَادِ.
_________________
(١) الحمد لله حق حمده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّمَ تسليمًا، أما بعد: مضى معنا طائفة من الكلام على الإيمان بقدر الله - ﷿ - خيره وشره، وأنَّ الخير والشر مُقَدَّرَانِ من الله - ﷿ - فما يصيب العبد من خير فهو من الله - ﷿ - تقديراَ وتدبيراَ، وما يصيب العبد من شر وسوء فإنَّهُ من الله - ﷿ - تقديرًا وتدبيرًا. ومَرَّ معنا مراتب الإيمان بالقَدَرْ وما يتصل بهذا المبحث مما فيه تقريرٌ لعقيدة أهل السنة والجماعة في هذه المسألة العظيمة، التي أَمَرَ الله - ﷿ - بالإيمان بها والتسليم لما جاء به رسوله ﷺ فيها. ومَرَّ معنا أيضًا أنَّ القدر سِرُّ الله - ﷿ - في خلقه، لم يعطِ حقيقته لملكٍ مقرب ولا لنبيٍ مُرْسَلْ، وإنما هو ﷾ الذي يعلم كل شيء، وهو - ﷿ - الخالق لكل شيء، وهو سبحانه ذو الحكمة البالغة ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] ونحو ذلك من المباحث والموضوعات التي سبق الحديث عنها، وسبق تقريرها على ما جاء في كتاب الله - ﷿ - وفي سنة نبيه ﷺ. ومبحث القَدَرْ من المباحث العظيمة في الملة، ولأجل كونه سرًا من أسرار الله - ﷿ -، وإدراك كُنْهِهِ وحكمة الله - ﷿ - في عباده غير متحققة من كل وجه، فلذلك صار الخائض في القدر بلا دليل عُرْضَةً لمزلة القدم؛ بل لم يخض في القدر أحد بغير حجة وبرهان إلا وزلَّتْ قدمه وتَنَكَّبَ سواء الصراط. ولهذا ينبغي أن يُتكَلَمَ في القدر بما جاء في النص دون زيادة لأنَّهُ أمر غيبي، ولا يمكن للعبد أن يخوض في الأمور الغيبية إلا مع الدليل، ودون الدليل فهو كالذي يسير في الظلمات ليس بخارج منها. والمخالفون في القَدَرْ كثيرون، ولهذا الطحاوي ﵀ لم يُرَتِّبْ الكلام على مسائل القَدَرْ في موضعٍ واحد حتى يُمْكِنَ الناظر أن يبسط الكلام فيه بتقرير قول أهل السنة وقول المخالفين، وما يترتّب على ذلك؛ بل فَرَّقَهْ فأتى في آخر رسالته هذه بشيء من الكلام على القَدَرْ؛ لكن من جهة النظر إلى خلاف المخالفين. ولهذا هذه الجمل التي معنا من قوله (وَالْخَيْرُ وَالشَّرُّ مُقَدَّرَانِ عَلَى الْعِبَادِ) إلى قوله (وفي دُعَاءِ الأَحْياءِ وَصَدَقَاتِهم مَنْفَعَةٌ لِلأَمْوَات) هذه كلها لأجل خلاف المخالفين من الجبرية والقدرية. وقبل أن نخوض في بيان كلامه وما فيه من المسائل نُلَخِّصْ شيئًا من أسباب الضلال في القَدَرْ، والذي به خَرَجَ القدرية سواء الغلاة أم المعتزلة أو الجبرية أو من ضَلَّ في مسألةٍ أو في مسائل في هذا الباب. (١)
(٢) السبب الأول: هو ترك الاقتصار على ما جاء في الكتاب أو السنة من الواضحات المُحْكَمَات التي تُبَيِّنُ حقيقة القَدَرْ، والأخذ بما فيهما من المتشابهات وجعل ذلك أصلًا. ومعلومٌ أنَّ الواجب على العبد أن يأخذ بالمُحْكَمْ وأن يَرُدَّ المتشابه إلى المحكم؛ فقد أمر الله - ﷿ - بذلك، وقد خرج النبي ﷺ مَرَّةً على الصحابة وهم يتنازعون في القَدَرْ، كلٌّ يَنْزِعُ إلى قوله بآية، فكأنما فُقِئَ في وجهه حَبُّ الرُّمَان ﷺ، يعني أحْمَرَّ وجهه ﷺ، وهذا لأجل أنَّ الواجب على العباد أن يُسَلِّمُوا للمحكمات والأصول العامة وأن يَرُدُوا المتشابه إلى المُحْكَمْ على ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم. وبالتالي فإنَّ كل تفسيرٍ لآيات القَدَرْ لم يكن معروفًا في زمن الصحابة رضوان الله عليهم فإنَّهُ باطلٌ وضلال؛ لأنه من الأخذ بالمتشابه وترك المحكم.
