وَلَا نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَوُلَاةِ أُمُورِنَا وَإِنْ جَارُوا، وَلَا نَدْعُو عَلَيْهِمْ، وَلَا نَنْزِعُ يَدًا مِنْ طَاعَتِهِمْ، وَنَرَى طَاعَتَهُمْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ - ﷿ - فَرِيضَةً، مَا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْصِيَةٍ، وَنَدْعُو لَهُمْ بِالصَّلَاحِ وَالْمُعَافَاةِ.
_________________
(١) قال الطحاوي ﵀ (وَلَا نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَوُلَاةِ أُمُورِنَا وَإِنْ جَارُوا) هذه الجملة يذكر فيها العقيدة التي أجمع عليها أئمة السلف الصالح ودوَّنُوهَا في عقائدهم وجعلوا من خالفها مُخالِفًَا للسّنة وللجماعة بأنّا (لَا نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَوُلَاةِ أُمُورِنَا وَإِنْ جَارُوا)؛ يعني الخروج بالسيف بالبغي عليهم أو بتشتيت الاجتماع وتفريق الكلمة، أو باعتقاد الخروج، أو باعتقاد جوازه أو ذهاب مذهب من أجازه-كما سيأتي-. فقوله (وَلَا نَرَى الْخُرُوجَ)، (وَلَا نَرَى) يعني أهل السنة والجماعة المُتَّبِعِينَ للأثر ولهدي السلف ولما كان عليه الصحابة ولِما دلَّتْ عليه الأدلة، هؤلاء لا يَرَوْن الخروج على الأئمة وولاة الأمر حتى ولو كان عندهم جور وطغيان وظلم، فإنه يجب أن يُطاعوا؛ لأن طاعتهم فريضة، هاهنا مسائل:
[ ٤٧٤ ]
[المسألة الأولى]:
لفظ الأئمة وولاة الأمور مما جاء به الكتاب والسنة.
فولي الأمر العام -يعني ولي الأمر للأمة للناس- يُطْلَقُ عليه ولي الأمر، ويُطْلَقُ عليه إمام.
أما ولي الأمر فقد جاء في الكتاب قال الله - ﷿ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]، وسُمُّوا وُلَاةَ الأمر؛ لأنَّ ما يَنْفُذُ من الأمور الشرعية والأمور الاجتهادية في الناس إنما يكون عن أَمْرِهِمْ، فالأمر راجع إليهم.
فإذًا ولي الأمر هو من بيده الأمر والنهي أو بالعُرْفْ المعاصر القرار الذي يَنْفُذُ في الناس، كما قال - ﷿ - ﴿وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ .
وهذا جاء في السنة في عددٍ من الأحاديث كما جاء في الآية بتسمية الحكام بولاة الأمور.
أما لفظ الأئمة فولي الأمر هو الإمام، ومن ولَّاهُ الله أمر الناس وابتلاه بذلك فيُسَمَّى إمامًا؛ لأنه يُؤْتَمْ بأمره ونهيه وقراره وما يختاره اجتهادًا للأمة.
ولفظ الأمام لولي الأمر جاء في السنة في قول النبي ﷺ «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم» (١)، وهذا ظاهر في تسمية ولي الأمر إمامًا.
_________________
(١) مسلم (٤٩١٠)
[ ٤٧٥ ]
[المسألة الثانية]:
الأصل أنَّ ولي الأمر يجمع ما بين:
- حسن التدبير في أمور الناس العامة، في أمور دنياهم وما يُصْلِحُهُمْ وما يحفظ بيضتهم ويدفع عنهم الأعداء.
- العلم بأحكام الشريعة بما يناسب، ولا يُشْتَرَطُ فيه أن يكون الأعلم كما هو مبسوط في مكانه في كتب الفقه.
واجتمعت الصفتان في الخلفاء الراشدين الأربعة وفي معاوية ﵁ وفي عددٍ من الأئمة وولاة الأمور في التاريخ إلى الآن.
