قال بعدها (وَنُؤْمِنُ بِمَا جَاءَ مِنْ كَرَامَاتِهِمْ، وَصَحَّ عَنِ الثِّقَاتِ مِنْ رِوَايَاتِهِمْ)
_________________
(١) يريد ﵀ أنَّ أهل السنة الجماعة وأهل الحديث والأثر والمتابعين للسلف الصالح يؤمنون بما جاء في الكتاب والسنة وما صَحَّتْ به الرواية من كرامات الأولياء وهم يُصَدِّقُونَ بكرامات الأولياء ولا ينفونها، وما صَحَّ عن الثقات من الروايات في بيانات كراماتهم فإنهم يُصَدِّقُونَ بذلك ويعتقدونه ويؤمنون به؛ لأنَّ هذا من فضل الله - ﷿ - عليهم لأنَّ في التصديق بهم تصديقًا بما أخبر الله - ﷿ - به في القرآن وأخبر به النبي ﷺ في السنة. ويريد بذلك مخالفة طوائف من العقلانيين الذين أنكروا كرامات الأولياء، ويُخَصُّ بالذكر منهم المعتزلة، فإنهم أنْكَرُوا كرامة الأولياء وقالوا ليس لوليٍ كرامة لأنَّهُ لو صَحَّ أَنْ يكون لوليٍ كرامة لاشتبهت كرامات والأولياء بمعجزات الأنبياء، وحينئذْ تشتبه الكرامة بالنبوة ويشتبه الولي بالنبي وهذا قدحٌ في النبوة وقدحٌ في الشريعة. ونذكر هنا مسائل:
[ ٦٦٩ ]
[المسألة الأولى]:
كرامات الأولياء جمع كرامة، والكرامَةُ في اللغة: إِكْرَامْ من الإِكْرَامْ، وهو ما يُؤْتَى المُكْرَمْ من هِبَةٍ وعَطِيَّة وهِيَ في باب الكرامة من الله - ﷿ -.
وفي الاصطلاح عُرِّفَتْ كرامة الولي بأنَّهَا أَمْرٌ خارق للعادة جرى على يدي ولي.
وكونه خارِقًَا للعادة يخرُجُ به ما يُنْعِمُ الله - ﷿ - به من النِّعَمْ على عباده مما لا يدخل في كونه خارِقًَا للعادة، فأهل الإيمان يُنْعَمُ عليهم بنعم كثيرة وهي إكرامْ من الله - ﷿ -؛ لكن لا تدخل في حد الكرامة.
فالكرامة ضابطها أنَّهَا أمرٌ خارقٌ للعادة.
والعادة هنا، خارقٌ للعادة أي عادة؟
عادة أهل ذلك الزمان.
فقد يكون خارقًَا لعادة أناس في القرن الثاني وهو ليس بخارِقٍ لعادتنا في هذا الزمن.
مثلًا أنْ يَنْتَقِلْ من بلدٍ إلى بلد في ساعة، من الشام إلى مكة أو إلى القدس في ساعة، ويُصَلِّي هنا إلى آخره، أو أن يُحْجَبَ عن بعض المكروه، أو أن يكون عنده علم بحال أُنَاسٍ بالتفصيل يسمع كلامهم ويرى صورتهم في بلدٍ بعيدٍ عنه، هو في الجزيرة ويرى حالهم في الشام أو في مصر أو في خراسان أو ما أشبه ذلك.
هذه في زَمَنٍ مَضَى كانت خوارق لعادة أهل ذلك الزمان لكنَّهَا بالنسبة لأهل هذا الزمان ليست بخارقٍ مُطْلَقًا.
لهذا تُضْبَطْ العادة في تعريف الكرامة (خارقٌ للعادة) بأنها عادة أهل ذلك الزمن.
والمعجزة أيضًا أو الآية والبرهان للنبي وخوارق السَّحَرَة والكهنة كما سيأتي فيها خَرْقٌ للعادة لكن مع اختلاف الخارق واختلاف العادة كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
(جرى على يَدَي ولي) قوله جرى يعني أنَّهُ أُكْرِمَ به الولي فَجَرَى على يديه.
وقد يكون أُعْطِيَ القدرة وقد يكون الولي أَحَسَّ بالشيء وجَرَى على يديه دون قدرةٍ منه، إما من الملائكة أو بسببٍ شاءه الله - ﷿ -.
وآخر جملة (على يدي ولي) يخْرُجُ منها ما جرى على يَدْ الأنبياء فهي أمرٌ خارق للعادة لكنَّهُ ليس على يدي ولي، وإنما على يدي نبي، كذلك خوارق السحرة والكهنة والمشعوذين فهي شيطانية ليست إيمانية، ولذلك لا تدخل في التعريف.
[ ٦٧٠ ]
[المسألة الثانية]:
الأصل في كرامات الأولياء من القرآن قول الله - ﷿ - ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس:٦٢-٦٤]، وقوله - ﷿ - أيضًا ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف:٨٢]، وقوله ﷺ «ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه» (١) .
ومن الواقع فإنَّهُ تواتر النَّقْلُ عن الصحابة وعن التابعين ومن تَبِعَهُمْ وعن الأُمَمْ السالفة، تَواتَرَ النقل بما لا يكون معه مجال للتكذيب ولا للرَّدْ بنَقْلِ عددٍ كبير يختلفون في أماكنهم ويختلفون في لغاتهم بحصول هذه الكرامات، فيكون معه النقل متواترًا ويكون دليلًا من الأدلة في هذه المسألة.
فإذًا حصول الكرامات دَلَّ عليه القرآن والسنة ودَلَّ عليه التواتر في النقل عن الأمم السالفة وعن هذه الأمة.
_________________
(١) سبق ذكره (٢٥٠)
[ ٦٧١ ]
[المسألة الثالثة]:
الكرامة تَبَعٌ للوَلَايَة، والأولياء جعلهم الله - ﷿ - هم أهل الإيمان والتقوى قال ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢-٦٣]، فالولي الذي يُعْطَى الكرامة هو الموصوف بهذين الوصفين: الإيمان والتقوى.
فلو جَرَى الخَارِقْ على يدي من لم يُوصَفْ بالإيمان والتقوى فليس هو مِنَ الكرامة؛ لأَنَّ الله - ﷿ - جَعَل الوَلاية في أهل الإيمان والتقوى، وهم الذين يُعْطَونَ الكرامة.
وهاهنا سؤال: هل المبتدع أو الضَّالْ أو العاصي يُعْطَى كرامة؟
والجواب عن ذلك: أَنَّ الأولياء -كما قَرَّرَ أهل العلم- على فئتين:
- الفئة الأولى السابقون.
- والفئة الثانية المُقْتَصِدُونْ.
فليس للظالم لنفسه المقيم على المعصية حظ في الكرامة.
لكن قد تجري الكرامة على يَدَيْ من عنده بدعة أو معصية أو ظلم لنفسه، وذلك راجع لأسباب:
١- السبب الأول: أن يكون ليس هو المراد بها وإنَّمَا يكون هذا المبتدع أو هذا الظالم لنفسه في جهادٍ مع الكافر، في جهادٍ مع العدو الكافر فيعطيه الله - ﷿ - الكرامة لا لذاته ولكن لما يُجَاهِدَ عليه، وهو الإسلام والإيمان ورد الكفر.
فيكون إعْطَاؤُهُ الكرامة لا يغتر بها لأنها ليست لشخصه وإنما هي للدليل على ظهور الإيمان والإسلام على الكفر والإلحاد والشرك ونحو ذلك.
٢- السبب الثاني: أن يكون إعْطَاؤُهُ الكرامة لحاجته إليها في إيمانه أوفي دُنْيَاه، فتكونُ سببًا له في استقامة أو في خير.
فلهذا من جرى على يديه شيء في ذلك فينظر في نفسه:
- إنْ كان من أهل الإيمان والتقوى فيحمد الله - ﷿ - ويُثْنِي عليه ويُلازِمُ الاستقامة على ما أكرمه الله - ﷿ - به.
- وإن كان من أهل البدعة أو المعصية أو الظلم للنَّفْسْ، فيعلم أَنَّ في ذلك إشارة له أن يلازم سنة النبي ﷺ والإيمان والتقوى حتى تكون البُّشرى له في الدنيا والأخرى، وإلَّا يكون قد قامت عليه حُجَّةْ ونعمة من الله رآها ثُمَّ أَنْكَرَهَا.
[ ٦٧٢ ]
[المسألة الرابعة]:
كرامة الأولياء هي أمْرٌ خارِقٌ للعادة، وتشترك مع مخاريق السَّحَرَة والكَهَنَة في أنها أَمْرٌ خارق للعادة، وكذلك معجزات الأنبياء والآيات والبراهين هي أمر خارق للعادة.