(٣) السبب الثاني: أنَّ العباد لم يعرفوا حكمة الله - ﷿ - في الأشياء ولا حِكْمَتَهُ فيما يُقَدِّرُ ويخلُقُ من الخير ومن الشر أو من المخلوقات بعامَّةْ، ولما لم يُدْرِكُوا الحكمة عارضوا فِعْلَ الله - ﷿ - في ملكوته بما يرون من ظاهر رأيهم. فعارض الجاهل العالم واقتنع بجهله فصار على شُعْبَةِ ضلالة. ومعلومٌ أنَّ حكمة الله - ﷿ - في خلقه منها ما هو مُدَلَّلٌ عليه، ومنها ما ليس بمعروف، ولذلك إذا جُهلت الحكمة فإنَّ المرء يُسَلِّمْ ولا يعترض. (٢) : [[الشريط التاسع والثلاثون]]: وقد ذَكَرَ جماعة من أهل العلم أنَّ سبب الضلال في القدر هو الجهل بحكمة الله فيما يخلق ويُقَدِّرْ، ثُمَّ الخوض في ذلك وقد لخَّصَها شيخ الإسلام بقوله فيما ذكرته لكم مرارًا في تائيته حيث يقول: وأصلُ ضلالِ الخلْقِ مِنْ كُلِّ فِرقَةِ ****** هو الخوضُ في فعْلِ الإلهِ بعلَّةِ فإنَّهمُ لم يَفْهَمُوا حِكْمَةً لَهُ ****** فصاروا على نَوْعٍ مِنَ الجاهليَّةِ وهذا حق لأنَّ حِكْمَةَ الله غير معلومة؛ بل جَعَلَ الله - ﷿ - مثالًا لمن جَهِلَ حكمته في أنَّهُ حُرِم العلم، كقصة موسى مع الخضر ﵇، وهذا ظاهر بَيِّن لمن يتأمل سورة الكهف، فإنَّ موسى ﵇ عارَضَ الخَضِرْ لظاهر رأيه، والخَضِرْ يعمل على ما أمر الله - ﷿ - بما يوافق حكمته، وهي الغاية المحمودة من وراء الأفعال، فلما عَارَضْ، كان ممن لم يستطع صبرا فَحُرِمَ العلم، قال ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف:٧٨] .
(٤) السبب الثالث: هو قياس أفعال الله - ﷿ - على أفعال العباد فيما هو من قبيل العدل والظلم. فنظروا إلى أفعال الرب - ﷿ - فجعلوا ما هو عَدْلٌ في تصرفات البشر واجِبًَا وعدلًا في تصرفات الرب - ﷻ -، وجَعَلُوا ما هو ظلمٌ من تصرفات البشر محرّمًا أو منفيًا وظُلْمًَا في تصرف الرب - ﷻ -. وهذا هو ضلال القدرية المعروف حيث جعلوا العدل والظلم في تفسيرها في حق الله - ﷿ - كتفسيرها في حق المخلوق، فقاسوا هذا على هذا وضَلُّوا في هذا الباب؛ لأنَّ الخالق - ﷿ - لا يُقَاسُ على المخلوق في أفعاله وفي تدبيراته في ملكوته.
(٥) السبب الرابع: إحداثُ ألفاظ ومصطلحات جُعِلَتْ أصلًا في هذا الباب، ثم حُمِل الكتاب والسنَّة عليها، مثل لفظ الاستطاعة بتفسيرهم، والطاقة، وما لا يطاق، والتكاليف وأشباه ذلك. ومنها أيضًا عند الجبرية الكسب ونحوه. ومن المعلوم أنَّ هذه الأمور الغيبية كالقَدَرْ الاصطلاح عليها بألفاظ وأسماء لمُسَمَيَّات لم يأتِ عليها برهان أنَّهُ يجعل المرء يُؤَصِلُ ويُقَعِّدْ بشيء لا أساس له. ولهذا لَمَّا فهموا وظنوا من الشريعة أنَّهُ يُقال كذا، مثلًا الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل، أو قالوا الاستطاعة لا تكون إلا قبل الفعل -كما سيأتي-، أو قالوا الكسب هو الاقتران، أو قالوا كذا وكذا في تكليف ما لا يطاق -كما سيأتي الآن في هذه المواضع-، فسَّرُوها بتفسيراتٍ تَخُصُّهُم. ولهذا ضَلُّوا في أصلٍ يجب الرجوع فيه إلى الدليل؛ لأنَّ إحداث لفظ وإحداث مصطلح لا شك أنَّهُ سيترتب عليه أشياء كثيرة. وسيأتي الكلام على الكسب مثلًا وهو أنَّ الكسب مع وروده في الدّليل في قوله مثلا ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦]، ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة:٨٢، ٩٥]، ونحو ذلك مع ورود لفظ كَسَبَ، يَكْسِبُ، والكَسْبْ فإنَّ التفسيرات تَنَوَّعَتْ فيه وأحدثوا له فهمًا جديدًا غير المراد بالكتاب والسنة، فصار ثَمَّ كَسْبْ عند الجبرية، وصار ثَمَّ كَسْبْ عند القدرية، وصار ثَمَّ كَسْبْ عند أهل السنة لأجل أنَّ هذا اللفظ في أصله وإن كان واردًا لكن جُعِلَ مُصْطَلَحًَا على فكرة جديدة توافق ما هم عليه. فإذًا المصطلحات الجديدة في مسائل القَدَرْ هي سبب الافتراق فيه والضلال فيه، ولو أُلغِيَتْ هذه المصطلحات وبَقِيَ الناس على ما دلَّ عليه الدليل، فإنَّ كثير من الخلاف فيه سيذهب. ولهذا عند النقاش والحوار مع المخالف في هذه المسائل سَيُبْحَثْ معه أصلًا في اللفظ وفي نشأته، ومن أين أتوا بهذه الألفاظ والتعريفات. لهذا العلم بالقرآن والسنة حُجَّةْ على كل مخالفٍ أحدث المصطلحات؛ لأنَّ إحداث المصطلحات عقلي واتِّبَاعُ الكتاب والسنة نقلي، ولهذا يغلب النقل العقل الحادث والمصطلح عليه في هذه المسائل.
