_________________
(١) هذه الجملة من كلامه اشتملت على تقرير الإسراء والمعراج، وأنّ النبي ﷺ أُسْرِيَ به من مكة إلى بيت المقدس، وأنه عُرج به ﷺ إلى السماء في اليقظة إلى حيث شاء الله - ﷿ - من العلو. وهذه المسألة من المسائل الغيبية؛ يعني أنَّ حقيقة الإسراء وحقيقة المعراج من الغيب الذي لم يُعلم إلا من جهته ﷺ. يعني أنَّ الله - ﷿ - أسْرَى بِنَبِيِّهِ، ثم عَرَج به إلى السماء، فالعقل لا يدلّ على ذلك ولا يستلزمه، وإنما ذلك سُلِّمَ به وكان حقًّا من جهة أن الله - ﷿ - أخبر به في كتابه وأخبر به نبينا ﷺ، فالإيمان به واجب، وهو حق لا مِرْية فيه. وثَمَّ كما سمعت ارتباط ما بين الإسراء والمعراج. والإسراء والمعراج معنيان مختلفان. - فالإسراء: هو المشي في الليل، سَرَى أي مشى في الليل، وأسرى أي مشى ليلًا. - والمعراج: فهو مِفْعَال من العروج، وهو اسمٌ للآلة التي عليها عُرِجَ به ﷺ. والإسراء: هو الانتقال ليلا من مكة إلى بيت المقدس، وكان على دابة بين البغل وبين الحمار تسمى البُرَاق، والعروج إلى السماء فكان على آلة، على سُلَّمٍ خاص وهو المعراج. فإذن الإسراء اسم للفعل، والمعراج اسم للآلة التي عليها سار ﷺ إلى السماء. إذا كان كذلك، فالإسراء وهو المشي ما بين مكة إلى بيت المقدس ليلًا في ساعات معدودة ثم الرجوع، هذا أمر غيبي عجيب، لهذا الإيمان به واجب بتفاصيله التي وردت، فيكون له أصل الكلام على الغيبيات. فما جاء فيه يُصدَّق دون تعرض للعقل فيه؛ يعني أنَّ العقل لا مَسْرَح له في الأمور الغيبية فكل ما جاء فيه حق دون تفكير فيه من جهة العقل؛ هل هذا يمكن عقلا أو لا يمكن. كذلك المعراج وهو أبلغ في كونه غيبيًا، فإن آلة العروج وذهاب النبي ﷺ إلى السماوات السبع يُستَفْتَحُ له من سماء على سماء إلى أن بلغ سدرة المنتهى إلى أن كلَّم الرحمن - ﷻ -، هذا أمر غيبي،،ففي أصله وفي تفاصيله مندرِج عليه قاعدة الغيبيات عند أهل السنة والجماعة. إذًا فهذا الذي ذكره الطحاوي أصل في الإيمان بالإسراء والمعراج، وأنَّ الإسراء والمعراج أمران غيبيان، وإذا كان غيبيين فلا يُتعرَّضُ لهما ولا لما جرى فيهما بتأويل أو تحريف يخالف ظاهر ما دلت عليه النصوص. فالنص من الكتاب والسنة دلّ على أنَّ النبي ﷺ أُسْرِيَ به ليلًا في وقتٍ قصيرٍ ما بين مكة إلى بيت المقدس. وأخبر ﷺ أنَّ جبريل جاءه وهو مضطجع في الحطيم، فأخذه فشَقَّ صدره ما بين ثغرة نحره إلى شِعرته إلى أسفل بطنه، وكان أثر المَخيط يظهر في صدره ﷺ، فلمَّا شقّه أخرج قلبه وجِيء بطست فيه الإيمان والحكمة، طست من ذهب، قال ﷺ «فغُسِلَ قلبي به وحُشي إيمانا وحكمة» (١)، وكان هذا لأجل أن يستعد ﷺ لهذا الأمر الغريب؛ وهو أنه يقطع هذه المسافة الطويلة في الأرض في وقت وجيز ثم يُصْعَد به إلى السماء فيحتاج إلى قلب خاص. ومعلوم أنَّ الإنسان إذا خاف أو استغرب فَأَوَلُ ما يتأثّر قلبُه. فإذا كان قلبه لا يتأثّر من الاختلاف، فإنه يتحمل بدنه ذلك بما أعدَّ الله - ﷿ - له في ذلك. قال «ثم أخذني جبريل فإذا دابة بين البغل والحمار، فقال: أركب فركبت، ثم سرنا إلى أن وصلنا بيت المقدس» إلى آخر الحديث. فهذه الصفات وما جاء فيه مما حصل له في بيت المقدس من لقاء الأنبياء ومن صلاته فيه -يعني صلاته في بيت المقدس- ومن كونه صار إماما، واجتماع الأنبياء له، وكونه ﷺ أمَّهُم كل هذا وما ثبت في الأحاديث الصحيحة من الأمور الغيبية التي تجري عليها قاعدة أهل السنة والجماعة في الأمور الغيبية بأنه:
(٢) يُسَلَّمُ بها.
