_________________
(١) هذه الجملة منه في عقيدته يريد بها تقرير أصلٍ من أصول أهل السنة والجماعة؛ وهو أنهم لا يُصَدِّقُونَ من يَدَّعِي شيئًا من علم الغيب أو يَدَّعِي حالًا مخالفةً لما دل عليه القرآن وسنة النبي ﷺ وما أجمعت عليه الأمة في صدرها الأول. وسبب إيرادها في العقيدة أنَّ زَمَنَهُ كَثُرَ فيه من ينتسب إلى الأولياء ويكون له أحوال شيطانية ويكون له هَدْيْ يخالف به ما يجب على الأولياء من طاعة الله ورسوله ومعاداة الشياطين، وربما كان منهم من يَدَّعِي بعض علم الغيب فيكون كاهنًا، أو يُخبِرَ ببعض المُغَيَّبَاتِ فيكون عرَّافًا، أو يكون على حال لم يكن عليها السلف ولا ما أجمعت عليه الأمة فيكون مُدَّعِيًَا لشيءٍ يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة. وهذا كما أَنَّهُ كان في الدجالين كذلك كان في السحرة والكهنة حقيقةً، وكذلك في بعض من ينتسب إلى الصلاح والطاعة ظاهرًا وهو في الباطن من إخوان الشياطين ومُوَاليهم. وما ذكره ظاهر الدليل من كتاب الله - ﷿ - ومن سنة رسوله ﷺ. ونذكر تحت هذه الجملة مسائل:
[ ٧٠١ ]
[المسألة الأولى]:
الله - ﷻ - هو المختص بعلم الغيب فلا يعْلَمُ أحدٌ الغيب، بل الله - ﷿ - هو الواحد الأحد وهو العالم بغيب السماوات والأرض وما فيهن ومن فيهن، قال - ﷿ - ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ﴾ [الأنعام:٥٩]، وقال - ﷿ - في سورة النمل ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥]، وقال - ﷿ - ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن:٢٦-٢٨]، الآية وكذلك في قوله - ﷿ - ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤]، فدَلَّتْ هذه الآيات أنَّ علم الغيب مختصٌ بالله - ﷿ -، والمقصود به علم الغيب المُسْتَقْبَلْ؛ يعني ما سيكون في الأرض أو في السماء هذا لا يعلمه على اليقين والحقيقة إلا الله - ﷿ -، وإنما الناس يَخْرُصونَ في ذلك فواجبٌ اعتقاد أنَّ الله - ﷿ - يعلم الغيب وحده - ﷻ - وتقدست أسماؤه.
ومن ادَّعَى شيئًا من علم الغيب فإنما هو من الشياطين أو من إخوان الشياطين كما قال - ﷿ - ﴿وَيَوْمَ نحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا﴾ [الأنعام:١٢٨]، فذكر أَنَّ الجني يستمتع بالإنسي بعبادته له وتقرُّبِهِ له، وأنَّ الإنس يستمتع بالجني بما يخبره من المُغَيَّبَاتْ وما يكون.
هذا دلَّتْ عليه أيضًا عدد من الأحاديث عن النبي ﷺ، وكانت الكهانة وهي ادِّعَاء ما يُسْتَقْبَلْ من الأمور من الغيبيات، أو العِرَافَةْ -سيأتي تفسيرها- كانت من الأمور الشائعة في زمنه ﷺ وقبل ذلك من أمور الجاهلية.
وقد روى مسلمٌ في الصحيح (أنَّ معاوية بن الحكم السُّلَمِي أتى النبي ﷺ وقال له إنَّ رجالًا يَتَكَهَّنُونَ فنهاه النبي ﷺ عن ذلك) (١)، وقد جاء أيضًا في الحديث (ليس منَّا من تَكَهَّنَ أو تُكُهِّنَ له) (٢)، وسيأتي باقي الأحاديث في الكهانة.
وسبب ادِّعاءْ علم الغيب في الناس من قبيل الكُّهَانْ أو العَرَّافِين أو المُنَجِّمِين أو من شابههم هو أنَّ الشياطين تُمِدُّهُم بالمعلومات.
