س١/ هل الميت يعلم عن الأحياء أخبارَهم؟ فقد سمعتُ من بعض أهل العلم من يقول ذلك وآخر ينفيه، وآخر من يقول هذه المسألة لا أحد يسأل عنها لأنها من علم الغيب؟
ج/ هذه المسألة من المسائل المهمّة جدًا، وكما ذكر السائل تنوَّعَتْ أقوال العلم فيها ما بين نافٍ مطلقًا وما بين مثبتٍ مطلقًا وما بين مفصلٍ للمسألة بحسب ما ورد في الدليل.
والصواب في ذلك التفصيل.
- فمن نَفَى مطلقًا بأنَّ الأموات لا يسمعون ولا يعلمون؛ بل انقطع سبيلهم، استدلوا بقول الله - ﷿ -: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢]، واستدلوا أيضًا بأنَّ الميت انقطع من هذه الدنيا وارتحل إلى الآخرة وهو مشغولٌ عن هذه الدنيا بالآخرة، وهو في حياة برزخ، وحياة البرزخ مختلفة عن هذه الحياة، فَصِلَتُه بهذه الحياة تحتاج إلى دليل، ولا دليل يدل على سماعه مطلَقًَا فلذلك وجب نفيه لدلالة قوله ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾، ولم يدل أيضًا الدليل على أنَّ الملائكة تُبَلِّغْ الأموات الأخبار والأحوال، فبنوا على هذا النفي العام بأنَّ الميت لا يسمع شيئًا.
- والقول الثاني أنَّ الأموات يسمعون مطلقًا ويُبَلَّغُون، يعني يسمعون ما يحدث عندهم ويُبَلَّغُونَ ما يحصل من أهليهم وأقاربهم من خيرٍ وشر، فيأنسونَ للخير ويستاءون للشر، وهؤلاء بَنَوا كلامهم على أنَّ في الأدلة ما يدل على جنس سماع الميت لكلام الحي:
كقوله ﷺ «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِى قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ» (١)، واستدلوا بهذا على أنه يسمع.
ويستدلون أيضًا ببعض الأحاديث الضعيفة كحديث التلقين، حديث أبي أمامة الضعيف في التلقين ونحوه بأنه يسمع بعض السماع.
ويستدلون أيضًا بما ورد من الأحاديث بأنَّ الملائكة تُبَلِّغْ الميت بأخبار أهله من بعده، ويعرضون عليه ما فعلوا فإن وجد خيرًا فَرِحْ واستبشر وإن بُلِّغ غير ذلك استاء من أهله.
ويستدلون أيضًا بما يحصل للأحياء من رؤيةٍ لأرواح الأموات في المنام، وأنهم ربما قالوا لهم فعلت كذا وفعلت كذا وأتانا خبرك بكذا ونحو ذلك.
وهؤلاء أيضًا في مسألةٍ خاصة استدلوا بفعل النبي ﷺ مع صناديد قريش لمَّا دَفَنَهُم في القليب ورماهم فأطَلَّ عليهم ﷺ، وقال لهم «هل وجدتُّم ما وعد ربكم حقا؟ فإنّي وجدت ما وعد ربي حقًا»، قالوا له: يا رسول الله أتُكَلِّمُ أمواتًا؟ قال: «ما أنتم بأسمع لي منهم» (٢)، واستدلوا بهذا اللفظ: «ما أنتم بأسْمَعَ لي منهم» على أنهم يسمعون، وإذا كانوا يسمعون فإنهم لهم نوع تعلق بالدنيا فلا يمنع أن يُبَلَّغُوا ويُقَوِّيْ ما جاء في هذا الباب من أحاديث.
- والثالث وهو الصواب، التفصيل، وهو أنَّ المَيّت يسمع بعض الأشياء التي ورد الدليل بأنه يسمعها، والأصل أنَّ الميت لا يُسَمَّع لقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾، وأنه أيضًا لا يسمع، فما خَرَجَ عن الأصل احتاج إلى دليل، وكذلك التبليغ -تبليغ الأخبار- أيضًا خلاف الأصل، ولهذا كان من خصائص النبي ﷺ أنَّ الله جعل له ملائكة سيّاحين في الأرض يُبَلِّغُونَهُ من أمته السلام.