فخَرْقُ العادة في نفسه ليس مُثْنَىً عليه، فقد تُخْرَقُ العادة لِمُبْطِلْ، وقد تُخْرَقُ العادة لصالح -يعني لرجلٍ صالح-، وقد تُخْرَقُ العادة لكاهنٍ، ساحر، وقد تُخْرَقُ العادة لوليٍ صالح.
ولهذا وَجَبَ أن يكون ثَمَّ فُرْقَانْ في خَرْقْ العادة عند من حصلت له وعند الناس.
هل خُرِقَتْ العادة لمؤمِنٍ تقي أو لمبطلٍ غير متابع للسنة من السحرة والكهنة وأشباههم؟
فنعلم حينئِذْ الفُرقانْ البَيِّنْ بين كرامة الولي وخرق العادة له وأنَّهَا خَرْقٌ إيماني، خَرْقٌ من الله - ﷿ - لإكرامه وكرامته، وبين خرق العادة للساحر والكاهن والمشعوذ وأنها خارقٌ شيطاني؛ لأنَّ الشياطين لها قدرة في خَرْقِ عادة.
لكن ثَمَّ فرق بين خارق العادة للشياطين وخارق العادة للأولياء، وهو:
@ أنَّ خارق العادة للأولياء هذا:
- أولًا: من الله - ﷿ - أولًا.
- ثانيًا: وأَثَرٌ من متابعة الرسول ﷺ.
- ثالثًا: أنَّهُ خرقٌ لعادة أهل الزمان، فهو في جنسه أعظم وأرفع من جنس خوارق السحرة.
@ وأما خوارق السحرة فهي:
- أولا: من الشيطان، مخاريق شيطانية نتجت من التَّقَرُبْ للشياطين والتعاون معهم حتى خدمتهم الشياطين، كما قال - ﷿ - في سورة الأنعام لما ذَكَرَ حشر الجن والإنس يوم القيامة قال ﴿وَيَوْمَ نحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام:١٢٨]، فاسْتَمْتَعَ الإنْسِيْ بالشيطان الجني واستمتع الشيطان الجني بالإنسي، فهذا تَقَرَّبَ وهذا خَدَمْ، لهذا منشؤُهَا من جهة الشيطان.
- ثانيًا: أنها متابعة للمعصية والبدعة والشرك إلى آخره التي هي مخاريق السحرة.
- ثالثًا: أنَّهَا محدودة، وفي الغالب أنها تَخْيِيْلْ وليست حقيقة، والشيطان هو الذي يَتَمَثَّلْ وليس من أُعْطِيَ الخارق أو من جَرَى الخارق على يديه في ظاهر أعين الناس أنه هو الذين انتقل.
مثلًا وُجِدَ في الشام ووُجِدَ في مكة في نفس الوقت، وُجِدَ في مصر في القرية الفلانية ووُجِدَ في القرية الفلانية، هذا لا يمكن أن يكون إلا من الشيطان.
مثلًا مثل ما قال عبد الوهاب الشعراني في ترجمة أحد من ادَّعَى أنهم مجاذيب ومجانين وأولياء-يعني في الثناء عليه- قال في ترجمته (وكان ﵀ يخطب الجمعة في سبع قرىً في مصر) .
وهذا خارقٌ عند الناس، كيف القرية هذه والقرية هذه كلهم يخطب فيهم هذا؟؟
فيكون الشيطان تَمَثَّلَ به وخَدَمَه حتى يُغوِي الناس، وبالإضافة إلى ذلك هو مجنون ومجذوب وما شابه ذلك.
فإذن الشياطين تخدم الساحر والكاهن لكنْ أكثر ذلك تَخْيِيْلْ كما قال - ﷿ - ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦]، وثَمَّ تفصيل للكلام على هذه المسائل المهمة في مسائل نأتي إليها إن شاء الله تعالى في الدّرس القادم.
[ ٦٧٣ ]
الأسئلة:
س٢/ ألا يقصد المؤلف ﵀ بأهل الحديث والأثر من ذُكِرُا في حديث (خير القرون قرني)؟
ج/ هذا قد يرد ولكن لا يُسَمَّى الصحابة أهل الأثر، لأنَّ التقسيم بين أهل الأثر وأهل النظر هذا إنما أتى بعد ذلك فلا نقول إنَّ في الصحابة أهل أثر وأهل نظر، إنما هذا نشأ في أوائل القرن الثاني من مدرسة المدينة أهل الرأي والكوفة الرأي إلخ، فانقسم أهل العلم إلى مدرستين مدرسة النظر والفقه ومدرسة الفقه والأثر.
س٣/ تكثر المراثي والأشعار فيمن يموت من العلماء وغير ذلك، ويحصل من المبالغة في ذكر المحاسن والثباكي عليه وثَمَّ سؤالان:
الأول: هل هذا من النياحة؟
الثاني: يرد في كثيرٍ منها بعض الألفاظ الشركية أو قريب منها والمبالغة الشديدة إلى آخره. وذَكَرَ أمثلة من ذلك، وأظنه يقول القصائد كانت في رثاء الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ وثَمَّ مدخل لأهل البدع؟
ج/ لاشك أنَّ ما رُثِيَ به سماحة الشيخ عبد العزيز ﵀ فيه قسم منه حق وطَيِّبْ وجزى الله الرَّاثين خيرًا.
والعلماء يرثون العلماء والشعراء يرثون أهل العلم ومن في فقدهم على الإسلام والمسلمين الأَثَرْ.
لكن القسم الثاني من تلك المراثي كما ذَكَرْ من الأمثلة فيها من الغلو ووسائل الشرك ونداء الميت ما فيه، وهذا مما يُبَيِّنُ لك غُرْبَةْ التوحيد، وأَنَّ الناس لا يَصِحُّ أن يقولوا التوحيد علمناه والحمد لله، الناس على الفطرة ولا يحتاجون للعقيدة والتوحيد.
هذا في موت سماحة الشيخ لمَّا سِيْرَ بجنازته من الناس من تَمَسَّحَ به وألقى عليه غترة وسمح من الجهلة، ولمَّا جاءت القصائد فيه من يُشَارُ إليهم من ناداه في قصيدته يا أبا عبد الله وغوث الملاهيف (١) ونحوه من المبالغات.
وهذا يدلك على أنَّ رسالة الشيخ ﵀ في حياته والدعوة التي أقامها في ملازمة السنة وترك البدع ورَدْ وسائل الشرك ووسائل البدع فيمن هو أفضل من الشيخ ﵀ هو النبي ﷺ، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي إلى آخره.
الشيخ أقام حياته لتقريض السنة والرد على البدع ووسائل الشرك، فيأتي من يغلو فيه إما لغرضٍ صالح أو لغرضٍ غير صالح أيضًا.
لاشك أنَّ هذا ذنب وإثم على من قاله ويجب عليه التوبة وسحب هذه القصائد وأن يراجعها أهل العلم إذا كان فيها شيء منكر وجَبَ عليه أن.
وهذه نتبرأ منها، نحن نتبرأ ممن غلا في مدح الأولياء، الصحابة، وفي مدح النبي ﷺ غلا فيه الغُلُو الذي أوصله إلى مقامٍ لم يجعله الله - ﷿ - له، فكيف بمن هو دون النبي ﷺ ودون الصحابة من العلماء والأولياء ومثل سماحة الشيخ ﵀؟
لاشك أنَّ الواجب الإنكار ولا نُقِرُّ شيئًا من ذلك ونبرأ منه.
وليس لأهل البدعة حجة في ذلك لأنَّ أهل التوحيد فيهم جَهَلَة أيضًا، مثل ما في أهل البدع جَهَلَة، فَمِنْ أهل البدع جَهَلَة يبالغون في المدح ويطرون، كذلك في المنتسبين إلى التوحيد وإلى أهل التوحيد وإلى أهل العقيدة فيهم من يجهل كثيرًا فيُخْطِئْ ويتجاوز.
وذَكَّرَنِي هذا حينما رأيت بعض الأشياء، ذَكَّرَنِي هذا بحياة شيخ الإسلام ابن تيمية الذي عاش حياته للعقيدة وللتوحيد ولنصرة السنة ولرد البدع ووسائل الشرك والغلو في الأموات ثُمَّ بعد ذلك جنازته صُلِّيَ عليها الظهر وظلت تمشي إلى المقبرة والناس يُلْقُونَ عمائمهم ويُلْقُونَ أَرْدِيَتَهُمْ على جثمان شيخ الإسلام تَبَرُّكًَا به، فما حياته إذًا؟
هؤلاء الجهلة الكثيرون حتى ولو انتسبوا إلى الثقافة وإلى العلم، هؤلاء الجهلة بحاجة إلى أن يدرسوا العقيدة ويعلمون ما يحل وما يحرُمْ.
هو يريد أن يرثي إمامًا وعالمًا مثل سماحة الشيخ ويقع في الإثم ويجعل الإثم أيضًا ينتشر في الأمة والبدعة ووسائل الشرك، فبَدَلَ أن نسير في دعوته وما عاش في حياته له نخالفه بعد وفاته.