والشياطين قد تُمِدُّهُم بمعلوماتٍ كاذبة، وقد تُمِدُّهُم بمعلومات فيها صدق، وقد يكذب الكاهن أو العراف أو المنجم مع ما أَتَاهُ من المعلومات مائة كذبة أو أكثر.
وما يَصْدُقُونَ فيه من الإخبار بالمعلومات سببه أنَّ الله - ﷿ - إذا أوحى بالأمر في السماء وأَمَرَ ملائكته به مما يُنْفِذُهُ في خلقه -لأنَّ الملائكة مُنَفِّذُونَ لأوامر الله - ﷿ -- فإنَّ الشياطين أعطاهم الله - ﷿ - القدرة على الاستماع وعلى الصعود وأن يَعْلُوَ بعضهم بعضًا فيما أَقْدَرَهُمْ الله عليه.
فربما استمعوا إلى بعض ما يوحيه الله - ﷿ - لملائكته وما يُلْقيه الملائكة بعضُهُمْ إلى بعض.
ولأجل هذا مُلِئَتْ السماء بالشهب وحُرِسَتْ بالنجوم التي تقتل من يسترق السمع، كما قال - ﷿ - ﴿إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ﴾ [الحجر:١٨]، وقال - ﷿ - ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات:١٠] وقال - ﷿ - ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم:١] في بعض التفاسير.
فجعل الله - ﷿ - في السماء رُجُومًَا للشياطين وهي هذه الشهب.
وإذا كان كذلك فإن مَلْءْ السماء بالشُهُبْ واستراق السمع له تفصيل سيأتي إن شاء الله تعالى في مسألةٍ لاحقة.
_________________
(١) مسلم (٥٩٤٩)
(٢) المعجم الكبير (٣٥٥)
[ ٧٠٢ ]
[المسألة الثانية]:
قال (وَلَا نُصَدِّقُ كَاهِنًا وَلَا عَرَّافُا) العلماء اختلفوا في معنى الكاهن والعَرَّافْ وتفسير هذا وهذا على عدة أقوال.
وظاهر صنيع المؤلف الطحاوي ﵀ أنَّهُ يُفَرِّقُ بين العَرَّافْ وبين الكاهن.
وسبب التفريق أنَّ الأحاديث جاء فيها ذِكْرُ الكاهن مفردًا والعَرَّافْ مُفْرَدًا، وجاء فيها ذِكْرُ الكاهن والعرَّافْ مَجْمُوعَينِ مما يَدُلُّ على الفرق بينهما.
لهذا إذا نظرت إلى أصل اللغة فإنَّ كلمة تَكَهَّنَ وكاهِنْ غير كلمة تَعَرَّفَ وعارِفَ وصيغة المبالغة عَرَّافْ.
لأنَّ التَكَهُّنْ هو رَجْمُ الإنسان بالغيب فيما لا يعلم، يعني أنَّهُ يستقبل ما سيأتي بما لا علم له به.
ويدخل في ذلك عموم الظن؛ لكن الظن ليس معه ادِّعاءْ لعلم الغيب، وأما التَّكَهُّنْ فصار فيه ظَنٌّ هو في الأصل يعني في اللغة وظَنٌ فيما سيحصل مُسْتَقْبَلًَا.
لهذا يجوز لغَةً أنْ يقول القائل تَكَهَّنْتُ أَنُّهُ سيكونُ كذا وكذا على اعتبار يعني في المستقبل أنَّهُ يظن أنَّه سيكون كذا وكذا.
ثم شاع هذا الاسم فيمن يَدَّعُونَ علم الغيب بواسطة الشياطين، فصار لَقَبًَا واسْمًَا على طائفةٍ مخصوصة وهم الذين يَتَوَلَّونَ هذه الصَّنْعَةْ ويُخْبِرُونَ الناس عمّا سيكونُ من أحوالهم فيما يستقبلون من الزّمان.
فإذًا صار الكاهن كما عَرَّفَهُ بعض العلماء على هذا الاعتبار هو من يقضي ويُخْبِرُ بالمُغَيَّبات.
وأما لفظ العَرَّافْ فهو في اللغة أَصْلُهُ من عَرَفَ أو تَعَرَّفَ يَتَعَرَّفُ فهو مُتَعَرَّفٌ أو عَرَّافْ.
