_________________
(١) [المسألة الأولى]: أنَّ العلو والفوقية ينقسم إلى ثلاثة أقسام: - إلى علو الذات. - وعلو القهر. - وعلو القَدْرْ والشرف. وكذلك الفوقية: - فوقية الذات. - وفوقية القهر. - وفوقية القَدْرْ والشَرَفْ. وبعض أهل العلم يقسمها إلى قسمين: - إلى فوقية الذات. - وإلى فوقية الصفات وكذلك العلو: - علو ذات. - وعلو صفات. والأول هو الأكثر في تفسير أهل العلم الذين دوَّنُوا شرح عقائد أهل السنة والجماعة.
(٢) أولًا: علو الذات وفوقية الذات: وهذه معناها أنَّ الله - ﷿ - فوق جميع الأشياء وأنه الأعلى سبحانه، وهذا هو الذي فسّره به ﷺ، فَفَسَّرَ الآية وهي آية سورة الحديد ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد:٣]، فسّر ﴿الظَّاهِرُ﴾ فقال «وأنت الظاهر فليس فوقك شيء» ﷾.
(٣) ثانيًا: فوقية القهر وعلو القهر: وهذه معناها أنه ﷾ لا يُغْلَبْ ولا يُرَامُ جنابه؛ بل هو ﷾ هو الذي يَقْهَرُ من عداه، يُمْلِي ويستدرك ويَقْهَرْ ويَأْخُذُ على غِرَّةْ، ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢]، فهو ﷾ عالٍ علو القهر، وهو فوق خلقه فَوقِيَّةَ قهر وجبروت وعظمة للمولى - ﷻ -.
(٤) ثالثًا: علو القَدْرْ وفوقية القَدْرْ: وهذا المعنى هو الذي يُثْبِتُهُ المبتدعة من العلو فلا ينازعون في علو القَهْرْ والقَدْرْ والشَّرَفْ. فيقولون: معنى الله فوق خلقه كقول القائل المَلِكُ فوق شَعْبِهِ أو الأمير فوق رعيته؛ يعني من جهة قَدْرِهِ، وكقولهم: العالم فوق عامة الناس، من جهة القَدْرْ، وكقول القائل الذّهب فوق الحديد؛ يعني من جهة المنزلة والقَدْرْ. وهذا تفسير ناقص، كما سيأتي في هذه المسائل إن شاء الله تعالى.
[ ٢٨٢ ]
[المسألة الثانية]:
العلو والفوقية لله - ﷿ - ثابت بدليل القرآن والسنة والعقل والفطرة.
بل قال بعض العلماء: إنَّ في القرآن والسنة ألف دليل لإثبات علو الله - ﷿ - بذاته وفوقيته بذاته على خلقه.
وهذا يعني أنَّ أمر العلو ومسألة العلو والفوقية من المسائل المتواترة العظيمة التي دلالتها صريحة؛ بل دلالتها نصية فدلالتها إذًا قطعية.
ولهذا دخل عدد من أهل العلم؛ بل صَرَّحَ عدد من أهل العلم بتكفير من أنكر علو الله - ﷿ - على خلقه لأجل عِظَمْ الأدلة في هذا كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
الأدلة التي دَلَّتْ على علو الله - ﷿ - على خلقه وعلى أنه سبحانه فوقهم بذاته وصفاته كثيرة جدًا.
لهذا ابن القيم جعلها أنواع لأجل كثرتها، جعلها ثمانية عشرة نوعا كل نوع تحته جملة من الأدلة في الكتاب والسنة، ونذكر بعضا منها، وترجعون إلى الباقي:
١ - أنَّ الله - ﷿ - صرَّحَ سبحانه ونص على أنه فوق عباده في قوله في سورة الأنعام ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٨]، ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ .
٢ - أنه جاء التصريح بـ ﴿مِنْ﴾ قبل الفوقية في قوله سبحانه في سورة النحل ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل:٥٠] .
ومن مقتضيات اللغة أنَّ مجيء (من) قبل الظرف (فوق) تدل بظهور على أنَّ الفوقية فوقية ذات؛ لأنَّ فوقية الصفة أو القَهْرْ أو القَدْرْ لا يُؤتى فيها بـ (من)، فلا يُقَال الذهب من فوق الحديد ويُعنى به صفاته، أو الملك من فوق الرعية ويعنى بها من الصفات.
إذا أُتيَ بـ (من) في اللغة قبل الظرف (فوق) فإنها تدل على فوقية المكان أو فوقية الذات لله - ﷿ -.
يعني فوقية الذات لأي شيء، وفي الآية فوقية الذات لله - ﷿ -.