(٣) يُؤمَنُ بها.
(٤) ألا يُتعَرَض لها بتأويل يصرفها عن ظاهرها، أو بتحريف يصرفها عن حقائقها. فنؤمن بها على ما جاء، من جنس جميع الأمور الغيبية التي أخبرنا بها - ﷿ -، أو أخبرنا بها نبينا ﷺ. [قال (وَالْمِعْرَاجُ حَقٌّ، وَقَدْ أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ ﷺ، وَعُرِجَ بِشَخْصِهِ فِي الْيَقَظَةِ) .] (فِي الْيَقَظَةِ) يعني ليس في المنام. (وَعُرِجَ بِشَخْصِهِ) يعني بجسده يعني بروحه، فنفهم من قوله (وَعُرِجَ بِشَخْصِهِ) أنه عروج بالرّوح والجسد معًا. وقوله (فِي الْيَقَظَةِ) أنها ليست في المنام. وقوله (وَقَدْ أُسْرِيَ وَعُرِجَ) نفهم منه أنهما متلازمان كما قررتُ لك سالفا. [قال (إِلَى السَّمَاءِ)] والمقصود بـ (السَّمَاءِ) جنس السماء وهي السموات. [قال (ثُمَّ إِلَى حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الْعُلَا)] يعني مما فوق السماء السابعة. [قال (وَأَكْرَمَهُ اللَّهُ بِمَا شَاءَ)] يعني من تكليمه ومن أنه رأى ﷺ أشياء لم يرها غيرُه ﷺ وما حباه الله - ﷿ - به. [قال (وَأَوْحَى إِلَيْهِ مَا أَوْحَى)] في شأن الصلاة وفي غيره. [﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١])] ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ هذه قد تُفهَم على أنَّهُ رَأَى رَبَّهُ بفؤاده، يعني من حيث صياغة المؤلف. وقد يُفْهَمْ أنه أراد الاستشهاد بالآية ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ يعني ما رآه في أثناء الوحي من الأنوار والآيات العظام.
(٥) مسلم (٤٣٤) / الترمذي (٣٣٤٦)
[ ١٧٦ ]
المعراج -كما ذكرتُ لك- آلة العُروج وقد جاء وصفها لأنَّ النبي ﷺ لما صلَّى في بيت المقدس أخذه جبريل، قال «فوجدتُ سُلَّمين أحدهما ذهب والآخر فضة، فقال لي جبريل: اصعد فصعدتُ»، وجاء في بعض الروايات أنَّ النبي ﷺ قال في المعراج «وهذا هو الذي يشخص إليه البصر حين تفارق الروح البدن» (١) يعني أنَّ هذا المعراج آلة خاصة يُعرج بالبدن وبالروح في السماء بها.
فهي إذًا آلة من جنس الآلات الله - ﷿ - أعلم بحقيقتها.
إذا تبين ذلك في تقرير مذهب أهل السنة والجماعة في الإسراء والمعراج، على هذا الوجه الإجمالي فثَم هاهنا مسائل:
_________________
(١) مسند الحارث – زوائد الهيثمي (٢٧)
[ ١٧٧ ]
[المسألة الأولى]:
أنَّ الإسراء والمعراج يُربطان معا، وأهل العلم مختلفون في هل تَكَرَّرَ الإسراء والمعراج، أم كانا مرة واحدة، على أقوال كثيرة، وأهمها قولان:
١ - القول الأول:
أنَّ الإسراء والمعراج لم يكونا إلا مرة واحدة.
٢ - والقول الثاني:
أنَّ الإسراء وقع مرتين، والمعراج وقع مرة واحدة، وهذا هو اختيار الحافظ ابن حجر.
والقول الأول أوْلى، وهناك من قال إنَّ المعراج تَكَرَّرَ وأنَّ الإسراء تَكَرَّرَ ثلاث مرات أو أربع مرات.