فهو الذي يُعَرِّفُ بأمورٍ غيبية يَعْرِفُهَا فَيُخْبِرُ بها.
وهذا يشمل الأمور الغيبية في الزمان الماضي مما حدث أو مما سيكون؛ لأنَّ المعرفة والتَّعَرُّفْ تشمل الماضي والمستقبل.
لكن خُصَّ في بعض الاستعمالات بأنَّهُ من يُخْبِرُ عن الأمور التي حصلت وانتهت مما خَفِيَ عن الناس كالإخبار عن مكان المسروق أو الضَّالَةْ أو عن شيءٍ أَضَاعَهُ الإنسان أو عن شيءٍ حصل وخَفِيَ عن الناس ونحو ذلك من المسائل.
إذا نظرت إلى هذا الأصل اللغوي وارتباط ذلك بحال أهل الجاهلية، فالعلماء اختلفوا في ذلك على أقوال:
١ - القول الأول:
أنَّ الكاهن: هو القاضي بالغيب، وهو الذي يُخْبِرُ عن أمورٍ مُسْتَقْبَلَةٍ من الغيب مستعينًا في ذلك بالشياطين.
والعراف: هو الذي يُخْبِرُ عما خَفِيَ مما حَدَثَ وغاب عن الناس بالاستعانة أيضًا بالشياطين.
٢ - القول الثاني:
أنَّ الكاهن يَعُمُّ الجميع، فالعراف أخص، والكاهن يدخل فيه من يُخْبِرُ باُمورٍ مُسْتَقْبَلَة أو ماضية غابت عن الناس، أو التنجيم أو نحو ذلك، فيجعلون:
الكاهن: اسمًا عامًا لكل من يَدَّعِي شيئًا من علم الغيب، فيدخل في صور كثير من الضرب بالرمل ومن الوَدَعْ ومن الخشب والاستقسام بالأزلام، خشبة (آبا جاد) والطرق بالحصى ونثر السُّبَح، والخط في الرمل ونحو ذلك مما هو شائعٌ عندهم، وأدْخَلَ فيها طائفة من المعاصرين -كما سيأتي بيانه- التنويم المغناطيسي وما يجري مجراه.
والعراف أخص من هذا فيكون مخصوصًا باسْمٍ، والاسم العام الكاهن.
هذا القول الثاني هو المشهور عند أهل العلم والأكثر عليه.
٣ - القول الثالث:
أنَّ العراف أشمل والكاهن أخص منه.
لأنَّ الكاهن مخصوص بالعلم المسْتَقْبَلِي عل حسب قولهم.
والعراف لكل من يدَّعي شيئًا من علم الغيب.
وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية كما نقله عنه شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد.
* والراجح من هذه الثلاثة أنَّ الكاهن اسم غير اسم العَرَّافْ.
فالكهانة لها صفتها وأحكامها، والعَرَّاف له صفته وأحكامه على نحو ما ذكرنا في القول الأول.
[ ٧٠٣ ]
[المسألة الثالثة]:
دَلَّتْ الأدلة في سنة النبي ﷺ على أنَّ تصديق الكاهن أو العراف محرَمٌ بل كفر، وعلى أنَّ إتيان الكهنة والعرافين فيها إثمٌ كبير.
فمن ذلك ما رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث حفصة -ولم يسمها مسلم-؛ بل قال عن بعض أزواج النبي ﷺ وهي حفصة أم المؤمنين أنَّ النبي ﷺ قال «من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» (١) .
وجاء في سنن أبي داوود حديث أبي هريرة أنَّ النبي ﷺ قال «من أتى كاهنا فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ» (٢) .
وفي مسند الإمام أحمد أيضًا من حديث أبي هريرة أنَّ النبي ﷺ قال «من أتى كاهنًا أو عرافًا فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» (٣) . وإسناده صحيح.
فَدَلَّت هذه الأحاديث على أنَّ:
- إتيان الكاهن أو العراف منهي عنه.
- وأنَّ سؤاله كبيرة من كبائر الذنوب إثمها عظيم يَتَرتَبْ عليها أن لا تقبل للمرء صلاة أربعين ليلة من عِظَمِ الإثم.
