قال بعد ذلك (وَكُلُّ شَيْءٍ يَجْرِي بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَعِلْمِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، غَلَبَتْ مَشِيئَتُهُ الْمَشِيئَاتِ كُلَّهَا، وَغَلَبَ قَضَاؤُهُ الْحِيَلَ كُلَّهَا، يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ أَبَدًا، تَقَدَّسَ عَنْ كُلِّ سُوءٍ وَحَيْنٍ، وَتَنَزَّهَ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ وَشَيْنٍ: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] .)
_________________
(١) يريد ﵀ بهذا أن يُقَرِّرَ مُعْتَقَدْ أهل السنة والجماعة أنّه ما من شيء يحدث إلا وهو بمشيئة الله وعلمه وقضائه - ﷿ - وقدَرِه، وأنَّ الأمور لا تُسْتَأْنَفْ، لا يعلمها الله - ﷿ - إلا بعد وقوعها، كلا وحاشا، وإنما تقع على وَفْقِ تقدير الله - ﷿ - لها في الأزل. يعني علمه - ﷿ - بها، وكتابته - ﷿ - لها في اللوح المحفوظ قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وأنَّهُ سبحانه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وفي هذه الجملة ذِكْرُ مراتب الإيمان بالقدر المعروفة. - المرتبة الأولى ذَكَرَهَا في قوله العلم. - والمرتبة الثانية ذَكَرَهَا في قوله القدر، وهو الكتابة. - والمرتبة الثالثة ذَكَرَهَا بقوله (بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَعِلْمِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، غَلَبَتْ مَشِيئَتُهُ الْمَشِيئَاتِ كُلَّهَا) . - المرتبة الرابعة ذَكَرَهَا في قوله فيما سبق (وَأَفْعَالُ الْعِبَادِ خَلْقُ اللَّهِ، وَكَسْبٌ مِنَ الْعِبَادِ) . فهو لم يَنُصْ على مراتب القدر المعروفة وهي مُفَرَّقَةٌ في هذا الكلام. وها هنا مسائل:
[ ٥٧٩ ]
[المسألة الأولى]:
تفصيل الكلام على مراتب القَدَرْ، هنا لم يُنَصَّ عليه، والشارح أيضًا لم يتعرض له في هذا الموطن وتفصيله أنَّ الإيمان بالقدر يشمل الإيمان بمرتبتين:
١- المرتبة الأولى: سابقة لوقوع الواقعة أو لوقوع المُقَدَّرْ.
وهذا الإيمان السابق يشمل درجتين:
- الدرجة الأولى: الإيمان بعلم الله - ﷿ - بالأشياء قبل وقوعها عِلْمًا كُلِّيًَا وعلما جُزْئِيًَّا؛ يعني عِلْمًَا منه - ﷿ - بالكُلِّيَات وبالجزئيات، وعِلْمُهُ ﷾ بهذه الأشياء أوَّلْ كصفاته - ﷿ -.
- الدرجة الثانية: وهو الإيمان بكتابة الله - ﷿ - للأشياء قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة كما جاء في الحديث الذي في الصحيح «قَدَّرَ الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء» (١)
(قدر الله مقادير الخلائق) يعني كَتَبَها في اللوح المحفوظ قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، أما مرتبة العلم فهي سابقة فعلمه - ﷿ - بالأشياء أَوَّلْ لا حدود له.
٢- المرتبة الثانية: إيمانٌ بالقدر إذا وقع المُقَدَّرْ.
وهذا يشمل درجتين أيضًا:
- الدرجة الأولى: أن يعلم العبد أنَّ مشيئته في إحداث الأشياء هي تَبَعٌ لمشيئة الله - ﷿ -، وأنَّ مشيئة الله نافذة ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن كما قال - ﷿ - ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩]، وقال - ﷿ - ﴿وَمَن يَشَإِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام:٣٩]، وقال - ﷿ - ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَن يَشَاء فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان:٣٠-٣١] .