وسبب الاختلاف في تكرر وقوعه هو اختلاف الروايات، فكلما جاءت رواية فيها مُخَالَفة لرواية أخرى مع ثقة النقلة قالوا: إنَّ هذا يُحمل على تعدد الوقوع.
ولكن هذا ليس بجيد ولا بصحيح حيث المنهج؛ لأنَّ الإسراء كما هو ظاهر الآية وقع مرة واحدة ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء:١] .
وقد يكون ثَمَّ احتمال في بعض الروايات أنَّ الإسراء وقع مرتين؛ لكن الأقرب لظاهر الأدلة أنَّ الإسراء والمعراج وقعا مرة واحدة.
[ ١٧٨ ]
[المسألة الثانية]:
متى وقع الإسراء والمعراج؟
١ - القول الأول:
وهذا عليه أكثر أهل العلم على أنَّ الإسراء والمعراج وقعا قبل الهجرة بسنة، على تباين بينهم في هل السنة تحديدًا أم السنة تقريبا؟
- فقال بعضهم سنة إلا شهر.
- وقال بعضهم سنة إلا شهرين.
- وقال آخرون ثمانية أشهر قبل الهجرة.
- وقال آخرون عشرة، إلى آخره.
وإذا تبين هذا الاختلاف في كونه قبل الهجرة بسنة لهذا القول، فإنّ معه عدم تحديد وقوع الإسراء والمعراج في شهر رجب.
واشْتَهَرَ عند المؤرخين، أصحاب السير أنَّ الإسراء والمعراج وقعا في رجب؛ ليلة السبعة والعشرين.
وهذا إنما هو عند طائفة من أهل السّير، وأما أهل العلم المحققون من المحدثين والفقهاء ومن المفسرين فإنهم لا يحملون ذلك على الوقوع في شهر رجب بظهور، وإنما يقولون وقع قبل الهجرة بسنة.
ومعلوم أنَّ الهجرة كانت في شهر ربيع الأول، وإذا كان كذلك فقولهم قبله بسنة يعني أنّ الإسراء والمعراج لم يقع في رجب.
والأكثرون من أهل العلم على أنه أكثر من سنة: سنة وشهرين، سنة وثلاثة أشهر ونحو ذلك، والقليل من قال إنه ثمانية أشهر.
هذا قول أنه كان قبل سنة.
٢ - القول الثاني:
أنه كان قبل ثلاث سنين.
٣ - القول الثالث:
أنه كان قبل خمس سنين، واستدلّوا على ذلك بأنَّ خديجة صلّت وقد ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين أو بخمس سنين، قالوا: كيف تصلي وإنما فُرضت الصلوات في ليلة المعراج؟ فكونها صلت يدلّ على أن المعراج وقع في حياتها، وهي ماتت قبل الهجرة بثلاث أو بخمس سنين.
والجواب عن هذا: أنَّ الصلاة كانت مفروضة ركعتين ركعتين؛ ركعة أول النهار وركعة آخر النهار، كما قالت عائشة ﵂ (فرضت الصلاة أول ما فرضت ركعتين ركعتين، فزيد في صلاة الحضر، وأُقرت صلاة السفر) (١) .
فخديجة ﵂ كانت تصلي؛ ولكن لم تكن الصلاة المفروضة؛ الصلوات الخمس التي فرضت ليلة المعراج.
_________________
(١) البخاري (٣٥٠) / مسلم (١٦٠٢)
[ ١٧٩ ]
[المسألة الثالثة]:
الإسراء والمعراج هل وقعا بجسد النبي ﷺ أم بروحه؛ يعني بجسده وروحه، أم بروحه فقط، أم كانا مناما؟
اختلف الصحابة رضوان الله عليهم في ذلك:
- فقالت طائفة: كان الإسراء والمعراج بروحه.
- وقال آخرون: بل بروحه وبجسده.
ولم يقل أحد منهم: إنَّ الإسراء والمعراج كانا مناما، فلهذا لا يسوغ أن يُنْسَبْ هذا القول للسلف؛ بل قاله بعض العلماء الذين لم يُدَقِّقوا الفرق بين قول من قال: إنه روح وبين أن يكون منامًا.
