_________________
(١) الحمد لله، وبعد: هذه الجملة من كلام العلامة الطحاوي ﵀ من الأصول العظيمة في معتقد أهل السنة والجماعة، أنهم لا يُكَفِّرونَ أحدًا من أهل القبلة بمجرد حصول الذنب منه إلا إذا اسْتَحَلَّهُ باعتقاد كونه حَلَالًا لَهُ أو حلالًا مُطْلَقًَا. وكذلك أنهم لا يُخَفِّفُونَ أمر الذنوب بحيث يجعلون الذنب غير مؤثّر في الإيمان. ولهذا قالَ تقريراَ لهذا الأصل العظيم (وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ، مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ، وَلَا نَقُولُ: لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذَنْبٌ لِمَنْ عَمِلَهُ.) . وهذه الجملة من كلامه أراد بها أنَّ حصول الذنب من أهل القبلة لا يعني تكفيره كما ذهبت إلى ذلك الخوارج، وحصول الذنب من أهل القبلة لا يعني أنَّ هذا المؤمن لم يتأثر بحصول الذنب منه كما تقوله المرجئة. فخالف بهذا القول الخوارج والمعتزلة وخالف أيضًا المرجئة. وهذه المسألة لاشك أنها من المسائل العظيمة جدًا وهي مسألة تكفير المُنْتَسِبْ إلى القبلة الذي ثَبَتَ إسلامه وإيمانه إذا حصل منه ذنب. فإنَّ قاعدة أهل السنة والجماعة أنَّ من دخل في الإسلام والإيمان بيقين لم يُخرِجْهُ منه مجرد ذنب حَصَلَ منه، ولا يُخرجُهُ منه كُلُّ ذَنْبٍ حَرَّمَهُ الشارع؛ بل لابد في الذنوب العملية من الاستحلال بأن يعتقد أنَّ هذا العمل منه حلالٌ له وليس بذنب وأنه ليس بِمُحَرَّمْ. وهذا هو طريقة أهل السنة والجماعة بأنهم لا يُكَفِّرُونْ؛ بل يُخَطِئوُن أو يُضَلِّلُونَ أو يُفَسِّقُون. فنقول: مؤمنٌ بإيمانه فاسقٌ بكبيرته مسلم بما معه من التوحيد؛ ولكنه فاسقٌ لما ارتكب من الكبيرة التي أظهرها ولم يتب منها. فهذه الجملة فيها تقرير لعقيدة أهل السنة ومخالفتهم للخوارج والمعتزلة وكذلك فيها مخالفة أهل السنة للمرجئة. إذا تبين هذا فتحت هذه الجملة مسائل:
[ ٣٤٩ ]
[المسألة الأولى]:
دليل أهل السنة والجماعة على أنَّ من أصاب ذنبًا من أهل القبلة فإنه لا يُكَفَّر دلَّ على ذلك جملة أدِلَّةْ من الكتاب والسنة:
١- منها قول الله - ﷿ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:١٧٨]، ومعلومٌ أَنَّ القاتل داخل في هذا الخطاب في النداء بالإيمان، وقال - ﷿ - بعدها ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨]، فَسَمَّاهُ أخًا له، فدلَّ على أنَّ حصول القَتْلِ على عِظَمِهِ لم يَنْفِ اسم الإيمان.
٢- كذلك قوله - ﷿ - ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:٩-١٠]، فَسَمَّاهم مؤمنين وسَمَّاهُمْ إخوة أيضًا ووَصَفَهُمْ بالأخوة، فدل على أنَّ وقوع القتل منهم لم ينفِ اسم الإيمان، مع قوله - ﷿ - ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء:٩٣]، فأثبت له جهنم وعيدًا، وغَضِبَ الله - ﷿ - عليه واللعنة، ومع ذلك لم ينف عنه اسم الإيمان.
فدلَّ على أنَّ وقوع الكبيرة من المسلم لا يسلب عنه الإيمان، ووقوع الذنب ليس مُبِيحًا لإخراج هذا المذنب من أصل الإسلام إلى الكفر.
٣- ويدل على ذلك أيضًا قول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري وغيره حينما أوتي برجل من الصحابة يقال له حمار شرب الخمر فجلده، ثم شربها ثانية فأُتِيَ به فجلده، ثم لما أتي به الثالثة قال رجل: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به. فقال نبينا ﷺ «لا تقولوا ذلك فإنه يحبّ الله ورسوله» (١)، فدلّ على أنَّ وجود المحبة الواجبة لله - ﷿ - ولرسوله ﷺ مع حصول الكبيرة مانِعٌ من لَعْنِهِ، وهذا يعني أنها مانع من تكفيره ومن إخراجه من الدين من باب الأولى.
٤- كذلك قال الله - ﷿ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة:١]، فناداهم باسم الإيمان مع حصول الذنب منهم وهو الإلقاء بالمودة إلى عدو الله - ﷿ - وعدو رسوله ﷺ، فدل على أنَّ إلقاء المودة لأمر الدنيا ليس مُخْرِجًَا من اسم الإيمان؛ بل يجتمع معه قال تعالى في آخر الآية ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة:١] .
٥- في قصة حاطب بن أبي بلتعة في إسراره للكفار بخبر رسول الله ﷺ ما يدل على وقوع الذنب منه وعلى مغفرة الذنب له لأنه من أهل بدر، قال ﵊ في حقه «لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم» (٢) وفي الرواية الثانية «إن الله اطلع إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (٣) .
والأدلة على هذا الأصل عند أهل السنة والجماعة كثيرة.
