وَنُحِبُّ أَصْحَابَ رسُولِ الله ﷺ، وَلاَ نُفْرِطُ (١) في حُبِّ أَحَدٍ مِنْهُم؛ وَلاَ نَتَبَرَّأُ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُم، وَنُبْغِضُ مَنْ يُبْغِضُهُم، وَبِغَيْرِ الخَيْرِ يَذْكُرُهُم، ولا نُذْكُرُهُم إِلاَّ بِخَيْرٍ، وَحُبُّهُم دِينٌ وإيمَانٌ وإحْسَانٌ، وَبُغْضُهُم كُفْرٌ ونِفَاقٌ وطُغْيَانٌ.
_________________
(١) هذه الجملة من المسائل العظيمة لتعلّقها بخير الخلق من هذه الأمة وهم صحابة رسول الله ﷺ. والكلام في الصحابة صار عقيدةً في حُبِّهِم وبُغْضِ من يُبْغِضُهُم لقيام طوائف من أهل البدع والضلال في شأن الصحابة بما يخالف الدلائل من القرآن والسنة التي أوجبت حُبَّهم ونُصْرَتَهُم والذبَّ عنهم ﵃ أجمعين، وذكَرتْ عدالتهم وفضلهم وسابقتهم. فخالف في ذلك من خالف من الخوارج والصابئة والرافضة من الخوارج والناصبة والرافضة وطوائف في شأن الصحابة جميعًا أو في شأن بعض الصحابة. فكان منهج أهل السنة والجماعة وعقيدتهم أن يُثنَى على جميع الصحابة وأن نُحِبَّ أصحاب رسول الله ﷺ جميعًا الحب الشرعي الذي ليس فيه إفراط بالتجاوز عن الحد المأذون به والغلو، وليس فيه تفريط بذم بعضهم أو سب بعضهم، أو أن يكون ثَمَّ تَبَرُؤْ من بعضهم أو أن لا تُثْبَتْ العدالة لهم. فلابد في حبّهم من الاعتدال، فلا غلو ولا تفريط في الحب بسلب بعض ما يَجِبُ لهم مما يُحَبُّونَ فيه، إذ الواجب أن يُحَبَّ جميع الصحابة على مجموع أعمالهم، فهم خيرة هذه الأمة وهم خير الناس بعد رسول الله ﷺ. وفي الأصل كما هو معلوم أنَّ هذا ليس من مسائل الاعتقاد لأنَّ مسائل الاعتقاد هو ما يجب على المرء أن يعتقده في أمور الغيب، فصارت من مسائل الاعتقاد لأنَّهُا مِمَّا تَمَيَّزَ به أهل السنة والجماعة الفرقة الناجية بما خالفوا فيه الفرق الأخرى. فكان المسلمون على جماعة في اعتقادهم وفيما يقولون به ثُمَّ خالفت الفرق المختلفة كالخوارج والرافضة والناصبة وأشباه هؤلاء في مسائل. فصار أهل السنة في هذه المسائل التي خالف فيها أهل البدع والضلال والفِرَقْ التي خالفت الجماعة، صار القول فيها من الاعتقاد؛ لأنَّهُم خالفوا الفرق التي خالفت في الاعتقاد. وهذا من جنس مسائل أخرى في مسائل التعامل والحب، أو في مسائل المنهج والسلوك وأشباه ذلك مما سبق أن مَرَّ معنا. وقد مَرَّ معنا مثلًا مسألة المسح على الخفين، مسألة المسح على الخفين لاشك أنَّهُا مسألة من الفقه ولا تدخل في الاعتقاد دخولًا واضحًا لكن لمَّا خالف فيها من خالف دخلت في مسائل الاعتقاد. وحب الصحابة رضوان الله عليهم والموقف من الصحابة وعقيدة المسلم في صحابة رسول الله ﷺ صارت عقيدة لمُخَالَفَتِهَا اعتقاد الضالين في هذا الباب. ويمكن أن نُفَرِّعْ الكلام في مسائل.
(٢) قال الشيخ صالح: نُفْرِطُ يعني نتجاوز الحد أما نفرّط لا، وَلاَ نُفْرِطُ في حُبِّ أَحَدٍ مِنْهُم.
[ ٦٢٣ ]
[المسألة الأولى]:
صحابة رسول الله ﷺ: هم من صَحِبَ رسول الله ﷺ بِلُقِيِّهِ ولو ساعةً مؤمنًا به ومات على ذلك.
أو يقال الصاحب والصحابي: من لَقِيَ النبي ﷺ ولو ساعة مؤمنًا به ومات على ذلك.
والصحابة هم الذين صحبوا رسول الله ﷺ.
وهذا اللُّقِي الذي سمعته في التعريف يختلف:
- منهم من صَحِبَهُ والتقى به مدة طويلة.
- ومنهم من قَلَّ ذلك.
- ومنهم من تقدّم.
- ومنهم من تأخر.
وهذا يُبَيِّنُ لك أنَّ نوع الصحبة وقَدْرْ الصُّحْبَة يختلف فيه الناس ويختلف فيه الصحابة فليسوا على مرتبة واحدة كما سيأتي.
