[المسألة الأولى: معنى الملائكة لغة واصطلاحا]
[قال (وَنُؤْمِنُ بِالْمَلَائِكَةِ)]
_________________
(١) ندخل في تفصيل الكلام على هذه المسائل، وأولها الإيمان بالملائكة. والإيمان بالملائكة نجعله على مسائل: [المسألة الأولى]: في معنى الملائكة: الملائكة في اللغة جمعٌ لِـ: مَلْأَكْ، ومَلْأَكْ قال العلماء إنها مقلوبة من مَأْلَكْ. وأصل مألك -هذا مصدر- فيه معنى الأَلُوكَةْ وهي الرسالة. لهذا مادة الأَلُوكَةْ هي الرّسالة، وأَلَكَ فلانا بكذا يعني أرسله بكذا. فمادة الملائكة وأَلَكَ والأَلُوكَةْ كلها في الرسالة ومن ذلك قول الشاعر فيها ذكرته لكم قبل في شروحنا السابقة حيث قال: أَلِكْنِي إليها وخير الرسول أعلمهم بنواحي الخبر يعني أرسلني إليها، والأَلُوكَةْ معروفة عند العرب بمعنى الرسالة. فإذًا الملائكة -معناه اللغوي- هم المُرْسَلُونَ؛ لكن رسالة خاصّة على وجه التّعظيم لها. فإذًا الملائكة هم المُرْسَلُونَ، ولهذا الله - ﷿ - سَمَّى الملائكة مرسلين في قوله ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات:١]، كما هو أصح أقوال المفسرين في ذلك، وكذلك في قوله ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥]، وسيأتي معنى الاصطفاء هنا ولماذا صار بعض الملائكة رسلًا إن شاء الله تعالى؛ يعني خُصّوا باسم الرسالة دون البقية. أمَّا فيما دَلَّت عليه الأدلة فالملائكة عباد من عباد الله - ﷿ -، خَلَقَهُمْ الله - ﷿ - من نور، وجعلهم مُتَفَرِّغين لعبادته مُوَكَّلين بشؤون ملكوته. وهم ليسوا بِبَنَاتٍ لله ﷾، وليسوا بأولادٍ له - ﷿ -، وإنما هم عباد مُكْرَمُونَ، يَعْمَلَون بما يأْمُرُهُم به ربهم - ﷿ -. فهم عِبَادٌ يَعْبُدُونَ ولا يُعْبَدُونْ مُكْرَمُونَ مُطَهَّرُونْ ليسوا بذوي نقص لا في خِلْقَتِهِمْ ولا في خُلُقِهِمْ ولا في عبادتهم لربّهم - ﷿ -.
[ ٣٠٣ ]
[المسألة الثانية]:
الملائكة درجات وطبقات، فأعْظَمُ الملائكة قَدْرًا الثلاثة الذين خَصَّهُم الني ﷺ في دعائه في الليل -يعني في صلاته في الليل- حيث كان يدعو ﷺ بقوله «اللهم ربّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اللهم اهدني فيما اختلف فيه من الحق بإذنك فإنك تهدي إلى صراط مستقيم» (١) فنصَّ على هؤلاء الثّلاثة لفضلهم ولرفعتهم عند الله - ﷿ -.
وهؤلاء الثلاثة أفضلهم جبريل ثم ميكائيل ثم إسرافيل.
أما جبريل ﵇ وميكائيل وإسرافيل فهم مُوَكَّلُونَ بأنواع الحياة.
أما فجبريل مُوَكَّلٌ بحياة القلوب لأنَّهُ ينزل بالوحي من الله - ﷿ - كما قال سبحانه ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل:١٠٣] .
وأما ميكائيل مُوَكَّلٌ بأمر حياة الإنسان، يعني وسائل حياة الإنسان والحيوان من المطر والنبات والرياح، وما أشبه ذلك مما فيه حياته واستقامة أمره.
وأما إسرافيل فهو المُوَكَّلٌ بالنفخ في الصور، إذْ به إعادة الناس إلى حياة جديدة بعدها لا موت.
فإذًا الجميع يشتركون في أنّهم يُحيُون أو أنَّ معهم أسباب الحياة، ولذلك صاروا سادة الملائكة وأكابر الملائكة ﵈.
هم طبقات يختلفون -يعني في فضلهم- ويختلفون في قُرْبِهِم من الله - ﷿ -، وأيضًا يختلفون في وظائفهم وما وُكِّلُوا به.
ولفظ التوكيل -أنَّ المَلَكْ مُوَكَّلْ- يعني أنَّ الله - ﷿ - أوْكَلَ إليه أن يعمل هذا العمل، وذلك لقول الله - ﷿ - ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة:١١] .
