وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا لَمْ يَزَلْ عَدَدَ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَعَدَدَ مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ جُمْلَةً وَاحِدَةً، فَلَا يُزَادُ فِي ذَلِكَ الْعَدَدُ وَلَا يُنْقُصُ مِنْهُ.
_________________
(١) قال ﵀ (وَالْمِيثَاقُ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ حَقٌّ) . (الْمِيثَاقُ) يُذْكَرُ في بعض كتب العقائد لا في كلِّها؛ بل كثيرٍ منها أو الأكثر لا يذكرون مسألة الميثاق. والميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته متّصل بمسألة القَدَرْ؛ بل هو مبحوث في القَدَرْ، ولذلك لا يستقل بحثُهُ عن مسألة القَدَرْ؛ بل هو مرتبط بالقَدَرْ، وذلك أنَّ الروايات والأحاديث التي فيها أخْذُ الميثاق من آدم وذريتِه فيها أنّه جعل فئة إلى الجنة وفئة إلى النار وأنَّ النبي ﷺ سُئل فيم العمل؟ فقال «اعملوا فكل ميسر لما خُلِقَ له» (١) ونحو ذلك. فالأحاديث الصحيحة التي فيها ذِكْرُ الميثاق متصلة بالقَدَرْ وليس فيها تقرير لمسألة الميثاق في نفسه بكونه أمرًا غيبيًا أو لكونه حجةً على العباد دون مسألة القَدَرْ؛ بل هي المراد بها القَدَرْ. ولذلك الطحاوي ﵀ جعل مسألة الميثاق مقدمة لبحثه في القدر؛ فقال (وَالْمِيثَاقُ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ حَقٌّ. وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا لَمْ يَزَلْ عَدَدَ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَعَدَدَ مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ جُمْلَةً وَاحِدَةً، فَلَا يُزَادُ فِي ذَلِكَ الْعَدَدُ وَلَا يُنْقُصُ مِنْهُ.) فهذا العلم مذكور في أحاديث الميثاق. هذا الميثاق من الأمور الغيبية والاعتقاد؛ اعتقاد ذلك موافقٌ أو مُرَتَبٌ على معرفة ما جاءت به السنة. وأما القرآن الكريم فليس فيه ذِكْرٌ للميثاق الذي أخذه الله؟ من آدم وذريته، وإنما جاء ذلك في عددٍ من الأحاديث في الصحيحين وفي غيرهما. ومسألة الميثاق من المسائل التي يتَّفِقُ عليها أرباب الفِرَقْ المختلفة، فلا خلاف في أنّ الميثاق أُخِذْ؛ لكن كيف يُفَسَّر؟ يختلفون فيه كما سيأتي. فإذًا قوله (وَالْمِيثَاقُ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ حَقٌّ) يعني أنَّهُ ثابِتٌ، وأنَّ هذا جاءت به الأدلة الصحيحة، وأننا نؤمن بذلك، وأنَّ الله ألمَّا أخذ الميثاق جعل الذّرية إلى فريقين: فريق في الجنة وفريق في النار، وأنَّ الرّب أمضت حكمته في استخراج ذرّية آدم من ظهره كأمثال الذَّرْ وجَعْلْ فريق في الجنة وفريق في النار. إذا تبين هذا الأصل العظيم فإنَّ هذه المسألة -وهي مسألة الميثاق- مما يَختلف فيها فَهْمُ أهل العلم جدًّا حتى إنك لا تجد فيها قولًا واضحًا واحدًا لأهل السنة والجماعة ولا لغيرهم؛ فما من فرقة إلا ولهم أقوال مختلفة في مسألة الميثاق. وكذلك أهل السنة والجماعة اختلفوا جدًا في مسألة الميثاق مع اتفاقهم على حصول الاستخراج من ظهر آدم وأخذ الميثاق عليه. إذا تبين هذا الإجمال في هذه المسألة المُشْكِلَة فإنَّ بحثها يكون في مسائل:
(٢) البخاري (٤٩٤٥) / مسلم (٦٩٠١) / أبو داود (٤٦٩٤) / الترمذي (٢١٣٦) / ابن ماجه (٧٨)
[ ٢١٥ ]
[المسألة الأولى]:
الميثاق ذُكِرَ في القرآن بمعنى العهد الشديد المؤكد كما في قوله سبحانه ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ [البقرة:٨٤]، وكما في قوله أ ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب:٧]، والآيات في ذكر الميثاق متنوّعة كثيرة.