٦- ومما يدل عليه من جهة النظر: أنَّ الكبائر كالسرقة والزنا وشرب الخمر والقتل والقذف ونحو ذلك شُرِعَتْ لها الحدود، والحدود مُطَهِّرَةْ، والمرْتَدُّ يُقْتَل على كل حال، ووجود الحدود هذه دليل ظاهر على أنَّهُ ارتكب فعلًا لم يُخْرِجْهُ من الملّة؛ لأنَّ النبي ﷺ قال «من بدّل دينه فاقتلوه» (٤)، وقال «والتارك لدينه المفارق للجماعة» (٥) يعني ممن يحلّ دمه، فدل على أن وقوع هذه الذنوب من العبد تُطَهَّرُ بهذه الحدود وليست كفرًا؛ لأنها لو كانت كفرًا لكان يُقْتَلُ ردةً لقوله «من بدّل دينه فاقتلوه» .
٧- ويدلّ عليه أيضا أنَّ ولي الدم في القتل يعفو، له السلطان إن شاءَ عَفَا وإنْ شَاءَ أخذ، قال - ﷿ - ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ [الإسراء:٣٣]، قال ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ وهذا يدلّ على أنَّ الحق هنا للمخلوق، وأما الرِّدَة فهي حق لله، يعني أمَّا الردة فجزاؤها حق لله - ﷿ - ليس لولي المقتول.
_________________
(١) سبق ذكره (٢١٣)
(٢) البخاري (٣٠٠٧)
(٣) المسند (٧٩٢٧)
(٤) البخاري (٦٩٢٢) / أبو داود (٤٣٥١) / الترمذي (١٤٥٨) / النسائي (٤٠٥٩) /ابن ماجه (٢٥٣٥)
(٥) مسلم (٤٤٦٨) / أبو داود (٤٣٥٢) / الترمذي (١٤٠٢) / ابن ماجه
[ ٣٥٠ ]
فدلّت هذه الأدلة ودلَّ غيرها على بطلان قول الخوارج وعلى ظهور قول أهل السنة والجماعة في هذه المسألة في أنَّ صاحب الذنب من الكبائر العملية التي ذكرنا بعضًا منها أنَّهُ لا يَخْرُجُ من الإسلام بحصول الذنب منه؛ يعني بحصول ذنب منه، أو بحصول كل ذنبٍ، أو أي ذنبٍ منه؛ يعني ليس كل ذنبٍ مخرجًا له من ذلك؛ بل الكبائر العملية ليست كذلك -يعني مُخْرِجَةْ له من الإسلام- خلافًا لقول الخوارج والمعتزلة في التخليد في النار.
وأما الجملة الثانية وهي قوله (وَلَا نَقُولُ: لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذَنْبٌ لِمَنْ عَمِلَهُ.) فهذه أيضًا فيها مخالفة للمرجئة الذين يقولون: لا يَضُرُّ مَعَ الإيمَانِ ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة.
والأدلة دَلَّتْ على أنَّ الذنوب تؤثر في الإيمان، منها:
١- قال - ﷿ - في ذكر القاتل ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣] .
٢- وقال - ﷿ - في الربا ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥] .
٣- وقال - ﷿ - في المرابين ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٩] .
٤- وشَرَعَ الله - ﷿ - الحد في السرقة ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]، وشَرَعَ الجلد في القذف وفي الزنا إلى آخر ذلك، وهذا يدل على أنَّ هذه الأمور أثَّرَتْ في الإيمان، هذه الكبائر أَثَّرَتْ في الإيمان.
٥- والأحاديث عن النبي ﷺ في هذا الباب كثيرة «لاَ يَدْخُلُ الْجَنّةَ قَتَّاتٌ» (١)، «لاَ يَدْخُلُ الْجَنّةَ قَاطِعُ رَحِم» (٢) وهذا تأثير في الإيمان بسبب هذه الكبيرة.
_________________
(١) البخاري (٦٠٥٦) / مسلم (٣٠٤)
(٢) مسلم (٦٦٨٥)
[ ٣٥١ ]
[المسألة الثانية]:
هذه الجملة اشتملت على مُعْتَقَدٍ فيه النهي عن التكفير، وتكفير أهل القبلة بأيِّ ذَنْبٍ حرام، والخوض في مسائل التكفير بلا علمٍ أيضًا حرام، وقد يكون من كبائر الذنوب؛ بل هو من كبائر الذنوب لأَوْجُهٍ:
١- الأول: أنَّ الإسلام والإيمان ثَبَتَ في حق الشخص -في حق المعين- بدليل شرعي، فَدَخَلْ في الإسلام بدليل، فإخراجه منه بغير حجة من الله - ﷿ - أو من رسوله ﷺ هذا من القول على الله بلا علم ومن التعدي -من تعدي حدود الله-، ومن التقدم بين يدي الله - ﷿ - وبين يدي رسوله ﷺ.
وهذا فيه التحذير من هذا الأمر الجلل وهو مخالفة ما ثبت بدليل إلى الهوى أو إلى غير دليل.
لهذا يقول العلماء: من ثَبَتَ إيمانه بدليل أو بيقين لم يزل عنه اسم الإيمان بمجرد شُبْهَةٍ عَرَضَتْ أو تَأْوِيْلٍ تَأَوَّلَه؛ بل بد من حُجَّةٍ بَيِّنَةْ لإخراجه من الإيمان، كما يقول ابن تيمية ولابد من إقامة حجة تقطع عنه المعذرة.
٢- الثاني: من الأوجه في خطر التكفير وما تَضَمَّنَتْهُ هذه الكلمة من مُعْتَقَدِ أهل السنة والجماعة: أنَّ التكفير خاض فيه الخوارج وهم أول الفئات التي خاضت في هذا الأمر، والصحابة رضوان الله عليهم أنكروا عليهم أبلغ الإنكار بل عَدُّوهُمْ رأس أهل الأهواء.
