قال بعدها ﵀ (وَلَا نُفَضِّلُ أَحَدًا مِنَ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈، وَنَقُولُ: نَبِيٌّ وَاحِدٌ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الْأَوْلِيَاءِ)
_________________
(١) يريد العلاّمة الطحاوي في هذا أن يُقَرِّرَ عقيدةً عظيمة وهي أنَّ أفضل الناس هم الأنبياء، وأنَّ النبي أفضل من جميع الأولياء، وأنَّ أهل السنة والأثر والجماعة هؤلاء لا يُفَضِّلُونَ وليًا على نبي؛ بل كل نبيٍ أفضل من جميع الأولياء. وأدْخَلَهَا في العقيدة مع أنها مسألة تفضيل لِصِلَتِهَا بالنبوة وبالوَلاية؛ ولأنَّهُ ظهر في عصره طائفة ممن زعموا أنَّ الولي قد يبلغ مرتبةً أعظم من مرتبة النبي. وهذه الطائفة التي تُفَضِّلُ الأولياء على الأنبياء تشمل فئتين كبيرتين:
(٢) الفئة الأولى: الباطنية في زمنه من إخوان الصَفَا والإسماعيلية ومن شايعهم، وكذلك ربما دخل فيها طائفة من أهل الرفض والتشيع، فإنهم يُفَضِّلُونَ بعض الأولياء على بعض الأنبياء.
(٣) الفئة الثانية: هم غلاة المتصوفة في ذلك الزمن الذين تَزَعَّمَهُم الحكيم الترمذي، محمد بن علي بن حسن الترمذي في كتابٍ سَمَّاهُ (خَتْمْ الوَلَاية) كما سيأتي بيانه. فأراد أن يُبَيِّنْ أهل العقيدة الصحيحة لهذه الطائفة ولهذه الفئات جميعًا وأنَّنَا نعتقد أنَّ الولي مهما بلغ من الصلاح والطاعة فإنَّه حسنة من حسنات النبي الذي تَبِعَهُ، فإنَّمَا علا مقداره وظهر شأنه في متابعته للنبي لا باستقلاله، على الأنبياء جميعًا صلوات الله وسلامه. ونذكر هنا مسائل.
[ ٦٦٥ ]
[المسألة الأولى]:
تفضيل الأولياء على الأنبياء هذا نَشَأْ مع عقيدة عند المتصوِّفَة ومن شابههم -يعني غلاة المتصوفة- وهي ما أسموه بِخَتْمِ الوَلَاية.
ويعنون بِخَتْمِ الوَلَاية أنَّهُ كما أنَّ للأنبياء نبيًا خاتمًا لهم، فكذلك للأولياء وليٌ خاتمٌ لهم، وكما أنَّ خاتم الأنبياء أفضل من جميع الأنبياء، فكذلك خَاتَم الأولياء هو أفضل من جميع الأولياء.
وعقيدة خَتْمْ الوَلَايَة ذَكَرَهَا الحكيم الترمذي في كتابٍ سَمَّاه (خَتْمْ الوَلَاية) وقد طُبِعَتْ منتخبات منه قديمًا، وأَسَّسَ فيها القول بأنَّ الأولياء يُخْتَمُونَ، وأنَّ الولي في باطنه قد يبلغ مقامًا يَتَلَقَّى فيه من الله - ﷿ - مباشرة، وأنَّ الولي قد يكون أفضل من النبي، وهذه لم يَنُصَّ عليها ولكنها تُفْهَمْ من فحوى كلامه.
ولاشك أنَّهُ غَلِطَ في ذلك غَلَطًَا فاحشًا، وإن كان هو من أهل العناية بالحديث كرواية، ومن أهل الخير والصلاح كما وصفه بذلك ابن تيمية؛ لكنَّهُ غَلِطَ في هذه البدعة الكبرى التي ابتدعها في الأمة والشرور التي حدثت من القول بوحدة الوجود وتفضيل الولي على النبي والاستقاء من الله - ﷿ - مباشرة إنَّمَا حدثت بعد هذا الكتاب وهذه النظرية الباطلة التي تُبْطِلُ شريعة محمد ﷺ على الحقيقة.
وهذا لم يَخْتَصَّ به الحكيم الترمذي؛ بل تبعه عليه أُنَاس منهم ابن عربي في كتابه (الفصوص) وفي كتابه (الفتوحات المَكِيَّة)، ومنهم محمد بن عثمان المرغني السوداني الذي له طريقة معروفة عند أهل السودان (الطريقة الختمية)، ومنهم التيجاني، هؤلاء كانوا في القرن الثالث عشر، وصّرَّحْ المرغني في كتابه (تاج التفاسير) صَرَّح بهذه العقيدة، ومنهم التيجاني عند أهل المغرب فيما يعتقدون فيه ووُصِفَ به.