وهذا لاشك أنه مما يَسُرُّ الشيطان ويأنس له.
والغلو شرٌّ، الغلو شر، وهدي الصحابة في ذلك هو الهدي الكامل، فكم المراثي في أبي بكر وكم المراثي في عمر وفي عثمان وكم المراثي في ابن عمر وابن عباس، اجمعوها أليس في زمنهم من الشعراء والعلماء من فيه؟
لكنها قليلة، مُحَافَظَةً، لا لأنهم لا يستحقون؛ لكن خشيةً من الغلو، وأحيانًا بعض المسائل يُعَامِلْ فيها الإنسان الناس بنقيض القصد حتى لا يتوسعوا في الشرك والبدع.
ولهذا ينبغي عليكم جميعًا أن تَسْتَدِلُّوا بما حصل من هذه التجاوزات على غربة التوحيد ويعطيكم دليلًا على أنَّهُ في هذا البلد والذين هم قريبون من الشيخ ويعلمون دعوته ويعلمون الكتب التي شرحها ودَرَّسَها وفتاويه التي يرد فيها على أقل البدع وعلى أقل وسائل الشرك كيف أَنَّ الناس يخالفونه وهم عاشوا معه سنين عددًا.
فما أشد الغربة وما أشد حاجة الناس إلى التوحيد والعقيدة العلم الصحيح والالتزام بالسنة.
_________________
(١) نهاية الوجه الأول من الشريط السادس والأربعين.
[ ٦٧٤ ]
أسال الله - ﷿ - أن يرفع درجة شيخنا في عليين وأن يجزيه عنا خير الجزاء وأن يجعله مع الأئمة السابقين ممن أحبهم واقتفى أثرهم إنه سبحانه على كل شيء قدير.
س٤/ ما رأيكم ما جاء في كتاب عبد الله بن الإمام أحمد من اتهام لأبي حنيفة وبالقول عليه بخلق القرآن إلى آخره؟
ج/ هذا سؤال جيد، هذا موجود في كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد، وعبد الله بن الإمام أحمد في وقته كانت الفتنة في خلق القرآن كبيرة، وكانوا يستدلون فيها بأشياء تُنْسَبْ لأبي حنيفة وهو منها براء في خلق القرآن، وكانت تنسب إليه أشياء ينقلها المعتزلة من تأويل الصفات إلى آخره مما هو منها براء، وبعضها انتشر في الناس ونُقِلْ لبعض العلماء فَحَكَمُوا بظاهر القول، وهذا قبل أن يكون لأبي حنيفة مدرسة ومذهب؛ لأنَّهُ كان العهد قريبًا -عهد أبي حنيفة- وكانت الأقوال تُنْقَلْ: قول سفيان قول وكيع قول سفيان الثوري قول سفيان بن عيينة قول فلان وفلان من أهل العلم في الإمام أبي حنيفة.
فكانت الحاجة في ذلك الوقت باجتهادِ عبد الله بن الإمام أحمد قائمة في أن ينقل أقوال العلماء فيما نَقَلْ.
ولكن بعد ذلك الزمان كما ذكر الطحاوي أَجْمَعَ أهل العلم على أن لا ينقلوا ذلك، وعلى أن لا يذكروا الإمام أبا حنيفة إلا بالخير والجميل، وهذا فيما بعد زمن الخطيب البغدادي، يعني في عهد بعض أصحاب الإمام أحمد ربما تكلموا وفي عهد الخطيب البغدادي نقل نقولات في تاريخه معروفة، وحصل ردود عليه بعد ذلك، حتى وصلنا إلى استقراء منهج السلف في القرن السادس والسابع هجري وكَتَبْ في ذلك ابن تيمية الرسالة المشهورة (رفع الملام عن الأئمة الأعلام)، وفي كتبه جميعًا يذكر الإمام أبا حنيفة بالخير وبالجميل ويترحم عليه وينسبه إلى شيءٍ واحد وهو القول بالإرجاء، إرجاء الفقهاء دون سلسلة الأقوال التي نُسِبَتْ إليه لأنَّهُ يوجد كتاب أبي حنيفة الفقه الأكبر وتوجد رسائل له تدل على أنَّهُ كان في الجملة يتابع السلف الصالح إلا في هذه المسألة، في مسألة دخول الأعمال في مُسَمَّى الإيمان.
وهكذا درج العلماء على ذلك كما قال الإمام الطحاوي إلا -كما ذكرت لك- بعض من زاد، غلا في الجانبين:
إما غلا من أهل النظر في الوقيعة في أهل الحديث وسَمَّاهُمْ حَشْوِيَّةْ وسَمَّاهُم جهلة.
ومن غلا أيضًا من المنتسبين للحديث والأثر فوقع في أبي حنيفة ﵀ أو وقع في الحنفية كمدرسة فقهية أو في العلماء.
والمنهج الوسط هو الذي ذكره الطحاوي وهو الذي عليه أئمة السلف.
لمَّا جاء الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب أصَّلَ هذا المنهج في الناس وأنْ لا يُذْكَرَ أحد من أهل العلم إلا بالجميل وأن يُنْظَرْ في أقوالهم وما رَجَّحَهُ الدليل فَيُؤْخَذُ بِهِ وأن لا يُتَابَعْ عالم فيما أخطأ فيه وفيما زل؛ بل نقول هذا كلام العالم وهذا اجتهاده والقول الثاني هو الراجح.
ولهذا ظهر بكثرة في مدرسة الدعوة القول الراجح والمرجوح ورُبِّيَ عليه أهل العلم في هذه المسائل تحقيقًا لهذا الأصل.
حتى أتينا إلى أول عهد الملك عبد العزيز ﵀ لمَّا دَخَلْ مكة، وأراد العلماء طباعة كتابة السنة لعبد الله بن الإمام أحمد وكان المشرف على ذلك والمراجع له الشيخ العلامة الجليل عبد الله بن حسن آل الشيخ ﵀ رئيس القضاة إذ ذاك في مكة، فَنَزَعَ هذا الفصل بكامله من الطباعة، فلم يُطْبَعْ لِأَنَّهُ من جهة الحكمة الشرعية كانَ لَهُ وقته وانتهى، ثُمَّ هو اجتهاد والسياسة الشرعية ورعاية مصالح الناس أن يُنْزَعْ وأن لا يُبْقَى وليس هذا فيه خيانة للأمانة؛ بل الأمانة أن لا نجعل الناس يَصُدُّونَ عن ما ذكره عبد الله بن الإمام في كتابه من السنة والعقيدة الصحيحة لأجل نُقُولٍ نُقِلَتْ في ذلك.
وطُبِعَ الكتاب بدون هذا الفصل وانْتَشَرَ في الناس وفي العلماء على أَنَّ هذا كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد.
حتى طُبِعَت مُؤَخَّرًَا في رسالةٍ علمية أو في بحثٍ علمي وأُدْخِلَ هذا الفصل -وهو موجود في المخطوطات معروف- أُدْخِلْ هذا الفصل من جديد، يعني أُرْجِعْ إليه، وقالوا إنَّ الأمانة تقتضي إثباته إلى آخره.
وهذا لاشك أَنَّهُ ليس بصحيح، بل صنيع علماء الدعوة فيما سبق من السياسة الشرعية ومن معرفة مقاصد العلماء في تآليفهم واختلاف الزمان والمكان والحال وما استقرت عليه العقيدة وكلام أهل العلم في ذلك.
ولما طُبِعْ كُنَّا في دعوة عند فضيلة الشيخ الجليل الشيخ صالح الفوزان في بيته، وكان داعيًا لسماحة الشيخ عبد العزيز ﵀، فطَرَحْتْ عليه أول ما طُبِعْ كتاب السُّنَّة الطبعة الأخيرة التي في مجلدين إدخال هذا الباب فيما ذُكر في أبي حنيفة في الكتاب وأًنَّ الطبعة الأولى كانت خالية من هذا لصنيع المشايخ.
فقال ﵀ في مجلس الشيخ صالح قال لي: الذي صنعه المشايخ هو المُتَعَيِّنْ ومن السياسة الشرعية أن يُحْذَفْ وإيراده ليس مناسبًا. وهذا هو الذي عليه منهج العلماء.
[ ٦٧٥ ]
زاد الأمر حتى صار هناك تآليف يُطْعَنْ في أبي حنيفة وبعضهم يقول أبو جيفة ونحو ذلك، وهذا لاشك أنه ليس من منهجنا وليس من طريقة علماء الدعوة، ولا علماء السلف لأننا لا نذكر العلماء إلا بالجميل، إذا أخطؤوا فلا نتابعهم في أخطائهم، وخاصَّةً الأئمة هؤلاء الأربعة؛ لأنَّ لهم شأنًَا ومقاما لا يُنْكَرْ.