وأولُ مسألةٍ خاض فيها الخوارج وسَبَّبَتْ التَّوَسُّع في التكفير هي مسألة الحكم بغير ما أنزل الله؛ حيث احتجوا على عليٍ ﵁وكانوا من جيش علي- بأنَّهُ حَكَّمَ الرجال على كتاب الله، لمَّا حَصَلَتْ واقعة التحكيم بين أبي موسى الأشعري وبين عمرو بن العاص ﵄.
فقالوا: حَكَّمَ الرجال على كتاب الله فهو كافر، فَكَفَّرُوا عليا ﵁، استدلالًا بقوله - ﷿ - ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة٤٤] .
فذهب إليهم ابن عباس يناظرهم حتى احْتَجَّ عليهم بقول الله - ﷿ - ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء:٣٥] الآية، فرجع ثلث الجيش وبقي طائفة منهم على ضلالهم وظهرت فِرَقْ كثيرة من الخوارج.
فيَدُلُّكَ على قُبْحِ الخوض في هذه المسألة بلا علم أنَّها شعار أهل الأهواء؛ أعني الخوارج وهم أول فرقة خرجت في هذه الأمة وخالفت الجماعة، ولا شك أنَّ التزام نهج أتقى أهل الأرض بعد رسول الله ﷺ هو المُتَعَيِّنْ.
٣- الثالث: من أوجه بيان خطر التكفير والخوض فيه: أنَّ النبي ﷺ قال «من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما» (١) يعني إن كان كافرًا فهو كما ادُّعِيَ عليه وإلا عادت إلى الآخر، وهذا وعيد شديد.
- وقد يكون التكفير مبعثه الهوى.
- وقد يكون مبعثه الجهل.
- وقد يكون مبعثه الغَيْرَةْ.
فهذه ثلاثة أسباب لمنشإ التكفير: قد يكون الهوى -يعني التكفير بلا علم-، وقد يكون منشؤه الجهل، وقد يكون منشؤه الغيرة.
أما الأول والثاني فواضح -يعني الهوى والجهل-وأمثلة أهل الأهواء فيه كثيرة.
وأما الثالث وهو أنَّ التكفير قد يَحْمِلُ المَرْءَ عليه الغَيْرَةْ على الدين قصة عمر ﵁ مع حاطب ابن أبي بلتعة حيث لمَّا حصل من حاطب ما حصل، قال عمر لنبينا ﷺ: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق.
والحكم عليه بالنفاق حكم عليه بإبطانه للكفر، والنبي ﷺ لم يؤاخذ عمر ﵁ بذلك لأنَّهُ من أهل بدر ولأنه قالها على جهة الغيرة وخطؤه مغفورٌ له؛ لأنه من أهل الجنة؛ يعني لِسَبْقِ كونه من أهل بدر.
فدلَّ هذا على أنَّ الغيرة ليست حجة شرعية في التوسع أو في ابتداء القول في هذه المسائل بلا علم أو في التكلم فيها.
الغيرة ليست عُذْرًا، لهذا النبي ﷺ ما عَذَرَ عمر بالغيرة، وإنما عُذِرَ عمر ﵁:
١- لاشتباه المقام أولًا في حق حاطب.
٢- ثُمَّ لأنَّ النبي ﷺ ما بيَّنَ عذره -يعني ما بَيَّنَ الرجل للنبي ﷺ عذره-
فقال النبي ﷺ لما أَخَذَ عمر بتلابيب حاطب، قال «أرسله يا عمر -أو دعه يا عمر-، يا حاطب: ما حملك على هذا؟» فلما استفصل منه رَجَعَ الأمر إلى الوضوح فيه.
_________________
(١) البخاري (٦١٠٣) / مسلم (٢٢٥)
[ ٣٥٢ ]
[المسألة الثالثة]:
افترقت هذه الأمة في هذه المسألة العظيمة وهي مسألة التكفير إلى ثلاث طوائف.
طائفتان ضَلَّتَا، وطائفة هي الوسط وهي التي على سبيل الجماعة، وهذه الطوائف الثلاث هي:
١- الطائفة الأولى:
من كَفَّرَ بكل ذنب، وجعل الكبيرة مُكَفِّرَةً وموجبةً للخلود في النار، وهؤلاء هم الخوارج والمعتزلة وطوائف من المتقدِّمين ومن أهل العصر أيضًا ممن يَشْرَكُهُمْ في هذا الأصل والعياذ بالله.
٢- الطائفة الثانية:
من قالت: إنَّ المؤمن لا يمكن أن يخرج من الإيمان إلا بانتزاع التصديق القلبي منه وحصول التكذيب، وهؤلاء هم المرجئة وهم درجات وطوائف أيضًا.
وهذا مبني على أصلهم في أنَّ الإيمان هو تصديق القلب فلا ينتفي الإيمان عندهم إلا بزوال ذلك التَّصديق.
وهذا أيضا غلط؛ لأدلة ربما تأتي إن شاء الله تعالى.
٣- الطائفة الثالثة:
وهم الوسط الذين نهجوا ما دَلَّتْ عليه الأدلة، وأخذوا طريقة الأئمة التي اقتفوا فيها هدي الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين، فقالوا:
إنَّ المِلِّيَّ والوَاحِدَ من أهل القبلة قد يخرج من الدين بتبديله في الدين ومفارقته للجماعة بقولٍ أو عملٍ أو اعتقادٍ أو شك.