هؤلاء يعتقدون أنَّ الولاية تُخْتَم؛ لكن ادَّعَى ابن عربي أنَّهُ هو الذي خَتَمَ الأولياء، وادَّعَى الميرغني أنَّهُ هو الذي خَتَمَ الأولياء وادَّعَى أيضًا التيجاني أنَّهُ هو الذي خَتَمَ الأولياء.
[ ٦٦٦ ]
[المسألة الثانية]:
عقيدة خَتْمْ الوَلَايَةَ أو خَتْمْ الأَوْلِيَاءْ مبنيةٌ على ثلاثة أمور:
١- الأمر الأول: أنَّ النبي إنما أتى بشريعةٍ ظاهرة، وخاتَمْ الأولياء جاء بشريعةٍ باطنة، فخَاتَمْ الأولياء في الظاهر مع النبي وفي الباطن مستقلٌ عن النبي.
لهذا يقولون: إنَّ الأنبياء راعَوا الظاهر واهتموا بالعبادات الظاهرة، وخَاتَم الأولياء وصفوة الأولياء اهتموا بالأخذ عن الله - ﷿ -.
ولهذا ابن عربي في كتابه الفُصُوصْ لمَّا جاء إلى حديث النبي ﷺ الذي في الصحيح أنَّ بُنْيَان الأنبياء تَمْ ولم يبق فيه إلا موضع لبنة، قال ﷺ «مثلي ومثل الأنبياء من بنى بنيانا فكَمَّلَهُ وأحسنه حتى لم يبق منه إلا موضع لبنة فجعل الناس يطوفون به ويقولون لم كملت هذه اللبنة- قال:- فكنت أنا اللبنة وأنا خاتم النبيين» (١) .
قال ابن عربي -قَبَّحَهُ الله- في هذا الموطن: وخاتَمْ الأولياء يَرَى نفسه في قَصْرْ الوَلَاية في موضع لبنتين لبنةُ فضة في الظاهر ولبنةُ ذهب في الباطن، فهو يَفْضُلُ النبي في الحاجة إليه؛ لأنَّ البنيان احتاج إلى لَبِنَتَينْ وذاك احتاج إلى لَبِنَة واحدة، ولَبِنَتُهُ الظاهرة من الفضة في متابعة النبي ظاهرًا، ولَبِنَتُهُ الذهبية في الباطن بها يأخذ من المشكاة التي تُنْزِلُ الوَحْيَ على خاتم الأنبياء، يعني يأخذوا عن الله مباشرة أو كما جاء في كلامه.
وقد كرَّرَ هذا في مواضع في الفصوص وخاصَّةً في فَصٍّ واحد يعني كَرَّرَ الكلام وعَبَّرَ عنه.
وهذا ليس خاصًًّا بهذا الرجل بل كذلك مَنْ بعده ممن شَرَحُوا أو الميرغني أو التيجاني أو مَنْ شابههم كان كلٌ منهم يعتقد في نفسه أَنَّهُ خاتم الأولياء.
٢- الأمر الثاني: أنَّ خَاتَمْ الأولياء أفضل من خَاتَمْ الأنبياء؛ لأنَّ خَاتَمْ الأنبياء يأخذ عن الله بواسطة وخَاتَمْ الأولياء يأخذ مباشرة؛ ولأنَّ خَاتَمْ الأنبياء يأخذ الناس بما يُصْلِحِ ظاهرهم وخَاتَمْ الأولياء يُصْلِحُ باطنهم.
ولهذا يقول: مثلًا الميرغني في بعض كلامه: من رآني، ومن رَأَى مَنْ رَآني إلى خمسة أجيال فإنَّهُم مُحَرَّمُونَ عن النار، لما في خَاتَمْ الأولياء من النُّور الذي قذفه الله - ﷿ - فيه، فينبَعِثُ هذا النور فيمن رآه ورَأَى من رآه إلى آخره. أو كما قال.
وهذا العقيدة بها جعلوا أنَّ للوَلِي ما يَفْضُلُ به النبي والعياذ بالله.