- الدرجة الثانية: هو أنَّهُ لا يقع شيء مما يقع إلا والله - ﷿ - هو الذي قضاه، وهو الذي خَلَقَ هذا الفعل، فالله - ﷿ - هو الخالق لكل شيء، وفي ضمن ذلك حركات العبد وأفعال العباد كما قال سبحانه ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٩٦]، على نحو ما فصَّلْنَا في دلالة الآية.
والقضاء والقدر لفظان أتيا في الكتاب والسنة، والعلماء تَكَلَّمُوا في معنى القضاء والقدر والصلة بين هذا وهذا.
والتحقيق في ذلك أنَّ القَدَرَ هو ما يسبق وقوع المُقَدَّر، فإذا وَقَعَ المُقَدَّرْ صار قَضَاءً.
قُضِيَ يعني انتهى، ومادة قَضَى في اللغة تدور حول هذا.
فيُقَال قَضَى القاضي بكذا إذا أَنْفَذَ حكمه وانتهى، وقال - ﷿ - ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ [فصلت:١٢]؛ يعني أَنْهَاهُنَّ بخلقهن سبع سماوات، وقال - ﷿ - ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه:٧٢] يعني احكم بما تحكم به حتى يكون قضاءً، وقال ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ﴾ [سبإ:١٤] .
فالقضاء يُطْلَقْ بمعنى إنفاذ المقَدر، فإذا وَقَعَ المُقَدَّرْ سُمِيَّ قَضَاءً.
وهذا نعني به القضاء الكوني؛ لأنَّ القضاء في النصوص يكون قضاءً كونيًا ويكون قضاءً شرعيًا.
أما القضاء الكوني فهو على نحو ما مر.
وأما القضاء الشرعي فمعناه أَمَرَ الله ووَصَّى كقوله ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣]، يعني أمر ربك ووَصَّى أن لا تعبدوا إلا إياه.
ويأتي القضاء في معنىً ثالث إذا عُدِّيَ بحرف (إلى) بمعنى أوحينا وأعْلَمْنَا.
تقول قَضَيْتُ إليه أن يفعَلَ كذا يعني أخبرته أعلمته ولا يعني معنى الإنفاذ كما قال - ﷿ - ﴿وَقَضَيْنَا إِلى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء:٤] وكما في قوله - ﷿ - في آخر سورة الحجر ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاَءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر:٦٦] .
﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ﴾ يعني أوحينا ذلك الأمر، فهذا بابٌ آخر غير الباب الذي نتتكلم عنه.
_________________
(١) سبق ذكره (٦١)
[ ٥٨٠ ]
[المسألة الثانية]:
ذَكَرَ هنا الظلم فقال (يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ أَبَدًا) ولفظ الظلم من الألفاظ التي أدخلها هنا لأنَّ الفِرَق الضالة تكَلَّمَتْ فيها:
- فالمعتزلة لهم كلام في الظلم.
- والجبرية لهم كلام في الظلم.
- وأهل السنة والجماعة أتباع السلف الصالح وسط بين الفئتين.
@ فالظلم عند المعتزلة في حق الله - ﷿ - هو الظلم في حق الإنسان، فما يفعله الإنسان ويكونُ ظلمًا منه إذا نُسب إلى الله - ﷿ - فإنَّه ظُلْمْ.
فقاسوا الظلم الذي يضاف إلى الله - ﷿ - بالظلم الذي يقع من الإنسان.
فعندهم الظلم واحد، سواءٌ أكانَ في المخلوق أم في الخالق، ضابطه واحد، وتعريفه واحد، وما يُنَزَّهُ الله - ﷿ - عنه من الظلم، هو ما لا يليق بالإنسان أن يفعله.
@ وأما المتكلمون والأشاعرة ونحو هؤلاء فإنَّ الظلم عندهم هو الامتناع عن القدرة.
وعندهم قُدْرَةْ الرّب - ﷿ - مُتَعَلِّقَة بما لا يشاؤه سبحانه في تَعَلُّقِهَا الأزلي وفي تعلقها الصُّلُوحي -على حد كلماتهم -لا ينشغل ذهنك بها-.
فعندهم القدرة متعلقة بما يشاؤه سبحانه، فما لا يشاؤه غير مَقْدُور.