- وأنه إن سَأَلَ فَصَدَّقْ فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ.
إذا تبين ذلك فقوله ﷺ «من أتى عرافا فسأله عن شيء» هذا فيه عموم، (سأله عن شيء) يعني عن أي شيء سواءٌ أكَانَ فيما مضى عن ضالة أو عن شيءٍ مفقود أو عن شيءٍ في المستقبل فإنه لا تُقْبَلُ له صلاة أربعين ليلة.
وسبب ذلك أنَّ العراف لا يستدل على ما غاب بأمورٍ ظاهرة أو بتجربة أو بأسبابٍ معلومة، وإنما يستعين بالجن، والاستعانة بالجن شرك لأنَّ الجن لا يُعينون الإنسان إلا إذا تَقَرَّبَ إليهم وأعطى بعض العبادة لهم ومَكَّنَهُم ليستمتعوا به، كما قال - ﷿ - ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦]، يعني زاد الجنيُّ الإنسيَّ رهقًا وإثمًا وبلاءً.
«لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» اختلف العلماء هنا هل عدم القبول يعني الإجزاء ولكنه لا يثاب؟ أم أنها لا تقبل بمعنى أنها لا تُجْزِئُهُ لو صَلَّى ولكن يجب عليه أن يفعلها -يعني أن يقيمها-، وأنه لا يثاب عليها لأنها لم تُقْبَلْ منه؟
وهذا في نظائره في تفسيره (عدم القبول) هل عدم القبول يعني عدم الإجزاء أو عدم الثواب؟
والظاهر هنا أنَّ عدم القبول بمعنى عدم الثواب؛ لكنه إذا أَدَّاهَا سقط عنه الفرض، لإجماع الأمة أَنَّهُ لا يجب عليه أن يعيدها بعد اقتضاء الأربعين ليلة.
وأما تصديق الكاهن أو العراف -يعني إذا سَأَلَ كاهنًا فَصَدَّقَه- فما في الحديث ظاهر وهو أنه قال «فقد كفر بما أنزل على محمد» هذا في حال السائل المُصَدِّقْ فكيف بحال الكاهن نفسه؟؟
يعني تُوُعِّدَ السائل الذي يسأل ويُصَدِّق أَنَّهُ قد كفر فكيف بالكاهن أو بالعراف؟
لهذا هنا مسألتان:
١ - المسألة الأولى: في حكم الكاهن أو العراف؟
والصحيح أنهم إذا استعانوا بالشياطين في ذلك، يعني لم يكونوا دجَّالين وإنما فعلًا يُخْبِرُونَ عن اسْتِعَانَةٍ بالشياطين فإنَّ هذا كفر، ويجب استتابتهم إنْ تابوا وإلا قُتِلُوا عند كثير من أهل العلم، على تفصيلٍ مَرَّ معنا في حكم الزنديق وأمثاله.
٢ - المسألة الثانية: في حال السائل؟
قال ﷺ «فقد كفر بما أنزل على محمد» وهنا الكفر هل هو كفرٌ أكبر مخرج من الملة أم كفرٌ أصغر دون كفر؟ أم يُتَوَقَّفْ فيه فلا يُقَالُ كفرٌ أكبر ولا كفرٌ أصغر لعدم الدليل على ذلك؟
ثلاثة أقوال لأهل العلم:
@ من أهل العلم من المعاصرين وممن قبلهم من قال أنه كفرٌ أكبر لظاهر قوله «فقد كفر»، ويُفْتِي به عدد من مشايخنا هنا.
@ ومن أهل العلم من يقول هو كفرٌ دون كفر، وهذا أظهر من حيث الدليل لأمرين:
& الأمر الأول: أنَّ النبي ﷺ كما في رواية أحمد قال «من أتى كاهنا أو عرافا فسأله عن شيء فَصَدَّقَهْ لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» فرتَّبَ عدم قبول الصلاة على السؤال والتصديق معًا ولو كان السائل الذي صَدَّقَ كافرًا فإنه لا تقبل صلاة حتى يتوب دون تحديدٍ لمدةٍ معلومة.