وهذا هو الأقرب للدليل، وهو الأظهر من حيث أصول الشريعة، وهو أنَّ الميت لا يسمع كل شيء، لا يسمع من ناداه، لا يسمع من أتاه يُخْبِرُهُ بأشياء، وأنه لا دليل على أنّه يُبَلَّغ ما يحصل لأن هذا من خصائص النبي ﷺ، وأنَّ الأحاديث الواردة في ذلك بأنه يُبَلَّغ ونحو ذلك أنها أحاديث ضعيفة لا تقوم بها الحجة.
فينحصر إذًا سماعه فيما دل الدليل عليه، وهو أنه يسمع قرع النعال وأنَّ أهل بدر سمعوا، يعني أنَّ المشركين من صناديد قريش سمعوا النبي ﷺ، لهذا في الرواية الثانية الصحيحة أيضًا أنه قال لما قالوا له: أتكلم أمواتًا؟ قال: «ما أنتم بأسمع لي منهم الآن» (٣) وهذه الرواية ظاهرة الدلالة بأنَّ إسْمَاعَهُمْ وتكليمهم هو نوع تبكيت وتعذيب لهم، وزيادة «الآن» زيادة صحيحة ظاهرة وبها يجتمع قول من نفى وقول من أثبت، فيكون الإثبات بالسماع فيه تخصيصٌ لهم بتلك الحال لازدياد تبكيتهم وتعذيبهم أحياء وميتين.
_________________
(١) البخاري (١٣٧٤) / مسلم (٧٣٩٥)
(٢) البخاري (١٣٧٠) / مسلم (٧٤٠٣)
(٣) البخاري (٣٩٨٠) / النسائي (٢٠٧٦)
[ ٧٤١ ]
والعلماء ألَّفُوا في هذا أيضًا تواليف في الثلاث اتجاهات، يعني في القول الأول والثاني والثالث، وابن القيم ﵀ في كتاب (الرّوح) توسَّعَ في هذا على القول الثاني، توسَّعَ فيه على القول الثاني، لكنه ليس هذا القول أو غيره موافقًا لقول المشركين الذين يجيزون مناداة الميت وسؤال الميت الحاجات وطلب تفريج الكربات وإغاثة اللهفات، وفي النذر والنذور أن يخاطبوه ليستغيثوا به أو يستشفعوا به. هذا غير داخل في المسألة، لكن هذه المسألة أساس يُرَوِّجُ به من دعا إلى الشرك لأنهم يعتمدون على مثل هذه الأقوال.
ألّف ابن القيم كتاب الروح وبَحَثْ في هذه المسألة وتوسع فيها جدًا حتى أنه ﵀ نقل منامات وحكايات في هذا المقام، هي من قبيل الشواهد على طريقته، لكن العبرة بما دلّ عليه الدليل من الكتاب والسنة ولا مُتَمَسَّكْ في كلام ابن القيم لمن زعم أنَّ الموتى يُغِيثُونْ وأنهم يسمعون ويجيبون من سألهم إلخ. بل ابن القيم ﵀ مع ما أورد فإنه ردَّ على المشركين والخرافيين وأهل البدع والضلال الذين يصفون الأموات بأوصاف الإله جلّ الله عمَّا ادَّعى المدَّعُون.
وهناك من ذهب إلى المنع مطلقًا، وعدد من أهل العلم ومذهب الحنفية بالخصوص و(التواليف) طائفة من الحنفية في هذا الباب على هذا الأساس من أنَّ الأموات لا يسمعون أصلًا، فكيف يُبَلَّغُون وكيف يجيبون، والصواب اللي عليه الدليل هو التفصيل الذي مرَّ ذِكْرُهُ.
سلام النبي ﷺ، ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في رده على البكري قاعدة مهمَّة في فحوى كلامه، وهو أنَّ الميت على القول بسماعه، وسماع النبي ﷺ بخصوصه فإنّه لا يسمع بقوة هي أكبر من قوته في الدنيا، لا يسمع البعيد لأنَّ إعطاءه قوة أكبر من قوته في الدنيا على السَّمَاع، هذا باطل ولم يدلَّ عليه أصل ولم يقل به أحد، ولهذا جاء في بعض الآثار، أو جاء في بعض الأحاديث وإن كان فيها مقال، طبعًا فيها تعليل والبحث معروف: «من سلَّمَ عَلَيَّ عند قبري أجبته أو رددت عليه، ومن سلَّمَ علي بعيدًا بُلِّغتُهُ» . وهذا الصواب أنه من قول بعض السلف، يعني إستظهارًا، في أنه من سلّم قريبًا أُجِيب ومن سلّم بعيدًا بُلّغ، ولا يصح الحديث في ذلك.