وهذا هو الذي أورده الأئمة في باب حكم المرتد، وقالوا:
إنَّ هذا يدخل في تبديل الدّين الذي قال فيه ﷺ «من بدّل دينه فاقتلوه»، ويدخل في قول الله - ﷿ - ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] آية البقرة ونحو ذلك، فدل ذلك على أنَّ المؤمن المسلم قد يحصل منه رِدَّةْ.
وهذه الردة لها شروطها ولها موانعها بتفصيلٌ لهم في كتب الفقه في باب حكم المرتد.
فعند أهل السنة والجماعة:
-لا يُتَسَاهَلْ في أمر التكفير بل يُحذَّرْ منه ويُخوَّفْ منه.
-وأيضا لا يَمْنَعُونَ تكفير المُعَيَّنِ مُطْلقًا؛ بل من أَتَى بقول كفري يخرجه من الملة أو فِعْلٍ كفريٍ يُخْرِجُهُ من الملة أو اعتقاد كفري يُخْرِجُهُ من الملة أو شك وارتياب يُخْرِجُهُ من الملة، فإنه بعد اجتماع الشروط وانتفاء الموانع يَحْكُمُ عليه العالم أو القاضي بما يجب من الردة ومن القتل بعد الاستتابة في أغلب الأحوال.
[ ٣٥٣ ]
[المسألة الرابعة]:
دلّ القرآن والسنة على أنَّ الناس ثلاثة أصناف لا رابع لهم، وهم: المؤمنون، الكفار، المنافقون.
- والمؤمن المسلم هو من دَخَلَ في الإسلام وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأتى بلوازم ذلك.
- والكافر الأصلي قد يكون كِتَابِيًَّا وقد يكون مشركًا وثنيًا، كأهل الكتاب مثل اليهود والنصارى، وقد يكون وثنيا مثل المجوس وعبدة الكواكب والأوثان ومشركي العرب وأشباه ذلك.
- والمنافق هو من يُبْطِنُ الكفر ويُظهر الإسلام، فيُحْكَمُ بإسلامه ظاهرًا كما فعل النبي ﷺ مع المنافقين، حتى إنه باعتبار الحكم الظاهر ورَّثَهُمْ وَوَرِثَ الصحابة من آبائهم المنافقين، وهم في الباطن كفّار أشد من اليهود والنصارى لقوله ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥] .
فمن حَصَلَ منه ذنب ووقع في ذنب من الذنوب فإنه لا يخلو:
- إما أن يكون من أهل الإيمان.
- وإما أن يكون من أهل الكفر.
- وإما أن يكون ممن أظهر الإسلام وأبطن الكفر.
فمن كان من أهل الإيمان: فإنه ليس كل ذنب يُخرِجُهُ من الإيمان، فَلَمَّا شَهِدَ شهادة الحق بيقين وظُهُور فإنه لا يُخرِجُهُ منها إلا يقين مماثل لذلك مع إقامة الحجة ودرء الشبهة.
وهذا التفصيل تنتفع به في مسائل تدل على هذا أو ذاك؛ يعني على أحد الأقسام.
[ ٣٥٤ ]
[المسألة الخامسة]:
من أصول أهل السنة والجماعة في هذا الباب وما خالفوا به الخوارج والمعتزلة والمرجئة في باب الإيمان والتكفير أَنَّهُم فَرَّقُوا بين التكفير المطلق وما بين التّكفير المُعَيَّنْ، أو ما بين تكفير المطلق من الناس دون تحديد وما بين تكفير المُعَيَّنْ.
فأهل السنة والجماعة أصْلُهُمْ أنهم يُكَفِّرُونَ من كَفَّرَهُ الله - ﷿ - وكَفَّرَهُ رسوله ﷺ من الطوائف أو من الأفراد.
فيُكَفِّرُونَ اليهود ويُكَفِّرُونَ النّصارى ويُكَفِّرُونَ المجوس ويُكَفِّرُونَ أهل الأوثان من الكفار الأصليين؛ لأنَّ الله - ﷿ - شهد بكفرهم.
فنقول: اليهود كفار، والنصارى كفار، وأهل الشرك كفار، يعني أهل الأوثان عباد الكواكب عباد النار عباد فلان إلى آخره هؤلاء كفار وهؤلاء كفار أصليون نزل القرآن بتكفيرهم.
كذلك نقولُ بإطلاقِ القول في تكفيرِ من حَكَمَ الله - ﷿ - بكفره في القرآن، ممن أنْكَرَ شيئًا في القرآن فنقول:
من أنَكَرَ آيَةً من القرآن أو حَرْفًَا فإنه يَكْفُرْ.
نقول من اسْتَحَلَّ الربا المُجْمَعْ على تحريمه فإنه يكفر، من استحل الخمر فإنه يكفر.
من بدّل شرع الله - ﷿ - فإنه يكفر.
من دعا الناس إلى عبادة نفسه فإنه يكفر وهكذا، فيطلقون القاعدة.
وأما إذا جاء التشخيص على معين فإنهم يعتبرون هذا من باب الحكم على المُعَيَّنْ فيُرْجِعُوَنُه إلى من يصلح للقضاء أو الفتيا.
فالأول وهو التكفير المطلق أو تكفير المطلق دون تحديد هذا مما يَلْزَمُ المؤمن أن يتعلّمه ليُسَلِّمَ لأمر الله - ﷿ - وأمر رسوله ﷺ، ويعتقد ما أمر الله - ﷿ - به وما أخبر به.
فإنَّ تكفير من كَفَّرَهُ الله - ﷿ - بالنوع واجب والامتناع عن ذلك من الامتناع عن شرع الله - ﷿ -.