نكتفي لهذا القدر أسأل لكم التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
[ ٦٧٦ ]
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
الأسئلة:
س١/ هل في هذه الكلمة محذور شرعي وهي صورة لقطعة من الذُّرَة ومكتوب عليها: (هذه من خيرات الطبيعة) حيث أنها تنتشر دعاية لمثل هذا في الشوارع؟
ج/ هذا صحيح رأيناه في الشوارع، هذه الكلمة كلمة فيها سو؛ ء لأنَّ الخير من الله - ﷿ -، والطبيعة مطبوعة ليست طابعة للأشياء، فعيلة بمعني مفعولة، هي مطبوعة، طَبَعَهَا الله - ﷿ - وجعلها على هذا النحو من سُنَنِهِ، فالله - ﷿ - هو الذي جعل سُنَّتَهْ أَنَّ الماء ينزل وأَنَّ الأرض تُنبِتْ وأنَّ الأرض تتنوع، ما ينتج منها. ولهذا هذه الكلمة فيها مخالفة فينبغي بل يجب تجنبها حفظًَا لنعم الله - ﷿ - على عباده.
س٢/ في قوله تعالى ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى:٩] هل إذا غلب على الظن عدم الانتفاع يجوز السكوت عن المنكر؟
ج/ هذه المسألة اختلف فيها العلماء، وقد ذكرت لكم الخلاف أظن في شرح الواسطية (١) أو في بعض المواضع، والآية استدَلَ بها جماعة من العلماء منهم الشيخ تقي الدين ابن تيمية شيخ الإسلام ومنهم ابن عبد السلام في القواعد وجماعة، وذكر هذا أيضًا ابن رجب عن بعض أهل العلم في شرحه على الأربعين.
والآية فيها دليلْ على أنَّ الذِكْرَى مأمور بها إذا كانت ستنفع؛ لأنَّ الله قال ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ أَمَرَ بالتذكير إذا كانت الذكرى ستنفع.
هل يدخل هذا في النهي عن المنكر، أم هذا في التذكير بما ينفع الناس؟
ظاهر لكلمة ﴿الذِّكْرَى﴾ أنها تشمل الأمر بالمعروف وتشمل النهي عن المنكر؛ لأنَّ التذكير يشمل هذا وهذا في القرآن والسنة.
لهذا قال طائفة من العلماء ممن سَمَّيْنَا ومن غيرهم: إنَّهُ للمرء أنْ يترك الإنكار إذا غَلَبَ على الظن عدم الانتفاع، كذلك يجوز له أن لا يُذَكِّرْ إذا غَلَبَ على الظن عدم الانتفاع، أما إذا غلب على الظن الانتفاع بالإنكار أو الانتفاع بالذِّكْرَى فهنا يجب عليه أن يُنْكِرْ ويحب عليه أن يأمر بالمعروف بحسب الحال، هذا قول.
الجمهور على خلاف ذلك وهو أنَّ الأحاديث دَلَّتْ على أَنَّ المنكر إذا رُئِيَ وَجَبَ تغييره، لهذا قالوا سواءٌ غلب على الظن أو لم يغلب على الظن فلابد منه حفاظًا على ما أجب الله - ﷿ -.
ولهذا قال ﷾ لمَّا ذَكَرَ حال أهل القرية ﴿وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:١٦٤]، فَدَلَّ على هذا أنَّ المعذرة مطلوبة وأن لا يُسْكَتْ عن المنكر؛ لكن هذا لا يَدُلُّ على الوجوب، وحال الصحابة بكثيرٍ من أحوالهم وخاصَّةً لما دَخَلُوا على الولاة -ولاة بني أمية والأمراء- فيما سكتوا عنه وفيما لم يُنْكِرُوهُ، قال ابن عبد السلام ويُلْمِحُ إليه كلام ابن تيمية أيضًا أنهم أخذوا بأنه غلب على ظنهم أنهم لا ينتفعون بذلك لِعِلْمِ الواقع في المنكر ولأجل أنَّهُ يعلم أنَّهُ لو أُنْكِرَ عليه فإنه لن يستجيب.
المقصود من ذلك أن العلماء لهم في ذلك ثلاثة أقوال:
١ - القول الأول: أنه يجب الإنكار مطلقا كما أمر النبي ﷺ.
٢ - القول الثاني: أنَّهُ يجب مع غلبة الظن، وإذا لم يغلب على الظن فإنه يجوز له أن ينكر (٢) .
٣ - والقول الثالث: وهو المتوسط بينهما أنَّهُ لا يجب ولكن يستحب إذا غلب على الظن عدم الانتفاع.
وهذا معناه أنَّ الإنسان لا يُؤَثِّمْ نفسه فيما غلب على الظن عدم الانتفاع.
وهذا يحصل في المسائل التي يغلب فيها الظن على عدم الانتفاع مثل المنكرات المنتشرة، مثل مثلًا حلق اللحى، ومثل الإسبال، ومثل كشف المرآة لوجهها، ومثل رؤية المجلات رؤية صور النساء المحرمة في المجلات، أو مثل هذه يغلب على الظن من الناس عدم الانتفاع مطلقًا أو عدم الانتفاع في وقتها؛ يعني بحسب الحال.
لكن إذا غَلَبَ على الظن أنه إذا وَعَظَهُ أو أَمَرَهُ أو نهاهُ أنه ينتهي ولو في الوقت نفسه، فهذا يتعين عليه.
يعني دَخَلَ في المسألة مثل غيرها مع القدرة؛ لكن إذا كان يظن أنَّهُ إذا قال له لا تحلق لحيتك أو هذا حرام أنه لن ينتفع، فلا يجب عليه حينئذ ويسلم من الإثم.
المقصود السلامة من الإثم في مثل هذه الحال، والله المستعان كلٌ في هذا الباب مقصر، نسأل الله - ﷿ - أن يعفو عنا وعنكم.
_________________
(١) في الشريط الثامن والعشرون من شرح العقيدة الواسطية، وهو مفرغ أيضًا والحمد لله
(٢) - لعل الشيخ أراد (يجوز أن لا ينكر)
[ ٦٧٧ ]
[المسألة الخامسة]:
كرامات الأولياء ترجع إلى نوعين:
- ترجع إلى القُدْرَةْ.
- وترجع إلى التأثير.
والقُدْرَةْ والتأثير قد يكونان في الأمور الكونية وقد يكونان في الأمور الشرعية.
١ - القسم الأول: كرامات ترجع إلى القدرة:
القدرة قد تكون في الكونيات وقد تكون في الشرعيات:
@ النوع الأول من القُدْرَةْ: قدرة في الكونيات:
مثال القُدْرَةْ في الأمور الكونية: أن يُقْدِرَهُ الله - ﷿ - على ما لم يُقْدِرْ عليه غيره من الناس؛ بأن يَسْمَعْ ما لم يسمعوا، أو أن يَقْدِرْ من حيث المشي أو القُدْرَةْ البدنية على ما لم يقدروا، أو أنَّهُ يَغْلِبْ بما لم يَقْدِرُ عليه الواحد في العادة.
يعني أنه راجعٌ إلى قُدْرَةٍ -يعني الكونيات- إلى قُدَرٍ في السماع، في الآلات، في السمع أو في البصر أو في القوى والأركان.
هذا له مثال أو له أمثلة، فمن القدرة في السمعيات سَمَاعْ سارية كلام عمر ﵁ وهو في المدينة حيث كان يخطب، فقال (يا سارية الجبل الجبل)، يعني الزم الجبل، وسارية كان في بلاد فارس وسَمِعَ الكلام.
وهذا لاشك قدرة في السماع خارقة للعادة أُوتِيَهَا.
وكذلك هي من جهة عمر ﵁ قُدْرَةْ في الإبصار حيث إنَّهُ أَبْصَرَ ما لم يُبْصِرُهُ غيره، فقال: يا سارية الجبل الجبل. فنظر إلى سارية ونظر إلى الجبل ونظر إلى العدو وكأنَّ الجميع أمامه، ولهذا قال: الزم الجبل.
هذه قدرة في الآلات، في السمع وفي البصر.
كذلك قد تكون القدرة في القُوَى -يعني هذه في الكونيات- قد تكون القدرة في القُوَى بأن يَغْلِبْ ما لم يغلبه مثله، وبأن يمشي مثلًا على الماء مثل ما حصل لسعدٍ ومن معه، سعد بن أبي وقاص، ومثل أن ينوم نومة طويلة كأصحاب الكهف لا يتغير فيها البدن ولا يتأثر فيها أكثر ثلاثمائة وتسع سنين وهكذا.
ومثل إحياء الفرس، يُعْطَى قوة فيمسح على الفرس أو يأمره بأن يحيى فيحيى له فرسه.
ومثل أن يدخل في النار فلا تؤثر فيه أو فلا تأكله النار.