والصواب الذي عليه عامة أهل السنة؛ أكثر أهل السنة: أنه كان بجسده وروحه معًا في الإسراء والمعراج، ولم يقل أحد من المنتسبين لأهل العلم -فيما أعلم-: إنه أُسري بجسده وروحه وعرج بروحه فقط، وإنما ثَمَّ اتفاق ما بين الإسراء والمعراج؛ لأنه لم يقل أحد أنه ذهب ونام في بيت المقدس. (١)
: [[الشريط الرابع عشر]]:
إذًا نقول: الصواب أنَّ الإسراء والمعراج كانا بروحه وجسده معًا.
ويدلُّ على ذلك أدلة منها:
١- أنَّ الله - ﷿ - قال ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء:١]
قوله ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ العبد: اسم للجسد والروح معًا، وليس اسمًا للروح، وإنما الروح تُخَصُّ بالإضافة، فيقال: روح العبد، «روح عبدي فلان»، كما جاء في بعض الأحاديث، وكذلك الجسد يُخَص، فيقال: جسد فلان، أو جسد عبدي فلان؛ يعني إذا كان من الله - ﷿ -.
أما إطلاق لفظ العبد أو الإنسان فإنه يكون لمجموع الروح والجسد.
فإذًا في قوله ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ دليل على أنَّ الإسراء كان بالروح والجسد معًا، وإذا كان في الإسراء كذلك، فالمعراج كان بهما جميعا.
٢- أنَّ النبي ﷺ أخبر أنه كان مضطجعًا في بيته، أو في بيت أم هانئ، ففُرِج السقف فنزل جبريل، وفي رواية (أنه ﷺ كان مضطجعا في الحطيم) (٢) -في الصحيحين- فأخذه جبريل فشق صدره ما بين ثُغرَةِ نحره إلى أسفل بطنه، استخرج قلبه إلى آخره، وهذه إنما تكون للجسد، ولا معنى للإسراء بالجسد بدون روح، فصار ثَمَّ تلازم ما بين الإسراء بالجسد والروح معًا.
إلى أدلة أخرى في هذا المقام معروفة.
_________________
(١) انتهى الشريط الثالث عشر.
(٢) البخاري (٣٨٨٧)
[ ١٨٠ ]
[المسألة الرابعة]:
أنَّ الإسراء والمعراج اختلفت فيها الأحاديث.
فمن الأحاديث ما أُفرد فيه الإسراء دون المعراج، ومنها ما أُفرد فيه المعراج دون الإسراء، وهي في الصحيح وفي غيره.
وما جرى في الإسراء وما جرى في المعراج يؤخذ من مجموع الأحاديث؛ يعني أن تُجمع الرّوايات الصحيحة التي جاءت في الإسراء وجاءت في المعراج، ويُنْظَرْ ما حدث في الإسراء والمعراج.
يعني أنَّ بعض الروايات -مثلًا فيما رواه البخاري في صحيحه- قال «فأتاني جبريل فأخذني فأركبني على البراق فعرجت في السماء-أو فعرج بي إلى السماء- فاستفتح» وهذا فيه نقص؛ لأنَّ العروج في السماء إنما كان بعد الذهاب إلى بيت المقدس.
وفي بعض الروايات فيها نقص.
المقصود أنَّ الإسراء والمعراج تنوعت الروايات فيه، ونبَّه أهل العلم على أنَّ أحد الروايات في الإسراء والمعراج -مما رُوِيَ عن أنس ﵁ أنَّ فيها خلطًا، وهي رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر في البخاري وفي غيره.
ومسلم ﵀ حينما ذكر الرواية في صحيحه أشار إلى رواية شريك بن عبد الله عن أنس، وقال: فزاد ونقص -يعني شريكًا- فزاد ونقص وقَدَّمَ وأَخَّرَ ولم يسق روايته، وفي روايته أغلاط عند أهل العلم، خالف فيها مجموع أهل العلم الذين رَوَوا ذلك عن الصحابة.
إذًا فمسألة الروايات بها يُعلم ما حصل.
وبالنسبة للمعراج رواية الإسراء فيها يعني الإسراء والمعراج معًا؛ يعني مجموع الروايات، فيه أنَّ فيه وصف الدابة، وفيه تسميتها بالبُراق.
وتسمية هذه الدابة بالبُراق لأمرين:
الأول:
أنها في سرعتها كالبرق، وقد جاء في وصفها أنها -يعني البراق أو أنَّ الدابة- تضع حافرها حيث ينتهي بصرها، ومعلوم أنَّ الإسراء كان بالليل ومعنى ذلك أنها تبصر ليلًا وأنَّ سرعتها عظيمة، فلذلك كان من أوجُهِ تسميتها بالبراق أنَّ سرعتها كالبرق.
