قال المؤلف ﵀ في تفسيرها (نَقُولُ: لَا حِيلَةَ لِأَحَدٍ، وَلَا حَرَكَةَ لِأَحَدٍ، وَلَا تَحَوُّلَ لِأَحَدٍ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِلَّا بِمَعُونَةِ اللَّهِ، وَلَا قُوَّةَ لِأَحَدٍ عَلَى إِقَامَةِ طَاعَةِ اللَّهِ وَالثَّبَاتِ عَلَيْهَا إِلَّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ.)
_________________
(١) فتلحظ هنا من هذا التفسير أنَّهُ خَصَّ من معنى هذه الكلمة الانتقال من المعصية إلى الطاعة والتوفيق للطاعات. وهذا هو الذي يناسب المقام في ذِكْرْ القَدَرْ؛ لأنَّ المخالفين في القَدَرْ -أعني بهم القَدَرِيَّة- ظنوا أنَّ المرء هو الذي يُحَصِّلُ الطاعة بنفسه وأنَّ الله - ﷿ - أعطاه الأسباب إلى آخره فهو القادِرُ على تحصيل الطاعة والهداية لكنه لم يفعل ذلك. وهذا خلاف ما دلَّتْ عليه هذه الكلمة فضلًا عن مخالفته لأصولٍ كثيرة. وتحت هذا التفسير مسائل:
[ ٥٧٥ ]
[المسألة الأولى]:
أنَّ تحوّل المرء عن المعصية إلى الطاعة والقوة على الطاعة لا يكون إلا بتوفيق الله - ﷿ -.
والتوفيق لفظٌ شرعي جاء في النصوص كما في قوله - ﷿ - ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨]، ويقابله الخذلان.
والتوفيق والخذلان متصلان بالقَدَرْ اتصالًا وثيقًا، ولأجل ذلك فَسَّرَتْ كل فرقة من الفِرَقْ الضالة التوفيق والخذلان بما عندها من الاعتقاد في القدر:
فالمعتزلة والقدرية يُفَسِّرُون التوفيق بما يوافق عقيدتهم.
والجبرية والأشاعرة والماتريدية ومن شابههم يفسرون التوفيق والخذلان بما يناسب عقيدتهم.
وأهل السنة يُفَسِّرُونَهُ بما يوافق ما دلَّ عليه القرآن والسنة ويوافق العقيدة السلفية التي كان عليها هدي السلف الصالح.
[ ٥٧٦ ]
[المسألة الثانية]:
١- أولًا: معنى التوفيق والخذلان عند أهل السنة:
التوفيق الذي ذكره هنا يقول (وَلَا تَحَوُّلَ لِأَحَدٍ [عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ] إِلَّا بِمَعُونَةِ اللَّهِ، وَلَا قُوَّةَ لِأَحَدٍ عَلَى إِقَامَةِ طَاعَةِ اللَّهِ وَالثَّبَاتِ عَلَيْهَا إِلَّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ.)
- التوفيق: هو إعانَةٌ خاصة من الله - ﷿ - للعبد بها يَضْعُفُ أثر النفس والشيطان وتقوى الرغبة في الطاعة، وإلا فالعبد لو وُكِلَ إلى نفسه لغلبته نفسه الأمّارة بالسوء والشيطان.
وهذا يُحِسُّ به المرء من نفسه فإنَّه يرى أنَّ هناك قدرًا زائدًا من الإعانة على الخير زَائِدْ على اختياره، فهو يختار ويتوجه لكن يُحِسُّ أنَّ هناك مددًا مَدَّهُ الله - ﷿ - يُقَوِّيه على الخير فيما يتّجه إليه من الخير.
وهذا ليس لنفسه وليس من قدرته وقوته ولكن هذه إعانة خاصة.
ولهذا فإنَّ العبد المؤمن يرى أنّه لا شيءَ من الطاعات حَصَّلَهَا إلا والله - ﷿ - وَفَّقَهُ إليها، يعني مَنَحَهُ إعانةً على تحصيلها وعدم الاستسلام للنّفس وللشيطان.
فالتوفيق فيه معنى الهداية والإعانة الخاصة، ويقابله الخذلان.