(٦) السبب الخامس: من الأسباب التي أنشأت الخلاف والفُرْقَةْ في أبواب القَدَرْ، ما يَصْلُح أن يُقرًّرْ بأنْ نقول: إنَّ التساوي بين العباد في فعل الله - ﷿ - وادعاء أنَّهُم سواءْ في كل شيء -يعني فيما يفعل الله - ﷿ - بهم- هذا مع كونه مخالفة للدليل؛ لكنه نَشَأَ عنه تفريعات وأقوال جعلت الأقوال المخالفة في القَدَرْ كثيرة. أعيد صياغة هذا السبب بأن نقول: من أسباب ومنشأ الضلال في القَدَرْ الحكم على أفعال الله - ﷿ - بأحكام من جهة النظر إلى الخلق، فجعلوا فعلًا لله - ﷿ - واجبًا عليه بالنسبة للجميع، وجعلوا فعلًا لله - ﷿ - ممتنعًا عليه بالنسبة للجميع. وسيأتي فيما سنذكر اليوم إن شاء الله أنَّ خلاف القدرية في مسألة الاستطاعة ناشئٌ عن أنهم قالوا: الواجب على الله - ﷿ - أن يجعل الناس سواسية فيما يُعطيهم، فكون هذا يُوَفَّقْ وهذا يُخْذَلْ هذا غير سائغ؛ لأنَّهُ تفريق، فإذا جعلنا الأصل هو أن يكون الناس سواسية، فإنَّ هذا قاعدة نبني عليها غيرها من مسائل القَدَرْ. وهذا التقعيد أو هذه المقدمة نشأ عنها كثير من الخلاف، خاصَّةً عند المعتزلة، ولهذا نشأت أقوال كثيرة مُحْدَثة في القَدَرْ، وخلاف متنوع في المسائل العقلية، وما يجب على الرب - ﷿ - وما لا يجوز عليه. وهذه تتضح أكثر ببحثنا في الاستطاعة إن شاء الله. إذا تَبَيَّنَ هذا فالواجب في مسائل الغيب بعامَّة أن لا يُتجاوَزْ القرآن والحديث، وأن يُسَلَّمْ للدِّلَالَةْ، وإذا أشكل على المرء شيء فواجبٌ عليه أن يقول ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧] كما يقول الراسخون في العلم، مع أنهم يعلمون التأويل في كثير؛ لكن قد لا يعلمون التأويل في بعضٍ؛ يعني طائفة من الراسخين قد لا يعلمون ويعلمه غيرهم، فيقولون ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ . أما ضرب النصوص بعضها ببعض، أو الأخذ بالمتشابه وترك المحكمات، أو قياس أفعال الله - ﷿ - على أفعال خلقه، ونحو ذلك من المسائل التي ذكرنا، أو الخوض في الحِكَمْ والمصطلحات، فإنَّ هذا يُنْشِئُ الافتراق والضلال في هذا الباب لأنَّهُ أمرٌ غيبي بحت. لهذا ما أحسن قول من قال -قول علي ﵁ وقول غيره (القدر سر الله فلا تكشفه) . يعني لا تحاول كشفه فإنَّ من حاول كشفه لا شك أنَّهُ سيضل؛ لأنَّهُ سِرٌّ من الأسرار اختص الله - ﷿ - به. هذه مقدمة للمسائل التي سيأتي بيانها إن شاء الله.
(٧) وقد ذكر الشيخ بعضًا منها، تجدها في (٦٨)، وكذا (٢٢٤)
(٨) انتهى الشريط الثامن والثلاثون.
[ ٥٥٧ ]
من قوله (والاستطاعة التي يجب بها الفعل) إلى (وهو كما قال تعالى ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾)
قال الطحاوي ﵀ (وَالِاسْتِطَاعَةُ الَّتِي يَجِبُ بِهَا الْفِعْلُ مِنْ نَحْوِ التَّوْفِيقِ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ الْمَخْلُوقُ بِهِ، فَهِيَ- يعني الاستطاعة- مَعَ الْفِعْلِ، وَأَمَّا الِاسْتِطَاعَةُ مِنْ جِهَةِ الصِّحَّةِ وَالْوُسْعِ وَالتَّمَكُّنِ وَسَلَامَةِ الْآلَاتِ فَهِيَ قَبْلَ الْفِعْلِ، وَبِهَا يَتَعَلَّقُ الْخِطَابُ، وَهُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾
_________________
(١) يريد ﵀ أن يُقَرِّرْ أنَّ مسألة الاستطاعة وهي القُدْرَةْ والطاقة اختلف فيها الناس ما بين الجبرية إلى القدرية، والقول الوسط فيها هو قول أهل السنة المتابعين لظاهر القرآن والحديث في أنَّ الاستطاعة منقسمة إلى قسمين: - استطاعة قبل الفعل. - واستطاعة مع الفعل. يعني استطاعة يُتَكَلَمُ عنها: قدرة وطاقة يُوصَفُ العبد بها قبل أن يفعل الفعل، وتستمر معه إلى أن يفعل. وقدرة أخرى -استطاعة أخرى- هذه تكون مع الفعل، ولا يجوز أن ينفَكَّ الفاعل عنها. وهذا الذي ذكر هو الذي دلَّتْ عليه الآيات ودلَّتْ عليه السنة من أنَّ الإنسان المُكَلَّفْ يوصف بأنَّهُ مستطيع ويوصف بأنه غير مستطيع. فقال - ﷿ - في الوصف بالاستطاعة ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧]، وقال - ﷿ - ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، يعني ما تستطيع، الاستطاعة هي الوسع والطاقة والقدرة، وقال - ﷿ - أيضًا في هذا الباب ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ [التغابن:١٦] . وفي الاستطاعة المنفية قال - ﷿ - في سورة هود ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود:٢٠]، وقال - ﷿ - ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف:١٠٠-١٠١]، وقال ﷺ «صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب» (١) ونحو ذلك. فإذًا الشريعة فيها استطاعةٌ مُثْبَتَة، وفيها استطاعة مَنْفِيَّةْ، وواجب إذًا أن يُنْظَرْ إلى هذه النصوص بالفهم وهي أنَّ المُثْبَتْ غير المنفي. فإذًا لابد أن تكون الاستطاعة على قسمين، وهذا هو الذي أراده هنا وهو الذي عليه عامة أهل السنة والجماعة، وسيأتي لها مزيد تقرير -إن شاء الله- في المسائل. وقوله هنا (وَالِاسْتِطَاعَةُ الَّتِي يَجِبُ بِهَا الْفِعْلُ) يعني يجب بها حُصُولُ الفعل وإيقاعُ الفعل ووجود الفعل؛ يعني العمل، فهناك استطاعة، قدرة إذا وُجِدَتْ وُجِدَ الفعل. لهذا قال هنا (مِنْ نَحْوِ التَّوْفِيقِ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ الْمَخْلُوقُ بِهِ) وذلك أنَّ الله - ﷿ - هو الخالق لأفعال العباد. فقوله هنا (مِنْ نَحْوِ التَّوْفِيقِ) هذه جملة اعتراضية وسبك الكلام (وَالِاسْتِطَاعَةُ الَّتِي يَجِبُ بِهَا الْفِعْلُ فَهِيَ مَعَ الْفِعْلِ) . وقوله (مِنْ نَحْوِ التَّوْفِيقِ) هذا ليُدَلِّلْ على أنَّ الاستطاعة هذه التي يجب معها حصول الفعل هذه فيها أمْرٌ غيبي زائد، فيها إعانة [] فيها شيءٌ زائد عن الظاهر، ولهذا قال (وَالِاسْتِطَاعَةُ الَّتِي يَجِبُ بِهَا الْفِعْلُ فَهِيَ مَعَ الْفِعْلِ)؛ لأنه لا يمكن أن يحدث الفعل إلا بقُدْرة، وهذه القدرة لا يمكن أن تكون قبله ثم تنعدم وقت الفعل، فكيف يمكن أن يحصل فعل بلا قدرة للفاعل على فعله؟؟ لكن هل يستقل بهذه القدرة أم ثَمَّ أمر زائد؟ لابد هناك أمر زائد يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وقوله في (الِاسْتِطَاعَةُ مِنْ جِهَةِ الصِّحَّةِ وَالْوُسْعِ وَالتَّمَكُّنِ وَسَلَامَةِ الْآلَاتِ فَهِيَ قَبْلَ الْفِعْلِ، وَبِهَا يَتَعَلَّقُ الْخِطَابُ) وهذه الاستطاعة هي الاستطاعة المُثْبَتَة، وهي التي يتعلق بها الحساب والعقاب والخطاب والأمر والنهي؛ لأنَّ الله - ﷿ - جعل للمكلَّفِينَ من المشركين، جعل لهم أسماعًا وأبصارًا وأفئدة، وجعل لهم قُدْرَة على أن يُصَلُّوا، قدرة على أن يتأملوا، وقدرة على تَبَيُّنِ ما أُيِّدَ به ﷺ من المعجزات والآيات والبراهين؛ لكنهم لا يريدوا أن يسمعوا مع وجود الآلات، ووجود الصحة ووجود القدرة. إذًا فالمنفي ليس هو الآلة، المنفي بعدم الاستطاعة هو ما يكون مع الفعل مِنَ التوجه إلى الخير والهدى والسماع النافع لما معهم مما يَصُدُّهُ وينفيه من الهوى واتباع الشهوات. إذا تبين هذا فإيضاح هذه الجمل في مسائل:
(٢) البخاري (١١١٧) / أبو داود (٩٥٢) / الترمذي (٣٧٢) / ابن ماجه (١٢٢٣)
[ ٥٥٨ ]
[المسألة الأولى]:
هذه المسألة متصلة بالقدر والإيمان به وأَصْلُ بَحْثِهَا من المعتزلة.
وذلك أنهم قَعَّدُوا قاعدة وهي أنَّ الناس في فعل الله - ﷿ - سواء، وهو أنَّ العاصي والمؤمن، الكافر والمؤمن، العاصي والمطيع كلهم أُعْطُوا شيئًا واحدًا، فهذا فَعَلَ الخير، وهذا فَعَلَ الشر بمحض قدرته.
فهذه التسوية بين الجميع جعلتهم ينفون أنْ يكون هناك أمرًا زائدًا خُصَّ به هذا ومُنِعَ ذاك.
فجعلوها جميعًا قبل الفعل، وأمَّا مع الفعل في أثناء الفعل فعندهم العبد هو الذي يخلق فعل نفسه.
وبالتالي فلو جُعِلَ هذا مُسْتَطِيعًَا للفعل وهذا غير مستطيع للفعل لكان الناس ليسوا سواسية فيما أعطاهم الله - ﷿ -، وبالتالي يترتب على هذا أنَّ هذا ظُلِمْ وهذا أُعْطِيَ ما لم يُعْطَ غيره.
فإذًا أصل بحث المسألة هي عند المعتزلة.
ولماذا بحثوها؟
للقاعدة التي قَعَّدُوهَا هي أنَّ الجميع يجب أن يكونوا في فعل الله واحد، حتى لا يُظْلَمَ هذا ويُتْرَكْ ذاك.
إذا فهمت هذا الأساس تفهم لماذا افْتَرَقَ الناس في هذه المسألة.
فلمَّا قالوا الاستطاعة لا تكون إلا على هذا النحو؛ وهي أن تكون قَبْلْ، أما المُقَارِنَة فالعبد هو الذي يخلق فعل نفسه، هو الذي يقدر ويفعل، الله - ﷿ - لا يَجْعَلُ هذا مستطيعًا وذاك غير مستطيع؛ لأنَّ هذا ظلم.
وإذا كان كذلك فقابلهم من يُثْبِتُ الاستطاعة المُقَارِنَة وهم الجبرية ونفوا أصلًا أن يكونَ للإنسان قدرة على فعل أي شيء.
لهذا قالوا: ليس هناك استطاعة سابقة، وإنما الاستطاعة هي أنَّه يقدر على الفعل وهذه القُدْرَة في الواقع من الله - ﷿ -، لهذا الإنسان أصلًا لا يستطيع لأنَّ الله - ﷿ - نَفَى قال ﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف:١٠١]، وقال ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود:٢٠]، ونفى أيضًا عنهم الرمي فقال ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال:١٧] .