فالله - ﷿ - جَعَلَ ملك الموت مُوَكَّلًا بالإنسان، وكل سَيِّدْ من الملائكة معه كثير من الملائكة يأتمرون بأمره وينتهون عن نهيه ويفعلون ما يأمرهم أميرهم أو قائدهم أو المطاع فيهم.
لهذا صار ملك الموت معه رُسُل كما قال - ﷿ - ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام:٦] في سورة الأنعام، الرسل: يعني الذين هم أعوان ملك الموت، كذلك قوله ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٥]، يعني ملائكة الموت.
كذلك الله - ﷿ - سمَّى الملائكة الذين سَخَّرَهُمْ بالريح ووَكَّلهم وهم جنود مكائيل ﵇ سمَّاهم بِصِفَاتِهِم، فقال - ﷿ - ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات:١]، وقال ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾ [المرسلات:٣-٤]، ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ [الصافات:١]، ونحو ذلك وهؤلاء جنود مُوَكَّلُون.
﴿الْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾، ﴿النَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾، ﴿الْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾ قال طائفة من العلماء في التفسير إنها الرّياح، وقال طائفة هي الملائكة، من الصّحابة ومن التابعين.
والقولان متقاربان لأنَّ الرياح لا تفعل هذه الأشياء من ذات أنفسها؛ بل هي مَسُوقة، مثل ما ترون اليوم يقولون ما تُمْلِيهُ الأرصاد فيما يرون ويَسْتَنْتِجُونَ وُجِدْ منخفض جوي في المكان الفلاني ومُرْتَفَعْ، منخفض في الهند ومُرْتَفَعْ ما أدري إيش، وسَبَّبْ وجود الرياح مشيها كذا والسحاب مشى كذا.
وهذه كلها في ما يعتقده المؤمن أنَّ الله - ﷿ - هو الذي فعل هذه الأشياء، وأنه أَمَرَ الملائكة المُوَكَّلِين بهذه الأمور أن تفعل هذه الأشياء، ثُمَّ الناس ينظرون إلى الأسباب، ينظرون إلى المُسَبَّبَاتْ ولا ينظرون إلى الفعل الحقيقي، فيرون النّتيجة، يقولون اتجه بسبب المُنْخَفَضْ.
لكن لماذا حصل المنخفض، كيف حصل؟ ونحو ذلك، لا يعرفون لأنهم عن ربهم معزولون.
إذًا الملائكة وكَّلَهُم الله - ﷿ - بأمور ملكوته ولم []
حاجَةً منه - ﷿ - لهم تعالى الله - ﷿ - عن ذلك بل هو الغني.
والملائكة يَشْرُفُونَ بِعَمَلِ ما يَأْمُرُهُم به - ﷿ -؛ لكن لِيَظْهَرَ فَضْلُهُم ولينشغلوا بعبادة الله - ﷿ - وبامتثال أمره وبخوفه والانتهاء عن نهيه ونحو ذلك من المعاني.
_________________
(١) مسلم (١٨٤٧) / أبو داود (٧٦٧) / الترمذي (٣٤٢٠) / النسائي (١٦٢٥) / ابن ماجه (١٣٥٧)
[ ٣٠٤ ]
[المسألة الثالثة]:
الملائكة خُلِقُوا من نور ومَلَؤُوا السّماء، وهم كما قال - ﷿ - عن قولهم ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات:١٦٤]، يعني في السماء ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات:١٦٥-١٦]، فهم ملؤوا السماء، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال «أطت السماء وحُقَّ لها أن تئط ما فيها موضع أربعة أصابع إلا وملك قائم أو ملك ساجد أو ملك راكع» (١) .
والملائكة لمَّا كانوا مخلوقين من نور فإنهم إذا مَلَؤُوا السماء ليس مَلْأَ أجسامِ تَحُولُ دون العُبُورِ في السماء؛ بل هذه أجسام نور، الله - ﷿ - أعلم كيف تكوينها وكيف صفاتها على وجه الكمال.
ثَمَّ كتب كثيرة أُلفت في ذكر الملائكة ولا أدري هل يناسب أن نطيل الحديث حولها أو أحيلكم على بعض الكتب التي فيها ذكر تفصيلٍ للملائكة منها:
شرح الطحاوية الذي عندكم فيه بيان لا بأس به.
وكذلك نَقَلَ عنه صاحب معارج القبول وزاد بعض الأدلة.
ومن الكتب المعاصرة كتاب الدكتور الأشقر عالم الملائكة وهو كتاب جيد في بابه يمكن أن ترجع إليه.
_________________
(١) الترمذي (٢٣١٢)
[ ٣٠٥ ]
[المسألة الرابعة]:
أنَّ الإيمان بالملائكة رُكْنٌ من أركان الإيمان، ومعنى كونه رُكْنًَا أَنَّ الإيمان لا يوجد إذا فُقِدَ رُكْنُهُ؛ لأنَّ الركن هو ما يقوم عليه الشيء، فإذا فُقِد فإنه لا قيام للشيء بدونه.
