قال بعدها (وَهُوَ تَفْسِيرُ: "لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ")
_________________
(١) وفي هذه الجملة إلى آخرها يعني في تفسير كلمة (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّه) مسائل:
[ ٥٧٢ ]
[المسألة الأولى]:
كلمة ("لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ") من أعظم الأذكار التي فيها الإقرار بربوبية الله - ﷿ - وبإلهيته وبأسمائه وصفاته، وفيها الإقرار بتَخَلِّي العبد عن كل حولٍ له وقوة ورؤية لما عنده من الآلات والقُدَرْ إلى ما عند الله وحده.
ففيها الفرار من الله - ﷿ - إليه وحده ﷾، وفيها التَّخَلِّي من رؤية النفس التي أوجبت الهلكة في الدنيا والآخرة على طائفة من الخلق.
فمعنى (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ):
(لَا): هنا نافية للجنس؛ يعني جنس الحول.
(حول): هو إمكان التَّحَوُّلْ من حالٍ إلى حال، وحتى رَفع الكأس إلى فيك، وحتى حركة ثوبك وحركة عمامتك، وحتى حركة عينيك، فإنَّ هذا التحوّل من حالٍ إلى حال في أي شيءٍ تفعله فإنك تنفي جنسه، وتنفي القدرة على هذا التحول، إلا أن يكون بالله - ﷻ -.
وهذا فيه التبرُّؤْ من الحول والقوة، وأنَّهُ لا يمكنك أن تتخلّى عن الله - ﷿ - طرفة عين، حتى في طرف عينك وفي حركة لسانك وفي حركة أنفاسك فإنَّه لا تَغَيُّرَ من حالٍ إلى حال ولا قدرة لك على تحول شأنٍ من شؤونك مهما قلّ إلا بالله - ﷿ -.
(وَلَا): لَا نافية للجنس
(قُوَّةَ): يعني أنَّكَ تنفي جنس القوة التي بها تُوجَد الأشياء والتي بها تُحَصِّل الأمور، تنفي جنسها أن تكون حاصلة لك استقلالًا، أو حاصلة لك في إحداث الأشياء، وهذا منفي، إلا أن تكون بالله - ﷿ -.
وهذه الكلمة العظيمة فيها:
١- أولًا: توحيد الربوبية:
وهذا حقيقة توحيد الربوبية لله - ﷿ -، فإنَّ الإيقان بأنَّ الله - ﷿ - هو المدبر للأمر ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [السجدة:٥] وأنَّهُ - ﷿ - ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩] وأنه - ﷿ - ﴿يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون:٨٨]، وأنَّهُ ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ [فاطر:٢]، وأنَّهُ ما تسقط من ورقة، وأنه ما من شجرة، ولا هبوب ريح، ولا تحرك في وليد ولا في جنين ولا في دمٍ في العروق، ولا في حركة حيوان صَغُرَ أم كَبُرْ، وأنَّ ذلك كلَّه بتدبير الله - ﷿ -، وأنَّ كلماته الكونية - ﷿ - وسعت كل شيء، كما قال - ﷿ - في آخر سورة الكهف ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف:١٠٩]، يعني الكلمات الكونية لكثرة أوامره - ﷿ - الكونية فيما يحدث في أحوال العباد.
فتَنْظُرْ إلى توحيد الربوبية وتَعْلَمْ أنَّكَ لا فِعْلَ لك ولا حول في أي شيء ولا قوة إلا بالكريم - ﷻ -.
ومن أعظم ذلك الذي تَتَبَرَأْ فيه من الحول والقوة الهداية وصلاح النفس وصلاح الظاهر وصلاح الباطن، فإنه لا يمكن لعبدٍ يرى نفسه أنَّهُ يفعل ويفعل وأنَّهُ يَقْدِرْ وأن يُوَفَّقَ أبدًا؛ بل لا يُوَفَّقَ إلا من تبرأ من الحول والقوة في شأن التكليف وفي شأن الهداية ﴿وَمَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ [الإسراء:٩٧]، ﷾.
٢- ثانيًا: توحيد الألوهية:
فيها توحيد الإلهية أيضًا في أنَّهُ إذا كان لا حول ولا قوة إلا بالله وأنَّ المرء والمخلوق لا يمكنُ له أن يفعل إلا بالله وحده دون ما سواه، فلماذا يتعلق قلبه إذًا بغير الله من الآلهة والأنداد والأموات والأولياء والقوى المختلفة في حال البشرية، القوة المادية أو غيرها؟ لماذا يتعلق قلبه بهذه الأشياء؟
فإنما يكون إذًا تعلق القلب بمن يملك الانتقال والنُّقْلَةْ من حالٍ إلى حال ومن يملك القوة.
[ ٥٧٣ ]
فإذًا تتوجه القلوب في الدعاء ويتوجه المرء في عباداته إلى الله - ﷿ - وحده، ويعلم أنَّ من توجَّهَ إليه الخلق بالعبادة وألَّهُوهُ من دون الله - ﷿ - هم كما وصفهم الله - ﷿ - بقوله ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ [الأعراف:١٩١-١٩٢]، وقال - ﷿ - في وصفهم يعني في وصف الآلهة ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء﴾ [الأحقاف:٥-٦]، وفي قوله - ﷿ - ﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٦]، فالآلهة المختلفة مُحْتَاجَةْ ذليلة إلى الرب - ﷻ -، لا تملك لأنفسها شيئًا من الضر ولا النفع، فإذًا وجب التوجه إلى الله - ﷿ -.
٣- ثالثًا: توحيد الأسماء والصفات:
هذه الكلمة العظيمة فيها توحيد الأسماء والصفات عن طريق التّضمُّنْ واللُّزُومْ؛ لأنَّ وصف الله - ﷿ - هنا بأنَّهُ القوي القدير - ﷻ - يتضمن إثبات صفات الكمال التي تقتضي أنَّهُ لا انتقالَ من حالٍ إلى حال إلا به، فهل ينتقل المرء من حالٍ إلى حال إلا برحمته، هل يستقيم في حياته إلا بهدايته؟ هل يستقيم في أموره إلا بقدرته - ﷿ - وبرحمته وبعفوه وبمغفرته وبعدله إلى آخر الصفات؟
فإذًا هذه الكلمة مُتَضَمِّنَة ويلزم أيضًا من إثباتها إثبات أنواع من الأسماء والصفات للرب - ﷻ -.
فهي كلمةٌ عظيمة جليلة لذلك كانت من أعظم الكلمات التي هي غراس الجنة ووسيلة إلى الرب - ﷻ -.
[ ٥٧٤ ]