المقصود هذه القدرة راجعة إلى قُدَرٍ في الكونيات يُكْرِمُ الله - ﷿ - بها العبد بحيث تكون فيما يحصل له في ملكوت الله - ﷿ -.
@ النوع الثاني من القُدْرَةْ: قدرة في الشرعيات:
ونقصد بالشرعيات يعني المسائل الدينية، فيكون عنده قدرة بأن يستقبل من العلم والدين ما لا يستقبله غيره من جهة الحفظ -حفظ الشريعة- أو الفهم الذي يُؤتيه الله - ﷿ - من خَصَّهُ من أوليائه أو ما شابه ذلك، فعنده قدرة في فهم الشرعيات وفي فهم مراد الله وفي الحفظ وفيما أُعْطِيَ بمزيد عن عادة أمثاله.
هذا يكون بالإكرام إذا خَرَجَ عن مقتضى العادة، صار خارقًَا للعادة في حال بعض الناس.
٢- القسم الثاني: كرامات ترجع إلى التأثير:
التأثير قد يكون أيضًا في الكونيات وقد يكون التأثير في الشرعيات.
@ النوع الأول من التأثير: تأثير في الكونيات:
يعني تأثيرٌ يرجع إلى تأثيرٍ في الكون بأن يُؤَثِّرْ في المكان الذي هو فيه، أو في أبصار الناس بأن لا يروه، مثل ما حصل مثلًا للحسن البصري ﵀ حيث دَخَلَ عليه بعض الشُّرَطْ لِطَلَبِهِ فلم يروه، دخلوا وداروا في المكان وهو جالس في وسط الدار فلم يروه، وأشباه ذلك مما فيه تأثيرٌ في قُدَرْ الآخرين.
الأول قُدْرَةْ في نفسه والتأثير يكونُ في قُدَرِ الآخرين، التأثير في خصائص الأشياء، التأثير في خاصية الهواء، خاصية الماء ونحو ذلك، هذا قد يؤتيه الله - ﷿ - بعض أوليائه لحاجتهم إليه كما ذكرنا.
@ النوع الثاني من التأثير: تأثير في الشرعيات:
يعني أن يُؤَثِّرْ في ما هو مطلوب شرعًَا، إذا عَلَّمَ فإنَّهُ يقع تعليمه موقع النفع أكثر من غيره، يعني بشيءٍ لا يُسْتَطاع عادة، يكون فيه الأمر زائِدْ عن العادة، له قَبُولْ والكلام يقع موقعه أكثر مما اعتداده الناس في أمثال أهل العلم، كذلك تأثير في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا أمر ونَهَى فإنه يؤثر التأثير البالغ بحيث لا يُعَارَضْ، ومثل أن يُؤَثِّرْ في الناس في هدايتهم إذا وعظ، إذا قال لفلان من الناس افعل كذا أطَاعَهْ، إذا وعظ رق قلبه، إذا أَمَرَ بالتوبة أُطِيع ونحو ذلك مما هو خارجٌ العادة إلَّا أنَّ الناس من عادتهم أن يطيعوا ولا يطيعوا.
هذا التقسيم ذكره شارح الطحاوية في هذا الموقع، وشيخ الإسلام قَسَمَهُ في الواسطية -كما تعلمون- إلى أنَّ الخوارق التي تجري على يدي الولي وتُسَمَّى كرامة:
- تارةً تكون في العلوم والمكاشفات.
- وتارةً تكون في القدرة والتأثيرات.
فَجَعَل القدرة والتأثير بابًا واحدًا، وجَعَلَ العلم والمكاشفة جعله بابًا آخر.
وهذا التقسيم أيضًا ظاهر، وهي تقاسيم باعتبارات مختلفة.
[ ٦٧٨ ]
[المسألة السادسة]:
ذكرنا لكم أنَّ الخوارق ثلاثة أقسام:
- خارقٌ للعادة جرى على يدي نبي ورسول، وهذا يسمى آية وبرهان ومعجزة.
- وخارقٌ للعادة جرى على يدي ولي، وهذا يسمى كرامة.
- وخارقٌ للعادة جرى على يدي شيطان أو عاصي أو مبتدع أو من ليس مطيعًا لله ومُتَّقِيًَا له، فهذا يسمى حالًا شيطانيًا.
فالفرق بين هذه الثلاثة أشياء واضح:
١ - أولًا: أنَّ الأمْرَ الخارق للعادة بحسب من يضاف إليه:
- فإذا أضيف إلى النبي صار اسمه آية وبرهانا ومُعْجِزًَا.
- وإذا أضيف إلى الولي فإنه يُسَمَّى كرامة.
- وإذا أضيف إلى أصحاب الكهانة والسحر والشعوذة فيُسَمَّى حالًا شيطانيًا.
٢- ثانيًا: أنَّ خرق العادة الذي يجري للولي لا يكون مصحوبًا بِدَعْوَى النُّبُوَة، فقد يجري للأولياء أحوالٌ عظيمة لكنها مع عدم دعوى النبوة.
فإذا ادَّعَى مع تلك الأحوال النبوة صار شيطانًا، وصار ما يُسَاعَدُ به إنما هو من جهة الشياطين والسحرة وأشباه ذلك.
٣- ثالثًا: أنَّ ما تُخْرَقُ به العادة للنبي أوْسَعْ بكثير وأعظم من مما تُخْرَقُ به العادة للولي، فخَرْقُ العادة للولي محدود بالنسبة لخرق العادة للنَّبِي.
وخَرْقُ العادة للسحرة والكهنة الشياطين وأهل الشعوذة وأهل العصيان الذين يَدَّعُونَ الأحوال هذه ليست خرقًا للعادة في الحقيقة ولكنها قُدْرَةْ مما أَعْطَى الله الشيطان أن يوهم به الناس وأن يُضِلَّ الناس به، من جهة التخييل تارة، ومن جهة تصَوُّرِهِ وتَشَكُّلِهِ في صُوَرْ وأشكال تارة أخرى.
أما خرق العادة بالنسبة للأنبياء، فالأنبياء يَخْرِقُ الله - ﷿ - لهم العادة أي عادة الجن والإنس في زمانهم، حتى يكون ما يُعْطَوهُ آيةً وبُرْهَانًَا؛ لأنَّ الساحر والكاهن قد يُعارِضُ النبي بما أُعْطِيَ من خارقٍ للعادة بما يمكِنُ للشياطين أن تُمِدَّ بِهِ هذا الساحر والكاهن إلى آخره.
لكن جَعَلَ الله - ﷿ - الخارق للعادة بما لا يمكن للإنسي ولا للجني لو اجتمعت أن يُعْطَوا ذلك، كما قال - ﷿ - ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]، فالقرآن آية، برهان، وهكذا آية موسى ﵇، الآيات التي أوليتها موسى لا تستطيعها السَّحَرَة ولا الكهنة، وكذلك ما أعطى الله - ﷿ - عيسى من الآيات، وكذلك كل نبي ورسول لا يستطيعه أهل زمانهم من الإنس والجن لو اجتمعوا، فإنهم لا يستطيعون ذلك.
ولهذا صار مثلًا حمل الشيء الكبير العظيم من بلدٍ إلى بلد لا يدخل ضمن معجزات الأنبياء كما حصل في قصّة سليمان ﵇: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل:٣٩]، هذا حَمْلْ لِمُدَّةْ أنْ يقومَ بالمقام، ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل:٤٠]، فصار جَلْبْ هذا الشيء من مكانٍ إلى مكان، من اليمن إلى أرض سليمان ﵇ في فلسطين، صار جَلْبُهُ ليس من آيات الأنبياء ولا من براهين الأنبياء، فصار في حق الذي أُوتي علمًا من الكتاب: كرامة (١) .
: [[الشريط السابع والأربعون]]:
وما قام به الجن هذا مما يَقْدِرُونَ عليه، فَخَرْقُ الجن للعادة بما لا يستطيع البشر قُصَارَى ما عندهم أنْ يأتوا به قبل أن يقوم من هذا المقام، يعني ذلك الجني الذي قال تلك الكلمة، وهذا الذي أُكرِمْ، أُكرِمْ بأن يَدْعُوَ فيُؤْتَى بالعرش إلى سليمان ﵇.
وهذا من جهة هو كرامة لمن أُعْطِي، ومن جهة أخرى هو أيضًا آية لسليمان ﵇ بالنظر إلى تسخير هذا الإنس والجن له مما لا يُسَخَّرُ معه الإنس والجن والطير لغير نبيِّ من الأنبياء.
المقصود من ذلك:
- أنَّ خارق النبي آية وبرهان؛ لأنه يَخرِقُ عادة الجن والإنس في ذلك الزمان.
- أمَّا خارق الولي فهو محدودٌ بالنسبة إلى خارق النبي في أَنَّهُ تُخْرَقُ له العادة التي لا يستطيعها الإنس ولا بعض الجن.