وأمَّا المُعَيَّنْ فإنهم لا يُكَفِّرُونَه إلا إذا اجتمعت الشروط وانتفت الموانع.
وعند من تجتمع الشروط وتنتفي الموانع؟
عند من يُحْسِنُ إثبات البيّنات ويُحْسِنُ إثبات الشرط وانتفاء المانع وهو العالم بشرع الله الذي يَصْلُحُ للقضاء أو للفتيا، فيحكم على كل معين بما يستحقه.
* فإذًا من أصولهم التفريق ما بين الحُكْمِ على المُعَيَّنْ وما بين القول المطلق.
وهذا الأصل دَلَّتْ عليه أدلة من فعل أئمة السلف ومن أقوالهم، فإنَّ الإمام الشافعي مثلًا حَكَمَ على قول حفص الفرد لمَّا نَاقَشَهْ بأنه كُفْرْ ولم يحكم عليه بالردة.
وكذلك من حكموا على من قَالَ بخلق القرآن أو أنَّ الله لا يُرَى في الآخرة بأنه كافر لم يُطَبِّقُوهُ في حق المعين، لهذا الإمام أحمد لما حَكَى أو قال بتكفير من قال بخلق القرآن لم يُكَفِّرْ عينًا أمير المؤمنين في زمانه الذي دعا إلى ذلك؛ بل أمراء المؤمنين الثلاثة المأمون ثم المعتصم ثم الواثق حتى جاء عهد المتوكل، فاستدل منه أئمة أهل الإسلام كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية على أنّ إطلاق الكفر غير تعيين الكافر.
ووَجْهُ ذلك ما ذكرته لك من أنَّ التعيين يحتاج إلى أمور؛ لأنه إخراج من الدين والإخراج له شروطه وله موانعه.
[ ٣٥٥ ]
[المسألة السادسة]:
نرجع إلى قول الطحاوي هنا (وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ، مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ) أُخِذَ على الطحاوي أنه قال (بِذَنْبٍ) وهذا يفيد أنه لا يُكَفِّرْ بأي ذنب.
قال (وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ، مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ) يعني أنَّ أي ذنب لا يُكَفَّرُ به حتى يستحله.
وهذا ليس هو مُعْتَقَدْ أهل السنة والجماعة على هذا الإطلاق وإنما يُعَبِّرُونَ بتعبير آخر وهو مراد الطحاوي يقولون (ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بمجرّد ذنب) كما يقوله طائفة من أئمة الدعوة، أو (لا نكفر أحدًا من أهل القبلة بكلّ ذنب) كما يقوله أيضًا طائفة من العلماء المتقدّمين ومنهم شارح الطحاوية تبعًا لغيره.
فإذًا قول الطحاوي (وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ) المقصود به الذنوب العملية من الكبائر كالخمر والزنا والسّرقة وقذف المحصنات والتولي يوم الزحف ونحو ذلك من كبائر الذنوب العملية التي كَفَّرَ الخوارج بها.
ويدل على هذا أنَّ العقيدة مُصَنَّفَةْ لبيان ما يخالف به أهل السنة أهل البدع والخوارج وما تميزت به الجماعة، ومعلوم أنَّ الخوارج خالفوا في تكفير مرتكب الكبيرة مثل القتل والزنا وشرب الخمر والسرقة وأشباه ذلك، فخالفهم بهذا القول، يعني لا نكفر بهذه الذنوب.
(بِذَنْبٍ) يعني من الذنوب العَمَلِيَّة التي كفَّرَ بها الخوارج أو خلَّدَ أصحابَها في النار المعتزلةُ.
ويدل عليه أنه قال بعدها (مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ) والاستحلال غالبه في الذّنوب العملية.
[ ٣٥٦ ]
[المسألة السابعة]:
قوله (مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ) الاستحلال معه يكون مرتكب الكبيرة كافرًا.
والاستحلال هو اعتقاد كون هذا الفعل حَلَالًا.
قال ابن تيمية ﵀ في كتابه الصارم المسلول على شاتم الرسول ﷺ:
والاستحلال أن يعتقد أنَّ الله جَعَلَهُ حَلَالًا أو أَنَّ الله لم يحرمه.
فإذا اعتقد أنَّ هذا الشيء حلال، أو أنَّ الله لم يُحَرِّمْ هذا سواءٌ كان حلالًا على الأمة جميعا أو حلالًا عليه هو، وسواءٌ كان عدم التحريم على الجميع أو عليه هو -لأنها صورتان- فإنَّ هذا هو الاستحلال.
فإذًا ضابط الاستحلال المُكَفِّرْ هو الاعتقاد وذلك أنّ الإستحلال فيه جحد لكون هذا الذنب مُحَرَّمًَّا، لأنه إذا قال (١) الخمر حلال فإنَّهُ جَحَدَ تحريمها.
ويأتي الصلة ما بين الجحد والتكذيب والاستحلال في المسألة التي تليها إن شاء الله تعالى.
فإذًا ضابط الاستحلال المُكَفِّرْ أن يعتقد كون هذا المحرم حلالًا وله صورتان:
١- الصورة الأولى: أن يعتقد كونه حلالًا له دون غيره، وهذه تسمى الامتناع.
٢- الصورة الثانية: أن يعتقد كونه حلالًا مطلقًا له ولغيره، وهذه تسمى التكذيب أو الحجد المطلق.
* فالاستحلال المكفِّر هو الاستحلال بالاعتقاد.