٣- الأمر الثالث: أنَّ الولي والنبي بينهما فَرْقْ من جهة أنَّ النبي جاءَهُ الوحي اختيارًا من الله - ﷿ -، وأمَّا خَاتَمْ الأولياء فَفَاضَ عليه الوحي؛ لأنَّهُ اسْتَعَدَّ لذلك بتصفية باطنه، فعنده القَبُولْ والاستعداد لأَنْ يُفَاضَ عليه، وبهذا صار خَاتَمْ الأولياء أفضل من خَاتَمْ الأنبياء.
هذه ثلاث مجملات في تلخيص كلامهم.
_________________
(١) البخاري (٣٥٣٥) / مسلم (٦١٠١)
[ ٦٦٧ ]
[المسألة الثالثة]:
أهل السنة يعتقدون بكرامات الأولياء كما سيأتي لكن بالاعتقاد الصحيح، لكن عند كثيرين من الفئات التي تعتقد في الأولياء، مثل الباطنية والرافضة وغلاة الصوفية يعتقدون أنَّ أفضل المقامات مقام الولي، ويليه الدرجة الثانية مقام النبي، ويليه مقام الرسول، وفيها يقول قائلهم:
مقام النبوة في برزخٍ ****** فُوَيْقَ الرسولِ ودونَ الولي
(مقام النبوة في برزخٍ) يعني هو الوسط.
(فُوَيْقَ الرسول) الرسول تحت النبي مع أنَّ الرسول هو أفضل من النبي، النبي تحته بقليل يعني بقليل.
(فويق) يعني بينهما شيء يسير.
(ودون الولي) يعني بينه وبين الولي مراتب.
فالأعلى عندهم الولي ثُمَّ بعده النبي ثُمَّ الرسول.
وهذا القول في الترتيب قال به غلاة الصوفية وكما ذكرت لك النقل عنهم، وقال به أيضًا أئمة مذهب الاثني عشرية مثل ما ذكرت لك في أول الكلام عن قول الخميني حيث قال (من ضروريات مذهبنا) .
(ضروريات) معناها الشيء الذي لا يحتاج إلى استدلال، الذي يُحَسْ بأحد الحواس الخمس، ما يحتاج إلى دليل ولا برهان، الشيء الضروري ما يحتاج إلى دليل وبرهان لأنَّهُ محسوس.
قال (من ضروريات مذهبنا أنَّ لأئمتنا مقامًا لا يبلغه ملكٌ مقرب ولا نبي مرسل) .
يعني أَنَّ مقام الأولياء -يعني الأئمة الاثني عشر- أعلى من مقام الأنبياء.
وهذا بلا شك طعنٌ في القرآن وطعنٌ في السنة وطعنٌ في الصحابة، وهكذا يبلغ الأمر عند من قاله؛ لِأَنَّ أفضل هذه الأمة وأحق الناس بأن يكون من الأولياء أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه ثم عمر ثم عثمان ثم علي ثم العشرة المبشرون بالجنة، وهكذا، فهؤلاء هم الأولياء وهم سادة الأولياء والأصفياء وخير الصحابة رضوان الله عليهم.
وإذا كان النبي ﷺ فَضَّلَ قرنه فقد فَضَّلَ أبا بكر وفَضَّلَ عمر.
فكيف يكون واحد من هذه الأمة يأتي ويَزْعُمُ أَنَّهُ أفضل من الصحابة، ثم يَزْعُمُ أَنَّهُ أفضل الأولياء وخاتَمْ الأولياء، ثم يَزْعُمُ أَنَّهُ أفضل من الأنبياء.
لا شك أنَّ هذا القول من صاحبه قد يُحْكَمُ بِكُفْرِ صاحبه؛ بل حَكَمَ كثير من العلماء بكفر من قال هذه المقالة؛ لأنَّهَا قدح في القرآن وقدح في السنة، ورفع لمقام الولي، وتهجين مقام النبي والرسول، ورفع خَاتَمْ الأولياء على خَاتَمْ الأنبياء.
ولهذا مع اختصارٍ في المقام، ذكر الطحاوي ﵀ هذه الجملة ورَكَّزَ عليها يعني في هذه العقيدة لأنها بدأت في زمانه وهي سبب الشر في افتراق الناس مع طرق الصوفية إلى هذا الزمان، وقال (وَلَا نُفَضِّلُ أَحَدًَا مِنَ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈) ما فيه ولي يمكن أن يكون أفضل من نبي؛ بل أفضل الناس هم الأنبياء ثم يليهم الأولياء، صحابة رسول الله ﷺ وصحابة كل نبي إلى آخره.
قال (وَنَقُولُ: نَبِيٌّ وَاحِدٌ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الْأَوْلِيَاءِ) ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤] ﷾.
[ ٦٦٨ ]