إذًا لا يمكن أن يفعلوا شيئًا، فقابلوا القدرية في مسألة الاستطاعة لا في مسألة القَدَرْ والجبر.
القَدَرْ والجبر أصلًا الجبرية سبقوا القدرية في مسألة الجبر المُعَيَّنْ، أما القَدَرْ اللي هو نفي العلم فهو الذي كان أولًا.
يعني الجهمية الذين هم الجبرية سابقين المعتزلة الذين هم القدرية، يعني كفرقة.
الجهمية هم الذين أظهروا الجبر ونَصَرُوهُ، من جهة وجود الجهمية قبل وجود المعتزلة الذين هم القدرية.
فإذًا نقول: إنَّ الجبرية قبل لأنَّ الذي مَثَّلَهُمْ الجهمية، وأولئك مَثَّلَهُمْ المعتزلة وهم متأخرون عنها.
أما من جهة القَدَرْ والجبر كقول القدرية سابقون لأنَّ نفاة العلم ظهروا في زمن الصحابة، وأما الجبرية فجاؤوا بعد ذلك؛ لكن تفاصيل أقوال الجبرية والقدرية ما نشأت إلا مع ترسُّخْ المذهبين في الجهمية وفي القدرية المعتزلة.
[ ٥٥٩ ]
[المسألة الثانية]:
قَرَّرَ الطحاوي هنا أن الاستطاعة على قسمين:
- استطاعة مُتَقَدِّمَةْ، وهذه لا يجب أن تكونَ مع الفعل؛ بل تتقدم وهي المُتَعَلَّقْ بها الأمر والنهي.
- واستطاعة مُقَارِنَة يَجِبُ بها الفعل؛ يعني إذا وُجِدَتْ الاستطاعة حصل الفعل دون تأخر.
١ - أولًا: الاستطاعة قبل الفعل:
«صل قائما فإن لم تستطع فقاعدًا» عدم الاستطاعة هنا هل هي خاضعة لِأَنْ يُجَرِّبْ إذا أراد أن يصلي، أو لعدم تمكن آلته من القيام، معروف قبل أن يدخل أصلًا في الصلاة.
﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧]، يَبْدَأْ يَحِجْ ثم ينظر هل هو مستطيع أو لا، أم أنَّ الاستطاعة التي هي الزاد والراحلة وغير هذين أيضًا، هذه تكون قبله؟
تكون قبله.
إذًا هذه معلومة قبل.
فإذًا التكليف الأمر والنهي والعُذْرْ إلى آخره، هذه مُتَقَدِّمَة، استطاعة؛ قدرة، وُسْعْ، آلات، سلامة، صحة، إلى آخره متقدمة.
أيضًا ليست الاستطاعة المرادة في الشرع هي الاستطاعة الكونية؛ بل المراد الاستطاعة الشرعية. -وهذا أوضحت لكم أنَّ الدليل دلَّ عليه-.
والاستطاعة الكونية هذه أخصُّ من الاستطاعة الشرعية، فإنَّه قد يكون المرء مُستطيعًا كونًا ولكنه ليس بمستطيعٍ شرعًا.
مثاله: يمكن له أن يُسِيْلَ الماء على جُرْحِهِ الذي لم يندمل، يمكن أن يغتسل ويُسِيْلْ الماء عليه، هذا يمكنه كونًَا ويستطيع، يمدُّ يده ويصب الماء عليه إلى آخره.
يمكنه أن يصلي الصلوات قائمًا لأنَّه غير مشلول؛ لكنه شرعًا لا يُسَمَّى مُستطيعًا لأنَّ:
الأول يورثه زيادة في المرض والشريعة مُتَشَوِّفَة للتيسير.
والثاني يورثه أيضًا عدم الخشوع في الصلاة والتعب إلى آخره ومجاهدة النفس وربما أورثه زيادة المرض، والشريعة متشوفة في الصلاة إلى خشوعه وحضور قلبه وإلى أن لا يزيد مرضه إلى آخره.
فإذًا مما لم ينظُرُوا إليه في البحث أيضًا أنَّ الاستطاعة التي هي سلامة الآلات المُرَادَةْ في القَدَرْ والمرادة في تحقيق المسألة هي الاستطاعة الشرعية لا الاستطاعة الكونية.
أما كونه يقدر، سليم الآلات إلى آخره، هذا قد يُدْخِلُنَا في تكليفه ما هو فوق طاقته أو فوق ما فيه مصلحته شرعًا.
ولهذا نقول: الاستطاعة التي هي قبل الفعل نقسمها إلى قسمين:
- استطاعة كونية.
- واستطاعة شرعية.
والاستطاعة الشرعية هي المُرَادَةْ؛ لأنها هي التي تَعَلَّقَ بها التكليف والأمر والنهي.
فإذًا حَصَلَ من هذه المسألة أنَّ الاستطاعة قبل الفعل ومع الفعل، والتي قبل الفعل تنقسم إلى قسمين، يعني من حيث النظر إليها.
٢ - ثانيًا: الإستطاعة مع الفعل:
أما الاستطاعة التي مع الفعل (وهي المهمة في هذا الباب، وهذه المسألة عَرْضُهَا في الكتب غير واضح، ويُدْخِلُونْ بعض البحث في بعض، وأنا أُرَتِّبْهَا لك، فكن حاضر القلب معي حتى تستوعب الخطوات) .
فالفعل لا يكون ولا يحصل لأي إنسان -ما يمكن أن يَفْعَلْ الشيء ولا أن يَحْدُثَ هذا الشيء- إلا بوجود ثلاثة أشياء، إذا تَخَلَّفَ واحدٌ منها ما حَصَلَ هذا الشيء أبدًا:
@ - القدرة التامة على إيجاد الفعل:
القدرة التَّامَّة ما معناها؟
معناه أنَّهُ إذا لم يكن عنده القدرة على الفعل فإنَّه لا يمكن أن يحصل الفعل.