ولكن ربما لم يجتمع في ولي الأمر الصفتان فحينئِذْ يكون ما يُشْكِلُ على الناس في أمر دينهم فَمَرْجِعُهُم فيه إلى أهل العلم بالدين، وما يكون من قبيل الأمر العام للناس فإنه يكون لولي الأمر العام، وولي الأمر العام يستشير ويأخذ بقول أهل العلم فيما يرى أن يستشيرهم فيه.
وهذا المَأْخَذْ هو وجه قول من قال (إن ولاة الأمر هم الأمراء والعلماء)؛ يعني كلًاّ فيما يخصه:
- الأمراء في الأمر العام، الأمر الدنيوي وما يُصْلِحُ الناس وما به تكون حياتهم.
- والعلماء فيما يكون من أمر الدين بما يأتون وما يذرون.
وهذا ليس هو الأصل، وإنما الأصل أنَّ ولي الأمر هو من يعلم، وهو الذي جاءت فيه الآيات ﴿وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]، وكذلك ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣]، لأنَّ الأصل اجتماع الصفتين في ولي الأمر.
فإذا لم تجتمع الصفتان أُعْطِيَ ولي الأمر الذي بيده الأمر والنهي حق الإمام، وفي المسائل الدينية يُسْتَفْتَى ويُسْأَلْ أهل العلم.
ولهذا اجتنب كثير من العلماء بل أكثر العلماء والأئمة أن يُطْلِقُوا على العالم ولي الأمر؛ لأجل أن يكون هناك افتئات وخروج ولأجل أن لا يكون هناك مأخذ لمن يريد الخروج على الإمام أو ولي الأمر.
ومنهم من استعمل هذا وهذا؛ يعني أنَّ الأمور الدينية يُرجَعُ فيها إلى من يلي الأمر الديني، وهم العلماء في أمور الفتوى وفيما يأتي المرء ويذر فيما بينه وبين ربه - ﷿ -، وفي الأمور العامة فتكون لولاة الأمور.
[ ٤٧٦ ]
[المسألة الثالثة]:
الخروج على ولاة الأمور وعلى من انْعَقَدَتْ له بَيْعَةْ هو مذهب طوائف من المنتسبين إلى القبلة، منهم الخوارج والمعتزلة، وبعض شواذ قليلين من التابعين وتبع التابعين، وبعض الفقهاء المتأخرين ممن تأثروا بمذهب المعتزلة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والذي عليه الصحابة جميعًا وعامة التابعين وهكذا أئمة الإسلام من أنَّ الخروج على ولي الأمر مُحَرَّمٌ وكبيرة من الكبائر، ومن خرج على ولي الأمر فليس من الله في شيء.
والأدلة على هذا الأصل من الكتاب والسنة متعدّدة، احتجّ بها الأئمة ورأوا أنَّ من خالفها ممن تأول مِنَ السلف أنهم خالفوا فيه الدليل الواضح البَيِّنْ المتواتر تواترًا معنويًا، كما سيأتي ذكر الأدلة إن شاء الله.
فإذًا أهل السنة والجماعة لما رَأَوْا ما أحْدَثَتْهُ اجتهادات بعض الناس ممن اتُّبِعُوا فخرجوا على ولاة الأمر من بني أمية، أو خَرَجُوا على ولي الأمر، على بعض ولاة الأمر من بني العباس، أو قبل ذلك ممن خرجوا على علي ﵁؛ بل قبل ذلك على عثمان وإن لم يكونوا من المنتسبين للسنة في الجملة، ذَكَرُوا هذا في عقائدهم ودَوَّنُوهْ، وجعلوا أنَّ الخروج بدعة لمخالفته للأدلة.
وتلخيص ذلك أنَّ اجتهاد من اجتهد في مسألة الخروج على ولي الأمر المسلم كان اجتهادًا في مقابلة الأدلة الكثيرة المتواترة تواترًا معنويًا مِنْ أنَّ ولي الأمر والأمير تجب طاعته وتَحْرُمُ مخالفته إلا إذا أمر بمعصية فإنه لا طاعة لأحدٍ في معصية الله.