ومعنى الميثاق هو العهد الشّديد المؤكّد ومنه قوله؟ في سورة يوسف ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنْ اللَّهِ﴾؛ يعني عهدا شديدا مؤكّدا من الله؟ تُشهِدُون عليه ربّنا، تشهدون عليه الله ﴿لَتَأْتُونَنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [يوسف:٦٦] .
[ ٢١٦ ]
[المسألة الثانية]:
أنَّ الميثاق الذي أُخِذَ من آدم معناه على ما جاء في بعض الأحاديث: أنَّ الله؟ استخرج ذرية آدم من ظهره؛ استخرج صورهم، وأنَّ هذا الاستخراج لأجل ظهور عِلْمِ الله؟ فيهم ولأجْلِ أخْذ العهد عليهم بما يشاؤه الله؟.
والأحاديث في هذا متعارضة متنوعة مختلفة، لهذا يُدْخِلُ أهل العلم تارَةً في بحث الميثاق دليل من القرآن على ذلك -وهو ليس بدليل في المسألة- وهو قول الله؟ ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف:١٧٢-١٧٤]، فيجعلون هذه الآية لأجل اختلاف الأحاديث وتنوع العبارات فيها يجعلونها من أدلة هذا الميثاق.
وسيأتي بيان أنَّ هذا ليس بصحيح، وأنّ الميثاق الذي أخذه الله من آدم وذريته لا دليل عليه من القرآن.
الأحاديث تحتاج إلى عناية وإلى جمع، والاختلاف فيها كما ذكرنا والاضطراب والشذوذ كثير، فلعله أن يُجمَعْ ما صَحَّ من ذلك في الصحيحين ويُطَّرح الضعيف أو المضطرب أو المختلف، مع أنَّ كثيرًا من العلماء دخل عليهم بعض تلك الألفاظ في بعض ولذلك اضطربت أقوالهم في المسألة.
هذا ذكر سبب الاضطراب في هذه المسألة العظيمة.
فإذًا الميثاق أمرٌ غيبي، والأخذ من آدم وذريته على ما جاء في الأحاديث حق وصواب، وأنّ هذا الميثاق لأجل مسألة القَدَرْ ولأجل العهد عليهم وهذا العهد أمر غيبي وليس متّصلًا بآية الأعراف.
[المسألة الثالثة]:
أنَّ آية الأعراف التي ذكرنا وهي قوله ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ لا يصح بها الاستدلال على ما أَوْرَدَهُ هنا الطحاوي في قوله (وَالْمِيثَاقُ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ حَقٌّ) .
والطحاوي في كتابه مُشْكِلْ الآثار ذَهَبَ إلى تفسير الآية بالميثاق الذي أخذه ربنا من آدم وذريته، فَجَعَلَ الآية مُفَسَّرَةً بما جاء في السنة من حديث عمر وحديث ابن عباس وحديث عبد الله بن عمرو في أنَّ الميثاق مأخوذٌ من آدم وذريته تفسيرًا لقول الله؟ ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ فقال إنّ التفسير الصحيح هو ما جاءت به السنة من أنَّ آية الأعراف هذه تُفسَّر بالميثاق وأن قوله ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ لأنَّ آدم هو السبب فَذُكِرَ المُسَبَّبْ وهم بنو آدم ولم يذكر آدم لأنه هو السَّبَبْ كما قال؟ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون:١٢]، ويعني بذلك آدم ﵇ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةْ﴾ [الأعراف:١١]، يعني آدم ﵇.
ولأجل هذا المأخذ من الطحاوي ذكر الشارح ابن أبي العز عندك هذه الآية في أول بحثه على هذه المسألة لأجل أنَّ الطحاوي نفسه ولأنَّ كثيرين جدًا من أهل العلم يوردون الآية دليلًا.