& الأمر الثاني: أنَّ الناس يُصَدِّقُونَ العراف والكاهن لا على اعتبار أنهم يَدَّعُونَ علم الغيب وأنهم ينفُذُونَ على علم الغيب بأنفسهم؛ ولكن يقولون: هذا -يعني ربما قالوا- هذا ممن اخْتَرَقَتْهُ الشياطين.
فيكون لهم شبهة في ما يُصَدِّقُونَ به، وهذه الشبهة تمنع من أن يعتقدوا فيهم أنهم يعلمون علم الغيب مطلقًا.
وهذا يكثر في حال من يُصَدِّقْ من ينتسبون إلى الصلاح أو يظهر عليهم الوَلَايَةْ والصلاح ويُخْبِرُونَ بالمغيبات، والناس يصدقونهم على اعتبار أنهم يُحَدَّثُونَ بذلك، ولهم في ذلك -كما ذكرنا- شبهة وهذه تمنع من إخراجهم من الملة والكفر الأكبر.
_________________
(١) مسلم (٥٩٥٧)
(٢) أبو داود (٣٩٠٤) / الترمذي (١٣٥) / ابن ماجه (٦٣٩)
(٣) المسند (٢٣٢٧٠)
[ ٧٠٤ ]
ولهذا صار الصحيح هو القول بأنَّ تصديق الكاهن يعني في الخبر المُغَيَّبْ بخصوصه، يعني (من أتى فسأل فصدق) بالخبر بعينه أنَّ هذا كفر دون كفر لا يُخْرِجُ من الملة؛ لكن يجب معه التعزير البليغ والردع حتى ينتهي عمَّا سَمَّاهُ النبي ﷺ كفرًا.
@ القول الثالث وهو رواية عن الإمام أحمد أنَّه يُتَوَقَّف فيه، فلا يقال هو كفر أكبر ولا أصغر لأنَّ الحديث أطلق ثم لبقاء الردع في الناس والتخويف في هذا الباب.
[ ٧٠٥ ]
[المسألة الرابعة]:
الشبهة التي ذكرنا من اسْتِرَاقْ السمع هي التي جاءت فيها الآيات أنَّ الشهاب يُرْسَلُ على الشيطان أو على الشياطين الذين يسترقون السمع.
واستراق السمع له ثلاثة أزمنة:
١- الزمن الأول: ما كان قبل البعثة، قبل أن يُوحَى إلى محمد ﷺ، يعني في حال أهل الجاهلية، وهذا كان استراق السمع كثيرًا لحكمةٍ لله - ﷿ - في ذلك،، ولذلك كان ما يُخْبِرُ به الكُّهَان ويصدقهم الناس فيه كثيرًا.
٢- الزمن الثاني: بعد أن أُوحِيَ إلى النبي ﷺ فإنَّ السماء مَلَأَهَا الله - ﷿ - حرسًا شديدًا وشُهُبًَا، كما قال - ﷿ - في سورة الجن مخبرا عن قول الجن في صدر السورة ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن:١] إلى أنْ قال ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ [الجن:٨] فَدَلَّ على أَنَّهَا مُلِئَتْ، ولم يَعْهَدُوا ذلك من قبل؛ يعني أنَّ الله - ﷿ - جَعَلَهَا محروسةً لأجل وقت تَنَزُّلِ وحيه على رسوله محمد ﷺ حكمةً منه، وإلا فالله سبحانه قادر على أن لا يأذن بشيء من استراق السمع لكن لله - ﷿ - الحكمة والابتلاء لعباده.
فمُنِعُوا من الاستماع، ومُنِعُوا من استراق السمع وبَقِيَ ما ينفذ القليل جدًا بالنسبة إلى ما سبق.
٣- الزمن الثالث: هو ما بعد عهد النبي ﷺ، فإنَّ ظاهر الأدلة يدلُّ على أَنَّها لم تَخْلُ بعد ذلك من الشهب ومن حراستها في ذلك لئلا يَدَّعِّيَ أحدٌ النبوة وتكثر الشبهة معه فيما يخبِرُ بالمغيبات ممن يدَّعِي النبوة.