ومِنْ أهل العلم من قال تَوَسُّعًَا في اللفظ (الخروج على الولاة كان مذهبًا لبعض السلف قديم، ثم لما رُئِيَ أنَّهُ ما أَتَى للأمَّة إلا بالشر والفساد فأجمعت أئمة الإسلام على تحريمه وعلى الإنكار على من فعله) كما قاله الحافظ ابن حجر
* وهذا فيه تَوَسُّعْ لأنَّهُ لا يقال في مثل هذا الأمر أنه مذهب لبعض السلف، وإنما يُقَالُ إنَّ بعض السلف اجتهدوا في هذه المسائل من التابعين كما أنه يوجد مِنَ التابعين من ذهب إلى القَدَرْ والقول المنافي للسّنة في القَدَرْ، ومن ذهب إلى الإرجاء، ومن ذَهَبَ إلى إثبات أشياء لم تَثْبُتْ في النصوص، فكذلك في مسألة طاعة ولاة الأمور فربما وُجِدَ منهم الشيء الذي الدليل بخلافه، والعبرة بما دَلَّتْ عليه الأدلة لا باجتهاد من اجتهد وأخطأ في ذلك.
[ ٤٧٧ ]
[المسألة الرّابعة]:
هذا الأصل الذي قرَّرَهُ الطحاوي ﵀ دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة:
أمّا القرآن فمنه قول الله - ﷿ - ﴿مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠] ووجه الدلالة منه أنّ النّبي ﷺ قال «من يُطع الأمير فقد أطاعني ومن يعصِ الأمير فقد عصاني» (١) .
وقال الله - ﷿ - أيضا في سورة النساء ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]، قال ابن القيم ﵀ وقاله غيره أيضًا: لفظ ﴿أَطِيعُوا﴾ جاء في طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ؛ يعني الأمر بالفعل ﴿أَطِيعُوا﴾ ثُمَّ لَّما ذَكَرَ وُلَاةْ الأمور لم يُكَرِّرْ الفعل ﴿أَطِيعُوا﴾، فقال ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قالوا: وفي هذا مناسبة أنَّ طاعة ولي الأمر المسلم لا تكون إلا في غير مخالفة طاعة الله وطاعة رسوله، أما إذا كانت طاعته فيها مخالفة لطاعة الله وطاعة رسوله - ﷺ -؛ يعني أَمَرَ بمعصية فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فلم يُكَرِّرْ الفعل لأنَّ طاعة الله تجب استقلالًا؛ ولأنَّ طاعة رسوله ﷺ تجب استقلالًا، وأما طاعة ولي الأمر فإنها تجب تَبَعًَا لا استقلالًا.
لهذا الرجل الذي أمَّرَهُ النبي - ﷺ - على سرية وقال لهم «أطيعوه» فأجَّجَ نارًا وأمر الناس أن يقتحموها، فأَبَوا وقالوا: إنَّما فررنا من النار، يعني بالإيمان والإسلام، فأخبروا رسول الله - ﷺ - بذلك، فقال «أَمَا لو أنهم أطاعوه لم يخرجوا منها» (٢)؛ لأنهم أطاعوه في معصية الله - ﷿ -، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
ومن الأدلة قول الله - ﷿ - ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:٢٦] الآية، ووجه الدّلالة من الآية أنّ الله - ﷿ - أَمَرَ داوود، وفي أَمْرِهِ أَمْرْ للأنبياء أَمْرْ لمن وَلِيَ الأمر أن يحكم بين الناس بالحق وأن لا يتّبع الهوى، وهذا مقصد والوسائل لها أحكام المقاصد، فطاعة ولي الأمر فيما فيه تحقيق الحق وتكثير الخير وتقليل الشر وإبعاد الهوى، هذه لها حكم المقصد فتكون واجبة وجوب المقاصد؛ لأنها وسيلة والوسائل لها أحكام المقاصد.
ومن السنة قول النبي ﷺ «من أطاع الأمير فقد أطاعني ومن عصى الأمير فقد عصاني» (٣) .
وأيضًا ثَبَتَ عنه ﷺ أنَّهُ قالَ «على المرء السمع والطاعة فيما أحب وفيما كره إلا أن يؤمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» (٤) .
وصحَّ عنه ﷺ أيضًا أنه قال «إنما الطاعة في المعروف» (٥) يعني طاعة ولي الأمر في المعروف.
وأيضًا ثبت عنه ﷺ أنَّهُ قال «من رأى من أميره شيئا يكرهه فليَكْرَهْ ما يأتي من معصية الله ولا ينزعَنَّ يدًا من طاعة» (٦) .
وأيضًا صحَّ عنه ﷺ أنه قال «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» .
وأيضًا في الباب الحديث الذي ذكرت لكم أنه ﷺ قال «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم وتصلون عليهم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم»، ثم سئل ﷺ فقيل له: أفلا نقاتلهم؟ يعني هؤلاء الذين نُبْغِضُهُمْ ويُبْغِضُونَنَا ونلعنهم ويلعنوننا، قال «لا ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا مَنْ وَلِيَ عليه والٍ فرآه يأتي شيئًا من معصية فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعنّ يدا من طاعة» (٧) .
وأيضًا صح عنه ﷺ أنه قال «من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر» .
والأدلة على كثيرة في السنة كثيرة جدًا وأُفْرِدَتْ بالتأليف، وحَرِيٌ بطالب العلم أن يتتبعها في هذا الموضوع المهم الذي تكثر فيه الأهواء، وأصل الاتباع أن يَتَخَلَّصْ المرء من هواه، فقد كثر التأويل من القديم من عهد الصحابة، التأويل والتبرير في هذه المسائل، والواجب على المرء أن يموت على الطريقة الأولى بغير تغيير ولا تبديل.
وهذه المسائل من المسائل التي كثر فيها التغيير والتبديل إمَّا عملًا وإما اعتقادًا -ولا حول ولا قوة إلا بالله- والسنة عزيزة واتباع طريقة السلف مطلوبة، والواجب على المرء أن يُخَلِّصَ نفسه من هواها، وأن يمتثل ما دلت عليه السنة دون مخالفة.
_________________
(١) البخاري (٢٩٥٧) / مسلم (٤٨٥٢)
(٢) البخاري (٤٣٤٠) / مسلم (٤٨٧١)
(٣) مسلم (٤٨٥٩)
(٤) مسلم (٤٨٦٩) / النسائي (٤٢٠٦)
(٥) البخاري (٧١٤٥) / مسلم (٤٨٧١)
(٦) مسلم (٤٩١١)
(٧) مسلم (٤٩١٠)
[ ٤٧٨ ]
[المسألة الخامسة]:
الخروج على ولي الأمر يكون بشيئين:
- الصورة الأولى: عدم البَيْعَةْ واعتقاد وجوب الخروج عليه أو تسويغ الخروج عليه.
وهذا هو الذي كان السلف يطعنون فيمن ذهب إليه بقولهم (كان يرى السيف)؛ يعني اعتقادًا ولم يُبَايِعْ.
- الصورة الثانية: وهي المقصودة بالأصالة أنهم الذين يخرجون على الإمام بسيوفهم، يعني يَخْرُجْ على الإمام ويجتمعون في مكان ويريدون خلع الإمام وتبديله، أو إحداث فتنة بها يُقْتَلْ ولي الأمر أو يُزال أو نحو ذلك؛ يعني الخروج بالعمل عليه سعيًا في قتله أو إزالته.
فهاتان الصورتان للخروج.
والخروج على هذا:
- يكون بالاعتقاد
- ويكون بالعمل.