٢ - الثاني:
أنَّ لها بريقًا، ولذلك جاء في وصفها أنها دابة بيضاء بين البغل والحمار، ذلك لأنَّ لها بريقًا والبريق يؤخذ من البياض.
النبي ﷺ في الإسراء به مرَّ على أشياء كثيرة حتى وصل إلى بيت المقدس.
قال طائفة من أهل العلم: ارتبط الإسراء بالمعراج مع أنَّهُ لا رابط بينهما من جهة العروج إلى السماء فإنه يمكن أن يكون العروج إلى السماء من مكة، ارتبط الإسراء بالمعراج لأمورٍ؛ يعني لِحِكَمْ فيما استظهروه:
١- الحكمة الأولى: أن يطلع النبي ﷺ في مسيره على الأرض على أشياء تكون أقوى لحجته إذا سأله المشركون، ولو عُرِجَ به إلى السماء مباشرة فإذا سألوه فلن يكون عنده ما يُقَوِّي حجته عليهم بهذا الأمر، ولهذا لما رجع سألوه فأخبرهم عن خبر قافلة، فلما رجع أهل القافلة سألوهم فقالوا: نعم حصل كذا وكذا.
٢- الحكمة الثانية: أنَّ فيها إظهارًا للترابط ما بين مكة وما بين بيت المقدس، وأنَّ بيت المقدس كان قبلة وأنَّ مكة كانت قبلة، فلم يَتَوَجَه أتباعُ الأنبياء إلا إلى: بيت المقدس وإلى مكة المكرمة -يعني إلى الكعبة-.
٣-الحكمة الثالثة: أن يظهر فضل محمد ﷺ حيث يلتقي بالأنبياء في بيت المقدس ثم يصلي بهم.
وقد جاءت روايات مختلفة صحيحة في دخول النبي ﷺ إلى المسجد الأقصى.
ففيها أنه دخل فقال له جبريل صَلِّ ركعتين، فصلى ركعتين أو صلى جبريل ركعتين، ثم وجد الأنبياء ووجد صفوفًا خلفه فصف معهم، ثم قَدَّمَه جبريل ﵇ فصلى بهم.
ففي هذا إظهار لفضله ﷺ ولمكانته ومَزِيَّتِهِ بالإمامة على سائر الأنبياء ﷺ.
أيضا مما يذكر في الإسراء أنَّه ﷺ مَرَّ بموسى في قبره.
قال -كما رواه مسلم - «مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي بمُوسَى وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّي فِي قَبْرِهِ عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ» (١) .
وهذا الحديث رواه مسلم في الصحيح، وطائفة من أهل العلم قالوا: إنَّ في هذا الحديث شذوذًا أو نكارة ولم يقبلوه، والأكثرون على قَبوله؛ يعني أن هذا الحديث صحيح، وابن القيم ﵀ وجماعة ممن يميلون إلى أنَّ فيه مقالًا.
أيضا مما حدث في الإسراء أنَّ أهل العلم اختلفوا في الدَّابة: هل رُبِطَتْ أم تُرِكَتْ؟
فأنكر طائفة أن تكون رُبِطَتْ في الصخرة.
وقَبِلَ هذه الرواية أكثر أهل العلم فقالوا: إنَّ جبريل وَخَزَ الصخرة فانثقبت فربط الدابة فيها.
أما المعراج فلما عُرج به ﷺ أتوا إلى السماء الأولى فاستفتح جبريل.
فقيل له: أمعك أحد؟
قال: نعم.
قيل من؟
قال: محمد بن عبد الله.
فقيل له: (أَوَقَدْ بعث؟) أو (أَوَقَدْ أرسل؟) أو (أَوَقَدْ أوحي إليه؟)
فقال: نعم، فَفُتِحْ له.
قال النبي ﷺ: فلما ولجنا السماء وجدتُ فيها آدم ﵇يعني السماء الأولى- إلى آخره، فقيل لي: هذا أبوك آدم فسلِّم عليه.
_________________
(١) مسلم (٦٣٠٦) / النسائي (١٦٣١)
[ ١٨١ ]
قال: فسلمت عليه، ثم ردَّ علي السلام، فقال: مرحبًا بالابن الصالح والعبد الصالح.