فإذًا قوله سبحانه لما وصف الملائكة بأنَّهُم [] إلى السماء وأنهم يسبحون قال ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ يعني الذي هو فوقهم بذاته - ﷻ - وتقدست أسماؤه.
٣ - أنه سبحانه ذَكَرَ أنَّ الملائكة تعرج إليه فقال سبحانه ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤]، عروج الملائكة يعني صعودها، عروج الملائكة يعني ارتقاءها إلى أعلى وإلى فوق، وهذا يدل على فوقية الذات لله - ﷿ -.
٤ - أنه سبحانه ذَكَرَ ونصَّ على أنَّ العمل الصالح يصعد إلى الرب - ﷿ -، والأعمال الصالحة تُرْفَعُ إليه ﷾، كما جاء في قوله تعالى في سورة فاطر ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]، فقوله ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ﴾ يعني لا إلى غيره لأنه سبحانه هو المتفرد بعلو الذات على خلقه جميعًا.
٥ -أنَّ الله سبحانه ذَكَرَ أنَّهُ اخْتَصَّ بعض عباده بأن جعلهم عنده، ومن ذلك الملائكة، فالملائكة في السماء؛ ولكن هم متنوعون أيضًا في سُكناهم للسماء، فجعل - ﷿ - بعضهم مختص بأنه عنده سبحانه، وهذه العندية هي عندية علو وفوقية، كما في قوله سبحانه ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:١٩-٢٠]، ونحو ذلك من الآيات، فالعندية -عندية الملائكة- يعني كون الملائكة عند الله ﴿الذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يقتضي أنه سبحانه شرَّفَهُمْ وخَصَّهُمْ بشيء وهو أنهم عنده؛ يعني في عُلاهُ - ﷿ -.
وكذلك ما وصف الله - ﷿ - به الشهداء في قوله ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩] ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ هم بين الخلق جَسَدًَا ولكنهم عند ربهم روحًا يعني في العلا تكريمًا لهم وتعظيمًا لأجرهم وثوابهم.
٦ - ما ذكر الله - ﷿ - من تنزيله للكتاب من عنده، كقوله ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر:١] وكقوله ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [غافر:٢]، وكقوله ﴿تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت:٢]، وكقوله سبحانه ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل:١٠٢]، ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء:١٩٣]، ونحو ذلك من الآيات.
وهذه كلها ذكرها ابن القيم تحفظونها لأنها نافعة في الحجاج ومجادلة من ينكرون علو الله - ﷿ -.
والأنواع كثيرة يمكن أن تطلبوها، وفيها أقوى دلالة وأوضح برهان على أنَّ الله سبحانه هو العالي فوق خلقه بذاته - ﷿ -.
[ ٢٨٣ ]
[المسألة الثالثة]:
دلالة السنة على فوقية الله - ﷿ - أيضًا جاءت الأدلة فيها كثيرة جدًا.
كقوله ﷺ «وأنت الظاهر فليس فوقك شيء» (١)، وكقوله «والعرش فوق سمواته والله فوق ذلك» في الحديث الذي مرَّ معنا البحث فيه وأنَّ أهل السنة يستدلون منه بهذا القَدْرْ لثبوته في أدلةٍ أخرى.
وكذلك قوله ﷺ في حجة الوداع يشير إلى السماء ثم ينكث بإصبعه الأرض «اللهم هل بلغت، اللهم فاشهد» (٢) .
وكذلك قوله ﷺ في حديث الجارية لما سألها «أين الله؟» قالت: في السماء. قال ﷺ لسيدها «أعتقها فإنها مؤمنة» (٣)، والأدلة على علو الله - ﷿ - في السنة كثيرة.
_________________
(١) مسلم (٧٠٦٤) / أبو داود (٥٠٥١) / الترمذي (٣٤٠٠) / ابن ماجه (٣٨٣١)
(٢) البخاري (١٧٣٩)
(٣) مسلم (١٢٢٧) / أبو داود (٩٣٠) / النسائي (١٢١٨)
[ ٢٨٤ ]
[المسألة الرابعة]:
وهي في الدِّلالة العقلية، دلالة العقل على علو الله - ﷿ - بذاته على خلقه.
ودلالة العقل متنوعة وكثيرة؛ لكن نكتفي منها بدليل عقلي واحد، وهو أنّ الله - ﷿ - موجود ﷾ بالاتّفاق، يعني كل من أثبت الله - ﷿ - أثبت وجوده، حتى جهم الذي ينفي جميع الصفات يثبت وجود الله - ﷿ -.
فنقول لجميع هذه الفئات أنّ الوجود قَدْرٌ مشترك، فالله - ﷿ - موجود، وخلق الله - ﷿ - أيضا موجودون.