قال بعض أهل العلم: وأمَّا ما جاء في حديث أبي عامر أو أبي مالك الأشعري الذي في البخاري مُعَلَّقًَا بل موصولًا، وهو قوله ﷺ «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحِرَ -يعني الزنا- والحرير والخمر والمعازف» (٢)، هل هذا الاستحلال من الاستحلال العملي أو الاستحلال المكفّر؟
قال طائفة -كما ذكرتُ لك وهو ظاهر-: أنَّ هذا الاستحلال عملي وليس باعتقاد كون هذه الأشياء حلالًا:
- فلم يُخْرِجْهُمْ من الإيمان إلى الكفر.
- ولم يُخْرِجْهُمْ من كونهم من هذه الأمة لقوله «ليكونن من أمتي» فجعلهم بعض هذه الأمة.
وهذا يُلْمِعُ إليه كلام ابن تيمية وكذلك للحافظ ابن حجر ولجماعة.
وهو ظاهِرْ في أنَّ المدمن للذنوب يكونُ فِعْلُهُ فِعْلَ المُسْتَحِلْ؛ لكن ليس اعتقاده اعتقاد المُسْتَحِلْ.
فقال «يستحلُّون» يعني يستحلون عَمَلًَا لا اعتقادًا لأجل ملازمتهم لها وإدمانهم لهذه الذنوب.
فضابط الكفر في الاستحلال الذي ذَكَرَهُ هنا (مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ) يعني ما لم يعتقد أنَّ الله لم يُحَرِّمْ هذا، أو أنَّ الله أباح هذا، أو أنَّ هذا الأمر حلال، أو ليس بحرام إلى آخره.
* وهذا القَدْرْ له ضابط أصلي عام وهو:
أنَّ الذي يَنْفَعُ فيه ضابط الاستحلال هي الذنوب المُجْمَعْ على تحريمها، المعلومة من الدين بالضرورة.
أما إذا كان الذنب مُخْتَلَفًَا فيه إما في أصله أو في صورة من صوره فإنه لا يُكَفَّرُ من اعْتَقَدَ حِلَّ هذا الأصل المُخْتَلَفْ فيه يعني في أصله أو الصورة المختلف فيها.
يُوَضِّحْ ذلك النبيذ الذي أباحه طائفة من التابعين من أهل الكوفة وأَبَاحَهُ طائفة من الحنفية أو من أباح ما أسْكَرَ كثيره ولم يسكر قليله، فإنَّ أهل العلم من أهل السنة لم يُكَفِّرُوا الحنفية الذين قالوا بهذا القول وكذلك لم يُكَفِّرُوا من قال به من أهل الكوفة أو غيرهم.
وكذلك من لم يقل بتحريم رِبَا الفضل لأنه فيه اختلاف، وكذلك بعض صور الربا، وكذلك بعض مسائل النظر إلى المحرمات يعني إلى الأجنبيات أو إلى الغلمان ونحو ذلك.
فإذا كان هناك أصلٌ مُجْمَعٌ على تحريمه معلومْ من الدين بالضرورة -بالضرورة يعني ما لا يُحْتَاجْ معه إلى الاستدلال- فإننا نقول:
من اعتقد إباحة هذا أو حِلَّهُ فإنه يكفر.
مثل الخمر المعروفة يعني في زمن النبي ﷺ التي تُسْكِرُ من شَرِبَهَا؛ تخامر عقله، مثل السرقة، مثل الزنا والعياذ بالله، مثل نكاح ذوات المحارم إلى آخر هذه الصّور.
_________________
(١) انتهى الوجه الأول من الشريط السادس والعشرين.
(٢) البخاري (٥٥٩٠) / ابن حبان (٦٧٥٤)
[ ٣٥٧ ]
[المسألة الثامنة]:
مما له صلة بلفظ الاستحلال واشْتَبَهَ على كثيرين أيضًا الجحد والتكذيب.
وطائفة من أهل العلم يجعلون التكذيب والجحد شيئًا واحدًا.
وهذا ليس بجيد؛ بل هما شيئان مختلفان، قد يجتمعان وقد يفترقان.
ويدل على ذلك قول الله - ﷿ - في سورة الأنعام ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣]، فَنَفَى عنهم التكذيب وأَثْبَتَ لهم الجحد، فدل على أنَّ التكذيب والجحد متغايران.
فما صلتها بالاستحلال؟
الاستحلال: اعتقاد كون هذا الأمر حلالًا، يعني هذا المحرم حلالًا.
والجحد: أن يَرُدَّ الحكم بَأَنَّهُ حلال أو أَنَّهُ حرام.
حَجَدَ وجوب الصلاة: يعني رَدَّ هذا الحكم، يعني قال: لا، الصلاة ليست واجبة.
حَجَدَ حرمة الخمر قال: الخمر غير محرمة.
* فإذًا الاستحلال وهو اعتقاد كون الشيء المحرم حلالًا، يكونُ مَعَهُ جَحْدٌ قلبي؛ ولكن ليس معه جحد لساني، قد يكون معه وقد لا يكون؛ لأنَّ ظاهر آية الأنعام ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ يعني في الباطن ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ يعني في الظاهر.
فالجحد قد يكون في الظاهر وقد يكون في الباطن، والتكذيب قد يكون في الباطن وقد يكون في الظاهر.
والتكذيب: هو عدم اعتقاد صدق الخبر أو الأمر أو النهي.
ولهذا أَرْجَعَ كثيرٌ من أهل العلم من أهل السنة أكثر مسائل التكفير إلى التكذيب، وذلك لأنَّ التكذيب في أصله مناقض للتصديق الذي هو أصل الإيمان.
والمرجئة ومن شابههم قَصَرُوا الكفر على التكذيب فضلوا.
وأهل السنة والجماعة جَعَلُوا الخروج من الإسلام والردة يكون بتكذيبٍ ويكون بغيره كما ذكرتُ لك.