وهذا الاستدلال من الطحاوي المُصَنِّفْ ومن عدد كثير من أهل العلم فيه نظر على هذه المسألة.
فالميثاق كما ذكرنا أمرٌ غيبي، وأما الآية فليس فيها ذكر الميثاق بل قال الله؟ فيها ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ فهذا الذي في الآية:
١ - أنَّ الله سبحانه أَخَذَ من بني آدم ولم يأخذ من آدم.
٢ - وأَخَذَ من الظهور على صفة الجمع ولم يأخذ من الظهر -ظهر آدم-.
٣ - وأنه أشْهَدَ بعضهم على بعض ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ وهذا ليس موجودًا في مسألة الميثاق.
٤ - وأنَّ هذا الاشهاد هو متعلق بمسألة الربوبية ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ وأنهم أجابوا بـ ﴿بَلَى﴾ .
* لهذا نقول: إنَّ الآية ليس فيها مسألة الميثاق، وإنما دَلَّهُمْ على أنَّها مسألة الميثاق وجعلوها دليلًا على تلك المسألة ورتَّبوا عليها أشياء لأجل أمور:
@ الأمر الأول: أن الصيغة متشابهة ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ وأنَّهُ جاء في الأدلة في السنة أنَّ الله سبحانه أخرج ذرية آدم من ظهره كهيئة الذَّرْ، فلما جاء هنا ذِكْرُ الظهر والاستخراج فجعلوا هذا تفسيرًا لهذا كما ذكرت لكم من كلام الطحاوي ومن كلام كثيرين من أهل العلم من السلف والخلف.
[ ٢١٧ ]
@ الأمر الثاني: لأجل الربط ما بين الآية وبين مسألة الميثاق أنَّهُ قال ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ والإشهاد معناه الشهادة وهذا يقتضي أن يكون الاستخراج على ما جاء في الأحاديث وأنَّ الله خاطبهم وأنهم ردوا عليه إلى آخره.
@ الأمر الثالث: هو أنَّهُمْ أجابوه بالقول ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ وهذا صريح في القول دون غيره.
* والجواب: أنَّ هذه الأمور اشتبهت على من استدل بالآية على مسألة الميثاق، والآية ليست دليلًا على مسألة الميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته، وأَنَّ تفسير الآية اخْتُلِفَ فيه على قولين:
١ - القول الأول:
هو الذي ذكرنا من أنَّ الله استَخْرَجَ من ظهر آدم ذريته إلى آخره، وجعلوا السنة تفسيرًا لما جاء في الآية والآية دليلًا، فلم يُفَرِّقُوا بين هذا وهذا.
٢ - والقول الثاني:
وهو قول جماعات كثيرة من أهل العلم من جميع المذاهب والفِرَقْ والمحققين من أهل العلم أيضًا فقالوا إنَّ الآية تفسيرها هو: أنَّ الله أخذ من بني آدم من ظهورهم يعني:
﴿أَخَذَ﴾ يعني خَلَقَ وجَعَلَ، فجعلهم يتناسلون، و(أخذ بعضهم من بعض) يعني أنشأ بعضهم من بعض كما قال سبحانه ﴿كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [الأنعام:١٣٣] .
(أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَةِ قَوْمٍ آخَرِينَ) يعني بما خَلَقَ من السبب من إراقة الماء في الأرحام إلى الحمل إلى الولادة.
فقوله ﴿إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ لمَّا ذَكَرَ الربوبية هنا في الأخذ دلَّ على أنَّ معنى الأخذ هنا الخلق.
قال ﴿أَخَذَ رَبُّكَ﴾ يعني خَلَقَ ربك.
(من ظهور بني آدم ذريتهم) هذا سبك الآية ﴿مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ .
فتكون ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ بدل بعض من كل من بني آدم.
﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ لأنَّ أصلاب الرجال فيها الماء فقال ﴿مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ .
يعني خلق الذرية من الماء الذي في ظهور الآباء.