لأنَّ اجتماع الإنس والجن، هذا خاص -يعني لو أرادوا أن يحدث شيء- هذا لا يمكن لأنَّ معجزة النبي أكبر وأعظم، وأما الولي فإنَّهُ بِحَسَبِ مَنْ هُوَ فيهم لأنها كرامة وليست آيةً ولا برهانًا على رسالةٍ ولا نبوة؛ بل هو خاصٌ بما يُكْرَمُ به هُوَ.
- أمَّا خوارق الشياطين والسحرة بما يُولُونَ به أولياء الشياطين من الإنس فهذه محدودة:
& وقد تكون تَخْيِيلًا -يعني تصوير للعين-.
& وقد تكون تَشَكُّلًا لكن تَشَكُّلْ من الجني في صورة إنسي أو في صور حيوان أو ما أشبه ذلك.
لهذا قد يظهر الجني في صورة إنسان، في صورة العبد الصالح ويكون في مكانٍ آخر، مثل ما قال ابن تيمية ﵀ في موضع (كان وَقَعَ بأصحابي شِدَّةْ، قال: فَرَأَوا صورتي عندهم فاستغاثوا بي، ثم أخبروني فَأَعْلَمْتُهُم أَنِّي لم أَبْرَحْ مكاني -يعني في دمشق وهم كانوا خارج دمشق-، وإنما هذا جني تَصَوَّرَ بي) .
وهذا مما أَقْدَرَ الله عليه الجن، لكن لا يَقْلِبُونَ الحال؛ لكن يتشكلون في صورة ينظر إليها الإنسي أنَّ هذا هو صورة فلان، من قَبِيْلِ التَّشَكُّل، لكن ليس ثَمَّ مادة وقلب حقيقي.
لكن قد يدخلون في جسد حيوان، قد يدخلون في جسد إنسان، هذه مسألة التَّلَبُّسْ مسألة أخرى لكن من حيث التَّشْكِيلْ والتَّصْوِير هذا من جهة التخييل، أو من جهة إظهار الشيء بدون حقيقة مادية؛ لأنهم هم ليس لهم مادة يعني مثل مادة الإنسان.
لهذا صار صاحب الخوارق الشيطانية، هذا ليس بكرامة وإنما هو من جهة الشيطان، ولا يُعْطِيه الله - ﷿ - على ذنبه ومعصيته واستعانته بالشياطين، فيستعين بالشياطين على ذلك.
٤- رابعًا: أنَّ كرامة الولي لا تبلغ جنس آية النبي.
هذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة؛ -يعني أهل الحديث- في أنها لا تبلغ جنسها وإنْ شَرِكَتْهَا، يعني اشتركت معها في الصورة فلا تبلغ جنسها.
يعني قد يدخل النار فلا يحترق، وإبراهيم ﵇ دخل نارًا فلم تضره أو صارت بردًا وسلامًا عليه؛ لكن لا يشتركان في الجنس، وإن اشتركوا في النوع.
يعني إنْ اشتركوا لكن هذه قدْرَهَا ليس كَقَدْرِ هذه، صفة النار هذه ليست النار كصفة هذه، وصفة ما يحصل للولي ليس كصفة ما يُعْطَاهُ النبي.
وأما الأشاعرة وطائفة فإنهم قالوا تتساوى، تتساوى الكرامة بآية وبرهان النبي والمعجزة من حيث الجنس، لكن الفرق بينهما أنَّ النبي يقول: أنا نبي، وأما الولي فيقول: أنا تابعٌ للنبي.
والأول مثل ما ذكرت لك هو المتَعَيِّنْ لأنَّ الله - ﷿ - فَرَّقَ بين ما يُعْطِيهْ النبي من خرق العادة وما يُعْطِيهْ غيره فقد قال فيما يُعْطِيهْ للنبي: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء:٨٨]، وأما ما يُعْطِيهْ الإنسي فإنَّه قد يكون محدودًا.
مثلًا أصحاب الكهف ناموا تلك النومة، ولم يتأثروا ثلاثمائة وتسع سنين، فيه من يعيش أكثر من ذلك.
وهذا أقل مما يحصل للأنبياء في جنس ما يُعطَوْن.
_________________
(١) نهاية الشريط السادس والأربعين.
[ ٦٧٩ ]
[المسألة السابعة]:
أنكرت المعتزلة وجماعات كرامات الأولياء وقالوا: إنَّ إثبات كرامات الأولياء يعود على معجزات الأنبياء بالإبطال؛ لأنَّ الجميع خرقٌ للعادة، وما عَادَ على معجزات الأنبياء بالإِبْطَالْ فهو باطل.
فالجواب عن ذلك أنَّ الله - ﷿ - أثبت هذه الأنواع الثلاث:
أثبت الآيات والبراهين التي يعطيها للأنبياء.
وأثبت - ﷻ - كرامات الأولياء.
وأثبت - ﷿ - مخاريق السحرة وتخييلات السحرة.
فَكُلُّ هذه في القرآن وفي السنة، وكلها تشترك في أنها أمور خارقة للعادة، فعدم الإيمان بها هو ردٌ للقرآن فيما دَلَّ عليه.
وقد لا تكون الدِّلالة عندهم قطعية وبذلك لا تدخل المسألة في الكفر؛ لكن ظاهر أنَّ القرآن فيه هذا وهذا.
فمثلًا مريم ﵍ أُعْطِيَتْ أشياء وليست بِنَبِيَّة لأنَّهُ ليس في النساء نَبِيَّةْ كما هو معلوم، ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٣٧]، وكذلك قصة أصحاب الكهف، وهؤلاء جميعًا ليسوا بأنبياء.
المقصود من ذلك أنَّ جنس الكرامة هذا ثابِتْ في القرآن وفي السنة وقَصَّهُ الله - ﷿ -، فَنَفْيُ الكرامة لأنها خارق للعادة هذا رَدٌّ لما أثبته الله - ﷿ -، والله - ﷿ - فَرَّقَ بين هذا وهذا.
وأما أنها تشتَبِهْ مع خارق الأنبياء فهذا ليس بصحيح كما ذكرنا لك من الفروق السّابقة لأنَّهُ ثَمَّةَ فُروق ما بين كرامات الأولياء وما بين معجزات الأنبياء.
وطَرَدُوا المعتزلة هذا الباب فقالوا: كل الخوارق الشيطانية وكل الخوارق التي تجري للعقل والسحر والأشياء كل هذه مما يدخل في باب خرق العادة، لا نؤمن به ويُرَدْ.
وكُلُّهُ جَرْيًَا منهم على هذا الأصل، وهو أنَّهُ يعود على آيات الأنبياء بالإِبْطَال.
[ ٦٨٠ ]
[المسألة الثامنة]:
مما يشتبه بالكرامة: الإعانة الخاصة مِنَ الله - ﷿ - لبعض عباده، فقد يُعِينُ الله - ﷿ - بعض العباد بأشياء يُفَرِّجُ بها عنهم الهم والكرب والضيق لكن لا تدخل في باب الكرامة؛ لأنها ليست أمورًا خارقة للعادة، فَثَمَّ فَرْقْ بين نِعَمِ الله تعالى المتجددة مما يُنَجِّي الله به مثلًا عبده من حادث أو من مرض أو نحو ذلك ولا يكون هذا الإنْجَاءْ من الخوارق للعادة.
فلذلك يُفرَّقْ ما بين جنس النِّعَمْ التي يُعطيها الله - ﷿ - خاصة العباد وما بين الكرامات، فليس كل ما يُنْعِمُ الله - ﷿ - به على العبد من الأمور العظيمة كرامة؛ بل الكرامة ضابطها أنها أمرٌ خارقٌ للعادة جرى على يدي ولي.
ولهذا أصحاب الطُّرُقْ والذين يريدون صرف وجوه الناس إليهم قد يُعَظِّمُون ذِكْرْ بعض الإِنْعَامْ حتى يجعلوه كرامةً، فيُغْرُونَ الناس بأنهم أولياء وأنهم أُكْرِمُوا بكذا وكذا إلخ.
والله - ﷿ - يُنعم على عباده بأنواع النِّعَمْ الدينية، والشرعية والكونية، وهذه الأنواع من الإِنْعَامْ هذه ليست دائمًا مما تُخرَقُ به العادة، لهذا نقول الكرامة مما تُخْرَقُ به العادة.
[ ٦٨١ ]
[المسألة التاسعة]:
الكرامة إذا أعطاها الله - ﷿ - الولي فإنَّهُ ليس معنى ذلك أنَّهُ مُفَضَّلٌ وأعلى منزلة على من لم يُعْطَ الكرامة.
فالكرامة إكرامٌ وإِنْعَامْ من الله - ﷿ - للعبد لأجل حاجته إليها، وقد تكون حاجته إليها دينية وقد تكون حاجته إليها كونية دنيوية.