فمعنى ذلك: الممتنع عن القدرة في تفسير الظلم هو الممتنع في حق الله - ﷿ - عما لم يشأه - ﷿ -.
فعند المتكلمين أو -الأحسن طائفة من المتكلمين لأنها ليست موضع اتفاق بين المتكلمين والأشاعرة ثَمَّ خلاف بينهم وإن كان قليلا- عندهم الظلم هو الامتناع أو ما يمتنع أو ما هو مُمْتَنِعٌ مِنَ القُدْرَة.
فما هو ممنوع ممتنع في قدرة الرب - ﷿ - هو الذي لو فَعَلَهُ لكان ظلمًا.
لكن هذا كما ترى تحصيل حاصل، فإنَّه - ﷿ - إذا كان لم يفعل فيكون عدم ظُلْمِهْ في أنَّهُ - ﷿ - لا يفعل الأشياء؛ لأنه لا يَظْلِمُ أحدًا، فلو فَعَلَ شيئًا لا يدخل في قدرته -بحسب كلامهم- يكون ظلمًا.
وهذا تفسير لا حاصل تحته لأن القدرة شيء والظلم شيء آخر.
فالظلم إذًا في تفسيرهم -تفسير طائفة من المتكلمين والأشاعرة ومن نحا نحوهم- يرجع إلى المُمْتَنِعِ في صفة القدرة لله - ﷿ -، فَرَجَعْ إلى أنَّ المُمْتَنِعْ في مشيئة الله - ﷿ - لو فعله لكان ظلمًا؛ لأنَّ عندهم الأفعال أيضًا غير مُعَلَّلَة، وحكمة الله - ﷿ - غير مرتبطة بالعِلَلْ والأسباب في بحثٍ يطول ذكره هنا.
@ وأما تفسير أهل السنة والجماعة والأئمة والذي دَلَّتْ عليه النصوص فهو أنَّ الظلم هو وضع الأشياء في غير موضعها اللائق بها الموافق للحكمة منه - ﷿ -.
والظلم بالتالي يكون غير مرتبط بالقُدْرَةْ وغير مَقيس على أفعال الإنسان؛ بل هو سبحانه متنزه عن الظلم وقد حَرَّمَهُ على نفسه.
مما يتصل أيضًا أنَّ الظلم عند المعتزلة لا يكون إلا من مأمورٍ ومَنْهِي؛ يعني أنَّ حقيقة الظلم تكون فقط ممن يُؤْمَرْ ويُنْهَى، ويورِدُون الآيات في ذلك، ويقولون الآيات كلها دالَّةْ على أنَّ الظلم إنما يكون في حق من أُمِرْ فلم يفعل ونُهِيْ ففَعَلْ وهم المُكَلَّفُونْ.
ولذلك ينفون عن الله - ﷿ - حقيقة الظُّلْمْ لأجل أنَّهُ غير مأمور وغير مَنْهِي، ويَرُدُّون الأحاديث التي فيها تحريم الظلم على الله - ﷿ - ونحو ذلك.
نقول: نضرب مثالا ًعلى ذلك في حديثين:
أما الحديث الأول فقوله ﷺ فيما رواه مسلم في الصحيح حديث أبي ذر المعروف «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا» (١) وهذا يدل على أنَّ الله حَرَّمَ الظلم على نفسه، فلو كان الظلم على تفسير أولئك لا يقع إلا من مأمور ومنهي، فكيف يكون تحريمه على الله - ﷿ -؟
يكون تحريمه تحصيل حاصل لا معنى له، ولو كان الظلم هو الامتناع عن القدرة لكان أيضًا إضافته إلى الله - ﷿ - تحريم الظلم ليس له معنى.
فإذًا تحريم الظلم «حرّمت الظلم على نفسي» يعني جعلت وضع الأشياء في غير موضعها الموافق للحكمة جعلته مُحَرَّمًَا على نفسي، وحَرَّمْتُ عليكم أن تظالموا.
والحديث الثاني وقوله ﷺ فيما رواه أبو داوود وغيره وصحَّحَهُ بعض العلماء قال ﷺ «لو أن الله عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم» (٢) الحديث.