ثُم عَرج به إلى السماء الثانية، فاستفتح -يعني حصل مثل الذي حصل؛ من معك؟، أَوَقَدْ أرسل؟ إلى آخره- فوجد في السماء الثانية عيسى ﵇ ويحيى وهما ابنا خالة.
ثُم إلى السماء الثالثة وجد فيها يوسف.
ثُم السماء الرابعة وجد فيها إدريس.
ثُم السماء الخامسة وجد فيها هارون.
ثُم السماء السادسة وجد فيها موسى عليهم جميعا السلام.
ثُم السماء السابعة وجد فيها إبراهيم، وكل يقول له مرحبًا بالأخ الصالح والعبد الصالح، إلا آدم
وإبراهيم فيقولان: مرحبا بالابن الصالح والعبد الصالح.
ولما مَرَّ على موسى ﵇ وسلم عليه ورد عليه موسى، قال ﷺ: فلما انصرفت أو فلما ذهبت إذا بموسى ﵇ يبكي فقيل له: ما يُبكيك؟ قال: أبكي أَنْ بُعِثَ غلام من بعدي يكون من يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخل الجنة من أمتي.
ثُم لقي إبراهيم الخليل ﵇ في السماء السابعة، قال: ثم رُفِعَتْ لي سدرة المنتهى، فإذا نبتُهَا مثل قلال هجر وإذا ورَقُهَا مثل آذان الفيلة.
قال: ثم رفع لي نهران باطنان ونهران ظاهران، فسألت: فقيل لي النهران الباطنان من الجنة والنهران الظاهران النيل والفرات.
ثم أُتِيْتُ بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل، فشربت الإناء من اللبن، فقيل لي: هُدِيت للفطرة أو هذه الفطرة فيك وفي أمتك. أو كما قال ﷺ إلى آخر الحديث.
المقصود أنَّ هذا حديث المعراج وما فيه، هذه إحدى الروايات والروايات في ذلك كثيرة، باختلاف أماكن الأنبياء، واختلاف المقالة، اختلاف ما حصل وكذلك في ما حصل في السماء السابعة.
إذا تبين ذلك فثَمَّ كلام هنا على لُقْيا النبي ﷺ للأنبياء والمرسلين.
[ ١٨٢ ]
[المسألة الخامسة]:
هل لقي النبي ﷺ أجسادَ الأنبياء مع أرواحهم؟ أم إنه ﷺ لقي أرواحهم دون أجسادهم؟
العلماء لهم في ذلك قولان:
١- القول الأول:
قال طائفة من أهل العلم: لَقِيَ أرواحا وأجسادًا، واستدلوا على ذلك بدليلين:
- الدليل الأول: أن هذا هو الظاهر من الجَمْعْ - يعني من أنهم جُمِعُوا له وأنه كلّم آدم وكلّم فلان وكلّم فلان إلى آخره.
- والدليل الثاني: أنه جاء في أحد الروايات قوله (وبُعِثَتْ لي الأنبياء) وبَعْثَةُ الأنبياء له، تدلُّ على أَنَّ ذلك خاص في ذلك الموقف الخاص.
٢- القول الثاني:
أن ذلك إنما هو للأرواح دون الأجساد حاشا عيسى ﵇ فإنه رُفِعَ إلى السماء بروحه وجسده.
وفي إدريس قولان؛ إدريس ﵇ في السماء الرابعة فيه قولان، هل كان رفعه للسماء الرابعة بروحه فقط أم كان بروحه وجسده؟ وفي ذلك خلاف عند المفسرين وعند أهل العلم مأخوذ أو تجده عند قوله تعالى ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم:٥٧] في قصة لا تثبت؛ يعني في قصة لسبب الرّفع لا تثبت.
* والأظهر من القولين عندي أنَّ ذلك كان بالأرواح دون الأجساد خلا عيسى ﵇؛ وذلك أنَّ النبي ﷺ حين التقى بالأنبياء وصلوا معه ﷺ:
- إما أن يُقال صَلَّوا معه بأجسادهم، وقد جُمِعَت أجسادهم له من القبور، ثم رَجعت إلى القبور وبقيت أرواحهم في السماء.
- وإما أن يُقال هي بالأرواح فقط؛ لأنَّهُ لقيهم في السماء.
ومعلوم أنَّ الرّفع إنما خُصَّ به عيسى ﵇ إلى السماء رَفْعًا حيًّا، وكونهم يُرْفَعُون بأجسادهم وأرواحهم إلى السماء دائمًا ولا وجود لهم في القبور، هذا لا دليل عليه؛ بل يخالف أدلة كثيرة أنَّ الأنبياء في قبورهم إلى قيام الساعة.