لهذا قَلَّتْ الكرامات عند الصحابة، فالمُدَوَّنْ من الكرامات بالأسانيد الثابتة عن الصحابة أقل بكثير مما يُروَى عن التابعين، وهكذا فيمن بعدهم؛ لأنَّ المرء إذا قَوِيَ إيمانه وقَوِيَ يقينه فإنه قد يُتْرَكْ للابتلاء لا للتفريج كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي في الصحيحين: «يُبتلى الرجل على قدر دينه، أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل»، «يُبتلى الرجل على قدر دينه» (١) .
وهذا يدل على أَنَّ الله - ﷿ - قد يختار للولي الصالح وللعبد الصالح الذي تَعْظُمُ منزلته في وَلَايَةِ الله - ﷿ - وإكرامه ومحبته له في أن يتركه للإبتلاء، وأن يتركه لغير هذه الأمور الخارقة للعادة.
فتكون إذًا هذه الخوارق للعادة وهذه الكرامات لحاجته إليها ولأنه قد يصيبه ضعف في الإيمان لو لم يُعطَ.
فبعض الناس قد يكون عنده عبادات عظيمة وقيام وصلاة وصيام ثُمَّ إذا أصابته شدة ولم يُفَرَّجْ عنه فإنه قد يعود على قلبه بالضعف في الإيمان، فيُكْرِمُهُ الله - ﷿ - لأجل ضعفه لا لأجل كماله.
ولهذا فإنَّ باب الكرامة ليس معناهُ تفضيل من جرت له، فقد يكون مُفَضَّلًا وقد لا يكون، فليست الكرامة بمجردها دليلًا عند السلف من الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام؛ بل الإيمان بالكرامات -كرامات الأولياء- لأجل وجودها وأنَّ الله - ﷿ - يُكْرِمْ بها عباده وأَنَّ الأدلة دَلَّتْ على ذلك وليس من أجل تفضيل من حصلت له الكرامة فقد يكون أقل درجة بكثير ممن من لم تحصل له الكرامة.
إذا كان كذلك، فإنه حينئِذْ من دُوِّنَتْ عنه الكرامات لا يلزم أن يكون أعلم ولا أفضل ولا أن يُقْتَدَى به ولا أن تُؤْخَذْ أقواله لأجل أنَّهُ حصلت منه الكرامة؛ بل لم يزل الصَّالحون إذا حصلت لهم مثل هذه الأنواع من الكرامات لم يزالوا يكتمونها ولا يُشيعُونَها لأَنَّهَا قد تكون في حقّهم من الفتنة، وهم لِعِلْمِهِمْ بالله - ﷿ - وما يستحقه - ﷻ - من الطاعة والإنابة والإقبال عليه أَنْ لا يَفْتِنُوا الناس بذلك.
وهذا من أسباب أنَّ المنقول عن الصحابة من الكرامات قليل جدًا، وعند التابعين أكثر، ثُمَّ هكذا، كلما ضَعُفَ الناس كلما أَحَبُّوا إذا حصل لهم أي شيء أن ينشروه وأنْ لا يكتموه.
لهذا نقول: الواجب على الناس أن لا يعتقدوا فيمن حصل له إكرام أو كرامة.
أن لا يعتقدوا فيه؛ بل يقولون: هذا دليل على إيمانه وتقواه إذا كان مُتَحَقِّقًَا بالإيمان والتقوى، وهذا دليلٌ على محبة الله - ﷿ - له.
وهو يَسْأَلْ لنفسه الثبات ويحرص على ذلك.
وهم أيضًا لا يأمنون عليه الفتنة، وإذا مات على هذه الحال أيضًا من الصّلاح والطاعة فإنه يُرْجَى له الخير ولا تتعلق القلوب به، أو يُستغَاثْ به أو يُؤْتَى لقبره ويُسْتَنْجَدْ به أو يُطْلَبْ منه تفريج الكربات أو يُرَاعَى وهو في غيبته في حال الحياة ونحو ذلك كما يفعله ضُلَّالْ أصحاب الطرق الصوفية ومن يعتقدون فيه ممن ينتسبون للأولياء وربما لم يكونوا منهم.
لهذا فالواجب على المؤمن أن لا يتحدث بهذه إلا إذا رأى ثَمَّ حاجة دينية لذلك، أما إذا كانت لأجل إظهار منزلته أو لإظهار إكرام الله - ﷿ - له ونحو ذلك، فهذا الأفضل كتمانها سِيَّمَا إذا كان مع إظهارها والتحدث بها فتنة قد تصيب البعض، وإذا كان في مثل هذه الأزمنة التي يظهر فيها الجهل ويتعلق الناس بمن ظهر عليهم الصلاح لأجل الاعتقاد فيهم فإنه يجب على المؤمن أن يصد وسائل الشر وأن يسد ذرائع الشرك والغلو التي منها ذكر الكرامات وتداول ذلك.
_________________
(١) ابن حبان (٢٩٠٠)
[ ٦٨٢ ]
[المسألة العاشرة]:
مما يتصل بالكرامة من المباحث مبحث الفِرَاسَةْ؛ لأنَّ الفِرَاسَةْ الإيمانية بها يَعْلَمْ صاحب الفِرَاسَةْ ما في نفس الآخرين.
والفِرَاسَةْ لفظٌ جاء في السنة: «اتقوا فِراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله» (١)، والحديث حَسَّنَهُ جماعة من أهل العلم، وهو في الترمذي وفي غيره.
هذه الفِرَاسَةْ عُرِّفَتْ بأنها: شيء من العلم يُلْقَى في رُوعِ المؤمن به يعلم حالْ من أَمَامَهْ، إمَّا حالُهُ الإيماني وإما حالُهُ في الصدق والكذب، وإما بمعرفة ما في نفسه ويجول في خاطره.
ولهذا عُرِّفت الفِرَاسَةْ أيضًا بأنها نور يقذفه الله في قلب بعض عباده، بها يعلم مُخَبَّئَاتْ ما في صدور بعض الناس.
والعلماء قسموا الفِرَاسَةْ إلى أقسام أشهرها ثلاثة:
١- الأول: الفِرَاسَةْ الإيمانية:
وهي التي قد يُدْخِلُهَا بعضهم في باب الكرامة وليست منها.
٢- الثاني: فراسةٌ رياضية:
يعني تحصل بالترويض وبالتعود وبتخفيف ما في النفس من العلائق، وهي التي يحصل فيها دُرْبَة عند بعض أصحاب الطُّرُقْ.
٣- الثالث: فراسة خَلْقِيَّة:
وهذه ليست راجعت إلى استبطان ما في النفوس ولكن باعتبار الظَّاهر.
يُنْظَرُ إلى الخَلْقْ فيستدل بشكل الوجه على الخُلُق، ويستدل بشكل العينين على مزاج صاحبها، يستدل بشكل البدن أو شكل اليد أو تقاطيع الوجه على حاله مِنْ جِهَةْ الأخلاق.
فهذه اعتنى كثير من الناس، وصُنِّفَتْ فيها مصنفات عند جميع الأمم، من الأمم السابقة لأمة الإسلام، وفي أمة الإسلام أيضًا لأنها فراسة خَلْقِيَّةْ، ويقولون: إنَّهُ ثَمَّ ترابط ما بين الخَلْقْ والخُلُقْ.
ومن الأئمة الذين اعتنوا بهذا الباب وتَعَلَّمُوهُ الشافعي ﵀ وصَنَّفَ طائفة من أصحاب الشافعي في الفِراسة مصنفات الفراسة الخَلقية.
المقصود من ذلك أَنَّ الفراسة -وهي النوع الأول الفراسة الإيمانية-، ليست من الكرامة لأنها أقرب ما تكون إلى الإلهام، والإلهام قد يكون خارقًا للعادة وقد لا يكون.
فجنس الفراسة الإيمانية ليست من جنس الكرامات، وقد يكون من أنواع الفراسة ما يكون فيه خرق للعادة فيكون كالعلوم والمُكَاشَفَات التي يُجريها الله - ﷿ - على يد أوليائه.
_________________
(١) الترمذي (٣١٢٧)
[ ٦٨٣ ]
[المسألة الحادية عشر (١)]:
كرامات الأولياء قد تجري للمجموع لا للأفراد، وهذا في حال الجهاد سواءٌ أكان جهادًا علميًا أم كان جهادًا بدنيًا -يعني بالسِّنان-.
فقد يُكْرِمُ الله - ﷿ - الأُمَّةَ المجاهدة، جماعة المجاهدين من أهل العلم، يعني من الجهاد باللسان بقوة في التأثيرات الشّرعية وبالنصر على من عاداهم بالمَلَكَة والحُجَّة وبما يعلمون به مواقع الحُجَجْ وما في نفوسهم بما يكون أقوى من قُدَرِهِمْ في العادة.