وإذا كان الأمر كذلك في هذه الأحوال الثلاثة فإنَّ ادِّعاء علم الغيب كفر:
- إما لتَهَجُّمِهِ على ما يختص الله - ﷿ - به.
- أو لأَنَّهُ لا يدَّعِي علم الغيب إلا من يستعين بالجن ويتقرب إليهم.
وأما الذي يُصَدِّقُ من يَدَّعِي علم الغيب في بعض الأحوال مثل ما ذكرنا هذه لها تفاصيل ذلك.
والواجب أن يُعْتَقَدَ أَنَّ الغيب كما قدَّمْتُ لك في أول المسائل مختصٌ بالله - ﷿ - ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ هذا يعمّ لأنَّ أحدًا نكرة في سياق النفي، فتعم كل أحد، ثم استثنى الله - ﷿ - فقال ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن:٢٦-٢٨] فاستثنى الله - ﷿ - الرسول الملكي والرسول البشري فيما يُطْلِعُهُم عليه من علم الغيب لدليل صدقهم أو لحكمةٍ لله - ﷿ - في ذلك.
[ ٧٠٦ ]
[المسألة الخامسة]:
الكِهَانَة والعِرَافَة متنوعة الصور.
ففي الزمن الأول كان لها صور متعددة مثل: الضرب بالحصى، ومثل الخط، هذه لو كانت توجد لَوْحَة لَبَيَّنْتُ لكم كيف يضربون بالحصى وكيف يَخُطُّونْ ويَصِلُون إلى النتيجة بزعمهم ويَتَّضِحْ لك أَنَّهُ دَجَلْ؛ لأنَّهُ لا دليل منطقي ولا سبب كوني ولا شرعي يَدُلُّ على النتيجة التي يَدَّعُونَها.
لكن يُدَجِّلْ على الناس بأن يجعل شيئًا لا يفهمه الناس يَدَّعِي الكاهن أو العَرَّاف أو الضارب بالحصى والرمل إلى آخره يَدَّعِي أنها تَدُلُّهُ على المعلومة، وهو في الحقيقة لا يستدل عليها بالخط ولا يستدل عليها بالخشبة التي يكتب عليها، ولا يستدل عليها بالحصى وإنما هي من الشياطين.
وهذه الأشياء، الصور المختلفة منها ما هو قديم ومنها ما هو حديث في أنحاء شتى لكن كُلُّهَا يُظْهِرُونَ أَنَّهَا سبب وليست بسبب.
وبخصوص الخط فإنهم يَدَّعُون دَجَلًا وكَذِبًَا أَنَّ هذا من عِلْمِ الله لبعض أنبيائه.
وهذا قد يَذْكُرُ عليه بعضهم قول النبي ﷺ لما سُئِلَ عن الخط كما رواه مسلم في الصحيح قال «كان نَبِيٌّ يَخُطْ فمن وافق خطه فذاك» (١) يعني أَنَّ أصل الخط آية لنبيٍ من الأنبياء، عَلَّمَهُ الله - ﷿ - نبيًا من الأنبياء ليكون دِلالَةً على ما يُعَلِّمُهُ الله - ﷿ -، وبقي في الناس لكن لا يوافقون آية النبي؛ لأنَّ آية النبي لا يستطيع أحد أن يفعلها؛ لأنها آية مُخْتَصَّة به، ولو كانت آية نبي تكون لكل أحد لما خُصَّ النبي بالآية.
لهذا كان قال «كان نبي يخط» ثم قال «فمن وافق خطه فذاك» .
قوله «فمن وافق خطه فذاك» هذا من الإحالة على مستحيل؛ يعني أنَّ أَحَدًَا من هؤلاء الذين يَخُطُّونْ والكهنة والعرافين ومن نحا نحوهم لا يمكن لأحدٍ أن يقول هكذا خَطَّ ذاك النبي أو أَنَّ هذه آية من جنس آية ذاك النبي [] الكهنة والذين يَخُطُّونْ ويَدَّعُون علم الغيب من أنَّ الخط كان عند الأنبياء فَيُرَدُّ عليهم بهاتين الجهتين:
- الأول: أنَّهُ آية وآية النبي لا يمكن لأحدٍ أن يدركها.