الأعمى إذا أراد أن يقرأ كتابًا فهل يمكنه؟
يأخذ الكتاب هذا الذي معي ويقرأه، وحروف الكتاب هي الحروف التي يقرأها الُمْبِصْر غير الحروف الثانية التي يستدل بها باللمس.
لو وَضَعَهُ أمام عينيه فإنه لا يمكنه، لو أخذ المصحف ووضعه أمام عينيه فإنه لا يمكن أن يقرأ شيئًا، واضح، لماذا؟
لأنه ليس عنده القدرة.
الذي لم يتعلم الكتابة لو أخذ القلم بيده بين أنامله وأراد أن يَخُطَّ جملة لم يستطع، لماذا؟
لأنَّهُ لم يتعلم.
المتعلم للكتابة باللغة العربية لا يمكن أن يكتب باللغة الصينية؛ لأنَّهُ وإن كان يعرف الحروف باللغة العربية؛ لكن لا يمكنه أن يكتب بالصينية، لأنه لا يقدر على هذا بخصوصه.
فإذًا القدرة التامة هي التي يحصل بها الفعل.
@ - الإرادة الجازمة:
ونعني بالجازمة غير المترددة، فإذا وُجِدَتْ الإرادة الجازمة مع بقية الشروط وُجِدَ الفعل.
لكن لو وُجِدَتْ الإرادة فقط ولم توجد بقية الشروط -ونذكر مثالنا الآن الذي ذكرنا القدرة- فهل يمكن أن يحصل الفعل؟
لا يمكن أن يحصل الفعل.
يريد أن يذهب إلى مكة لكن ما عنده قدرة مالية، يمكن يذهب؟
ما يمكن.
يريد أن يكون حافظًا لكتاب الله لكن ليس عنده القدرة على الحفظ هل يمكن؟
ولو كانت إرادته جازمة ويتمنى وإلى آخره، لا يمكن.
فإذًا الإرادة الجازمة غير المترددة شرطٌ في حصول الفعل، لا يمكن أن يحصل الفعل بإرادةٍ مترددة []
@ - أن يشاء الله - ﷿ - حصول هذا الفعل:
فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ومشيئته الكونية في هذا، إذا شاء أن يكون الفعل ممن عنده قدرة وإرادة فإنه يُعِينُ العبد على حصول هذا الفعل، كيف يعين العبد؟
[ ٥٦٠ ]
يعينه بأشياء:
- الأول التوفيق.
- الثاني أن يُعْدِمَ المُعَارِضْ.
مثلًا هو يريد أن يذهب إلى مكة وعنده القدرة المالية وعنده الإرادة الجازمة، ويريد أن يحج هذا العام.
المُعَارِضْ الذي يُعَارِضْ أن يكون هذا من حصول خللٍ له في بدنه، من حصول خللٍ في الطائرة، من عدم تَمَكُّنِهِ، من سرقة المال، من أسباب كثيرة لا تُحْصَى من المُعَارِضَاتْ، هذه هل هي في قدرة العبد؟
ليست في قدرة العبد.
إذًا هذا يدخل في الأمر الغيبي الذي لا يدخل العبد فيه.
إذا اجتمعت هذه الثلاثة حَصَل الفعل، إذا تَخَلَّفَ واحدٌ منها لم يحصل الفعل.
فإذًا الاستطاعة التي يجب بها الفعل، وهي القدرة التي يجب بها الفعل -يعني يحصل معها الفعل- المراد بوجوب حصول الفعل مع وجود الإرادة الجازمة، ووجود إعانة الله - ﷿ - ومشيئته وتوفيقه ودَفْعْ المُعَارِضْ إلى آخر ذلك من الأسباب الذي هو الأمر الغيبي المختص بالرب - ﷻ -.
القدرة في نفسها -قدرة العبد على الفعل- هل هو الذي أوجدها في نفسه أم الله الذي خلقها فيه؟
الله - ﷿ - الذي خلقها فيه.
الإرادة الجازمة للفعل، تَوَجُّهْ العبد للفعل هذا اختيارٌ منه أم هو مفروض عليه؟
هو اختيار منه.
& ولذلك جاءت الجبرية وقالت:
القدرةُ منفية، لا قدرة له.
والإرادة هو مُرْغَمٌ على أن يريد.
والمشيئة: العبد خَضَعَ للمشيئة فَعَمِلَ ما يريده الرب.
فإذًا: الفعل كله فعل الرب - ﷿ - بلا اختيار، فصار فعل العبد بعد أن حَدَثْ كحركات الأشجار والورقة في الماء والريشة في مهب الريح إلى آخره.
& جاءت القدرية في المقابل وقالت:
القدرة بيد العبد، والإرادة عنده هو، ولا علاقة لفعل الله - ﷿ - به؛ بل العبد هو الذي يَقْدِرْ، فالقدرة خَلْقُهُ، هُوَ الذي خَلَقَ الفعل بقدرته، والإرادة تَوَجَّهَتْ إليه، والقُدْرَة والإرادة يستوي الناس فيها.
فهذا خَلَقَ أفعال الطاعات وهذا خَلَقَ أفعال المعاصي، فنفوا الجزء الثاني.
& أما أهل السنة والجماعة فنظروا إلى الأدلة فوجدوا فيها الثلاثة جميعًا فأثبتوها.
فإذًا حقيقة بحث القدر وبحث الاستطاعة وبحث تكليف ما لا يُطَاق إلى آخره من المباحث، مَبْنِيَّةٌ على الفعل إذا وُجِدْ كيف وُجِدْ؟
فَبَحَثُوا الفعل إذا وُجِدْ كيف وُجِدْ؟
منهم من بَحَثَ في أوائله فتَكَلَّمَ في الاستطاعة المقارنة والاستطاعة السابقة إلى آخره في الكلام الذي بحثنا.