فإذًا من الكلمات التي لها صلة بالاستحلال وتُلَازِمُ الاستحلال أيضا الجحد والتكذيب.
ومن الكلمات أيضًا التي لها صلة بالاستحلال الالتزام والامتناع، التَزَمَ وامْتَنَعَ.
ومن الكلمات القَبول والرد.
وهذه تحتاج في بيانها إلى مزيد وقت وسبق أن أوضحنا لكم بعض هذه المسائل.
[ ٣٥٨ ]
[المسألة التاسعة]:
من أهل العلم من جَعَلَ التكفير في الاعتقادات أو جعله في المسائل العلمية.
فقال: المسائل العلمية التي دَخَلَ فيها أهل الأهواء والبدع فإننا نكفر المخالف فيها، وأما المسائل العَمَلِيَّةْ لا نكفر فيها إلا بالاسْتِحْلال.
وهذا قال به بعض المنتسبين إلى السنة؛ ولكنه مُخَالِفٌ لقول أئمة أهل الإسلام وما تَقَرَرَ من اعتقاد أهل السنة والجماعة، فإنَّ الخطأ والاجتهاد والغلو ونحو ذلك يدخل في المسائل العلمية.
فأهْلُ البدع لا يُكفَّرُونْ بإطلاق، فليس كل من خَالَفَ الحق في المسائل العلمية يُعَدُّ كافرًا بل قد يكون مذنبًا، وقد يكون مخطئا وقد يكون مُتَأولًا.
وعلى هذه الثلاث حَكَمَ أهل السنة وأئمة الإسلام بأنَّ هذه بدعة:
- قد تكون ذنب يوصله إلى الكفر.
- وقد تكون ذنبًا فيما دونه.
- وقد يكون سَلَكَ البدعة عن جهة الغلط منه والخطأ أو الجهل.
- وقد يكون تأول في ذلك.
ويستدلون على هذا بقصة الرجل الذي (أوصى إذا مات بأن يُحْرَقَ ثم يُذَرْ رُفَاتُهُ وقال: لئن قَدِرَ الله علي ليعذبني عذاب لم يعذبه أحدا من العالمين، فجمع الله - ﷿ - رفاته وقال له: ما حملك على هذا؟ فقال: إنما فعلته خشية عذابك) . أو كما جاء. (١)
فَفَعَلَ هذا الفعل الذي أنْشَأَهُ عنده الجهل أو عدم اعتقاد الحق في صفة من صفات الله - ﷿ - وهي صفة تَعَلُّقْ القُدْرَةْ بِرُفَاتِه (٢) هُوَ وبِقُدْرَةْ الله - ﷿ - على بعثه.
وعفا عنه رب العالمين لأجل عِظَمِ حسناته الماحية أو لِجَهْلِهِ؛ لأنه قال فعلته من خشيتك أو خوفًا من عذابك أو نحو ذلك، وهذا اعتقاد عظيم وهو حسنة عظيمة قابلت ذلك الاعتقاد السيئ، فدلَّ على أنَّ الاعتقادات البدعية والمخالفة للحق قد يُعْفَى عن صاحبها.
فإذًا قول من قال أنَّ أهل البدع والضلالات المخالفين في التوحيد أو في الصفات أنهم يُكَفَّرون إذا خالفوا ما دلَّ عليه الكتاب والسنة هذا قولٌ غلط وليس بصواب عند أئمة أهل السنة والجماعة.
بل الصواب تقسيمهم:
- فمنهم من يكون كافرًا إذا قامت عليه الحجة الرسالية ودُفِعَتْ عنه الشبهة وبُيِّنَ له.
- ومنهم من يكون مذنبًا لأنه مُقَصِّرْ في البحث عن الحق.
- ومنهم من يكون متأولًا.
- ومنهم يكون مخطئًا.
- ومنهم من له حسنات ماحية يمحو الله - ﷿ - بها سيئاته.
_________________
(١) المسند (٧٦٣٥) / ابن حبان (٧٦٣٥)
(٢) الرُّفاتُ: مابَلِيَ فتَفتَّتَ/ تاج العروس (١/١٠٩٠)
[ ٣٥٩ ]
[المسألة العاشرة]:
أنَّ تكفير المعين يُشْتَرَطُ فيه إقامة الحجة.
وإقامة الحجة شرطٌ في أمرين:
الأول: في العذاب الأُخْرَوِيْ؛ يعني في استحقاق العذاب الأخروي.
والثاني: في استحقاق الحكم الدنيوي.
والدليل على ذلك قول الله - ﷿ - ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، وكذلك قوله ﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ فَشَرَطَ لِتَوْلِيَةِ المُشَاقْ ما تولى وجَعْلِ جهنمَ له وساءت مصيرًا أن يكون تَبَيَّنَ له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين ﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥]، وكذلك قوله - ﷿ - ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة:١١٥]، وكذلك قوله - ﷿ - ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية:٢٣]، وكذلك قوله - ﷿ - ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف:١٧٥-١٧٦]، فهذه كلّها فيها اشتراط العلم وإقامة الحجة، وكُلُّ رسولٍ بُعِثَ لإقامة الحجة على العباد.
إذا تبين هذا فإنَّ إقامة الحجة تحتاج:
- إلى مقيم.
- وإلى صفة.
@ أما المقيم: فهو العالِمُ بِمَعْنَى الحُجَّةْ، العالِمُ بحال الشخص واعتقاده.
@ وأما صفة الحجة: فهي أن تكون حُجَّةً رساليّةً بَيَّنَةً، قال - ﷿ - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم:٤] .