يعني أنَّ أهل السموات والأرض لو عَذَّبَهُمْ الله - ﷿ - لعذبهم وهو غير ظالمٍ لهم.
المعتزلة يَرُدُّون هذه الأحاديث أصلًا، والأشاعرة يُجَوِّزُونَ أن يُعَذِّبَ الله - ﷿ - الناس من غير سبب؛ لأنهم لا حكمة عندهم ولا تعليل لأفعال الله، يفعل ما يشاء بدون علة وبدون سبب، ومنها أَخَذَ صاحب السَّفَارينية في قوله في منظومته، السَّفاريني:
وجَازَ للمولى يعذب الورى ****** من غير ما ذنبٍ ولا جُرْمٍ جرى
_________________
(١) سبق ذكره (٥١)
(٢) أبو داود (٤٦٩٩) / ابن ماجه (٧٧)
[ ٥٨١ ]
يقول (جائز أن يُعَذِّبَ الورى) يعني الله - ﷿ - من غير ما ذنب ولا جرم جرى.
هذا الحديث أهل السنة لا يُفَسِّرُونه بهذا ولا بهذا؛ يل يفسرونه بعِظَمِ معرفتهم لربهم - ﷻ - وخشيتهم له ومعرفتهم بحقوقه، فيقول أئمة أهل السنة:
بأنَّ أهل السموات وأهل الأرض إنَّمَا قاموا برحمة الله - ﷿ -، فما فيهم حركة ولا حياة ولا شأن إلا وفي كلٍّ منها فضل من الله - ﷿ - ورحمة ونعمة أفاضها عليهم بها قامت حياتهم وبها استقاموا، كما قال - ﷿ - ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ [النحل:٥٣]، فمِنْ حَقِّهِ - ﷿ - على هذا العبد المكلف الذي لا ترمش عينه إلا بنعمة، ولا يأكل إلا بنعمة، ولا يتنفس إلا بنعمة، ولا يتعلم إلا بنعمة، ولا يخطو خطوة إلا بنعمة، ولا ينظر إلا بنعمة، ولا يسمع إلا بنعمة، ولا يتكلم إلا بنعمة، ولا يفرح إلا بنعمة، إلى آخر نِعم الله - ﷿ - التي لا تُحْصَى ولا تُعَد، من حقه - ﷿ - أن يُقَابَلَ مع كل نعمة بشكر يقابل تلك النعمة.
فإذًا سيمضي حياته في شكر الله - ﷿ - على الصغير والكبير، فهل تسع حياة المكلفين ذلك؟
لا تسع ذلك.
ولهذا تأمل مع هذا قول الله - ﷿ - لنبيه ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:١-٢] .
وتأمَّلْ قول النبي ﷺ لعائشة لما قام حتى ورمت قدماه ﷺ «أفلا أكون عبدًا شكورًا» (١) ولن يَبْلُغْ جميعَ ما يَسْتَحِقْ الله - ﷿ - من الشكر بالعمل؛ بل لابد من الاستغفار والإنابة حتى يكْمُلَ شكر العبد لربه - ﷿ -.
وتأمل أيضًا ما عَلَّمَهُ - ﷺ - الصديق الذي هو أفضل هذه الأمة أن يقول في آخر صلاته: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك» (٢) كيف عَبَّرَ هنا بالظلم، «ظلمت نفسي ظلما كثيرا» لم؟ هل ظلم أبو بكر بارتكاب الكبائر؟
حاشا وكلا.
هل ظَلَمَ بِظُلْمِ العباد؟
حاشا وكلا.
هل ظلم أبو بكر ﵁ بالتقصير في حق رسول الله - ﷺ - وفي الاستجابة لله ولرسوله الظلم الكثير؟
حاشا وكلا.
ولكن ينظر العبد إلى ما يُفَاضُ عليه من النِّعَمِ في كل لحظة، فيشعر بأنه مُقَصِّرْ والله - ﷿ - وصف القليل من الإعراض في حق العبد بأنه من الظلم، ووَصَفَ الكثير بأنه من الظلم، فلهذا يشعر المؤمن بأنَّهُ ظلم نفسه ظلمًا كثيرًا؛ لأنه لا يمكن أن يشكر حقيقة الشكر.