وهذا الكلام في تعريف الركن يَصْدُق على الإيمان -أركان الإيمان-، وأما أركان الإسلام ففيها بحث في هل الركن فيها ما هو بهذا المعنى أم ثَمَّ معنى آخر؟
ربما يأتينا في موضع آخر إن شاء الله.
لكن بإجماع أهل العلم أنَّ من لم يؤمن بالملائكة فلم يؤمن بالله وهو كافر؛ لأنَّ الله - ﷿ - ذَكَرَهُمْ في كتابه فهو كافر بالله، كذلك من لم يؤمن بالنبيين، كذلك من لم يؤمن بكتب الله - ﷿ - المنزلة.
هذا الإيمان الذي هو فرض وركن وواجب له حالان:
- الحالة الأولى الإيمان الإجمالي.
- الحالة الثانية الإيمان التفصيلي.
@ فمعنى الإيمان الإجمالي أن كل أحد عليه فرض:
١- أن يؤمن بوجود الملائكة.
٢- أن يؤمن أَنَّ الملائكة عباد وليسوا ببنات لله - ﷿ - ولا يُعْبَدُونْ.
هذا القَدْرْ واجب على كل أحد أن يؤمن به إجمالًا
@ ومعنى الإيمان التفصيلي أن كل أحد يجب عليه:
أن يؤمن بكل ما أخبر الله - ﷿ - به في كتابه أو أخبر به نبيه ﷺ في سنته الثابتة من ذِكْرِ الملائكة.
ففي القرآن لو قال لنا قائل: أنا أؤمن بالملائكة لكن جبريل ما أدري إيش جبريل؟ لأنه ما قرأ القرآن، فإنه إذا قرأ القرآن وسمع باسم جبريل وأنه ملك هنا وجب عليه الإيمان تفصيلا بجبريل.
فمن كَفَرَ بجبريل فقد كَفَرَ ببقية الملائكة وكذلك وبالإيمان الإجمالي أصلًا.
وكذلك من كَفَرَ بميكال، وكذلك من كفر بإسرافيل، وكذلك من كفر بملك الموت إلى آخره.
فإذًا الإيمان الإجمالي هذا هو ركن الإيمان الواجب على كل أحد، ثُمَّ كُلُّ من سمع نَصًَّا ودليلًا فيه ذِكْرُ الإيمان بالملائكة من القرآن فإنه يجب عليه أن يؤمن بهذا على وجه بالتفصيل.
فلا يجب على كل أحد -يعني من المسلمين- أن يعلم أنَّ ميكال مثلا هو المُوَكَلْ بالقَطْرْ، أو أنَّ إسرافيل مُوَكَّلْ بالنفخ في الصور.
فلو قال لك قائل من العامة أو من جملة الناس مثلًا: أنا لا أدري، لا أعرف هذا، المهم أنا أومن بالملائكة.
فهذا يكفي في الإيمان، ثُمَّ مَنْ عَلِمْ كل حالة أو كل اسم ملك أو دليل في ذلك وَجَبَ عليه الإيمان به.
[ ٣٠٦ ]
[المسألة الخامسة]:
الإيمان بالملائكة تَبَعٌ للعلم، وكلما زَادَ العِلْمُ بالعقيدة وبالنصوص زَادَ الإيمان بالملائكة لمن وفَّقَهُ الله - ﷿ -.
ولهذا نقول: الناس متفاوتون في إيمانهم بملائكة الله - ﷿ - وليسوا جميعًا سواء في ذلك، والتفاوت سَبَبُهُ تفاوت العلم، فكلما كان العلم أكثر كان الإيمان أكثر؛ لأنَّ الإيمان هنا معناه التصديق، فإذا عَلِمَ فَصَدَّقَ وآمَنَ جزمًَا فإنَّ إيمانه يزيد على غيره.
وهذا من أَوْجُهِ معنى زيادة الإيمان ونقصانه في مجموع خصال الإيمان.
لهذا نقول: الإيمان بالملائكة المستحب درجات كثيرة؛ السعي في البحث عن ذلك هذا من الإيمان المستحب، ثُمَّ إذا علم وَجَبَ عليه أن يؤمن.
وطلب العلم في هذا ومعرفته ومعرفة أحوال الملائكة وكيف يعبدون الله - ﷿ - ويخافونه وخوفهم من الله - ﷿ - وامتثالهم لأوامره ونحو ذلك، طلب ذلك والسعي فيه هذا من العلم المستحب، فإذا عَلِمَ شيئًا من ذلك وجب عليه الإيمان به؛ لأنَّ الحجة قامت عليه.
