س١/ تكلمتم أنَّ النصارى كفار يجوز الجزم بدخولهم النار فما موقفنا أمام الآيات التي تستثني بعضهم؟
ج/ ما جاء من استثناء بعضهم هو استثناء لمن مات مؤمنًا، لمن أسلم، من أسلم منهم فله حكم أهل الإسلام هذا ما مات على الكفر، كقوله - ﷿ - ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة:٨٢]، هذا في فئة آمنت أسلمت، لهذا قال - ﷿ - بعدها ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنْ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ [المائدة:٨٣-٨٤] ونحو ذلك، فهؤلاء فيمن أسلم، وأما من يسلم فإنه باق على كفره.
س٢/ إذا لم يكن للمسلمين إمامٌ مسلم يقيم الشرع مثل الأقليات المسلمة، فهل لرئيسهم المسلم أو لإمام المسجد أن يقيم الحدود عليهم؟
ج/ هذه المسألة تحتاج إلى تفصيل وبحث، وهذه كل صورة لها حكمُها وكل بلد لها حكمها، فيَلْزَمْ أولئك أن يستفتوا أهل العلم ويأخذوا الفتوى، ليس ثَمَّ قاعدة؛ لأنَّ كل بلد لها حكمها، وكل أقلية لها حكمها وقد يدخلون في أشياء بمحض اجتهادهم، تكون عليهم ضرر، تكون تلك الأشياء عليهم ضررًا في عاقبة أمرهم، فلابد من استفتاء أهل العلم الراسخين فيه، وتُنْزَلْ كل مسألة منزلتها.
س٣/ كيف قتلت حفصة أم المؤمنين الساحرة التي سَحَرَتْهَا وكيف قتل جُنْدُبْ الساحر الذي كان عند الوليد بن عبد الملك وليس لهما من الأمر شيء.
ج/ آخر السؤال: ليس لهما من الأمر شيء، هذا يحتاج إلى دليل؛ يعني فيه نوع تأصيل وهو ليس بظاهر.
الظاهر العلماء لما ذَكَرُوا هاتين الصورتين وأمثالها قالوا إنَّهُ مُخَوَّلْ لهما ذلك.
وما جاء في الأحاديث قد يكون ثَمَّ فيه اختصار، ففي أحاديث النبي ﷺ يكون اختصار فكيف بأفعال الصحابة رضوان الله عليهم، والأصل أنه لا تُعَارَضْ الأصول الشرعية والأدلة من الكتاب والسنة بفعل بعض الصحابة، فإذا فَعَلَ أحد من الصحابة فِعْلًَا يخالف الأصول، فإننا نُرْجِعُهُ إلى الأصول ونحمله على المُحْكَمَات؛ بل بعض أفعال النبي ﷺ بل بعض آيات القرآن إذا كان فيها اشتباه ولم يتضح لنا وجهها وكونها مخالفة للقواعد أو الأصول أو للآيات الأخرى فنُرْجِعُهَا إليها، فيكون من باب حمل المتشابه على المحكم وفهم المتشابه بالمحكم.
أفعال الصحابة رضوان الله عليهم ليست حجة بمجردها فنفهمها على وفق الأدلة، فالعبرة بالدليل الكتاب والسنة وفعل النبي ﷺ سنته، أما فعل الصحابة فالصحابة حصل منهم أو بعض التابعين حصل منهم خروج أصلًا على الأئمة، فهذا اجتهاد اجتهدوه في بعض المسائل؛ لكن لا يُوَافِقُ الأدلة من الكتاب والسنة ولا يُوَافِقُ ما قرَّرَهُ الأئمة من الصحابة وأئمة الإسلام في أصل الاعتقاد وفي الاتباع.
لهذا كتأصيل لا تُعَارَضْ الأدلة بفعلٍ قد يكون لم يُنْقَلْ جميع أسبابه، قد يكون أُختُصِرْ إلى آخره.
فإذًا ليس لهما من الأمر شيء، هذه محل نظر وتحتاج إلى تأمل يعني في وجه هذه المقولة.
وهذا ذكرته لكم مرة في محاضرة بعنوان قواعد القواعد في كيف تفهم الأدلة؟ كيف تفهم أفعال السلف؟
الآن كل واحد يجيء يقول السلف فعلوا كذا؛ لكن فعل السلف أقل درجة من نص القرآن، والله - ﷿ - جعل نصوص الوحي منها محكم ومنها متشابه، وما ضَلَّتْ الفرق إلا بأخذ المتشابه من كلام الله بأخذ المتشابه من كلام النبي ﷺ، وعدم الرجوع فيه إلى العلماء من الصحابة والرجوع فيه إلى المُحْكَمْ فكيف بمن نَزَلَ مراحل واستدل بالمتشابه من أفعال السلف، هذا لابد أن يكون عندك فهم كيف تَعَامَلْ الأئمة والسلف في هذا، ويكون قاعدة لك في حمل المتشابه من أفعالهم على المُحْكَمْ من النصوص؛ لأن الأصل أنهم لا يخالفون وإذا لم يكن ثَمَّ مجال للحمل فيكون اجتهاد منهم خالفوا فيه الدليل وأمرهم إلى الله ﷿.
ولهذا جاء في كلام علي ﵁ في مقابلته لبعض الفرق قال (إذا سمعتم بالحديث عن النبي ﷺ فَظُنُّوا به الذي هو أهْنَاهُ وأَفْقَاهْ) الحديث عن النبي ﷺ قد يكون فيه أيضًا مجال شبهة.
[ ٤٧١ ]
مثلًا الحديث المشهور أنَّ رجلًا جاء إلى النبي - ﷺ - فقال له يا رسول الله إن امرأتي لا تَرُدُّ يد لامس. فقال له النبي - ﷺ - «غَرِّبها» وفي رواية «فارقها»، قال: يا رسول الله أخاف أن تَتْبَعُهَا نفسي. وفي الرواية الأخرى قال: يا رسول الله إني أحبها. قال «فاستمتع بها» (١) .
قال الإمام أحمد: لم يكن النبي ﷺ ليأمره أن يبقيها مع فجورها، ولهذا صار تفسير (إن امرأتي لا ترد يد لامس) ليس معناه أنها تمشي في الفاحشة، أي أنَّ كل من جاءها يريدها في نفسها وافقت، وإنما معناه القول الثاني الذي هو قول جمهور العلماء أنها تتصرف في مالي، ومن أراد من قرابتهافإنها تأخذ من مالي في البيت وتعطيه، يعني تصرفت وأرهقتني في التصرفات المالية إلى آخره، هذه لا ترد يد لامس.
يد لامس لها أو يد لامسٍ لمالي؟
هذا ما ذُكِرْ، فهنا نظن بالنبي ﷺ مثل ما قال علي الذي هو أهناه وأفقاه.
وهكذا أفعال السلف الصالح نظن بها الذي هو موافق للدليل، هذا الأصل أن تحملها على موافقة أهل السنة، موافقة أفعالهم للدليل، إذا خالفوا الأدلة فإنها اجتهاد، هم بشر يجتهدون ويُؤْجَرُون على اجتهادهم وقد يصيبون وقد يخطئون.
أسأل الله - ﷿ - أن يبارك لي ولكم في العلم والعمل، وأن يقينا العِثَارْ وصلى والله وسلم وبارك على نبينا محمد. (٢)
_________________
(١) النسائي (٣٤٦٥)
(٢) انتهى الشريط الثالث والثلاثون.
[ ٤٧٢ ]
: [[الشريط الرابع والثلاثون]]:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، نعوذ بك اللهم من فتنة القول، كما نعوذ بك اللهم من فتنة العمل.