ومنهم من نَظَرَ إلى نتائجه وهو أنَّ هذا فيه فعل طاعة فينتج عنه الجنة وهذا فيه فعل كفر فينتج عنه النار، فلما نَظَرَ إلى نتائجه والظلم والعدل إلى آخره حَكَمَ على المسألة بالنتائج.
والذي ذهب إليه أهل الوسط ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]، وسط في المِلَلْ ووسط في المذاهب وهم أهل السنة والجماعة قالوا: الفعل لا يوجد إلا بهذه الثلاثة أشياء.
لهذا الطحاوي هنا أشار إلى هذا بإدخال التوفيق بقوله (مِنْ نَحْوِ التَّوْفِيقِ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ الْمَخْلُوقُ بِهِ)
وهذه الجملة في الواقع ليس لها علاقة بالكلام، والشارح عندكم -شارح الطحاوية- ما تَكَلَمَ على هذه الجملة لماذا أدخلها الطحاوي، وإلا الكلام يستقيم بدونها أن يقول (وَالِاسْتِطَاعَةُ الَّتِي يَجِبُ بِهَا الْفِعْل فهي مَعَ الفِعْلِ)
يريد الطحاوي أن يقول لك: إنَّ الفعل لا يمكن أن يكون إلا بالقدرة والإرادة وفِعْلُ الله - ﷿ - الذي فيه المشيئة وفيه التوفيق والإعانة وفيه دفع المعارض إلى آخره من المسائل.
س/ []
لأ، هذا أمرٌ خارج، هذا فِعْلُ الله - ﷿ -، تنظر الآن فيه شيء ظاهر أنَّ العبد يملكه وهو قدرته وإرادته لكن فيه شيء ما يملكه، وهو دفع المُعَارِضْ.
مثلًا شخص رَكِبَ طائرة جديدة من أحسن الطائرات سليمة ما طار عليها وكل أجهزتها جديدة وإلى آخره وأثناء طيرانها جاءتها زوبعة واحترقت أو ضَرَبَتْ في الأرض إلى آخره فتحطمت، أو جاءتها طائرة ثانية وهو لا يدري وضربتها، فهذا من جهة من؟
ليس من جهة العبد.
مثلًا معك سيارة جديدة، جميع الآلات فيها سليمة، احتطت بجميع الاحتياطات، وأخذت بوسائل السلامة فهل ستنتج السلامة بهذه الأشياء التي عملتها؟
لا، فقد يأتي بعير في الطريق وتصدمه وأنت لا تدري، أيضا قد تأتي أمامك شاحنة وتصدمك إلى آخره.
ولهذا من أعظم النظر في الأسباب أن تنظر في هجرة النبي ﷺ.
النظر في الهجرة يعطيك ما يجب على العبد أن يفعله، وما ليس للعبد أن يُحَقِّقَهُ من أسباب السلامة.
النبي ﷺ لمَّا أراد الهجرة إلى المدينة عَمِلَ جميع الاحتياطات:
[ ٥٦١ ]
رأى الطريق البعيد الذي ما يمكن أن يظن المشركون أنَّ النبي ﷺ يسير فيه، واستأجر رجلًا هاديا خريتًا يقال له ابن أرقد لِيَدُلَّ على هذا الطريق البعيد، ثُمَّ بعد ذلك أيضًا مع هذا الطريق أَمَرَ راعي الغنم أن يمشي على أثره هو وأبو بكر والذي معهم حتى لا ينظروا إلى الأقدام، واختبؤوا في غار.
هذه الأشياء التي فعلها النبي ﷺ وواجبٌ عليه أن يفعلها؛ لأنَّ الله أَمَرَ باتخاذ الأسباب.
وقف المشركون على رأس الغار.
يقول أبو بكر ﵁ لو أَبْصَرَ أحدهم إلى موضع قدميه لرآنا.
الآن الأشياء التي فعلها النبي ﷺ ويتحقق بها قَدَرُ السلامة، فعلها أو لم يفعلها؟
فعلها.
لكنها هل نَفَعَت؟
لم تنفع، فالمشركون وقفوا على رأس الغار، أقرب شيء؛ لكن بَقِيَ لو أبصر أحدهم موضع قدمه لرأهما، لم يقدر أحد أن يُنْزِلْ عينيه إلى أسفل، هذا ليس من جهة فعل العبد.
ولهذا المعتزلة في ضلالهم لمَّا جعلوا العبد يخلق فعل نفسه فقط، وهو الذي يتصرّف في نفسه، في مثل هذا لا يستطيعون تفسيره.
كيف هو لم يستطع أن يُنْزِلَ رقبته تحت؟
كأنَّ في رقابهم غُلًاّ يمنعهم من النظر، وهم عدد ما فيهم أحد ينظر أسفل ولو بالغلط؟؟
إذًا هذا فِعْلْ شيء لا يملكه العبد.
لهذا المؤمن ينظر في باب الاستطاعة وباب الأفعال إلى ما يفعله هو وما يُكْرِمُهُ الله - ﷿ - به.
ولهذا ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا﴾ .
[ ٥٦٢ ]
[المسألة الثالثة]:
- الاستطاعة التي قبل الفعل كما ذَكَرْ هي مناط التكليف: الأمر والنهي.
- والاستطاعة التي مع الفعل -ولم يَذْكُرْها- هي مناط الثواب والعقاب. (١)
- والاستطاعة التي قبل الفعل من جهة السلامة ومن جهة البلوغ مثلًا واليقظة إلى آخره من جميع الأسباب، هذه تتعلق بها الأوامر والنواهي وهي التي يتكلم عنها الفقهاء.