والصحابة كلهم أثنى الله - ﷿ - عليهم بدون استثناء وأثنى عليهم رسوله ﷺ، فقال - ﷿ - ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ إلى أن قال ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٢٩]، وقال - ﷿ - ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنَّهُارُ﴾ [التوبة:١٠٠]، وكذلك قوله - ﷿ - ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨]، حتى سُمِّيَتْ هذه البيعة بيعة الرضوان؛ لأنَّ الله رَضِيَ ما عملوه، رَضِيَ بَيْعَتَهُمْ فَسُمِّيَتْ بيعة الرضوان، ومنها أيضًا قول النبي ﷺ «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» (١) كذلك قوله ﷺ كما في الصحيحين «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفس محمد بيده فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدكم ولا نصيفه» (٢) وقال أيضًا - ﷿ - ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠] والآيات في فضل الصحابة بِمُجْمَلِهِمْ في أنواعٍ من الدلالات والأحاديث كثيرة جدًا وصُنفت مصنفات في ذلك.
وهذه الآيات والأحاديث تفيد في شأن الصحابة أمور:
١- الأول: أنَّ الصحابِيَّ إذا مات على الإيمان فإنَّهُ موعودٌ بالمغفرة والرضوان.
٢ - الثاني: أنَّ الصحابة كلهم عدول لتعديل الله - ﷿ - لهم وثنائه عليهم.
ومعنى العدالة هنا أنَّهُم عُدولٌ في دينهم وفيما يروون وينقلون من الشريعة، وأنَّ ما حَصَلَ من بعضهم من اجتهاد، فإنَّهُ لا يقدح عدالتهم ولا يُنْقِصُهَا، لِمُضِيِّ ثناء الله - ﷿ - عليهم مطلقًا.
٣- الثالث: أنَّ سبَّ الصحابة ينافي ما دَلَّتْ عليه الأدلة من الثناء عليهم، وهو منهيٌ عنه بالنَّصْ، فلذلك أفادت هذه الآيات حُرْمَةْ سبِّ الصحابة كما سيأتي تفصيل الكلام على ذلك إن شاء الله.
٤- الرابع: أنَّ الآيات دلَّتْ على أنَّ الصحابة يتفاوتون في المنزلة وفي المرتبة وأنَّهُم ليسوا على درجة واحدة.
_________________
(١) البخاري (٢٦٥٢) / مسلم (٦٦٣٥)
(٢) سبق ذكره (٤١٤)
[ ٦٢٤ ]
[المسألة الثانية]:
حب الصحابة فرض وواجب وهو من الموالاة الواجبة للصحابة، وهذا الحب يقتضي أشياء:
- الأول: قيام المودة في القلب لهم.
- الثاني: الثناء عليهم بكل موضع يُذْكَرُونَ فيه والترضي عنهم.
- الثالث: أن لا يَحْمِلَ أفعالهم إلا على الخير فكلُّهُم يريد وجه الله - ﷿ -.
- الرابع: أن يَذُبَّ عنهم؛ لأنَّ مِنْ مقتضى المحبة والولاية؛ بل من معنى المحبة والولاية النُّصْرَةْ، أَنْ يَنْصُرَهُمْ إذا ذُكِرُوا بغير الخير أو انتقص منهم منتقص، أو شَكَّكَ في صدقهم أو عدالتهم أحد، فإنَّهُ واجبٌ أن يُنْتَصَرَ لهم ﵃.
ولذا توَسَّطَ أهل السنة والجماعة في الحب بين طرفين: بين طرف المُفْرِطِينْ وطرف المتبَرِّئِين.
@ أما الغلاة والمُفَرِّطُون في الحب فهم الذين جعلوا بعض الصحابة لهم خصائص الإلهية كما فعل طائفة مع علي ﵁، وكما فعل طائفة مع أبي بكر، أو غلو بما هو دون الإلهية بأن يجعلو هذا الحب يقتضي انتقاص غيرهم، فيُحِبُّ أبا بكر وينتقص عليًا، أو يحبّ عليًا ﵃ وينتقص أبا بكر، هذا إفراط وغلو.
فالوسط هو طريقة الصحابة وأهل السنة فإنَّ الحب يقتضي موالاة الجميع وأن لا يَغْلُوَ المسلم في أي صحابي؛ بل يُحِبُّهُم ويَوَدُّهُم ويذكرهم بالخير ولا يجعل لهم شيئا من خصائص الإلهية.
بل أجمع أهل العلم أنَّ من ادَّعَى في صحابيٍ أنَّ له شيئًا من خصائص الإله، أو أنَّهُ يُدْعَى ويُسْأَلْ كما يُعْتَقَد في علي ﵁ ونحوه أنَّهُ كافر بالله العظيم.
وهذا الغلو وقع فيه كثير في الأمة بعد ذلك فأُقِيْمَتْ المزارات والمشاهد والقبور والقباب على قبور الصحابة، كقبر أبي أيوبٍ الأنصاري قرب اسطنبول، وكقبر أبي عبيدة بن الجراح في الأردن، وكقبر عدد من الصحابة كالحسين والحسن وعلي إلى آخره في أمصارٍ مختلفة.
فجعلوا قبورهم من فَرْط المحبة أوثانًا يأتون فيسألون ويدعون ويستغيثون ويتقربون للصحابة، وهذا إفراط وليس هو الحب المأذون به؛ بل هذا حبٌ معه الشرك المُحَقَّقْ إذا وصل إلى سؤال الميت ودعائه والتقرب إليه.
@ وفي المقابل يكون فِعْلُ طائفةٍ ضالة أخرى تتبرأ من الصحابة جميعًا كفعل الزنادقة، أو تتبرأ من أكثر الصحابة كفعل الرافضة والخوارج، أو تتبرأ من طائفة من الصحابة كفعل النواصب ومن شابههم.