فمعنى كونهم ماتوا ودُفنوا أنَّ أجسادهم في الأرض، وهذا هو الأصل.
ومن قال بخلافه قال هذا خاص بالنبي ﷺ أنه بُعِثَتْ له الأنبياء فَصَلَّى بهم ولقيهم في السماء.
وهذه الخصوصية لابد لها من دليل واضح، وكما ذكرت لك فالدليل التأمُّلي يعارضه.
وعلى كل هما قولان لأهل العلم من المتقدمين والمتأخرين.
[ ١٨٣ ]
[المسألة السادسة]:
النبي ﷺ حين رُفع إلى ما فوق السماء السابعة، ورأى البيت المعمور، ورأى سدرة المنتهى، رأى أشياء من آيات الله الكبرى، كما قال - ﷿ - ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم:١٨] .
والنبي ﷺ رأى هذه الأشياء بقلبه ورآها بعينه، كما قال - ﷿ - ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١]، فصار للفؤاد رؤية، وقال ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧] فصار للبصر رؤية.
لهذا نقول: رؤية النبي ﷺ لآياتِ رَبِّهِ الكبرى لما فوق السماء السابعة وفي السماء السابعة وما رأى صار بشيئين: بالبصر وبالقلب جميعًا، ولا يقال بالبصر وحده ولا يقال بالفؤاد وحده؛ بل رأى بهما جميعًا.
وهذا يعني أنَّهُ قد يكون ثَمَّ أشياء رآها ببصره وقلبه جميعًا، وثَمَّ أشياء رآها بفؤاده دون بصره.
لهذا قال من قال من أهل العلم: إن النبي ﷺ رأى ربه - ﷿ - بفؤاده، وهذا يجرنا إلى المسألة المشهورة:
هل رأى نبينا ﷺ ربه أم لا؟
في قولين للصحابة:
- منهم من قال: رأى ربه.
- ومنهم من قال: لم يره.
كما هما قولان لعائشة وابن عباس ﵃ أجمعين.
* والصحيح من ذلك أن النبي ﷺ لم يرَ ربه وإنما سمع كلامه، ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:١٠]، كما ثبت في الصحيح من حديث أبي ذر أن النبي ﷺ قيل له: هَلْ رَأَيْتَ رَبّكَ؟؟ قال «نُورٌ فأَنّىَ أَرَاهُ» (١)؟
يعني ثَمَّ نور وهو الحجاب، حجاب الرب - ﷿ - نور، قال «ثم نور أنى أراه»، وفي رواية أخرى قال «رأيت نورًا»؛ يعني نور الحجاب.
إذًا فالصحيح أنَّ النبي ﷺ حصلت له أنواع رؤية:
- منها رؤية أشياء بالبصر.
- ورؤية أشياء بالقلب، بالفؤاد.
- ورؤية أشياء بهما جميعًا.
وأما الله ﷻ فلم يره وإنما سمع كلامه ﷺ.
_________________
(١) سبق ذكره (١٣٢)
[ ١٨٤ ]
[المسألة السابعة]:
من المشهور المعروف في قصة الإسراء والمعراج المراجعة التي حصلت بين النبي ﷺ وموسى في فرض الصلاة.
فإنَّ الله - ﷿ - فَرَضَ الصلاة المفروضة على هذه الأمة خمسين صلاة، ثم رجع جبريل مع النبي ﷺ ثُم لمَّا لَقِيَ النبي ﷺ موسى سأله فقال: «فرض علي خمسين صلاة»، فقال: إنها لكثيرة وقد عالجت من أمر أمتي ما علمتُ أنَّ أمتك لن تطيق ذلك، فارجع فاسأل ربك التخفيف. ﷺ: «فاستأذنت جبريل فأذن لي فسألت ربي التخفيف» (١) .
هنا وقع خلاف في الروايات: هل صار التخفيف خمسًا خمسًا؟ أم كان التخفيف عشرًا عشرًا حتى وصلت إلى خمس في آخرها؟
* والصواب والأصح أنَّ التخفيف وقع عشرًا عشرًا؛ يعني كانت خمسين ثُمَّ خُفِّفَ عنه عشرًا فصارت أربعين، ثُمَّ خُفِّفَ عنه عشرًا فصارت ثلاثين، ثم خفف عنه عشرًا فصارت عشرين، ثم خفف عنه عشرًا فصارت عشرًا، ثم خفف عنه خمسًا، ثم لما رجع إلى موسى قال: إنها كثيرة إنَّ أمتك لن تطيق ذلك، فقد عالجتُ من أمر أمتي ما عالجت أو كما قال، فقال نبينا ﷺ: «لقد استحييت من ربي» قال فسمعت من يقول لقد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي.