- فالخذلان: هو سلب العبد الإعانة التي تُقَوِّيْهْ على نفسه والشيطان.
(نعوذ بالله من الخذلان) يعني نعوذ بالله من أن نُسْلَبَ الإعانة على أنفسنا وعلى كيد الشيطان.
٢- ثانيًا: معنى التوفيق عند الأشاعرة:
أما تفسير التوفيق والخذلان عند الأشاعرة، ويحسُنْ التنبيه عليه لأنَّهُ أكثر ما تجد في كتب التفسير وكتب شروح الأحاديث، وخاصَّةً تفسير القرطبي وتفسير أبي السعود والرازي وأشباه هذه التفاسير، وشروح الأحاديث كشروح النووي والقاضي عياض وابن العربي ونحو ذلك من شروح الأحاديث، فإنَّ أكثر ما تجد تفسير التوفيق والخذلان هو تفسيره عند الأشاعرة.
لهذا ينبغي العناية بهذا الموطن لصلته بالقَدَرْ.
- التوفيق عندهم: خلق القُدْرَةْ على الطاعة، يعني جَعَلُوا التوفيق هو القُدْرَةْ.
- والخُذْلَان: هو عدم خلق القُدْرَةْ على الطاعة.
يعني إِقْدَارُ الله - ﷿ - العبد على الطاعة هذا توفيق، وعدم إِقْدَارُ الله - ﷿ - العبد على الطاعة هذا خذلان.
وهذا كما هو ظاهر لك فيه خلل كبير لأنَّهُ جعل التوفيق إقدارًا، وجعل الخذلان سلبًا للقدرة، وهذا فيه نوع قوة لاحتجاج المعتزلة على الجبرية في معنى التوفيق والخذلان.
وتفسير أهل السنة وسط في أنَّ التوفيق زائد على الإِقْدار، فالله - ﷿ - أَقْدَرْ العبد على الطاعة بمعنى جَعَلَ له سبيلًا إلى فعلها وأعطاه الآلات وأعطاه القوة ليفعل؛ ولكن لن يَفْعَلَ هو إلا بإعانَةٍ خاصة؛ لأنَّ نفسه الأمارة بالسوء تحضُّهُ على عدم الفعل، عدم العبادة.
وهذا يلحظه كل مسلم من نفسه فإنه يريد أن يتوجه إلى الصلاة ويأتيه نوع تثاقل يريد أن يقوم بنوعٍ من العلم والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويصيب نفسه نوع من التثاقل، وهذا من الشيطان ومن النفس الأمارة بالسوء، فإذا منحه الله التوفيق وأعانه على أن يَتَعَّبْد، أعانه على أن يقول ما يقول بموافَقَةٍ للشرع فهذا توفيق وإعانة خاصة يمنحها الله - ﷿ - من يشاء من عباده.
[ ٥٧٧ ]
[المسألة الثالثة]:
أنَّ معرفة العبد المؤمن بحقيقة هذه الكلمة ومعنى توفيق الله - ﷿ - ومعنى الخذلان يُوجِبُ له أن ينطَرِحَ دائمًا بين يدي ربه - ﷿ - متبرئًا من نفسه ومن حولها وقوتها ومن أن لا يكله الله إلى نفسه طرفة عين.
لهذا قال ﷺ «ربي لا تكلني لنفسي طرفة عين» (١) يعني حتى في تحريك العين وفي طرفها لا تكلني إلى نفسي، وهذا من عِظَمِ معرفته ﷺ بربه فهو أعلم الخلق بالرب - ﷻ - وأخشاهم له - ﷿ - وأتقاهم ﷺ إلى يوم الدين.
فلهذا إذا علمت معنى (لا حول ولا قوة إلا بالله) ومعنى (التوفيق) ومعنى (الخذلان) فإنه يجب عليك أن تستحضر ذلك في كل حال، واستحضارك ذلك ومجاهدة نفسك على طلب التوفيق من الله - ﷿ - وعدم رؤية النفس وقوة النفس والرأي وما عندك من الأدوات والمال وما عندك من الأسباب، فإنَّ هذا من أسباب التوفيق.