فهؤلاء تبرؤوا.
@ ومنهم من يعتقد أنَّهُ لا حُبَّ ولا ولاء إلا بِبَرَاءْ.
يعني لا يصلح حب صحابي وولاء صحابي إلا بالتبرؤ ممن ضَادَّهْ.
فيجعلون في ذلك أنَّ حب علي ﵁ والولاء لعلي والحسن والحسين يقتضي بُغْضَ أبي بكر وبُغْضَ عمر وبُغْضَ عثمان ومن سلب هؤلاء حقهم كفعل الرافضة عليهم من الله ما يستحقون.
لهذا كان مُعْتَقَدْ أهل السنة والجماعة في هذا أنَّ التبرؤ من الصحابة واعتقاد أنَّهُ لا موالاة إلا بالبراءة أنَّ هذا ضلالٌ وقد يوصل إلى الكفر، كما سيأتي في المسألة إن شاء الله.
لذا قال بعدها (وَنُبْغِضُ مَنْ يُبْغِضُهُم، وَبِغَيْرِ الخَيْرِ يَذْكُرُهُم) وهذا من مقتضى المحبة الوَسَطْ، ودين الله وسط بين الغالي والجافي، فإننا من ذَكَرَهُمْ بخير أحببناه ومن ذَكَرَهُمْ بغير الخير أبغضناه؛ لأنَّ من مقتضى المحبة والولاية أن يُحَبَّ من يُحِبُّهُمْ وأن يُبْغَضَ من يُبْغِضُهُمْ.
[ ٦٢٥ ]
[المسألة الثالثة]:
أصحاب رسول الله ﷺ على مراتب، يختلفون في منزلتهم.
١ - فأعظم الصحابة وأرفع الصحابة العشرة الذين بُشِّرُوا بالجنة في مكانٍ واحد، وهم الذين يشتهر عند الناس أنهم العشرة المبشرون بالجنة.
والذين بَشَّرَهُمْ النبي ﷺ بالجنة أكثرمن عشرة، عددهم كثير من الصحابة؛ ولكن خُصَّ هؤلاء بفضلٍ لأنَّهُم بَشَّرَهُم ﷺ بالجنة في مكان واحد، وفي حديثٍ واحد ساقَهُم ﷺ «أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الحنة، وسعد في الجنة» (١) إلى آخر العشرة.
فهؤلاء هم أفضل الصحابة وترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الذِّكْرْ؛ لأنَّ النبي ﷺ رَتَّبَهُمْ كترتيبهم في الفضل، فأبو بكر أفضل ويليه عمر ثم يليه عثمان ثم يليه علي إلى آخره.
٢ - يلي هؤلاء المهاجرون -أعني جنس المهاجرين- الذين أسلموا في مكة وتقدم إسلامهم وصبروا مع رسول الله ﷺ وصابَرُوا حتى هاجروا.
٣ - ثُمَّ الذين شهدوا بدرًا من المهاجرين والأنصار فهم يلونهم في الفضل.
٤ - ثُمَّ جنس الأنصار الذين سبقوا وأثنى الله عليهم بقوله ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة:١٠٠] والمراد بالسَّبْقْ هنا السبق إلى الإيمان به ﷺ وتصديق رسالته والجهاد معه، فهذا هو بالسَّبْقْ الذي له الفضل العظيم.
٥ - ثُمَّ بعد ذلك يليهم من أسلم قبل الفتح، ويُقْصَدْ بالفتح هنا صلح الحديبية أو فتح مكة وهو الذي جاء فيه قول الله - ﷿ - ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠] فالذي أسلم وآمن وأنفق وجاهد من قبل صلح الحديبية أو من قبل فتح مكة فإنَّهُ أفضل ممن بعدهم.
ولذلك يُقَالُ لكثيرٍ من الصحابة مُسْلِمَةْ الفتح، يعني الذين أسلموا بعد فتح مكة.
وهؤلاء -وهم الفئة الأخيرة-: مَنْ أَسْلَمَ مِنْ بعد الفتح إلى عام الوفود.
ثُمَّ بعد ذلك دخل الناس في دين الله أفواجًا، يعني السنة التاسعة والعاشرة حتى حَجَّ النبي ﷺ، هؤلاء هم أقل الصحابة منزلة.
وهذا الترتيب لِما دلَّتْ عليه الأدلة من التفضيل.
والمراد بهذا التفضيل الجنس؛ يعني جنس هذه الطائفة على جنس هذه الطائفة.
يعني التفضيل في الظاهر باعتبار الجنس، فقد يكون في بعض الطبقات من هو أفضل ممن قبله.
وهذا من حيث التَّنْظِيرْ لا من حيث التَّطْبِيقْ لأنَّنَا لا نعلم دليلًا يَدُلُّ على أنَّ فلانًا من المتأخرين أفضل من فلان من المتقدمين، أو أنَّ فلانًا من الأنصار أفضل من فلان من المهاجرين؛ لكنه من حيث الجنس فُضِّلَ ما فَضَّلَتْهُ الأدلة أو ما دَلَّتْ الأدلة على تفضيله جِنْسًَا؛ لكن حديث النبي ﷺ في المفاضلة بين عبد الرحمن بن عوف وخالد بن الوليد ظاهر، وعبد الرحمن بن عوف من العشرة المبشرين بالجنة، وهؤلاء هم أفضل الصحابة، هؤلاء فَضْلُهُمْ بأعيانِهِمْ ظاهر، وأهل بدر أيضًا قد يدخلون في أنَّ فضلهم بأعيانِهِمْ؛ لكن الكلام على الجنس مع الجنس.