هذه بعض المسائل المشهورة في مسألة الإسراء والمعراج، ولا ندري هل غُطِّيَتْ أم لا؟
نرجع إلى ألفاظ المؤلف.
_________________
(١) البخاري (٣٨٨٧) / النسائي (٤٥٠)
[ ١٨٥ ]
[المسألة الثامنة]: (١)
في قوله (فَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى) (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ) الصلاة هنا على النبي ﷺ من الله ﷻ معناها الثناء عليه ﷺ فإنَّ الصلاة لها استعمالات:
- فالصلاة من الله - ﷿ - على عبده، على الأنبياء والمرسلين وعلى المؤمنين ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب:٤٣]، تكون الصلاة من الله - ﷿ - بمعنى الثناء؛ يعني يُثني على نبيه في الملإ الأعلى.
(اللهم صلِّ على محمد) يعني اللهم أثْنِ على محمد في الملإ الأعلى بما هو أهله ﷺ.
- والصلاة من الملائكة على المؤمنين هو الدعاء لهم والاستغفار ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ يعني الملائكة تدعو لابن آدم: اللهم اغفر له اللهم ارحمه، تستغفر له كما قال - ﷿ - ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٧] .
- والصلاة من العبد للعبد: اللهم صلِّ على فلان؛ يعني اللهم أثني على فلان، صليتُ عليك أو لك؛ يعني دعوت لك، لهذا قال - ﷿ - ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣] .
إذا تبين ذلك، فالصلاة من الله - ﷿ - مُخْتَصَّة بالأنبياء والمرسلين.
يعني لا يقال على وجه الانفراد (اللهم صلَّ على فلان) إلا أن يكون نبيًا أو رسولًا.
أما غيرهم فلا يُصَلَّى عليه على وجه الانفراد، وقد يُصَلَّى عليه على وجه التَّبَع (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد)، (اللهم صل على محمد وآله وصحبه)، (صلى الله عليه وآله وصحبه)، هذا يجوز من جهة التّبع، أما من جهة الاستقلال فلا يقال: (صلى الله على آل محمد،) فقط، (صلى الله على الصحابة) فقط.
وقد يجوز على المفرد إذا لم يكن شعارًا، مَرَّة مرتين تارةً تارتين ونحو ذلك، ولا يكون شعارًا، كما قال ﷺ لما جاءه ابن أبي أوفى بالصدقة قال «اللهم صل على آل أبي أوفى» (٢)، هذا دعاء لهم، هذا يكون على وجه الانفراد، ولا يكون شعارًا.
فإذًا لا يكون شعارًا أَنَّا نُصَلِي على عَلِيٍّ ﵁، كلما ذكر علي ﵁ قلنا ﵇، أو بعض الآل نقول عليهم الصلاة والسلام أو نحو ذلك، فهذا مخالف للهدي هدي الصحابة رضوان الله عليهم.
تجوز الصلاة على المفرد بشرطين -ذكرتهما لك-:
١- الشرط الأول: ألا تكون دائمًا، بمعنى أن تكون أحيانًا.
٢- الشرط الثاني: أن لا تكون شعارًا على شخص أو على مجموعة؛ مثل الأئمة (صلى الله على الأئمة)، هذه كلها من شعارات أهل البدع.
هذا ما يتعلّق بهذه الجُمَلْ، ونؤجل الكلام على الحوض في المرة القادمة إن شاء الله تعالى.
هذا الدرس حسب رغبة الكثيرين يكون كالعادة آخر درس لأجل قُرب الاختبارات، ونواصل إن شاء الله مع اليوم الأول من الدّراسة -إن شاء الله تعالى- بعد العيد، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
_________________
(١) هذه المسألة لم يجعلها الشيخ مستقلة، وإنما قمت بجعلها مستقلَّةً تمييزًا لها.
(٢) البخاري (١٤٩٧) / مسلم (٢٥٤٤) / أبو داود (١٥٩٠) / النسائي (٢٤٥٩) / ابن ماجه (١٧٩٦)
[ ١٨٦ ]