* أما الصورة الثالثة التي أدخلها بعض أهل العلم فيها وهي الخروج بالقول؛ لأنَّ ولي الأمر يكون الخروج عليه بالقول، فهذه لا تَنْضَبِطْ؛ لأنَّ الخروج بالقول قد يكون خروجًا وقد لا يكون خروجًا، يعني أنه قد يقول كلامًا يؤدي إلى الخروج فيكون سعيًا في الخروج، وقد يقول كلامًا هو من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يوصِلُ إلى الخروج ولا يُحْدِثُ فتنة في الناس، وهذا لا يدخل فيه.
ولهذا من أدخل من أهل العلم الخروج بالقول في صور الخروج، فإنَّ الخروج بالقول فيه تفصيل، لا يُطْلَقْ القول بأنه ليس بخروج ولا أنَّهُ خروج.
ومعاوية ﵁ قتل بعض الصحابة لما خَرَجُوا على أميرهم بالقول (١)
[] أنَّ يقول للناس شيئًا أو أنَّ الناس كرهوه فاجتمع حجر بن عدي أو عدي بن حجر مع بعض أصحابه فحصبوه، حصبوا الأمير وقالوا: لا نسمع ما تقول، فَأَرْسَلَ إلى معاوية فأمر معاوية بأن يُؤْخَذُوا وأن يُسَيَّرُوا إليه، وكانوا سبعة عشرة رجلًا منهم الصحابي هذا، فقبل أن يَصِلُوا إلى دمشق أمر بهم فَقُتِلُوا (٢)، وهذا اسْتُدِلَّ به على أنَّ فعل معاوية ﵁ مَصِيْرٌ منه إلى أنَّ الخروج يكون بالقول، وتُنَزَّلْ على هذا الأحاديث.
وهذا الاستدلال محل نظر وليس بجيد؛ بل معاوية ﵁ فعل ذلك تعزيرًا وله اجتهاده في هذا الأمر.
فإذًا نقول الذي عليه أهل العلم في تقرير العقائد أنَّ الخروج يكون في صورتين:
- الصورة الأولى: عدم البيعة واعتقاد جواز الخروج أو تسويغه أو وجوبه؛ يعني على ولي الأمر المسلم.
- والصورة الثانية: السعي باليد بالسيف بالسلاح على ولي الأمر.
أمَّا بالقول فهذه فيها تفصيل فقد تكون وقد لا تكون.
_________________
(١) انتهى الوجه الأول من الشريط الرابع والثلاثين.
(٢) انظر المستدرك (٥٩٨١)
[ ٤٧٩ ]
[المسألة السادسة]:
الخروج على الولاة والأئمة له أسباب، ولم يَخْرُجْ أحَدْ إلا وله في خروجه تأويل:
@ فالخروج على عثمان ﵁ الذي أدى إلى مقتله ﵁ وأرضاه كان بسبب التصرفات المالية لعثمان ﵁ وتوليته قَرَابَتَهُ، فَتَجَمَّع الخوارج ممن يدينون بالخروج منكرين هذا الأمر متأولين، فخرجوا عليه حتى قتلوه ﵁ وأرضاه في قصة مبكية حتى إنَّهُ ﵁ لم يُدْفَنْ إلا ليلًا وتَبِعَهُ ثلاثة أو أربعة صُلِّيَ عليه سِرًَّا، ثم أُخِذَ ليلًا على النعش بسرعة ولم يُدْفَنْ في البقيع وإنما في حائط، يعني في بستان قريب من البقيع، حتى لا يُعْرَفْ أنه دُفِنْ، حتى جاء في الرِّواية أنهم كانوا من سرعة مسيرهم به قالوا نسمع رأسه يضرب في نعشه من شدة السير به خشية أن تصل أيدي الخوارج إليه.
وهذا بسبب التأويل، التأويل في المال عندهم، يعني تَأَوَلُوا خروجهم بالرغبة في الصلاح في الأمور المالية، وكذلك في مسائل التولية ونحو ذلك.
وأجْمَعَ الصحابة رضوان الله عليهم على تصويب عثمان وعلى مُعَاداةِ هؤلاء، رضي الله عن الصحابة أجمعين وخَذَلَ من خالف سبيلهم إلى يوم الدين.