ولمَّا وَقَعَ خالدٌ في مَسَبَّةِ عبد الرحمن بن عوف ﵄ قال النبي ﷺ «لا تسبوا أصحابي» إلى آخر الحديث، فخَصَّ المُتَقَدِّمْ باسم الصُّحْبَةْ فَكَأَنَّ الذي أسلم من بعد الفتح وقاتل لقِصَرِ إسلامه وقِصَرْ صحبته للنبي ﷺ وقِلَّةِ نُصْرَتِهِ بالنسبة إلى من قبله، كأنَّهُ صارَ تَحْقِيقُ اسم الصحبة عليه ليس كتحقيق من كان قبله، بل هذا هو الواقع، ولهذا خَصَّ النبي ﷺ السابقين باسم الأصحاب دون غيرهم مع اشتراك من أسلم بعد ذلك باسم الأصحاب؛ ولكن لأجل طول الصُّحْبَةْ صار عبد الرحمن بن عوف وسُلِبَ الاسم عن خالد بن الوليد لأجل هذه الحيثية، وإلا فالكل صاحب للنبي ﷺ، وهذا فيه تخصيص بالاسم لأجل مزيد الفضل وتَحَقُّقْ الصفة اللازمة في مقتضى الصحبة.
_________________
(١) أبو داود (٤٦٤٩) / الترمذي (٣٧٤٨) / ابن ماجه (١٣٣)
[ ٦٢٦ ]
[المسألة الرابعة]:
الصحابة رضوان الله عليهم بشر يُصيبون ويُخطئون ويجتهدون فيما يجتهدون فيه، وربما وافق بعضُهُمْ الصواب، وربما لم يوافق الصواب.
لهذا الواجب على المؤمن من مُقْتَضَى المحبة والنُّصْرَةْ أن يحمِلَ جميع أعمال الصحابة على إرادة الخير والدِّيْنْ وحب الله - ﷿ - وحب رسوله ﷺ، وأنَّ ما اجتهدوا فيه:
- إما أن يكون لهم فيه الأجران إذ أصابوا.
- وإما أن يكون لهم فيه الأجر الواحد إذ أخطؤوا.
وكُلُّ عَمَلٍ لهم مما اجتهدوا فيه حتى القتال فإنَّهُ مَعْفُوٌّ عنهم فيه لأنَّهُم مجتهدون، فلا نَحْمِلُ أحدًا من الصحابة على إرادة الدنيا المحضة -يعني فيما اجتهدوا فيه من القتال- وإنما نحملهم على أنَّهُم أرادوا الحق واجتهدوا فيه فمن مُصيبٍ ومن مخطئ.
ولهذا كان الصحابة وهم يتقاتلون يُحِبُّ بعضهم بعضًا، ولا يتباغضون كما أَبْغَضَ طائفة منهم من جاء بعد ذلك من أهل البدع، فلم يكن أحَدُهُمْ يَذُمُّ الآخر ذَمًَّا يقدح في دينه، أو يقدح في عدالته، وإنما بين من يُصَوِّبُ نفسه ويُخَطِّئُ غَيْرَهْ وبين من يعتزل أو يُثْنِي على الجميع وأشباه ذلك.
وهذا هو الواجب في أننا نحمل أفعالهم على الحق والهدى، وإن كان بعضهم يكونُ أصوبَ من بعض، أو يعضهم يكون مصيبًا والآخر مخطئًا.
وما جرى من الصحابة من الشِّجَار فيما اجتهدوا فيه والقتال أو ما اجتهد فيه الصحابة في المسائل العملية في علاقتهما بعض الصحابة الآخرين، فهذا لا يُبْحَثُ فيه وإنما يُذْكَرُونَ بالخير، ونعتمد على الأصل الأصيل وهو أنَّ الله - ﷿ - أثنى عليهم، وخاصَّةً أهل بيعة الرضوان الذين أنزل الله - ﷿ - فيهم قوله ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَة﴾ [الفتح:١٨]، وكانوا إذ ذاك بين ألف وأربعمائة وألف خمسمائة قد ﵃ وأرضاهم.
[ ٦٢٧ ]
[المسألة الخامسة]:
سَبُّ الصحابة تَبَرُؤٌ منهم، وإذا سَبَّ بعضًا فهو تَبَرُؤٌ ممن سب أو بَعْضُ تَبَرُؤٍ ممن سب.
لأنَّ حقيقة السبّ عدم الرضا عن من سُبَّ، وكُرْهْ ما فَعَلْ وإلا فإنَّ الراضي يحمد ويُثْنِي، والمُبْغِضْ هو الذي يسب ويتبرأ.
لهذا نهى النبي ﷺ عن سب الصحابة فقال «لا تسبّوا أصحابي» وهذا يقتضي التحريم، فكل سَبٍّ للصحابة محرم، وأكَّدَّ ذلك ﷺ بقوله «من سبَّ أصحابي فقد آذاني» وأذيته ﷺ محرمة وكبيرة وكذلك إيذاء الصحابة فقد قال - ﷿ - ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب:٥٨]، وإيذاء الصحابي احتمالٌ للإثم المُبِيْنْ، وهذا دخولٌ في المحرّمات الشديدة.