- الثاني: أَنَّ النبي ﷺ أحَالَ على مستحيلٍ قال «فمن وافق خطه فذاك»، وهذا لا يمكن لأحد أنْ يُدْرِكَهْ.
لهذا الخط في الرمل والضرب بالحصى والخشب وأنواع ذلك هذه من الصور القديمة وهي موجودة الآن في بعض البلاد، وهي كلها من وسائل الكُهَّان ومن نَحَا نحوهم.
ومن الصور الحديثة التي اختلف فيها العلماء، هل تدخل من الكهانة أم لا تدخل؟، وهل هي من استخدم الجن وعلم الغيب أم لا تدخُل؟ ما يُسَمَّى بالتنويم المغناطيسي.
وهذا له صفته وثَمَّ كتب كثيرة مُؤَلَّفَةْ في ذلك من مختصين في هذا في أوربا وفي مصر وفي لبنان وفيه معاهد تُعَلِّمْ هذا الذي يَدَّعُونَ أَنَّهُ فَنٌ أو علم من العلوم.
وقد أفتت اللّجنة الدائمة عندنا في فتوىً مشهورة مُطَوَّلَة بأنَّ التنويم المغناطيسي ضَرْبٌ من ضروب الكهانة واستخدام الجن ليتسلَّطَ -بحسب ما عَبَّرُوا- الجني على الإنسي فيَحْمِلُهُ ويَرْتَفِعْ عن الأرض ويُخْبِرْ بأمورٍ مُغَيَّبَة ويتسلط على نفسه وعلى روحه فيكون له عليها سلطان.
وثَمَّ صور كثيرة، واليوم في عدد من البلاد -والعياذ بالله- ثَمَّ معاهد لتعليم عددٍ من هذه الأمور المنكرة، والواجب على المسلمين جميعًا أن يُنْكِرُوا هذا أشد الإنكار، لأنه:
- أولًا: تَهَجُّمٌ على ما يختص الله - ﷿ - به.
- ثانيًا: لأنَّهُ لا يكون إلا بالإشراك بالله - ﷿ - إذا صَدَقَ استخدامهم للجن.
- ثالثًا: إنه فتحٌ لباب الدَّجَلْ وباب الكذب على الناس وأخذ أموال الناس بالباطل.
وما يأخُذُهُ المُتَكَهِّنْ من المال فهو حرامٌ عليه وخبيث كما جاء في الحديث الصحيح «حُلْوانُ الكاهن خبيث» (٢) يعني أنه كَسْبٌ مُحَرَّمٌ خبيث.
(وقد جاء غلام عند أبو بكر الصديق ﵁ فأعطاه طعامًا فأكله أبو بكر ﵁، ثم قال الغلام: أتدري من أين هذا؟
قال: لا.
قال: كنت تَكَهَّنْتُ -يقول غلام أبي بكر لبي بكر ﵁- يقول: كنت تَكَهَّنْتُ لرجلٍ في الجاهلية فأعطاني هذا الحلوان، فجعل أبو بكر الصديق ﵁ يُدْخِلُ أصبعه في فيه حتى قَاءَ كل ما في بطنه) (٣)
فهذا من حيث الكسب حرام، ومن حيث السؤال حرام، وذلك لعِظَمِ هذا الذنب، فإنه لا يجوز إقْرَارُهْ ويجب على من يقدر على إنكاره أن يُنْكِرْ، وعلى أهل الحسبة ومن يلي هذا الأمر بخصوصه أن لا يتساهلوا في ذلك، وكذلك على الدعاة إلى الله - ﷿ - وأهل العلم أن يُبَيِّنُوا ذلك لأنه من مسائل التوحيد.
نكتفي بهذا القدر، وثَمَّ مسائل أخرى متعلقة بالجملة الأخرى هي قوله (وَلَا مَنْ يَدَّعِي شَيْئًا يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَإِجْمَاعَ الْأُمَّةِ.) نرجئها إن شاء الله تعالى إلى الدرس القادم.
_________________
(١) مسلم (١٢٢٧)
(٢) ذكره شاح الطحاوية ولم أجده
(٣) البخاري (٣٨٤٢)
[ ٧٠٧ ]