: [[الشريط الواحد والخمسون]]:
وَدِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ وَاحِدٌ، وَهُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران:١٩]، وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] .
_________________
(١) الحمد لله رب العالمين، وبعد: قال العلامة الطحاوي ﵀ (وَدِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ وَاحِدٌ، وَهُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ، قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران:١٩]، وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]) . هذه الجملة من كلامه ﵀ يُقَرِّرُ بها أنَّ دين الله - ﷻ - وهو ما يُدَانُ به ويُتَقَرَّب إليه به طاعةً تحقيقًا للغَرَضِ من الخَلْقْ هو الإسلام، فهو الذي تَعَبَّدَتْ به الملائكة في السماء، وهو الذي تَعَبَّدَ به الحجر والشجر ممن يعبدون الله - ﷿ - بمقتضى الخِلْقَة لا بمقتضى الاختيار، وهو الذي لا يرضى الله - ﷿ - أن يَتَعَبَّدَ به من أعطاه الاختيار إلا أن يَتَعَبَّدَ بالإسلام. وهذه الجملة يريد بها أنَّ الإسلام الذي هو الدِّين شيءٌ واحد اجتمعت عليه الرسل، وهو الدِّين الذي في السماء، وهو الدِّين الذي في الأرض، وهو الأمور الخَبَرِيَة أو العقائد الخبرية دون الأوامر والنواهي. وهذا يعني أنَّ كل مِلَّةْ وكل رسول إنما جاء بالإسلام الذي أذِنَ الله به ورَضِيَه وأَمَرَ به، وبه تَعَبَّدَ المُتَعَبِّدُونَ في السماء، وبه أمر أنْ يَتَعَبَّدَ المُتَعَبِّدُونَ في الأرض. وهاهنا مسائل:
[ ٧٢٨ ]
[المسألة الأولى]:
الإسلام ينقسم إلى قسمين وهو:
- الإسلام العام.
- والإسلام الخاص.
وكلام المؤلف هنا يعني به الإسلام العام وهو: الاستسلام لله - ﷿ - بالتوحيد والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله.
فهذا الإسلام وهو الاستسلام، هو الذي اجتمعت عليه الرسل من أولهم إلى آخرهم، فدَعَوا إلى توحيد الله وإلى الاستسلام له بالتوحيد بعبادته وحده دونما سواه وخلع الآلهة والأنداد والبراءة من كل معبودٍ سوى الله - ﷿ - ومن كل عبادة لِمَا سوى الرب - ﷻ - وتقدست أسماؤه.
والانقياد لله - ﷿ - ظاهرًا بطاعته - ﷿ - فيما أمر وبالانتهاء عما نهى عنه - ﷻ -.
هذا هو الإسلام العام، وهو الذي ينطبق على رسالة كل رسول، وهو الذي ينطبق على إِسْلَامِ كل شيء له كما قال - ﷿ - ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران:٨٣] .
فقوله ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ﴾ يعني أفَغَير دين الإسلام يبغون، فكل ما في السماوات والأرض، وكل من في السماوات والأرض أسْلَمْ لله - ﷿ - طوعًا أو كرهًا، يعني اسْتَسْلَمْ ولا بد، إلا المشرك فإنَّ استسلامه كان استسلامَ انقيادٍ لأمر الله الكوني دون استسلامٍ وانقيادٍ لأمر الله الشرعي.
والنوع الثاني الإسلام الخاص وهو شريعة محمد ﷺ.
دين كل الأنبياء هو الإسلام بمعناه العام، ودين محمد ﷺ هو الإسلام، وهو شريعة الإسلام، الإسلام الخاص.
وهذا الإسلام الخاص هو الذي جاء تفسيره في قول النبي ﷺ «بُنِيَ الإسلام على خمس: شهادة أَنْ لا إله إلا الله وأنَّ محمد رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت وصوم رمضان» (١) حديث ابن عمر، وهو الذي جاء في جوابه ﷺ لجبريل حينما سأله عن الإسلام فقال «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله» ثم سأله عن الإيمان، ثم سأله عن الإحسان، ثم قال في آخره «هذا جبريل جاءكم يعلمكم أمر دينكم» (٢) .
فالإسلام الخاص يشمل هذه المراتب الثلاثة: الإسلام والإيمان والإحسان أيضًا.
وكل واحدةٍ منها من شريعة محمد ﷺ.
وطبعًا تفاصيل الشريعة قد تدخل مع العقيدة؛ يعني في ما دعا إليه جميع الأنبياء في الإسلام العام.