ومعنى السَّبْ أن يَشْتُمْ بِلَعْنٍ، أو يَتَنَقَّصْ، أو يطعن في عدالتهم، أو في دينهم، أو أن يتنقصهم بنوعٍ من أنواع التنقص عمَّا وصفهم الله - ﷿ - به، وهذا يختلف بأنواع:
- فقد يشتم بعض الصحابة، فهذا سب.
- قد يَتَنَقَّصْ من جهةٍ دينية.
- وقد يَتَنَقَّصْ من جهة دنيوية لا تُنْقِصُ من عدالته.
مثلًا في الجهة الدينية أن يقول: أنَّهُ لم يكن مؤمنًا مُصَدِّقًَا، كان فيه نفاق. أو أن يقول عن الصحابة: كان فيهم قلة علم، أو بعضهم فيه قلة دِيَانَة، أو كان فيهم شَرَهْ على المال أو حب للمناصب، أو كان في بعضهم رغبة في النساء، جاهدوا لأجل النساء، أْكَثُروا من النساء تلذذًا في الدنيا، هم طُلَّابُ دنيا.
إمَّا في وصفهم جميعًا أو في وصف بعضهم.
هذه أمثلة لأنواع السب والقدح الذي قد يرجع إلى قدحٍ في دينهم، وقد يرجع إلى تنقصٍ لهم في عدالتهم وما أشبه ذلك. (١)
: [[الشريط الرابع والأربعون]]:
وسَبُّ الصحابة رضوان الله عليهم كما أنَّهُ مُحَرَّمْ قد اختلف العلماء في هل يكون كفرًا أم لا يصل إلى الكفر؟
وكما ذكرتُ لك فإنَّ السَّبَّ مورِدُهُ البُغْضْ؛ لأنَّهُ إذا أْبَغَضَ مُطْلَقًَا أو أَبْغَضَ في جزئية فإنه يَسُبْ، فإنَّ السَبَّ مورده البُغْضْ، ينشأ البغض والكراهة ثم ينطلق اللسان -والعياذ بالله- بالسب.
لهذا الطحاوي هنا قال في آخر الكلام (وَبُغْضُهُم كُفْرٌ ونِفَاقٌ وطُغْيَانٌ)
فيقصد بالكفر هنا الكفر الأصغر ليس الكفر الأكبر، أو ما يشمل -وهو الذي حمله عليه شارح الطحاوية- أو ما يشمل القسمين، قد يكون كفرًا أكبر وقد يكون أصغر، والنفاق قد يكون نفاقًا أكبر وقد يكون نفاقًا أصغر بحسب الحال ويأتي تفصيل الكلام في ذلك.
والإمام أحمد ﵀ وعلماء السلف لهم في تكفير من سَبِّ الصحابة روايتان:
١ - الرّواية الأولى: يَكْفُرْ وسَبَبُ تكْفِيرِهِ أَنَّ سَبَّهُ طعنٌ في دينه وفي عدالة الصحابي، وهذا رَدٌّ لثناء الله - ﷿ - عليهم في القرآن، فرجع إذًا تكفير السابِّ إلى أنَّهُ رَدَّ ثناء الله - ﷿ - في القرآن والثناء من النبي عليهم في السنة.
٢ - والرواية الثانية: أنَّهُ لا يكفر الكفر الأكبر، وذلك لأنَّ مَسَبَّةْ مَنْ سَبَّ الصحابة من الفِرَقْ دَخَلَهُ التأويل ودَخَلَهُ أمر الدنيا والاعتقادات المختلفة.
@ والقول الأول هو المنقول عن السلف بكثرة، فإنَّ جمعًا من السلف من الأئمة نَصُّوا على أنَّ من سَبَّ وشَتَمَ أبا بكر وعمر فهو كافر، وعلى أنَّ من شَتَمَ الصحابة وسبَّهُمْ فهو زنديق، بل قيل للإمام أحمد كما في رواية أبي طالبٍ: قيل فلانٌ يشتم عثمان، قال: ذاك زنديق. وأشباه هذا.
وهذا هو الأكثر عن السلف لأنَّ شَتْمْ الصاحب تكذيبٌ للثتاء أو رد للثناء، سواءٌ كان شتمه لأجلٍ تأويلٍ عَقَدِي أو لأجل دنيا.
وقد فَصَّلَ في بحث السَّبْ ابن تيمية في آخر كتابه الصارم المسلول على شاتم الرسول، وذكر الروايات والأقوال في ذلك ثم عَقَدَ فصلًا في تفصيل القول في الساب.
وما فَصَّلَ به حَسَنْ، وما يدور كلامه عليه ﵀ وأجزل له المثوبة أنَّهُ يُرْجِعُ السَّبُّ إلى أحوال:
فتارَةً يكون كفرًا أكبر، وتارةً يكون محرمًا ونفاقًا، ولا يتفق الحال؛ يعني ليس السَبُّ على حالٍ واحدة.
فيكون للسّاب مراتب أو أحوال:
١- الحالة الأولى: أن يَسُبَّ جميع الصحابة بدون استثناء ولا يَتَوَلَّى أحدًا منهم، فهذا كفر بالإجماع، يَسُبُّ جميع الصحابة، هذا فعل الزنادقة والمادِّيِينْ والملاحدة الذين يقدحون في كل الصحابة، فيقول: هؤلاء الصحابة جميعًا لا يفهمون، هؤلاء طلاب دنيا، بدون تفصيل، كل الصحابة ولا يستثني أحدًا.
فمن سَبَّ جميع الصحابة أو تَنَقَّصَ جميع الصحابة بدون استثناء، تقول له: أتستثني أحدا؟، فلا يستثني أحدًا، فلا شك أنَّ هذه زندقة، ولا تصدر من قلبٍ يحب الله - ﷿ - ويحب رسوله ويحب الكتاب والسنة ومن نقل السنة وجاهد في الله حق جهاده.
٢- الحالة الثانية: أن يَسُبَّ أكثر الصحابة تَغَيُّظًا من فِعْلِهِمْ كالغيض الذي أصاب مَنْ عَدَّ نفسه من الشيعة وهو من الرافضة، أو نحوهم ممن سَبُّوا أكثر الصحابة الذين خالفوا -كما يزعمون- خالفوا عليًا أو لم ينتصروا لعلي وأثبتوا الولاية لأبي بكر وعمر ثم عثمان، وأشباه ذلك فيَسُبُّونَهُمْ تَغَيُّظًَا وحَنَقًَا عليهم واعتقادًا فيهم.
فهؤلاء أكثر السلف على تكفيرهم ونَصَّ الإمام مالك على أنَّ من سَبَّ طائفة من الصحابة تَغَيُّظًَا؛ يعني غَيظًَا من موقفهم في الدين، فإنَّهُم كفار لقول الله - ﷿ - في آية سورة الفتح ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩]، فالذي يكون في قلبه غَيْظْ ويَغْتَاظْ مِنَ الصحابة ألحقه الله - ﷿ - بالكفار، واستدلَّ بها مالك ﵀ إمام دار الهجرة على أَنَّ من سَبَّهُمْ أو سَبَّ طائفة منهم تَغَيُّظًَا فهو كافر، وهذا صحيحٌ ظاهِرْ.
٣- الحالة الثالثة: أن يَسُبَّ بعض الصحابة لا تَغَيُّظًَا؛ ولكن لأجل عدم ظهور حُسْنْ أفعاله، مثلًا يقول:
هؤلاء بعض الصحابة فيهم قلة علم أو فيهم جشع، أو هذا ما يفهم، أو فيه حب للدنيا، أو نحو ذلك، فهذا ليس بكفر، وإنما هذا محرم لأنه مَسَبَّةْ وهو مخالفٌ لمقتضى الوَلَايَةْ.
وهذا هو الذي يُحْمَلُ عليه كلام من قال من السلف: إنَّ سابَّ الصحابة أو من سَبَّ بعض الصحابة لا يكفر، فيُحْمَلْ على أنَّ نوع السب هو أنَّهُ انْتَقَصَ في ما لا يظهر لَهُ وَجْهُهْ، إمَّا في -مثل ما ذكرت- نقص علم أو في رغبة في دنيا أو نحو ذلك، ولا يُعَمِّمْ وإنما قد يتناول واحد أو اثنين أو أكثر بمثل هذا.
وهذه المسائل، كونه يَقِلْ عِلْمُهُ أو يقول يحب الدنيا، هذا ليس طعنًَا في عدالته لأنَّ قلة العلم ليست طعنًا في العدالة، وحب الدنيا بما لا يؤثر على الدين ليس طعنًا في العدالة -العدالة يعني الثقة والدين والأمانة-، وإنما هذا انتقاص وتَجَرُّؤْ عليهم بما لا يجوز فعله، ويخالِفُ مقتضى المحبة.
هذا هو الذي يصدق عليه أنَّهُ لا يدخل في الكفر فهو محرم؛ لأنه ليس فيه رد لقول الله - ﷿ - ولكن فيه سوء أدب وانتقاص ودخولٌ في المسبة.
والواجب في أمثال هؤلاء أن يُعَزَّرُوا؛ وذلك لِدَرْءِ شَرِّهِمْ والمحافظة على مقتضى الثناء من الله - ﷿ - على صحابة نبيه ﷺ.
٤- الحالة الرابعة: أن ينتقص الصحابي أو أن يَسُبَّهُ لاعتقادٍ يعتقده في أَنَّ فِعْلَهُ الذي فَعَلَ ليس بالصواب، وهذا في مثل ما وقع في مقتل عثمان وفِعْلْ علي ﵁ وفِعْلْ معاوية ونحو ذلك، فقد يأتي ويَنْتَقِصْ البعض؛ لأنَّهُ يرى أنَّهُ في هذا الموقف بذاته أنَّهُ كان يجب عليه أن يفعل كذا، لماذا لم يفعل كذا، وهذا يدل على أنَّهُ فَعَلَ كذا، وهذا أيضًا أخف من الذي قبله لأنه متعلق بفرد وبحالة.
وهذا محرمٌ أيضًا، وهل يُعَزَّرْ في مثل هذه الحال أو لا يُعَزَّرْ؟
هذا فيه اختلاف، ولاشك أنَّ قوله وفِعْلَهْ فيما فَعَلْ دُخُولٌ في المسبّة والانتقاص وهذا محرم ودون الدخول في رَدِّ ثناء الله - ﷿ - أو في انْتِقَاصٍ عام، إنما هذا يجب في حقه التوبة من الله - ﷿ - والإنكار عليه.