فلو حاسَبْ الله - ﷿العباد، حاسب أهل السموات وأهل الأرض وأهل الأرض على حقيقة شكر ما أنعم الله به عليهم وأعظم ذلك أن جعلهم مُتَّصِلِينَ منه بسبب ومرفوعين إليه - ﷿ - وأنهم من المنيبين وأنهم من المهتدين لما قامت حيلة العبد ولما قام إيمانه ولما قام له شيء؛ ولكن ما ثَمَّ إلا رحمة الله - ﷿ - «لن يدخل أحدًا منكم عمله الجنة» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضلا» (٣) .
فإذًا ننظر إلى قوله «لو عذب الله أهل سمواته وأهل أرضه لعذبه وهو غير ظالم لهم» لأنَّ الشكر لن يكون في تمامه، فإذًا هم لن يُعْدَمُوا؛ بل لن يكونوا إلا مُقَصِّرِين، لن يكونوا إلا لم يُوَفُّوا مقام الشكر حقه.
بل حتى التوبة والإنابة إذا العبد كَمَّلَ الشكر بتوبته وإنابته دائمًا واستغفاره فإن قَبُول التوبة وحصول المغفرة وقبول الإنابة من العبد أليست هذه نعمة تستحق شكرا مجددا؟
فإذًا لو عَذَّبَ الله أهل سمواته وأهل أرضه لَعَذَّبَهُم وهو غير ظالم لهم، فلا يبرح العبد أن يرى نعمة الله - ﷿ - تُفِيْضَ عليه في أمر دينه وفي أمر دنياه وليس ثَمَّ أمامه سبيل إلا أن يشعر بالتقصير.
وهذا المؤمن الحق دائمًا يقول مُحَقِّرًا نفسه، عسى الله أن يتغمدنا برحمة منه وفضل ولو كان يصوم النهار ويقوم الليل، وانظر إلى كلام أبي بكر ﵁ في دعائه.
فكيف حال المغرورين الجهلة والمذنبين من هذه الأمة الذين لا يرون أثرًا لذنوبهم ولا لإعراضهم؛ بل إذا فعلوا القليل مَنُّوا وأدْلَوا على الله - ﷿ - به وهذه حال من لم يُوَفَّقْ.
أسأل الله - ﷿ - أن يوفقنا جميعا إلى ما يحب ويرضى.
هذا تفسير الظلم عند الطوائف المشهورة: القدرية وهم المعتزلة والجبرية وهم أصناف والمتكلمين وقول أهل السنة فيما بين هؤلاء وهؤلاء.
نختم بهذا، وهذه المسائل التي ذكرت مختصرة جدا، وإلا فبحوث القدر كثيرة، ولا نريد منكم أن تتوسعوا أكثر إلا فيما شملته العقيدة الواسطية وشملته العقيدة الطحاوية، ففيهما بركة؛ لأنَّ كثرة الخوض في القدر مُلْبِسَة إلا بعلمٍ راسخٍ في الكتاب والسنة.
في الختام أسأل الله - ﷿ - لي ولكم التوفيق للصالحات وأن يرحمنا برحمته وأن يوفقنا إلى طاعته.
_________________
(١) البخاري (١١٣٠) / مسلم (٧٣٠٢)
(٢) سبق ذكره (٣٦٩)
(٣) سبق ذكره (٣٧٨)
[ ٥٨٢ ]
الحمد لله الذي أنْعَمَ بالصالحات ويَسَّرَ لِسُبُلِ الخيرات، هو المحمود على كل حال، وهو المحمود على نعمه التي لا ينفكّ منها العبد في صباحٍ ولا مساء، له الحمد كلّه كثيرًا كما ينعم كثيرًا، وله الشكر - ﷿ - كثيرًا كما أنه يشفي ويتفضّل كثيرا، اللهم عاملنا بعفوك إنك سميع قريب، أما بعد: