وَلَا نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَوُلَاةِ أُمُورِنَا وَإِنْ جَارُوا، وَلَا نَدْعُو عَلَيْهِمْ، وَلَا نَنْزِعُ يَدًا مِنْ طَاعَتِهِمْ، وَنَرَى طَاعَتَهُمْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ - ﷿ - فَرِيضَةً، مَا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْصِيَةٍ، وَنَدْعُو لَهُمْ بِالصَّلَاحِ وَالْمُعَافَاةِ.
_________________
(١) قال ﵀ أيضًا (وَلَا نَرَى السَّيْفَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - إِلَّا مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ السَّيْفُ) يريد بهذه الجملة أنَّ أهل الحديث والأثر والسنة والجماعة لا يعتقدون جواز الخروج على هذه الأمة وتفريق الجماعة بالسيف، وأيضا لا يرون جواز قتل أحد من هذه الأمة لغير الإمام الذي بيده الأمر. وهذا منهم اتِّبَاعًَا لما دَلَّتْ عليه الأدلة من حفظ دم المسلم وعدم جواز إراقته وأنَّ «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» (١) ونحو ذلك من الأصول، والأدلة التي سيأتي ذكر بعضها إن شاء الله. وأرادوا بذلك أيضًا مخالفة الطوائف التي استباحت دم المسلمين رأت الخروج على جماعة المسلمين بعامة بالخروج على الإمام ولي الأمر أو بجواز قتل من حكموا هم بردته أو بكفره. وهم طوائف الخوارج والمعتزلة، وطائفة ممن يُنْسَبُ إلى الفقه من أتباع المذاهب فإنَّ طائفةً من أتباع المذاهب أيضًا - وهم في الجملة منسوبون إلى السنة- تَأَثَّرُوا بمذهب الخوارج في هذا والمعتزلة ونحو ذلك فَرَأَوا جواز الخروج -كما سيأتي- ورأوا جواز قتل المعين للعامة ولا يُخصُّ ذلك بولي الأمر. فيريد من ذلك تقرير القول الحق والمنهج العام لأهل السنة الذي صاحوا به وأعلنوه وصاحوا بالمخالف فيه من أنه لا يجوز لأحدٍ أن يخرج على أحد من هذه الأمة بالسيف ولا أن تُستباح الدماء ولا دم أحد إلا ببرهان من الله - ﷿ -. وفيها مسائل:
(٢) مسلم (٦٧٠٦) / أبو داود (٤٨٨٢) الترمذي (١٩٢٧)
[ ٤٦٧ ]
[المسألة الأولى]:
قوله (وَلَا نَرَى السَّيْفَ) هذه الكلمة مصطلح شائع عند العلماء والناس في القرون الثاني والثالث والرابع، فكان يُمَيَّزْ مَنْ من يُحَبِّذْ الخروج ولو لم يدخل فيه بِفِعْلِهِ وإنما يَسْتَحْسِنُهُ لفظًا ويُؤَيِّدُ من يَفْعَلُهُ، كان يُوصم عند الأئمة بأنه كان يرى السيف، ويُوصَفْ من خالفهم ثناءً عليه بأنه كان لا يرى السيف.
وقد ضَعَّفَ الأئمة جمعًا من الرواة وقدحوا فيهم بقولهم كان يرى السيف.
والإمام أحمد حذَّرَ من عدد وكذلك سفيان وغيرهما ووكيع وجماعة كانوا يُحَذِّرُونَ من فلان؛ لأنه كان يرى السيف.
فإذًا مصطلح (لَا نَرَى السَّيْفَ) هذا يراد به أحد فئتين:
- الفئة الأولى: من يرى الخروج على الولاة بعامة، سواء أدخل في الخروج بلسانه ويده أم كان يراه عقيدة.
- الفئة الثانية: من رأى جواز قتل المعين إذا ثبت عِنده كفر منه أو ردة، ولا يكل ذلك إلى الإمام.
والسلف يُسَمُّونَ من كان على أحد هذين الوصفين يقولون (كان يرى السيف) .
وفي تهذيب التهذيب عِدَّةْ تراجم، كثير من التراجم ممن طَعَنَ فيهم الأئمة بهذا القول كان يرى السيف ونحو ذلك.
[ ٤٦٨ ]
[المسألة الثانية]:
هذه الجملة دَلَّ عليها القرآن والسنة في مواضع كثيرةٍ منها:
قوله - ﷿ - ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥]، وقوله ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١]، ومنها قوله - ﷿ - ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء:٩٢]، يعني لا يكون لمؤمن أن يتجرأ ويسفك دم مؤمن واحد إلا خطأ، أَمَّا يَتَعَمَّدْ فهذا معه لا يستحق وصف الإيمان؛ لأنه ارتكب هذه الكبيرة العظيمة التي قال الله - ﷿ - فيها بعد ذلك ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣] .
وأيضًا قول الله - ﷿ - ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾ -يعني بالقتل- ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٩]، فدَلَّ على أنَّ من تَجَرَأَ على المُقَاتَلَةْ أنه ليس من أمر الله في شيء؛ بل خَرَجَ عن أمر الله وهو شريعته ودينه الذي جاء به محمد ﷺ.
ومنها أيضًا في السنة قول النبي ﷺ «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث»، وفي اللفظ الآخر «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث النفس بالنفس والثيب الزاني والتارك لدينه المفارق للجماعة» (١)، فهذا يدل على أنَّ الأصل أنْ لا أحد يتجرأ ويسفك الدم أو يراه.
فلا يحل ذلك فِعْلًا، وكذلك لا يحل أن يُعْتَقَدَ جواز قتل مسلم باقٍ على اسم الإسلام وهو ليس من هذه الأصناف الثلاثة.