فلا يُطْلَبُ التوفيق من الله - ﷿ - بمثل الانطراح بين يدي الله - ﷿ - في الحاجة إلى توفيقه - ﷻ -، وإذا ظَهَرَ في العبد استغناء عن توفيق الله - ﷿ - ورؤية ما عنده فإنه يُخْذَلْ.
ألم تر إلى يوسف ﵇ وهو الكريم ابن الكريم وهو نبي الله - ﷿ - ورسوله ﷺ حين كان في السجن وظَهَرَ له من السّبب ما ظهر في تفسيره للرؤية ونجاة السّجين من السجن بسبب تفسيره للرؤيا، ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾ قال - ﷿ - ﴿فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [الكهف:٤٢]، وهذا على أحد التفسيرين أنَّ الشيطان أنسى يوسفَ ﵇ ذِكْرَ الله - ﷿ - في هذا الموطن والتَّعَلُّقَ به - ﷿ - وحده، لا نقصًا في مقام يوسف ﵇ ولكنه بيانٌ لنوعٍ من الرسالة التي تُؤَدَّى بأقوال الأنبياء وبأفعالهم عليهم الصلاة والسلام.
فالعبد إذا التَفَتْ إلى غير الله - ﷿ - طرفة عين فإنه يُوْكَلْ إلى نفسه ويخرج متضررًا.
وهذا نبي الله - ﷿ - محمد ﷺ لما أراد الهجرة أخذ بالأسباب التي تُعِينُ على تحقيق المراد، الأسباب المشروعة التي تعين تحقيق المراد ولم يَرَ ﷺ تلك الأسباب ولم تقم في قلبه بأنه يتَّكِلْ عليها ﷺ وإنما فعلها لأنها مُقْتَضِيَة لحُدُوثِ مُسَبَّبَاتِهَا في العادة، فأتى برجل من المشركين هادٍ خرِّيت يعرف الطُرُقْ ليسير به ﷺ بطريقٍ آخر في الهجرة حتى لا يعلم المشركون طريقه، وأيضًا أَمَرَ أسماء وأَمَرَ راعي الغنم أن يَمُرَّ بالغنم على مسيرهم حتى لا يَرَوا الأقدام، فكل الأسباب بُذِلَتْ؛ ولكنها لم تنفع حتى قام المشركون على رأس الغار على ظهر الجبل والنبي ﷺ في الغار، وأبو بكر ﵁ يقول لنبيه ﷺ (يا رسول الله لو أبصر أحدهم موضع قدمه لرآنا) فقال له ﷺ (يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما) (٢)
حركة عين المشرك من أن يرى، هم كانوا يرون ما أمامهم من جهة الساحل.
حركة عين المشرك من أن يرى، كانوا يرون ما أمامهم جهة الساحل، حركة العين إلى أن ترى الأسفل، ترى موقع القدم، فيُبْصرون الغار ويبصرون النبي ﷺ وصاحبه هذه لا حيلة للنبي ﷺ ولا حيلة لأبي بكرٍ بها ولا تنفع فيها الأسباب التي فُعِلَتْ؛ لكن بقي توفيق الله وعونه وحقيقة التوكل عليه - ﷿ -.
لهذا أَعْظِمْ في كل شأنٍ من شؤونك وخاصَّةً الهداية والتوفيق للصالحات وطلب العلم النافع والتوفيق للسنة والالتزام بها وملازمة هدي السلف الصالح ومُجَانَبَة طريق المخالفين للسنة والمخالفين لهدي السلف وهدي العلماء، دائمًا إِلْجَأْ إلى ربك في تحصيله، فما طُلِبَ من الله - ﷿ - شيء وبوسيلة أعظم من مسيلة التبرؤ من الحول والقوة.
أسأل الله - ﷿ - أن يُفيض علينا من معرفته والعلم به وما به نزدلف إلى رضاه ونبتعد عمّا يسخط ويأبى إنه سبحانه جواد كريم.
_________________
(١) أبو داود (٥٠٩٠)
(٢) نهاية الوجه الأول من الشريط الأربعين، والحديث رواه البخاري (٣٦٥٣) / مسلم (٦٣١٩)
[ ٥٧٨ ]