المقصود من هذا أنَّ تبليغ سلام من سَلَّمَ للنبي ﷺ يدل على أنَّهُ ليس عنده قوة تحضر في كلِّ مكان، من سَلَّمَ عليه ﷺ عند قبره فله حكم من سَلَّمَ عليه عند القبر، يَرُدْ ﵇. والآن القبر بعيد، قبر النبي ﷺ الآن بعيد، ليس قريب، وبينك وبينه أربع جدران كبيرة، فإذا تَكَلَّمَ المرء خافتًا بأدب وسَلَّمْ (السلام عليك يا رسول الله) بهدوء، فإنه لو كان ﷺ حيًا في مكانه أي في غرفته، في حجرته التي دُفِنَ فيها لَمَا سمع. ولهذا ليس ثَمَّ فيه إلا التبليغ، يعني أنه يُبلَّغ، الملائكة تبلغه من سَلَّمَ عليه، لأنَّ الذي يُسَلّم بعيد ولا يَسْمَع.
ذكر ابن تيمية أنه لم يَدُلَّ دليل على أنه يُعطَى قوّة غير القوة التي كانت معه في الدنيا، ولو قيل أنَّ الميت عامةً يسمع، فإنه لا يسمع من يُكَلِّمُهُ من خلف المقبرة، أو بينه وبينه عشرين متر (٢٠م) يتكلم بهدوء، أو نحو ذلك فإن هذا من وسائل الاعتقادات الباطلة أو من وسائل الشرك والخرافة.
أما النبي ﷺ فحياته حياةٌ كاملة برزخية ولا شك أكمل من حياة الشهداء، على كل حال.
س٢/ هل يجوز أن يقال لليهودي والنصراني يا أخ فلان؟ وما المراد بقوله سبحانه: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ﴾ [الشعراء:١٦١]؟
ج/ الأخوة تختلف، فيه أُخُوَّةْ نسب، وثَمَّ أُخُوَّةْ دين، وفيه أخوة في صناعة، والأخ يُطلَقُ على المُصَاحِبْ أيضًا والقريب، فما يأتي في قصص القرآن مِنْ جَعْلِ النبي أخًا للمشركين الذين كَذَّبُوه، هذا من قبيل أُخُوَّةْ النسب لأنه منهم نسبًا كما نصَّ على ذلك أهل العلم، أمَّا أُخُوَّةْ الدِّين أو أُخُوَّةْ الملة أو أُخُوَّةْ المحبة فهذه لا شك منفية وباطلة.
ولهذا من قال لليهود والنصارى إخواننا ويقصد بذلك التودُّد فهذا يدخل من الموالاة المحرَّمَة، وإذا كان له للنصراني نسب أو صلة أو كان مشترك معه في صناعة أو في تجارة ويَقْصِدْ هذا الاشتراك فهذا له بابٌ آخر وفيه نوع موالاة ومُقَارَبَة والواجب تجنُبُهَا، أما أُخُوَّةْ النسب والقبيلة فهذه أمرها واسع كما في القرآن.
س٣/ ما حكم الرقية على الكافر والحيوان؟
[ ٧٤٢ ]
ج/ الرقية هي دواء وعلاج فلا يختَصُّ بها مسلم أو آدمي، فإذا رَقَى كافرًا فلا بأس، إذا رقى أيضًا حيوانًا فلا بأس فهي دواء وعلاج، حديث أبي سعيد الخدري المعروف «بأنهم مَرُّوا بقومٍ فاستطعموهم أو استضافوهم فلم يُضَيِّفُوهُمْ، فلُدِغَ سَيِّدُ أولئك القوم، فأتوا لهؤلاء النفر من الصحابة، فقالوا: أفيكم راق؟ قالوا: نعم ولكن لا نرقي إلا بجُعْلٍ. فجَاعَلُوهُمْ على قطيعٍ من الغنم ثم جَعَلَ يرقي بفاتحة الكتاب ويتفل ويقرأ فاتحة الكتاب ويتفل حتى برأ كأن لم يصبه شيء. فلما أتوا للنبي ﷺ قالوا، قصوا عليه القصة، فقال: «وما يدريكم أنها رقية!! اضربوا لي معكم بسهم» .
فالرقية علاج وقراءة القرآن على الكافر نوع إسماعٌ له أيضًا القرآن وليست من جنس مس المصحف، والله - ﷿ - قال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦]، ففيها علاج وفيها إقامة لِحُجَّةٍ من الحُجَجْ عليه ونحو ذلك.
[ ٧٤٣ ]