يعني مثلًا الإيمان: أنْ تؤمن بالله وملائكته هذه تدخل في الإسلام العام الذي اشترك فيه جميع الأنبياء، كذلك شهادة أن لا إله إلا الله هذه أيضًا لكل المرسلين.
فهذا الإسلام الخاص هو الشريعة التي جاءت في قول الله - ﷿ - ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨]، فالشِّرْعَةْ هي ما خَصَّ الله - ﷿ - به كل نَبِيٍّ عن النبي الآخر، خَصَّهُ بهذه الرسالة خَصَّهُ بهذا الوحي، فهذا هو الإسلام.
_________________
(١) البخاري (٨) / مسلم (١٢٢)
(٢) سبق ذكره (٩)
[ ٧٢٩ ]
[المسألة الثانية]:
(دِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ وَاحِدٌ) كما قال الطحاوي هنا، فحينئذٍ ليس عندنا أديان سماوية، ولا الأديان الثلاثة.
ومن عَبَّرَ عن اليهودية والنصرانية والإسلام أو غيرها أيضًا بأنها أديان سماوية، هذا غلط عَقَدِي، وغلطٌ أيضًا على الشريعة وعلى العقيدة؛ لأنَّ الدين واحد كما قال - ﷿ - ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران:١٩]، فالدِّيْنُ الذي جاء من السماء من عند الله وارتضاه الله في السماء وارتضاه في الأرض واحدٌ ليس باثنين، وليس بثلاثة.
فمن الغلط قول القائل: الأديان السماوية الثلاثة اليهودية والنصرانية والإسلام؛ بل ليس ثَمَّ إلا دينٌ سماويٌ واحد وهو الإسلام فقط، على التفصيل الذي ذكرنا في المسألة الأولى.
فشريعة عيسى ﵇ تُسَمَّى النصرانية، وشريعة موسى ﵇ تُسَمَّى اليهودية، أو تقول اليهودية والنصرانية وغير ذلك؛ لكن لا تَنْسِبْ هذه الثلاث بقول القائل الأديان السماوية الثلاثة؛ لأنه كما قال الطحاوي هنا (دِينُ اللَّهِ وَاحِدٌ) ليس متعددًا.
وهذه ذَهَبَ إليها جمعٌ من النصارى ومن اليهود في تصحيح كل الديانات، يعني من القرون الأولى في أنَّ النصرانية دين من الله وأنَّ اليهودية دين من الله والإسلام دين من الله.
وهذا لاشك أنَّهُ باطل ومخالف لنصوص الكتاب والسنة وللإجماع في أنَّ الله - ﷿ - لا يرضى إلا الإسلام، كما قال - ﷿ - ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] وقال ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥] وقال - ﷿ - ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ [الحج:٧٨] يعني من قبل يعني عند الرسل السالفة.
[ ٧٣٠ ]
[المسألة الثالثة]:
الدّين أصل اشتقاقه في اللغة من دَانَ يَدِينُ إذا التَزَمَ، أو أُلْزِمْ بما يكون مُلَازِمًَا له ومُعْتَادًَا في شأنه.
ولذلك قيل أيضًا الدَّيْدَنْ، دَيْدَنُهُ كذا يعني ما اعتاده كذا، دَيْدَنِي يعني ما اعتدته.
ومنه أيضًا الدِّين، يقول أنا ديني كذا -يعني في أصل اللغة- يعني أعتاد كذا والتَزِمُهُ.
ولهذا صار كل ما يُلْتَزَمْ يقال له دين، لهذا جاء في القرآن ذكر دِيْنْ الملك في قصة يوسف في قوله - ﷿ - ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاء اللهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦]، فقوله - ﷻ - ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ يعني في شريعة الملك؛ لأنها مُلْتَزَمَة والالتزام والحكم بها صارت عادة وصارت دَيْدَنًا، يعني صارت دينًا يُعتادُ ويُلْزَمْ به الناس.
لهذا يقال فلانٌ دينه ضعيف أو دينه قوي يعني ما اعتاده من الالتزام بأمر الإسلام.
إذًا فقوله هنا (دِينُ اللَّهِ)، هنا إضافة الدين إلى الرب - ﷿ - ليست إضافة إلى الفاعل هي إضافة إلى الآمر بها، تقول دين فلان لأنه هو يَتَدَيَّنْ، ودين الله يعني الدين الذي أمر الله به وأَلْزَمَ به الناس ولم يَرْضَ غيره هو الإسلام.
وهنا فَرْقْ طبعًا بين الدين وبين الشريعة وبين العقيدة يحتاج إلى وقتٍ أطول لبيانه، يعني تشترك:
- الدين يمكن أن يُطْلَقْ على الشريعة والعقيدة جميعا.