واشْتَرَطَ أهل العلم أن تكون الحجة رسالية؛ يعني أن تكون قول الله - ﷿ - وقول رسوله ﷺ.
يعني أما إن كانت عقليةً وليس المَأْخَذُ العَقْلِيُّ من النص فإنّه لا يُكتفى به في إقامة الحجة؛ بل لابد أن تكون الحجة رسالية.
لهذا يُعَبِّرْ ابن تيمية ويُعَبِّرْ ابن حزم وجَمْعٌ بِأَنْ تكون الحجة رسالية؛ والسبب لأنها يَرْجِعُ فيها مَنْ لم يأخذ بالحجة إلى رَدِّ ما جاء من الله - ﷿ - ومن رسوله ﷺ.
وأما فهم الحجة فإنه لا يُشترَطُ في الأصْلْ. (١)
ومعنى عدم اشتراطه: أننا نقول ليس كل من كَفَرْ فإنه كَفَرَ عن عناد، بل ربما كَفَرَ بعد إبلاغه الحجة وإيضاحها له لأنَّ عنده مانع من هوى أو ضلال مَنَعَهُ من فهم الحجة، قال - ﷿ - ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ (٢)، والآيات في هذا المعنى متعددة.
ما معنى فهم الحجة؟
يعني أن يَفْهَمَ وجه الاحتجاج بِقُوَّةِ هذه الحجة على شبهته.
فهوعِنْدَهُ شُبْهَة في عبادة غير الله، عنده شُبْهَة في استحلاله لما حُرِّمَ مما أُجْمِعَ على تحريمه؛ لكن يُبلَّغُ بالحجة الواضحة بلسانه ليفهم معنى هذه الحجة.
فإن بَقِيَ أَنَّهُ لم يفهم كون هذه الحجة رَاجِحَة على حجته فإنَّ هذا لا يُشْتَرَطْ-يعني في الأصل-؛ لكن في بعض المسائل جُعِلَ عدم فهم الحجة -يعني كون الحجة راجحة على ما عنده من الحُجَجْ- جُعِلَ مانعًا من التكفير كما في بعض مسائل الصفات.
يعني أنَّ أهل السنة والجماعة من حيث التأصيل اشترطوا إقامة الحجة ولم يشترطوا فهم الحجة في الأصل؛ لكن في مسائل اشترطوا فيها فهم الحجة.
وهذا الذي يَعْلَمُهُ من يقيم الحجة وهو العالم الرّاسخ في علمه الذي يعلم حدود ما أنزل الله - ﷿ - على رسوله ﷺ.
_________________
(١) لمزيد من التفصيل انظر (٦٠٣)
(٢) الأعراف:٢٥، الإسراء:٤٦.
[ ٣٦٠ ]
[المسألة الحادية عشرة]:
قوله (وَلَا نَقُولُ: لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذَنْبٌ لِمَنْ عَمِلَهُ) هذا فيه مخالفة للمرجئة.
والمرجئة جَعَلُوا أصل الإيمان التصديق، وجعلوا هذا التصديق لا يتأثر زيادةً ولا نقصًا، وإنما هو شيء واحد.
لذلك لم يجعلوا الإيمان يزيد وينقص، ولم يجعلوا التصديق أيضًا واليقين يزيد وينقص بل جعلوه شيئًا واحدًا، لهذا لم يجعلوا ذنبًا يضر مع الإيمان.
والمرجئة في هذا على درجات مختلفة، يأتي بيانُها إن شاء الله تعالى عند قول المؤلف (وَالْإِيمَانُ: هُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَالتَّصْدِيقُ بِالْجَنَانِ) .
[ ٣٦١ ]
[المسألة الثانية عشرة]:
أَنَّ هاتين المسألتين وهما ما خالف فيه أهل السنة الخوارج وما خالفوا فيه المرجئة فرعٌ لأصل ومثالٌ لقاعدة؛ وهي قاعدة الوَسَطية لأهل السنة والجماعة بين فرق الضلال:
فهم وسط في باب الأسماء والأحكام -يعني في أبواب الإيمان والكفر- ما بين الخوارج والمعتزلة الوعيدية وما بين المرجئة في قول أولئك وقول هؤلاء، فهم يحذِّرون من الذنوب ويَتَوَعَّدُونَ بها ويَتَوَعَّدُونَ بالكفر، ولكن لا يُخرجونه من الإيمان إلا بعد تمام الشروط وانتفاء الموانع.
فهم -أعني أهل السنة والجماعة ثبَّتني الله وإياكم على طريقتهم- لهم في ذلك الطريق الوسط في هذا الباب وفي باب الأسماء والصفات، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي جميع أبواب الدين؛ بل وجميع أبواب الشَّريعة -يعني في أصولها-.
لهذا فالطَّريقة المثلى هي أن يكون المرء بين طَرَفَي الغلو والجفاء، فالغلو مذموم بأنواعه والجفاء مذموم أيضًا لأنه قصورٌ عن أمر الله، والغلو أيضا مذموم لأنه زيادة على أمر الله - ﷿ -، والحق فيما بينهما.
أسأل الله - ﷿ - أن يجعلني وإياكم من الهداة المهتدين، وأن يُعَلِّمَنَا ما يفعنا، وأن يزيدنا من الفقه في الدين، ومن متابعة سنة سيد المرسلين، وأن يغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا، وأن يشفي قلوبنا من الأدواء والأهواء، وأن يشفي أبداننا من الأمراض نحن وجميع أحبابنا إنه سبحانه كريم جواد كثير النوال، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
نجيب على سؤالين ما يتعلق بالدرس.
[ ٣٦٢ ]