(أخذهم) يعني أخَذَ بعضهم من بعض وهذا يُطْلَقْ من هذا وهذا يوجد بسبب هذا.
﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ (أَشْهَدَهُمْ) هنا الإشهاد في القرآن له معنيان:
- إشهاد بلسان المقال بأن يَشْهَدَ بقوله (اشهد أنه كذا وكذا قولًا) .
- والثاني إشهاد بلسان الحال، يعني أنَّ حالته تشهد.
والإشهاد هذا بلسان الحال بمعنى ما جاء في قوله تعالى ﴿مَا كَانَ للمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهْ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِم بِالكُفْرِ﴾ [التوبة:١٧] فشهودهم على أنفسهم بالكفر هو بلسان حالهم من تألِيهِهِم غير الله وعبادتهم لغير الله، أمَّا هم فلا يقولون عن أنفسهم إنهم كفار؛ بل يقولون نحن الحنفاء.
وكذلك في قوله؟ ﴿إِنَّ الإْنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ [العاديات:٦] يعني شاهد بلسان حاله بأفعاله أنه كنود جاحد لنعمة الله؟.
وهذا أيضًا في مثل قول الله تعالى ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَدَاءَ للهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء:١٣٥]
هنا ﴿شُهَدَاءَ للهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسَكُمْ﴾ يعني بلسان الحال أو بلسان المقال.
فدل إذًا على أنَّ الإشهاد في القرآن له هذان المعنيان.
ولهذا لمَّا كان الإشهاد على هذين المعنيين صار تفسير الآية ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ محتمل أن يكون بلسان المقال أو بلسان الحال.
ولمَّا كان أول الآية فيه الأخذ بالخلق صار الإشهاد على الربوبية بلسان الحال لا بلسان المقال.
﴿أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ يعني بحالهم وما جَعَلَ الله؟ فيهم، في كل الأنفس من دلائل ربوبيته ووحدانيته التي تؤدي وتدل على أنَّهُ سبحانه هو المستحق للعبادة وحده دونما سواه.
﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ بما جعل في أنفسهم من العبرة والدلالة على أَنَّ الذي خلقهم وفَطَرَهُمْ وأوجدهم وأبْدَعَهُم وبَرَأَهُمْ هو الله؟ كما قال سبحانه ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥]، وكما قال ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] .
فإذًا تكون هنا الشهادة ﴿أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ يعني جَعَلَ حالهم وما هم مُرَكَبُونَ عليه دال على الوحدانية وأيضا جعل بعضهم دليلًا على بعض.
﴿أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ يعني جَعَلَ هذه الذّرية بعضها شاهدًا على بعض بما أودع الله؟ في الناس من دلائل وحدانيته وآثار ربوبيته ومعالم صنعته وبرءه؟.
لهذا قاله سبحانه هنا ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ فذَكَرَ الربوبية التي هي الخلق وما يترتّب عليه.
﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ يعني أنهم جميعًا جميع هذه الذرية إذا رجعوا لدلائل الوحدانية التي يشهدونها بلسان الحال فإنهم مقرون بالربوبية.
وهذا هو الذي ذَكَرَهُ الله؟ عن جميع الفئات والمشركين في أنّهم مقرون بالربوبية منكرون للإلهية.
[ ٢١٨ ]
﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ في قوله ﴿بَلَى شَهِدْنَا﴾ وجهان من الوقف:
- الوجه الأول: أن يُوقَفَ على ﴿بَلَى﴾ ثم تستأنف ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ .
- الوجه الثاني: أن يُوقَفَ على شهدنا ﴿بَلَى شَهِدْنَا﴾ ثم تقف، وتقول بعدها ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ .
* والوجه الأول وهو أن يكون الوقف على ﴿بَلَى﴾ هذا أولى وأظهر في معنى الآية، ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ .
﴿شَهِدْنَا﴾ هذا من كلام بعضهم لبعض يعني بلسان الحال شهادة الحال.