وهذان الوجودان إما أن يتمايزا وإما أن يتداخلا.
فإن تداخلا -يعني صار أحدهما داخل الآخر-:
إما أن يكون الخَلْقْ محيطون والله - ﷿ - في داخل خلقه
وإما أن يكون الخَلْقْ في داخل الله - ﷿ -.
خَلْقْ الله - ﷿ - والكائنات منها أشياء مستقبحة (١) ومستقذرة وقبيحة مثل النجاسات ومثل القاذورات ومثل الأشياء التي لا يُصَرَّحُ بها ونحو ذلك استقذارًا واستهجانا وبعض المخلوقات السيئة ونحو ذلك، وهذه لا أحد - من جميع من يبحث هذه المسائل- يقول بجواز أن تكون في داخل الله - ﷿ -.
فإذًا تَحَصَّلَ الأمر إلى أنَّه يتعَيَّنْ أن يكون الله - ﷿ - عاليًا على خلقه لأنَّ الإختلاط يقتضي هذا المعنى العقلي الفاسد، وكون الله - ﷿ - في داخل خلقه هذا فيه نَقص لله - ﷿ -.
وهذا برهان عقلي صحيح، وذلك لأنه مبني على مقدمتين وهاتان المقدمتان إثباتهما مُشْتَرَكْ بين جميع الجهات:
- المقدمة الأولى: وجود الله - ﷿ -.
- المقدمة الثانية: تنزه الله - ﷿ - عن أن يكون في داخله شيء مما يُسْتَقْبَحْ أو يُسْتَقْذَرْ.
_________________
(١) انتهى الوجه الأول من الشريط الواحد والعشرون.
[ ٢٨٥ ]
[المسألة الخامسة]:
وهي في الدليل الفطري، والدليل الفطري لعلو الله - ﷿ - هو أنّه كل أحد يحس من فطرته سواء عَلِمَ الدين أو لم يعلم الدين، عُلِّمْ أو لم يُعلَّم أنَّ قلبه عند الحاجة وعند الرّغَبْ إلى لله - ﷿ - وعند اقتطاع الأسباب وبقاء لطف الله - ﷿ - أنه يتجه القلب إلى العلو، وهذا شيء فطري مغروس في الإنسان.
ولهذا ذَكَرَ شارح الطحاوية وقد نقله أيضًا غيره قصة الزاهد الأثري الهمذاني مع أبي المعالي الجويني الذي يُلَقَّبْ بإمام الحرمين، حيث ذكر إمام الحرمين في درسه نَفْيَ علو الله - ﷿ - على خلقه -علو الذات-؛ وأنَّ المراد بذلك علو القهر وعلو القدر.
فقال له الشيخ الهمذاني: يا أستاذ -وكلمة أستاذ في الزمن الأول تطلق على من أجاد فنًا من الفنون، وأما كلمة الشيخ فتطلق على من له مكانة وديانة وورع وخوف من الله - ﷿ --، فقال له: يا أستاذ -لإجادته فن الكلام- أخبرني عن هذه الضرورة التي أجدها في نفسي وهي أني أطلب العلو إذا احتجت إلى الله - ﷿ -.
فقال أبو المعالي: حيرني الهمذاني، حَيَّرَنِي الهمذاني.
لأنَّ قوله بنفي العلو لله - ﷿ - هذا منافٍ للفطرة، فلما استدل عليه بالفطرة قال حيرني الهمذاني.
وقد ذكر بعض من صَنَّفَ في الرحلات كما ذكرته لكم في هذه الدروس، ذكَرُوا أنَّ وَفْدًا من الخليفة العباسي ذَهَبَ إلى روسيا يعني إلى بلاد الترك التي هي روسيا الآن، وقالوا: وجدنا أناسًا لا يعبدون الله - ﷿ - وليس عندهم رسالة يريدون أن يشرحوا لهم الإسلام، قالوا: ولكنا وجدناهم أنهم إذا أصابتهم شدة وعواتي إما من المطر ونحوه ومن قحط ونحو ذلك خرجوا إلى الفلاة ورفعوا أيديهم إلى السماء ونظروا إلى السماء يهمهمون، كأنهم يطلبون الفرج مِمَنْ هو في السماء، وهذا أمر مركوز في الفطرة كما ذكرنا لك.
إذًا دليل علو الله - ﷿ - وفوقية الرب ﷾ دليل من القرآن والسنة ومن العقل ومن الفطرة.
نكتفي بهذا القدر، ونكمل إن شاء الله تعالى ما يتصل بهذا البحث في الأسبوع القادم بإذنه تعالى.
نجيب عن بعض الأسئلة
[ ٢٨٦ ]