@ والسبب الثاني رُؤْيَةِ المرء ما يكره: في نفسه أو في بلده أو في مجتمعه بعامة، ما يكرَهُهُ دينًا أو ما يكرَهُهُ دُنْيًَا.
وهذا السّبب في رؤية المرء ما يكرهه قد يكون معه عدم صبر فيُؤَدِيهِ إلى الانتصار مُتَأوّلًَا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيكون آخذًا بالخروج أو خارجًا فعلًا.
وهذه المسألة وهي مسألة رؤية ما يكره المرء في الدين أو في الدنيا أعْظَمُهَا ما حَصَلَ في عهد الإمام أحمد ﵁ حيث رأى ورأى أئمة الحديث ما يكرهون في أعظم مسألة وهي مسألة خلق القرآن؛ حيث دُعِيَ الناس إلى القول بخلق القرآن الذي هو الكفر، وأُلْزِمُوا بذلك حتى وقع بعض الأئمة الكبار في الإجابة خشيَةً من بعض مسائل الدنيا.
والإمام أحمد لما قيل له بالخروج نفض يديه وقال: إياكم والدماء، وأَخَذَ بقول النبي ﷺ «من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر» .
(شيئا يكرهه) هذه عامة لأنها جاءت في سياق الشرط، وهذه تعمّ الكراهة الدينية والكراهة الدنيوية، فأَمَرَ بالصبر، والصبر معناه لزوم الطاعة وعدم الخروج.
وكذلك ما دلَّ عليه الحديث الآخر «ألا من رأى أميره يأتي شيئًا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعنَّ يدا من طاعة»، وعلى هذا كان هدي الصحابة، فابن مسعود ﵁ صَلَّى خلف أمير الكوفة من قبل عثمان ﵁، وصَلَّى وهو يشرب الخمر فصلوا معه حتى صَلَّى بهم الفجر أربعًا، ثم لما سَلَّمْ قال: أزيدكم؟ يعني هل أنا نقصت من الصلاة قالوا لازلنا معك اليوم في زيادة (١) .
والنصوص الدالة على وجوب الطاعة بالمعروف وتحريم نكث البيعة ونحو ذلك تدلُّ على عدم اعتبار هذا السبب سببًا للخروج، وهو أَنْ يَرَى ما يَكْرَهُهُ دينًا أو ما يكرهه دنيًا، إلا أن يرى كُفْرًا بواحًا عندنا فيه من الله برهان، كما جاء في الحديث قال: أفلا ننابذهم؟ أو قال: أفلا نخرج عليهم؟ قال «لا إلا أَنْ تَرَوا كُفْرًَا بُوَاحًا عندكم من الله فيه برهان» (٢) .
والعلماء في هذا الحديث لهم قولان:
القول الأول:
أنه عند رؤية الكفر البواح فإنه يَجِبُ الخروج، وإذا قالوا يَجِبْ؛ فمعناه أنَّ أخذ العدة والوسيلة فإنها تجب وجوب وسائل للمقاصد.
وهذا قول طائفة من أهل العلم متفرقين في شروحهم للأحاديث.
٢- القول الثاني:
أنَّ هذا يجوز ولا يجب؛ بل الصبر أولى إلا إذا كان تغيير هذا الولي الذي كَفَرَ ليس فيه مفسدة من سفك الدماء.
_________________
(١) سبق ذكره (٤٥٠)
(٢) البخاري (٧٠٥٦) / مسلم (٤٨٧٧)
[ ٤٨٠ ]
[المسألة السابعة]:
الأئمة وولاة الأمور طاعتهم مِنْ طاعة الله - ﷿ - ومِنْ طاعة رسوله ﷺ، فطاعة المؤمن لهم في المعروف عبادة وقُرْبَةْ؛ لأنَّ النبي ﷺ جعل طاعتهم من طاعته حِفْظًَا لبيضة هذه الأمة وجمعًا للكلمة وقوةً لها على أعدائها.