شهد بعضهم على بعض بلسان الحال، لم؟
ليكون ذلك دليلًا من الأدلّة التي تكون دافعةً لاحتجاجهم يوم القيامة، فإنّ الله؟ جعل دَفْعْ احتجاج المشركين يوم القيامة وتَنَصُّلِهِم من التّكليف ورغبتهم في عدم التّعذيب، جَعَل ثَمَّ حُجَجًا منها هذا الإشهاد؛ أنّ بعض هذه الذّرية شاهد على بعض.
فهذه الآية فيها ذِكْرُ الشهداء وهم الذين يأتون يوم القيامة في قوله ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء﴾ [الزمر:٦٩] يشهد بعضهم على بعض بأنّ الدلائل ظاهرة وأنّكم مُقِرُّونَ بالربوبية، مُقِرُّونَ بالوحدانية، ويشهد الآباء على الأبناء، ويشهد الأبناء على الآباء، ويشهد بعضهم على بعض، حتى لا تكون ثَمَّ حجة.
لكن هذه ليست الحجة التي يُحاسَبُون عليها ويُعَذَّبُونَ عليها وإنما هي دليل لقطع معذرتهم مع الدّليل الآخر وهو الأعظم وهو بعث الرسل.
لهذا هذه الآية فيها ذِكْرُ دليل، وما رُتِّبَّ على هذا الإشهاد إنما هو مع بعثة الرسل.
وتأمل حين قال ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ من الذي شَهِدَ؟
الذرية شَهِدَ بعضهم على بعض ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ .
﴿عَنْ هَذَا﴾ الإشارة إلى أي شيء؟
لدليل الربوبية، ودليل الربوبية هو الذي احتجّت به الرسل على ما جاءت به وهو توحيد الإلهية.
فإذًا في قوله ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا﴾ يعني أَشهد الله بعض الذرية على بعض على مسألة الربوبية لئلا يقولوا إنا كنا عن هذا غافلين.
والرّسل جاءت بتقرير الحجة التي بعدها العذاب.
مستمسكة الرسل بالأصل الذي شهد بعضهم على بعض فيه بلسان الحال وهو الإيمان بالربوبية.
لهذا صارت الآية دليلًا على الربوبية وهذه حجة عليهم؛ ولكنها ليست الحجة التي بها يُعَذَبُون، ولكنها قاطعة لنزاعهم ورغبتهم في التنصّل من العذاب.
والثاني أنَّ في قوله ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا﴾ يعني عن هذا الدليل الذي هو التوحيد -توحيد الربوبية أو الفطرة- الذي ذَكَّرَتْ به الرسل أو الذي جاءت الرسل بإحيائه في الأنفس ليدلّ الناس على ما يستحقه الله؟ من توحيد العبادة.
﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا﴾ يعني الذين يحتجون بالغفلة أو يحتجون بالتقليد، ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ فهم احتجوا إما بالغفلة أو احتجوا بعدم الشرك، بمتابعة الآباء وهذا لو حصل يوم القيامة أنْ احتجوا به فإن الله سبحانه أقام عليهم الحجة بالشهداء وأقام عليهم الحجة بالرسل والعذاب إنما يكون بـ[] (١)
دلائل الصّنعة وما أقام الله؟ في الإنسان من عقل وفِكْرٍ بحيث يستدل بهذه المخلوقات على خالقها أ، وإنما بالثاني مع الأول وهو بعثة الرسل.
إذا تبيّن لك ذلك فإنّ:
١- أولًا: الآية إذاَ ليس فيها حجة لمن ذهب بأنَّ هذه الآية في الميثاق، ليس فيها دليل على الميثاق.
٢- ثانيًا: الآية ليس فيها حجة لمن قال إنه بالفطرة أو بالتوحيد أو بما أُخِذَ من الميثاق الأول أنَّ هذا كافٍ عن إقامة الحجة على العباد، وأنّه بذلك الميثاق وذلك الإشهاد وإقرارهم على أنفسهم والشّهادة في الربوبية والعبادة؛ لأنه إذا لم تبلغهم الرّسالات ولم تأتِهم الرسل أنَّ تلك الشهادة كافية في تعذيبهم، فليس فيها دليل على أنّ هذه حجة كافية في تعذيبهم، بل لابد من إقامة الحجة الرّسالية.