وهل يُعَزَّرْ أو لا؟
اختلف العلماء في مقتضى التَّعْزِيْرْ، التَّعْزِيْرْ المقصود به التَّعْزِيْرْ بالجلد أو بالقتل، أما التَّعْزِيْرْ بالقول والرَّدْ عليه وانتقاصه هذا واجب.
٥- الحالة الخامسة: ربما تشتبه علي لكن تراجعونها أكثر، نتركها راجعونا أنتم.
_________________
(١) نهاية الشريط الثالث والأربعين.
[ ٦٢٨ ]
[المسألة السادسة]:
في قول الطحاوي ﵀ (وَحُبُّهُم دِينٌ وإيمَانٌ وإحْسَانٌ):
١- أولًا: حبُّ الصحابة دِيْنْ: لأنَّ الله - ﷿ - أثنى عليهم، وتصديق خبر الله - ﷿ - وانعقاد الوَلَاية لا شك أنَّ هذا دين؛ بل من أعظم الدين.
والصحابة اجتمع ذلك في حقهم من ناحيتين:
أ - الناحية الأولى: أنَّ الله عَقَدَ الوَلَاية بين المؤمنين فقال ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١] ومعنى الوَلَاية المحبة والنصرة، وأعظم المؤمنين إيمانًا هم صحابة رسول الله ﷺ فلهم من الوَلَاية والمحبة والنصرة أعلاها، كذلك قال الله - ﷿ - ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠] فأثنى على هؤلاء لأجل اتِّصَافِهِمْ بالدين ولاشك أنَّ حب الصحابة من هذه الجهة دين.
ب - الناحية الثانية أنَّ تصديق خبر الله - ﷿ - فيما أثنى الله به عليهم في آياتٍ كثيرة، سواءٌ ما أثنى به على المهاجرين والأنصار كجنس، أو ما أثنى به على أهل بيعة الرضوان، أو ما أثنى به على السابقين، أو ما أثنى به على جميع مَنْ مَعَ النبي ﷺ ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ هذا يشمل الجميع، ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾ هؤلاء حُبُّهُم لثناء الله - ﷿ - وتصديق خبر الله هذا لاشك أنَّهُ دين، وقال الله - ﷿ - في آخر سورة الفتح ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:٢٩] .
وحرف الجر في قول الله - ﷿ - ﴿مِنْهُم﴾ (مِنْ) هذه، أهل السنة والجماعة؛ بل أهل السنة الذين يخالفون الرافضة والخوارج يجعلون (مِنْ) هنا بَيَانِيَّةْ لبيان الجنس، والآخرون من الرافضة يجعلونها تبعيضية، وهي لبيان الجنس.
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ لو لم يقل ﴿مِنْهُم﴾ لصارت تشمل كل مؤمن عَمِلَ الصالحات، وهذا يدخل فيه أجناس التابعين وتبع التابعين ومن وَلِيَهُمْ إلى يوم القيامة، فأراد تخصيص جنس الصحابة بهذا الفضل وهو الوعد بالمغفرة والأجر العظيم، فقال ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ليس على الإطلاق ﴿مِنْهُم﴾ يعني مِنَ الصحابة مِنَ الذين مع محمد ﴿مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ .
وليست (مِنْ) هاهنا تبعيضية لأنَّها لا تنطبق عليها شروط التبعيض في هذا الموطن وإنما فسَّرَهَا بأنها تبعيضية الرافضة ومن شابههم، وهو الموجود في تفاسيرهم، يريدون أن يكون هذا الوعد لبعض الصحابة لا لكل الصحابة.
و(مِنْ) هنا لبيان الجنس وليست لبيان وليست للتبعيض كقولك: الكتاب من ورق، هذا لبيان جنسه أو ما شابه ذلك.
أما التبعيض فهذا لا يكون في الوصف، يكون الثاني بعض الأول.
وهنا جاء وعدًا بالوصف فقال ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [النور:٥٥] فلا يكون التبعيض في مثل هذا السياق.
لهذا كان عامة بل كان كل مفسري السلف والأئمة على أنَّ (من) هنا لبيان الجنس لاتفاق آخر الآية مع أول الآية.
٢- ثانيًا: أن حبهم إيمان: لأنَّهُ واجبٌ أَوجَبَهُ الله - ﷿ -، وما أَوجَبَهُ الله - ﷿ - فهو من شُعَبِ الإيمان، فَحُبُّ الصحابة إيمان، والنبي ﷺ نَصَّ في بعض الصحابة على أَنَّهُ إِيمانْ بقوله «آية الإيمان حُبُّ الأنصار، وآية النفاق بُغْضُ الأنصار» (١) .
٣- ثالثًا: أنّ حبَّهم إحْسَانٌ: لأنَّهُ يدل على أنَّ المُحِبْ لهم مُحْسِنْ في دينه وأتى بما يجب عليه وما يتقرب به إلى ربه من أنواع إحسانه وصِدْقِهِ في دينه.
طبعًا (وَحُبُّهُم دِينٌ وإيمَانٌ وإحْسَانٌ) كل هذه تتبعض، ليست شيئًا واحدًا، فالناس في حب الصحابة يختلفون، وأجرهم على قدر كثرة محبتهم ونصرتهم وفقههم لفضائلهم.