والعلماء ذكروا أنَّ تصرفات ولاة الأمور يعني من حيث التنظير تكون على أحد أنحاء:
١- الأول: أن يأمروا بالطاعة، أن يأمروا بشيءٍ فيه طاعة، يأمروا الناس بإقامة الصلاة، يأمروا الناس بإيتاء الزكاة، يأمروا الناس بأداءْ الحقِّ الشرعي بعامَّة، ينهون الناس عن المحرمات، يقيمون الحدود، يأمرون بالمعروف ينهون عن المنكر ونحو ذلك مما هو مَعْلُومٌ الأمر به أمر إيجاب أو أمر استحباب أو معلومٌ النهي عنه نهي تحريم أو كراهة في الشَّريعة.
٢- الثاني: أن يأمروا بأَمْرٍ اجتهادي لهم فيه اجتهاد، وهذا الاجتهاد إما أنْ يكون عن خلافٍ شرعي واختاروا أحد الأقوال أو أحد الرأيين أو أحد الوجهتين، أو اجتهادهم كان مبنيًا في مسائل حادثة لا يَعْلَمُ الناس لها الحُكْمْ، أو لم يُرَاد أن تُبْحَثْ مثل المسائل الدنيوية والمسائل العامة التي تجري في الناس.
٣- الثالث: أن يأمروا بمعصية الله - ﷿ -.
@ أما الأول فإن طاعتهم في ذلك واجبة بالإجماع وطاعتهم في ذلك من طاعة الله - ﷿ - وطاعة رسوله ﷺ.
@ والثاني: وهي المسائل الاجتهادية فإنَّ ولي الأمر إذا ذَهَبَ إلى أحد الأقوال في المسألة واجتهد، أو اجتهد في المسألة اجتهادًا له لا يُخَالِفُ مُجْمَعًَا عليه، فإنَّ طاعته في ذلك متعينة أيضًا إذا كان متعلقًا بالأمة بعامة.
فالمسائل الاجتهادية داخلة في عموم الأحاديث التي فيها الطاعة في المعروف؛ لأنَّ طاعة الأمير في المعروف التي جاء فيها الدليل، إنَّما الطاعة في المعروف تشمل الصورتين: الصورة الأولى والصورة الثانية لأن الاجتهاد مُعتبرٌ شرعًا.
@ والثالث: وهي أن يأمر بمعصية الله - ﷿ -، فالأمر بالمعصية قد يكون عامًا وقد يكون خاصًا، وعلى كلٍّ فلا تجوز طاعته فيما فيه معصيةٍ لله - ﷿ -؛ لأنَّهُ لا طاعة لمخلوقْ في معصية الخالق لقوله ﷺ «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحبّ وكره إلا أن يؤمر بمعصية» .
فإذًا الأدلة التي فيها الأمْرْ بطاعة ولي الأمر، أو التي فيها بيان الطاعة، إنما الطاعة في المعروف، تُفْهَمُ معًا ولا يُضْرَبُ بعضها ببعض؛ يعني أنَّ ولي الأمر يطاع إلا في المعصية:
- يُطَاع فيما فيه طاعة.
- ويطاع في المسائل الاجتهادية.
- ولا يطاع بما فيه معصية لله - ﷿ -.
[ ٤٨١ ]
[المسألة الثامنة]:
قوله في آخر الكلام (وَإِنْ جَارُوا) هذا فيه تَبْيِينْ لأَصْلِ المسألة أنَّ الطاعة لا تُتَقَيَّدْ بأنها لولي الأمر العدل؛ يعني للعادل من الأئمة أو للتقي من الأئمة أو لمن يسير في كل الشرع من ولاة الأمر؛ بل وإن كان منه جَوْرْ فإنه يُطَاع.
والجَوْرْ يكون في صورتين:
- الصورة الأولى: جورٌ في الدين.
- الصورة الثانية: جورٌ في الدنيا.
والجَورْ في الدين ضابطه أن لا يَصِلَ فيه إلى الكفر.