لذلك ترى أن أئمة أهل العلم المحققين كشيخ الإسلام وأئمة الدعوة دائمًا يذكرون الحجة الرّسالية، لابد من إقامة الحجة الرّسالية.
لماذا لفظ الرّسالية؟
حتى لا يَتَوَهَّمْ المُتَوَهِّم أنَّ الحجة الفطرية كافية.
_________________
(١) انتهى الوجه الأول من الشريط السادس عشر.
[ ٢١٩ ]
إذا تبين ذلك فإنَّ تفسير الشهادة هنا وهذه الآية عند المحققين من أهل العلم على ما ذكرنا هو بالفطرة؛ الفطرة التي فطر الله؟ الناس عليها، وهي الفطرة في الربوبية التي تدل على الألوهية، وهي في معنى قوله؟ ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠]، وفي معنى قوله ﷺ «كل مولود يولد على الفطرة» (١) .
وهذا الذي ذَكَرْتُ من تفسير الآية على وجه التفصيل والبسط هذا هو مذهب واختيار أئمة أهل السنة كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن كثير ﵀ في تفسيره وشارح الطحاوية وأئمة الدعوة والشيخ عبد الرحمن بن سعدي في تفسيره وهو تفسير جماعات كثيرة من أهل العلم.
وهو الذي يتعيَّن في الموافقة مع أصول التوحيد وأصول العقيدة بعامة.
وهو الذي يتعين مُوَافَقَةً لحكمة الله؟.
وهو الذي يتعين مُوَافَقَةً لما هو مقرر في الشريعة من مسألة إقامة الحجة في أحكام المرتد.
لهذا غَلِطَ في هذه الآية جماعات، ومن المعاصرين جماعات أيضًا فجعلوها حجَّةً على أنَّهُ ليس ثَمَّ حاجة لإقامة الحجة على العباد؛ بل الفطرة كافية، والعهد الأول كافي وإلى آخره.
وهذا ولاشك ليس بمرضيّ.
والحجة لا تقوم على العباد بشيء لا يتذكرونه أصلًا، وإنما العباد أمامهم الدّلائل.
أما تَذَكُّر ميثاق وتَذَكُّرْ شهادة وتَذَكُّرْ هذه الأشياء، فإنّ أحدًا لا يتذكر ذلك، وإنما الرسل تُذَكِّرُهُمْ بذلك فتكون الحجة بالرسل لا بذلك الأمر الأول.
لهذا ذكرتُ لك في أول البحث أنَّ مسألة الميثاق مرتبطة بالقدر، وليست متصلةً بالتكفير، ليست متصلةً بالحجة، ليست متصلة بهذه المسائل، وإنما هي -يعني الميثاق- مرتبط بالقدر لا غير، وليس حجة على خلاف القدر، إنما هو دليل على القدر فقط دون ما سواه.
تقرؤون الكلام الطويل الذي ذكره شارح الطحاوية وفيه طُولْ.
والمسألة بما ذكرتُ لك تكون قريبةً واضحة، ولا يكون ثَمَّ إشكال في هذه الآية ولله الحمد، وهي من الآيات المُشْكِلَة كما ذكرتُ لك؛ لكن بتأمل قول المحققين والنّظر في تصحيح الأحاديث وعِلَلِهَا وأنَّ الأحاديث التي فيها الرّبط ما بين الآية والميثاق فيها اضطراب وفيها ضَعف في بعضها ضعف في الإسناد وفي بعضها علّة بالوقف وثَمَّ أشياء أُخر لا نطيل بالكلام عليها.
بعدها ذَكَرَ مسألة القدر، مسألة القدر يطول الكلام عليها، ولعلنا نبحثها إن شاء الله المرة القادمة.
_________________
(١) البخاري (١٣٥٨) / مسلم (٦٩٢٦) / أبو داود (٤٧١٤) / الترمذي (٢١٣٨)
[ ٢٢٠ ]