- والشريعة يمكن أن تُطْلَقْ على الدين وعلى العقيدة أيضًا.
- والعقيدة أيضًا يمكن أن تُطْلَقْ على الشريعة وعلى الدِّين.
لكن بينها عموم وخصوص، فهي تشترك في أشياء وتختلف في أشياء، ويمكن أن يُعَبَّرْ عن كل واحدٍ بالآخر.
[ ٧٣١ ]
[المسألة الرابعة]:
& الإسلام ينقسم من حيث الاستسلام إلى ثلاثة أقسام:
- إسلام الوَجْهْ.
- وإسلام العمل.
- وإسلام القلب.
@ القسم الأول: إسلام الوجْه: يُعْنَى به أن لا يَتَوَجَّهْ إلى غير الله - ﷿ - في عبادته، فيستسلم لربه - ﷻ - ويُقْبِلْ عليه بوجهه وحده دون ما سواه.
وهذا جاء في نحو قوله - ﷻ - ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة:١١٢]، وقوله - ﷿ - ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء:١٢٥] .
@ القسم الثاني: إسلام العمل لله - ﷿ -: وهو أن يكون العمل مُسْتَسْلَمًَا فيه لله مُتَخَلَّصًَا فيه من الهوى.
فيُسْلِمْ العمل: يعني يَسْتَسْلِمْ في العمل فلا يُسَلِّطْ دَاعِيَ الهوى على الأعمال الصالحة.
@ القسم الثالث: إسلام القلب: وهو أصل هذه الأنواع كلها، وهو أنَّهُ يُخْلِصُ في قوله وفي عمله، ويستسلم لربه - ﷿ - في كل أحوال قلبه.
& وينقسم الإسلام أيضًا باعتبارٍ آخر إلى شرائع ذكرناها لكم:
فكل نبيٍ دينه الإسلام لكن شريعته مختلفة، وقد يقال دين النصرانية، دين اليهودية باعتبار التَّدَيُّنْ كما ذكرنا لك، باعتبار الالتزام، والمقصود الشريعة لكن لا يقال الأديان الثلاثة السماوية كما ذكرنا لك.
& باعتبارٍ آخر ينقسم الإسلام الخاص إلى ثلاثة أقسام:
- الإسلام.
- الإيمان.
- الإحسان.
& وينقسم أيضًا باعتبارٍ رابع إلى:
- إسلامٍ كامل
- وإسلامٍ ناقص، يعني باعتبار الاستسلام
@ إسلامٌ كامل يعني استسلام كامل.
@ إسلام ناقص يعني استسلام ناقص.
وهذا بَحَثَهُ أهل العلم واختلفوا فيه، هل الإسلام مثل الإيمان يزيد وينقص؟
أم أنَّ الإسلام شيءٌ واحد، والإيمان هو الذي يزيد وينقص؟
أم أنَّ كلًا منهما شيء واحد؟ أم العكس؟
على أقوال متنوعة، والذي ينطبق على طريقة أهل السنة والجماعة، وإن لم يُصَرِّحْ به الأوائل؛ لكن صَرَّحَ به المتأخرون مثل ابن تيمية ونحوه من أهل العلم، أنَّ الإسلام يزيد وينقص باعتبار الاستسلام، وأنَّ الإسلام له كمال وله نقص، وهذا ظاهر باعتبار الاستسلام.
فإذا نظرنا إلى إسلام الوجه والعمل والقلب أو القصد لله، فالناس في ذلك متباينون تباينًا شديدًا.
وإذا نظرنا إلى التقسيم السالف وهو أنَّ الإسلام ينقسم إلى إسلام وإيمان وإحسان، والناس في الصلاة مختلفو المراتب وفي الصدقة الواجبة الزكاة مختلفو المراتب، وأنَّ الناس في الصيام مختلفو المراتب، وفي الحج مختلفو المراتب، ثُمَّ في الإيمان أيضًا مختلفو المراتب، فلابد أن يكون ما تَكَوَّنْ من هذه مُتَفَاضِلًَا.
ولذلك ليس من كان وصفه الإسلام على مرتبة واحدة.
كذلك ليس كل مؤمن على مرتبة واحدة.
فأهل الإيمان في الإيمان متفاوتو المراتب، وكذلك أهل الإسلام في الإسلام متفاوتو المراتب؛ لأنَّ الإسلام الذي هو الاستسلام يقبل التفاوت ويقبل الزيادة والنقص.
[ ٧٣٢ ]