_________________
(١) البخاري (٦٨٧٨) / مسلم (٤٤٧٠)
[ ٤٦٩ ]
[المسألة الثالثة]:
قوله (إِلَّا مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ السَّيْفُ.) يعني من الأمة.
ووجوب السيف (وَجَبَ عَلَيْهِ السَّيْفُ) هذا لمن بيده السيف وهو ولي الأمر المسلم.
فولي الأمر هو الذي بيده أن يسفك الدم تحقيقًا للشرع لا بمحض الهوى، فيقتل تحقيقًا للشرع لا بمحض الهوى، ويحكم ويأمر بالقتال أو يأمر بقتل معين أو بقتال طائفة ونحو ذلك، فهو الذي بيده السيف وهو الذي له هذا الحكم.
وليس لآحاد الناس من العلماء أو من العامة هذا الأمر، يعني أن يَقْتُلُوا؛ لأنَّ السيف ليس بيدهم وإنما السيف بيد ولي الأمر الذي بيده الحَلْ والأمر والنهي وبيده الأمور في القتال وفي إقامة الحدود وأشباهها.
* وهذا يبين أنَّ المسألة التي تظهر في بعض الأمكنة وهي مسألة الاغتيالات؛ أن يُغْتَالَ من ظاهره الإسلام، أو من لم يَحْكُمْ عليه ولاة الأمر -من العلماء في الأمر الديني والحكام والأمراء في الأمر العام- من لم يحكموا عليه بأنه يقتل، فلا يحل لأحد أن يتجرأ على قتله أو على اغتياله.
والنبي ﷺ إنما أباح اغتيال كعب بن الأشرف في القصة المعروفة لمصلحة عامة ولأنه هو الإمام.
وإلا فالأصل العام بالشريعة أنَّ هذا الأمر للإمام أولًا ثُمَّ أنَّه لا يُؤَاخَذُ أحد إلا بظهور ذلك منه وحُكْمٍ شرعي عليه.
فمن ظَهَرَتْ منه زندقة أو كفر أو رِدَّةْ ولم يَحْكُمْ عليه ولي الأمر بذلك فلا يحل لأحد أن ينتهك دمه وأن يسفك دمه؛ لأنَّهُ حينئذ له حكم الزنادقة وله حكم المنافقين، والنبي ﷺ سيرته مع المنافقين ظاهرة، والصحابة ربما عَلِمُوا أنَّ فلانًا منافق ولم يتجرؤوا على قتله حتى يستأذنوا رسول الله ﷺ، واستأذنوه في قتل عدد فلم يأذن لهم، قال لهم مرة «لا، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه» وأولئك النفر الذي استهزؤوا ونزل فيهم قول الله - ﷿ - ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥-٦٦]، والقصة المعروفة في سبب نزولها ولم يَرِد أن محمدًا ﷺ قتلهم.
ولمَّا حصلت القصة المعروفة قالوا له يا رسول الله: أنقتل هؤلاء؟
قال «لا، لا يُتحَدَّثْ أن محمدا يقتل أصحابه» (١) .
وكانوا يستأذنونه، فقال عمر لمَّا حَصَلَ من حاطب ﵃ ما حصل قال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، وهذا استئذان من النبي ﷺ.
فإذًا القاعدة الماضية والتي دلَّتْ عليها الأدلة وسيرة النبي ﷺ وسيرة الصحابة، وكذلك ما قَرَّرَهُ الأئمة من أنَّ الحكم بقتل أحد أو تنفيذ ذلك ليس إلا لولي الأمر، وهذا فيه من المصالح العظيمة وتحقيق المقاصد الشرعية ما يجب معه الاعتناء بهذا الأصل، وأن لا يَدْخُلُ أحد من المسلمين في هذه التبعة العظيمة بقولٍ أو بفعل.
ولهذا جاء في الحديث وفي إسناده بحث لكن حسَّنَهُ عدد من أهل العلم رواه ابن ماجه وغيره «من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة لم يرح رائحة الجنة أو كان من أهل النار (٢)» وهذا فيه الإعانة على قتل مسلم بشطر كلمة، فكيف من يتكلم بلسانه ويُعين على قتل مسلم أو يُفتي بذلك، وهو ليس من ولاة الأمر من العلماء أو القضاة أو ممن جُعِلَ لهم ذلك.
فالواجب في هذا الأمر رعاية هذا الأصل العظيم، والسلامة في هذا الأصل، ولا يَتَجَرأَ أحد على هذا المقام؛ لأنَّ الأصل حُرْمَةْ دم من أَظْهَرَ الإسلام، ومن حصل منه ردة أو عُلِمَتْ منه زندقة أو نفاق فيوكل إلى ولي الأمر، ولا يجوز لآحاد الناس منهم أن يفتئتوا على ولي الأمر وأن يقْتُلُوا، ولو جاز ذلك لتسابق الصحابة رضوان الله عليهم على قتل المنافقين الذين علموا نفاقهم؛ بل لَقَتَلَهُم الرسول ﷺ.
والمسألة منوطة بالمصلحة وبإذن الإمام سواءٌ من القتل الابتدائي ممن عُلِمَ نفاقه أو رِدَّتُهُ أو زندقته، أو في الاغتيال الذي فيه قتل دون رجوع إلى الإمام.
نكتفي بهذا القدر، ونقف عند قوله (وَلَا نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَوُلَاةِ أُمُورِنَا وَإِنْ جَارُوا) .
_________________
(١) البخاري (٣٥١٨) / مسلم (٦٧٤٨)
(٢) ابن ماجه (٢٦٢٠)
[ ٤٧٠ ]