والجَورْ في الدنيا يطاع فيه حتى ولو أخذ مالك وضرب ظهرك، كما صح عنه ﷺ قال «أطع وإن أخذ مالك وضرب ظهرك» (١) .
ومن أهل العلم من فَرَّقَ بين ولاة العدل وولاة الجور في الطاعة، فقال:
- ولي الأمر ذو العدل يطاع مُطْلَقًَا إلا في المعصية.
- وأما ولي الأمر بالجور فإنه لا يُطَاع إلا فيما يُعْلَمُ أنه طاعة، أما إذا لم نعلم أنه طاعة قال فلا يُطَاعْ.
وهذا الكلام وإن كان منسوبًا إلى بعض كبار أهل العلم المتقدمين؛ لكنه في مقابلة النصوص، ومُخَالِفٌ لإطلاق الأئمة في هذه المسائل.
والتفريق بين إمام العدل وإمام الجور له أصلٌ من كلام الأئمة؛ لكن في غير هذه الصورة.
فهم فَرَّقُوا ما بين إمام العدل وإمام الجور في صورة الأمر بالقتل أو بالاعتداء، فإنه إذا كان يُعْلَمْ أنَّ جوره في قتل من لا يستحق القتل فإنَّهُ إذا أَمَرَ أحدًا أن يقتل فلانًا، قالوا: لا تتعين عليه الطاعة؛ لأنَّه قد يكون قَتْلُهُ ظُلْمًَا إذا لم يَسْتَبِنْ له أنه مستحقٌّ للقتل، وهذا يكون في أزمنة الفِتَنْ ونحو ذلك والعِدَاءات، يقول: أُقْتُلْ فلانًَا، ولا يسأل.
فهنا فَرَّقَ طائفة من الأئمة المتقدمين ما بين إمام العدل وإمام الجور، قالوا: إمام العدل لا يُسْأَلْ، وأما إمام العدل فَيُتَحَرَى إذا كان يُعْرَفْ أنَّهُ يسفك الدماء فإنه لا يَقْتُلُ أحدًا إلا إذا استبان له أنه مستحقٌ للقتل.
* والذي يظهر في هذه المسألة ويتعيّن الأخذ به أن يُعمَلْ بِمُطْلَقَاتْ الأدلة؛ لأنَّ المسائل إذا اشتبهت وجَبَ الرجوع -خاصة في مسائل العقيدة- وجب الرجوع إلى ظاهر الدليل، ولا يَسُوغْ لأحد مخالفة ظاهر الدليل فيما أجمع العلماء على جَعْلِهِ عقيدة، وهي مسألة الخروج على الولاة وطاعة ولاة الأمر.
فحينئِذْ دلّتْ الأدلة على ما ذكرنا من أنَّ ولي الأمر يُطاع في الطاعة ويُطَاعُ في المسائل الاجتهادية، ولا يطاع في صورة -صورة واحدة-؛ وهي أن يأمر بمعصية الله - ﷿ - فلا سَمْع ولا طاعة.
ويكون إذًا الجور ليس سببًا في الخروج -سواء كان جورًا في الدين أو كان جورًا في الدنيا-؛ بل أكثر ما يكون الخروج بسبب الجَوْرِ في الدنيا، كما ذكر ذلك ابن تيمية في منهاج أهل السنة قال: أكثر تأويل من خَرَجْ بسبب جور بعض الولاة في أمور الدنيا.
فإذًا قوله هنا (وَلَا نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَوُلَاةِ أُمُورِنَا وَإِنْ جَارُوا) يعني به أنّ عقيدة السلف الصالح أن يُسْمَعَ ويُطَاعْ ولي الأمر، ويحافظ على البيعة، ولا يخرج المرء ولا يَلْقَى الله وليس له حجة بنزع اليد من الطاعة، ومهما كان الذي رآه إذا لم يَرَ الكفر البَوَاحْ الذي فيه من الله برهان.
_________________
(١) مسلم (٤٨٩١)
[ ٤٨٢ ]