@ أما التي مع الفعل وهي المنوط بها الثواب والعقاب، فمعلوم أنَّ فِعْلَ العبد -كما ذكرنا- لم يستَقِلْ بتحصيل النتيجة، وبالتالي فالثواب إذًا لم يستقل العبد بتحصيل أسبابه.
ولهذا فتقول إذًا: أنَّ إثابة الله - ﷿ - لعبده هو مِنَّةٌ من الله على عبده.
لم؟
لأنَّ أصل تحقيق الفعل لم يكن مُجَرَّدًَا باختيار العبد؛ بل هناك أمر زائد وهو مِنَّةْ الله وفضله على العبد وإعانته عليه.
ولهذا سألني أحد الإخوان الأسبوع الماضي سؤالًا متعلق بهذا المبحث وهو أنَّ رضا الله - ﷿ - عن العبد وإثابته للعبد هو نتيجة لشيءٍ فَعَلَهُ الله - ﷿ - وهو هداية العبد لأن يفعل.
ولهذا المؤمن الصالح كلما زاد علمًا عَلِمَ أنَّهُ ليس منه شيء وليس إليه شيء، مثل ما كان يقول ابن تيمية (اللهم ليس مني شيء ولا فِيَّ شيء ولا إِلَيَّ شيء؛ لكن مع ذلك ليس مجبورًا) .
هُوَ ينظر إلى أنَّهُ يختار وعنده قُدْرَة ويعرف أنه مُحَاسَبْ؛ لكن إنْ أعانه الله - ﷿ - ووَفَّقَهُ على الفعل وصار من أهل الطاعة، فإنَّه يعلم أنَّهُ بِسَبَبٍ أَحْدَثَهُ الله - ﷿ - له وهداه إليه.
وهذا معنى نصوص الهداية في القرآن، ليس معنى نصوص الهداية ونصوص القَدَرْ السابق، أنها إجبار على العبد وإنما معناها أنَّ الله هيأ لهذا العبد الأسباب التي تعينه على تحصيل المراد، وأعانه عليها.
وهذا هو تفسير أهل السنة للتوفيق.
في المقابل من جهة العاصي فإنَّ الله - ﷿ - منعه أسباب الهدى.
لماذا منعه؟
لأمْرٍ يرجع إلى نفسه وفِعْلِهْ؛ لأنَّهُ كما أعطى ذاك بسبب فإنَّه مَنَعَ هذا بسبب وهو أنَّهُ رَغِبَ في هواه وتَرَكَ التخلي من هواه ومن شهوته.
ولهذا قال - ﷿ - في وصف الكفار ﴿أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان:٤٣]، وقال - ﷿ - في الآية الأخرى في سورة الجاثية ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية:٢٣]، أضَلَّهُ الله على علم.
إذًا فالذي أُعْطِيَ أُعِيْنْ، والذي حُرِمْ عُومِلَ بسبب فِعْلِهِ هو ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى:٣٠] .
فإذًا نَظَرْ المعتزلة في المسألة وهي أنَّ الذي أُعْطِيَ والذي مُنِعْ إنما من أنفسهم، لم يُعْطِ الله هذا ولم يمنع هذا، هذا في الواقع نَظَرْ منهم إلى الظلم والعدل بما يُحَكِّمُونَ فيه فعل العبد.
مثل أن يُعْطِي ولده هذا ويمنع هذا ويقول لهذا تزوج وهذا ما تزوج، هذا فيه تفريق، لأنَّهُ أُعْطِيَ هذا ومُنِعَ هذا.
لكن هنا الإعطاء صار للجميع، أين الإعطاء الذي صار للجميع؟
هو ما قبل الفعل وهو الاستطاعة المُثْبَتَةْ، لم يُكَلِّفْ الله - ﷿ - المجنون الكافر ورَفَعْ التكليف عن المجنون المؤمن، الجميع سواء لأنَّ هذا تكليف واستطاعة قبل الفعل.
لكن الاستطاعة التي مع الفعل، ينتج عنها الفعل، فَأُعِيْنَ هذا بسبب وحُرِمَ ذاك بسبب، ولو أنَّ الكافر أو الذي ضل لو أنَّهُ سَلَكَ سبيل الهدى ورَغِبَ بإرادته لأعانه الله - ﷿ - ووفَّقَه؛ لكن كما قال - ﷿ - في وصفهم ﴿أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ .
ويُمَثِّلْ هذا قول أبي جهل قال (حتى إذا تنازعنا نحن وبنو هاشم الشَرَفْ وكنا كفرسي رهان قالوا منا نبي يأتيه الوحي من السماء وليس منكم نبي، والله لا نؤمن به أبدًا) (٢)، هنا دخل الهوى، دخلت الشهوة، ودخلت الدنيا فصدَّتْ.
فإذًا تحقيق القول في المسألة هنا أنَّ سبب ضلال المعتزلة في باب الاستطاعة وباب القَدَرْ في هذه أنهم جَعَلُوا الظلم واحدًا، جعلوا هذا وهذا متساويين في القُدْرَة وفي الآلات، ولهذا نَفَوا خلق الله - ﷿ - للأفعال، وقالوا العبد يخلق فعل نفسه لأجل أن لا ينتج عنها أنَّ الله ظَلَمْ فأدخل الجنة هذا وأدخل النار ذلك.
ونَظَرْ أهل السنة أنَّ الله - ﷿ - ساوى بين الناس في التكليف في الآلات في الاستطاعة التي هي قبل الفعل، أمَّا الاستطاعة التي مع الفعل، لا يحدث الفعل إلا بأشياء الله ﷾ أعان هذا بأسباب، ومنع هذا بأسباب، وهو ﷾ الحكم العدل في هذا كله.
_________________
(١) انتهى الوجه الأول من الشريط التاسع والثلاثين.
(٢) البداية والنهاية (٣/٦٤)
[ ٥٦٣ ]