: [[الشريط الخمسون]]:
وَلَا نُصَدِّقُ كَاهِنًا وَلَا عَرَّافُا، وَلَا مَنْ يَدَّعِي شَيْئًا يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَإِجْمَاعَ الْأُمَّةِ.
وَنَرَى الجَمَاعَةَ حَقًّا وَصَوَابًا، والفُرْقَةَ زَيْغًا وَعَذَابًا.
_________________
(١) مرّت معنا عدة مسائل تتعلق بالجملة الأولى وهي قوله (وَلَا نُصَدِّقُ كَاهِنًا وَلَا عَرَّافُا) . وفي قوله (وَلَا مَنْ يَدَّعِي شَيْئًا يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَإِجْمَاعَ الْأُمَّةِ) مسائل أيضًا:
[ ٧١٠ ]
[المسألة الأولى]:
أنَّ مخالفة الكتاب والسنة وإجماع الأمة، هذه مذمومة وضلال وقد تصل بصاحبها إلى الكفر في باب الاعتقاد أو في باب العمليات أو في أبواب السلوك.
والواقع يدلُّ على أنَّ طائفةً ممن ادَّعوا الصلاح والسُّلوك والزُّهد والعبادة، ادَّعوا أشياء تحصل لهم، إمَّا بالإلهام أو بخبر الغيب أو بأحوال لم يدلَّ عليها الكتاب والسنة وأجمعت الأمة على خلافها.
وهذا كثير فيمن يَدَّعُون التَّصَوُف ممن كانوا في زمن الطحاوي وما قبله.
والطحاوي ﵀ قرن -فيما ترى- ما بين تصديق الكُهَّانِ والعَرَّافِين وما بين ادِّعَاءِ أشياء تخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة؛ لأنَّ الناس قد يظهرُ لهم في موضوع الغيب عدم تصديق الكاهن والعرَّاف لأنَّ الكاهن والعرَّاف حالهما معروف والناس يحذرون من أهل الكهانة لا سيما في الأوقات القريبة من السنة أو التي تظهر فيها ألوية السنة، فيكرهون الكِهَانَةْ والعِرَافَةْ ويكرهون الكاهن والعَرَّاف لأنهم من أولياء وإخوان الشياطين.
لكن مسألة الصالحين والأولياء ومن يُظْهِرْ الصلاح فإنَّ هذه قد تشتبه كما هو الواقع في كثيرٍ من أحوال المسلمين الماضية والحاضرة، لهذا قرن بينهما؛ لأنَّ مسألة الكاهن والعَرَّافْ ظاهرة؛ لكن أيضًا لا نُصَدِّقُ من يَدَّعي شيئًا يخالف الكتاب والسنة وإجماع ممن ظاهره الصلاح ويدَّعي أحوالًا أو العلم بأمور الغيب.
[ ٧١١ ]
[المسألة الثانية]:
الذين نُسِبوا إلى الوَلَاية -بفتح الواو- وعُدُّوا من الأولياء وأهل الزَّهَادَةْ فئات مختلفة متنوعة:
- منهم الغلاة الذين زعموا أنهم يُوحَى إليهم.
- ومنهم من هم دونهم ممن يزعمون أنهم يُلهَمون ويُخبَرونَ بالغيب.
- ومنهم -وهم دونهم- من يزعمون أنهم على قُدْرَةٍ في تغيير الأحوال والعلم بالضمائر وأنهم يُحَدَّثُونَ بما أحدثه الناس بعدهم؛ يعني فيما مضى والذين قبلهم فيما سيأتي.
ولا شك أنَّ طريقة السلف في الزهد والعبادة هي التي أجمعت عليها الأمة، وهي أَنَّهُم يَتَعَبَّدُونَ ويَتَزَهَّدُون، ويرجون الله - ﷿ - ولا يَدَّعُونَ شيئًا من أحوال الكُهَّانْ والعَرَّافين ولا إخبار بالغيب ولا الأحوال الشيطانية المختلفة التي تُسَمَّى الكرامات عند بعضهم.
[ ٧١٢ ]
[المسألة الثالثة]:
الواجب على كل مسلم أن يعتقد أنَّ علم الغيب مختصٌ بالله - ﷿ -، وأنه قد يُعْطِي بعض علم الغيب لرسولٍ.
والرسول هو الذي جاء في قوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن:٢٦-٢٨]، فالذي اِسْتُثْنِي هو الرسول.
والرسول نوعان:
- رسول ملكي، نِسْبَةْ إلى الملائكة.
- ورسول بشري.
وهؤلاء يُسْتَثْنَونَ فيما أراد الله - ﷿ - أن يُعْلِمَهُم إياه من أمور الغيب، لحكمته - ﷿ - ولكمال علمه وقدرته.
أما من ليس برسول فلا يُكْشَفُ له الغيب، لكن قد يكون لبعضهم كرامة، ليست من باب كشف الغيب المستقبلي، ولكن هي من باب الكشف العلمي الذي سبق أن ذَكَرنَاهُ لكم في نحو قصة عمر ﵁ مع سارية حيث قال له (يا سارية الجبل الجبل) يعني الزم الجبل.
فصار بالنسبة إلى عمر كشف علمي، ليس علمًا للغيب المستقبلي، كشف علمي أو بصري، فرأى الجبل ورأى سارية.
وبالنسبة إلى سارية أيضًا سَمِعَ كلام عمر فصار بالنسبة له كشف سمعي، وهذا من جهة الكرامة، وقد أوضحنا لك ذلك في قوله (وَنُؤْمِنُ بِمَا جَاءَ مِنْ كَرَامَاتِهِمْ، وَصَحَّ عَنِ الثِّقَاتِ مِنْ رِوَايَاتِهِمْ) فيما مضى.
[ ٧١٣ ]
[المسألة الرابعة]:
ذكر لك الشارح هنا -ابن أبي العز ﵀- أحوالًا متنوعة فيمن ادَّعَى أشياء مخالفة للكتاب والسنة وإجماع الأمة ترجع إليه فيها.
وننبه زيادة على ذلك من أنَّ طائفة - أظنه ذكرها في هذا الموضع- أسْمَتْ نفسها بـ: (الطائفة المَلَامَكِيَّةْ) أو (الملامِيَّةْ) وهذه الطائفة من الصوفية نشأت في أواخر القرن الثامن الهجري تَزَعَّمَهَا طائفة من الزُّهَادْ والعُبَّادْ الذين أرادوا تصفية النفوس وتحقيق الإخلاص، فصاروا يُظْهِرُونَ حالًا خلاف ما هم عليه، يُظهرون المعصية، يُظْهِرونَ خلاف الطاعة، يُظْهِرونَ التفريق في الواجبات، لأجل أن يذمهم الناس وهم في الحقيقة في داخلهم ليسوا على هذا الأمر ويكرهونه وهم من أهل العبادة والزهد.
فأرادوا الإخلاص عن هذا الطريق، وهذه لا شك حال تخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة في أنَّ العبد المُكَلَّفْ يجب عليه أن يستقيم على الطاعة وأن يُحَقِّقَ الإخلاص كما أمره الله - ﷿ - في حاله ظاهرًا وباطنًا.
فإذن هذه الجملة (وَلَا مَنْ يَدَّعِي شَيْئًا يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَإِجْمَاعَ الْأُمَّةِ) تدلُّ على عدم تصديق كل من ادَّعَى الوَلَاية وهو يَدَّعِي شيئًا من علم الغيب أو يَدَّعِي شيئًا من المقامات العلية أو من الوحي أو من الإلهام مما يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
[ ٧١٤ ]