_________________
(١) البخاري (١٧) / مسلم (١٢٨)
[ ٦٢٩ ]
[المسألة السابعة]: (١)
في قول الطحاوي ﵀ (وَبُغْضُهُم كُفْرٌ ونِفَاقٌ وطُغْيَانٌ):
١- أولًا: بُغْضُ الصحابة كُفْرْ:
أ - فإذا كان البُغْضُ للدين أو للغيض كما فَصَّلْنَا فيكون الكفر هنا كفرًا أكبر.
ب - وإذا كان البُغْضْ لأجل الدنيا -كما قد تَتَنَاوَلْ النُّفُوسُ الكَرَاهَةَ والبُغْضَ لِأَجْلِ الدنيا-، فهذا كفرٌ أصغر ولا يصل إلى الكفر الأكبر، ولهذا قال النبي ﷺ «لا ترجعوا بعدي كفرا يضرب بعضكم أعناق بعض» (٢) .
وكون بعض الصحابة قاتل بعضًا آخر، هذا فيه دخول في خصال الكفار، لهذا قال «لا ترجعوا بعدي كفارا»، ولاشك أنَّهُ قد يكون الباعث على ذلك البغض والكره لأنَّ القتال يكون معه ما في النفس؛ لكن مع تقاتل الصحابة فإنَّ بعضهم لم يُسُبَّ بعضًا يعني بلسانه والنفس قد يوجد فيها ما لا يسلم منه البشر.
فإذًا الكفر هنا قد يكون كفرًا أصغر وقد يكون كفرًا أكبر بحسب نوع البغض.
٢- ثانيًا: بُغْضُ الصَّحابة نِفَاقٌ: لأنَّ آية النفاق أن يُبغِضَ من نقل هذا الدين وحفظ الإسلام في الناس وجاهد في الله حق الجهاد وهم صحابة رسول الله ﷺ.
والمنافقون في عهده ﷺ كانوا يُبْغِضُونَ الصحابة ويَتَوَلَّونَ الكفار، ووصفهم الله - ﷿ - في ذلك بقوله ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ﴾ [التوبة:٦٧] .
والنفاق هنا:
أ - قد يكون نفاق أكبر اعتقادي بحسب حال البُغْضْ.
ب - وقد يكون نفاق عملي بحسب نوع البغض وعدم المحبة.
٣- ثالثًا: بغض الصَّحابة طُغْيَانٌ: يعني أنَّ بُغْضَهُمْ طغيان، طَغَى فيه صاحبه وجاوَزَ الأمر.
فالله - ﷿ - أَمَرَ بِحُبِّهِمْ أو أَمَرَ بِمُوَالاتِهِمْ، وهذا معناهُ أنَّهُ أَمْرٌ بِحُبِّهِمْ وأثنى على من تَرَضَّى عنهم واستغفر لهم ولم يكن في قلبه غِلٌّ لهم، وهذا معناه أنَّ الذي خالَفَ ذلك فهو قد طَغَىَ وتجاوز الحد في ذلك.
_________________
(١) هذه المسألة لم يجعلها الشيخ مستقلة وإنما جعلها مع ما قبلها وقد جعلتها مسألة مستقلة حتى لا تشتبه المسائل.
(٢) البخاري (١٢١) / مسلم (٢٣٢)
[ ٦٣٠ ]
[المسألة الثامنة]:
العلماء صَنَّفُوا في الصحابة مُصَنفَاتْ في بيان ما يجب لهم وفي الثناء عليهم وذكر أخبارهم وسيرتهم، ولاشك أنَّ الدّفاع عن الصحابة والتأليف في ذلك مِنْ الجهاد، وخاصَّةً في الأزمنة التي يكثر فيها أو يوجد فيها من يقدح في الصحابة أو في بعضهم، فإنَّ مِنْ مُقتَضَى الوَلاية أن يُنْصَرْ الصحابة بالتآليف وبالرَّدْ وبالذبِّ عنهم وبِبُغْضِ من يُبْغِضُهُمْ.
وهذا يقتضي أنَّ مِنَ الجهاد في سبيل الله ومن المحافظة على الدّين أن يُنَالَ وأن يُرَدْ وأن يُجَاهَدْ مَنْ يقدح في الصحابة أو يطعن في عدالتهم أو يُشَكِّكُ في صدق بعضهم وفي حفظه ونحو ذلك.
وهذا هو الذي صنعه أئمة الحديث فإنهم رحمهم الله تعالى لم يُصَنِّفُوا المُصَنَّفَات لحُبِّ التَّصْنِيفْ في الغالب؛ ولكن لأجل نُصْرَةْ الدين وأَفْرَادْ ما أوجب الله - ﷿ - البيان فيه.
التأليف في الصحابة إما التآليف المستقلة أو في ما في كتب أهل الحديث، مناقب الصحابة، مناقب المهاجرين، مناقب أبو بكر، مناقب عمر إلخ..، كما في كتاب المناقب في البخاري، أو كتاب فضائل الصحابة في مسلم، أو غير ذلك كما هو معروف فهذا من الجهاد في سبيل الله ومن البيان للأمة.
فالذي ينبغي لطلاب العلم خاصَّةً في هذا الزمن أن ينتبهوا لهذه الأصول، وأن يعلموا ما فيها، وأن تكون عُدَّتُهُم دائمة في هذا البحث للجهاد إذا جاء ما يستوجبه في المواطن التي تُنْتَقَصُ فيها مكانة الصحابة من المبغضين لهم أو لبعضهم قبّحهم الله.
نكتفي بهذا القدر.
[ ٦٣١ ]