قد يُكرمهم الله - ﷿ - بذلك وإن لم يكونوا من الملتزمين بالسنة.
وقد يكون كما ذُكِرْ بعض أهل البدع يُعْطَى قوّة وينتصر على عَدُوِّهِ من النصارى مثلًا أو من اليهود أو من الملاحدة في أبواب المناظرات ويُكْشَفُ له من مُخَبَّآتِ صدر الآخر ما لا يكون لأفراد الناس، ويُكْشَفْ له من القوة والحجة في التأثير على الناس ما يدخل في باب التأثير في الكونيات والشرعيات كما ذكرت لك سابقًا.
وكذلك في أبواب جهاد الأعداء بالسيف، فقد يُؤْتَى طائفة من المسلمين من أهل البدع والذنوب والمعاصي بعض الكرامات إذا جاهدوا الأعداء.
وهذا يُنْظَرُ فيه إلى المجموع لا إلى الفرد، والمجموع أرادَ نُصْرَةْ القرآن والسنة ودين الله - ﷿ - ضِدْ من هو كافِرٌ بالله - ﷻ - وضد من هو مُعَارِضٌ لرسالة الرسل أو من يريد إذلال الإسلام وأهل الإسلام.
فيُعطى هؤلاء بعض الكرامات وهي لا تدل على أنهم صالحون وعلى أنَّ مُعْتَقَدْ الأفراد أَنَّهُ مُعْتَقَدٌ صالحٌ صحيح؛ بل تدل على أَنَّ ما معهم من أصل الدين والاستجابة لله والرسول في الجملة أنهم أحَقُّ بنصر الله وبإِكرامه في هذا الموطن لأنهم يجاهدون أعداء الله - ﷿ - وأعداء رسوله ﷺ.
ولهذا لا يُغْتَرْ بما يُذْكَرْ عن بعض المجاهدين أنهم حصلت لهم كرامات وكرامات وكرامات.
وهذه الناس فيها لهم أنحاء:
- منهم من يُكَذِّبْ ويقول هؤلاء عندهم وعندهم من البِدَعْ والخُرَافات وإلخ، وبالتالي الكرامة لا تكون لهم، فينفي وجود هذه الكرامات.
- ومنهم من يُصَدِّقُ بها ويجعل هذا التصديق دليلًا على أنهم صالحون وأنَّهُ لا أثر للبدعة وأنَّ الناس يتشددون في مسائل السنَّةْ والبدعة.
وأما أهل العلم المتبعون للسلف كما قَرَّرَ ذلك ابن تيمية بالتفصيل في كتابه النَّبُوَاتْ فإِنَّهُم يعلمون أنَّ المجاهد قد يُعْطَى كرامَةً ولو كان مُبتدعًا، لا لذاته ولكن لما جاهد له، فهو جاهد لرفع راية الله - ﷿ - ضد ملاحدة، ضد كفرة، ضد نصارى، ضد يهود، ضد وثنيين، وهذا يستحق الإكرام لأنَّهُ بَذَلَ نفسه في سبيل الله - ﷿ -.
والبدع ذنوب، والجهاد طاعة، ومن أعظم الأعمال قُرْبَةْ، ومعلوم أَنَّ الحسنات تُذْهِبْ ما يقابلها من السيئات، فقد تكون في حَقِّ البعض حسنة الجهاد أعظم من سيئة بعض البدع والذنوب؛ بل الجهاد سبب في تكفير الذنوب والآثام كما قال - ﷿ -: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الصف:١٠-١٢] الآية.
من أعظم أسباب مغفرة الذنوب الجهاد، ومن أعظم أسباب تحقيق وَلَايَةْ الله ومحبته أَنْ يُجَاهِدْ العبد، لكن هذا يكون في موازنة الحسنات والسيئات والله - ﷿ - أعلم بنتيجة هذه الموازنة.
المقصود من ذلك أَنَّ أهل السنة والجماعة يُقَرِّرُون أَنَّ الكرامة هي للولي الصالح كما قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢-٦٣]، وقد يُعْطِيْ الله - ﷿ - الكرامة لجَمْعٍ من المسلمين، أو لفردٍ في جَمْعٍ من المسلمين لأجل ما ذكرتُ لك من الحال إذا كان على غير التقوى والإيمان ومتابعة السّنة أو الأخذ ببعض البدع.
ولهذا لا يَغْتَرْ مُغْتَرْ بما يحدث من ذلك ويَزِنْ الأمور بموازينها:
- فمن نَفَى مُطْلَقًَا فهو مَتَجَنِّي لأنَّهُ لا عِلْمَ له بذلك.
- ومن قَبِلَ مُطْلَقًَا وجعلها دليلًا على الصلاح والطاعة وأنَّهُ لا أثر للعقائد ولا أثر للسنة في مثل هذه المسائل هذا أيضًا تَجَنَّى على الشرع وتَجَنَّى نفسه، والعلم يقضي بما ذكرته لك في ذلك.
_________________
(١) ذكرها الشيخ حفظه الله تعالى تحت المسألة الثالثة عند الإجابة على السؤال: هل المبتدع أو الضال أو العاصي يعطى كرامة (٦٧٢)
[ ٦٨٤ ]
[المسألة الثانية عشر]:
الواجب على المؤمنين أن يَسْعَوا في الإيمان (١) وفي شُعَبِهِ -امْتِثَالًَا للأوامر واجتنابًا للنواهي- طلبًا لمرضاة الله - ﷿ - وأن يبذلوا أنفسهم في الجهاد بأنواعه: الجهاد في العلم والجهاد في العمل والدعوة، أو الجهاد بالسيف والسنان إذا جاء وقته، أو إذا حَضَرَهُ المؤمن، أن يسعوا فيه طَلَبًَا لرضا ربهم - ﷿ -، وأن لا يلتفت العبد مهما بَذَلْ إلى حصول الكرامة أو عدم حصول الكرامة.
فمن الناس من تعلّقت قلوبهم بالكرامات؛ بل بما هو دونها من الرُؤَى وربما الأحلام ومن القصص والحكايات والأخبار وأَثَّرَ ذلك على إيمانه سلبًا أو إيجابًا، ضعفًا أم زيادة.
وهذه الأمور نؤمن بها -يعني مسائل الكرامات-، نؤمن بها لأَنَّهَا جاءت في النصوص؛ لكن العبد لا يَتَطَلَّبُهَا، لا يبحث عنها، كما ذكرت لك ربما كان الأكمل في حقه أن لا تحصل له الكرامة، وربما كان الأكمل في حقه أن يُبْتَلَى، وربما كان الأكمل في حقه أن يُذَلْ ولا يُعْرَفْ ما يقضي الله - ﷿ - به في هذه المسائل.
ومن نظر لسيرة من نعتقد فيهم أنهم من أفضل أهل زمانهم إيمانًَا وتقوى ومُتابعة للسنة وأمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر ومُجَاهدةً لأعداء الله، حصل لهم من الابتلاء والفتنة ما حصل، كما حصل لإمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد بن حنبل، وكذلك ما حصل لشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، فالجميع حصل لهم من البلاء والسجن والفتنة، يعني والصد والإيذاء ما حصل لهم، ومع ذلك هم أكمل ممن هم دونهم ممن حصل لبعضهم من الكرامات فيما نُقل بأسانيد ثابتة.
بل ابن القيم ﵀ طِيْفَ به في دمشق وهو العالم الإمام على حمار ظهره إلى السماء ووجهه إلى الأرض تنكيلًا به، ومع ذلك ما ضَرَّهُ لا في وقته ولا فيما بعده فالتراجم طافحة بالثناء عليه، لأنَّ هذه مسائل من الابتلاء التي يَبْتَلِي بها الله - ﷿ - بعض عباده كيف شاء.
فالمقصود من هذا أنَّ الميزان هو متابعة السنة.
تحقيق الإيمان والتقوى، متابعة طريقة السلف الصالح قد يحصل معه إكرام وقد لا يحصل معه، يحصل معه ضد ذلك من الابتلاء والإيذاء، وقد يكون المُبْتَلَى أكمل ممن لم يُبْتَلَ.
فالعبرة بلزوم منهج السلف الصالح وطريقة السلف الصالح، فقد يُبْتَلَى من هو من أهل البدع، وقد يُبْتَلَى من هو من أهل السنة، وقد يُبْتَلَى العاصي المذنب، وقد يُبْتَلَى التقي الناصح، وهكذا.
فإذًا الميزان هو كتاب الله - ﷿ - وسنة رسوله - ﷺ - وملازمة طريقة السلف الصالح في ذلك.
أسأل الله - ﷿ - أن يجعلنا من أوليائه وأن يغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وأن يُكَفِّرَ عنا الخطايا والآثام، وصلى الله وسلّم وبارك على نبينا محمد.
_________________
(١) نهاية الوجه الأول من الشريط السابع والأربعين
[ ٦٨٥ ]