مِنَ المسائل أيضًا المتصلة بزيادة الإيمان بالملائكة وتفاوت الناس فيه أنَّ الإيمان بالملائكة له أَثَرٌ على العبد المؤمن.
وهذا الأثر تارَةً يرجع إلى التّوحيد والعلم، وتارَةً يرجِع إلى السلوك والعمل، وتارة يرجع إلى خصال الإيمان أو أركان الإيمان الأخرى.
الجهة الأولى التوحيد والعلم:
فإنَّهُ يعلم أنَّ الملائكة كما وصفهم الله - ﷿ - بأنهم عباد ﴿بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦]، وأنهم مع كونهم ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]؛ لكنهم يخافون الله - ﷿ - ويعبدونه عبادة دائمة، وخوفهم من الجليل - ﷿ - مع قربهم منه ﷾، وهذه فيها إبطال لدعوى من عَبَدْ الملائكة أو قال إنهم بنات الله كما وصف الله - ﷿ - قولهم بقوله ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتْ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات:١٥٨]، و﴿الْجِنَّةِ﴾ هنا هم الملائكة في أحد الأقوال وأصح الأقوال، والنَّسَبْ يعني أَنَّ الملائكة بنات الله، وهذه جاء مُصَرَّحًَا بها في آيات كثيرة كما في قوله ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:١٩]، وكذلك قوله ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل:٥٨]، إلى آخر الآيات في هذا.
المقصود أنَّ في الإيمان بالملائكة إبطال لدعوى كل من عَبَدَ غير الله - ﷿ -؛ لأنهم يعبدون غير الله - ﷿ - إما في ظَنِّهِمْ أنهم عبدوا الملائكة وهم يعبدون الجن أو عبدوا الأشجار والأوثان وهم يعبدون في الحقيقة أهواءهم والجن سيطرت عليهم، فكلُّ عبادة تَوَجَّهَت إلى غير الله - ﷿ - فإنّ الإيمان بالملائكة ومعرفة ما عليه الملائكة يدل على بطلان تلك العبادة.
ولهذا ذكر الله - ﷿ - في آخر سورة سبأ إشارَةً إلى هذا الأصل الذي يحتاج بيانه إلى تفصيل لقوله - ﷿ - ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبإ:٤٠-٤١]، وهذا يعم جميع أنواع عبادة غير الله - ﷿ -.
كذلك في توحيد الله - ﷿ - في خصال العبادة من الخوف والمحبة وإتباع الأمر والنهي هذه كلها الإيمان بالملائكة ومعرفة أحوال الملائكة تزيد العبد معرفةً بخصال التوحيد؛ لأنَّ أهل السماء الذي هم ملائكة الله - ﷿ - كاملو توحيد الله - ﷿ - واتِّباعِهِمْ لأمره ونهيه ﷾.
الجهة الثانية وهي جهة السلوك والعمل:
فللإيمان بالملائكة أثر، وذلك أنَّ الملائكة لمن آمن بهم على وجه التفصيل فإنَّهُ يعلم أنَّ ثَمَّ ملائكة يكتبون ما يصدر من الإنسان كما قال سبحانه ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١١-١٢] فكونهم يكتبون، وكذلك ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]، هذا يجعل إحسانه للعمل ومراقبته لربه في لفظه وفي عمله أعظم لأنه يعلم أنه معه قرين يلازمه لا ينفكّ عن كتابة شيء.
ولذلك يُحْسِنُ قوله ويُحْسِنُ عمله ما استطاع، وإذا أذْنَبَ فإنه يستغفر وطوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا؛ لأنّ الملائكة تكتب هذا وهذا و﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] .
الجهة الثالثة وهي أَنَّ الإيمان بالملائكة له أثر في أركان الإيمان الأخرى:
فإنَّ الملائكة لمن آمن بهم عَلِمْ أَنَّ منهم المُوَكَلْ بالوحي، وجبريل ﵇ هو المُوَكَلْ بالوحي.
وهذا الوحي ما هو؟
[ ٣٠٧ ]
هو كُتُبُ الله - ﷿ - ووحيه على أنبيائه، فصار ثَمَّ صلة بين الإيمان بالملائكة والأنبياء، الإيمان بالملائكة والكتب.
ولهذا المعنى جَمَعَ الطحاوي-فيما يظهر لي- بين هذه الثلاثة في هذا الموضع لأنَّ كل واحدة منها تدل على الأخريتين البقيتين، الإيمان بالملائكة والنبيين والكتب المنزلة، وكل واحدة تدل على البقية.
ومن ثمرات الإيمان بالملائكة الإيمان بالكتب، ومن ثمرات الإيمان بالكتب الإيمان بالأنبياء وإلى آخره، فهذه كلها متصلة جميعًا.
من الملائكة من هو مُوَكَلْ -وهو إسرافيل- مُوَكَلْ بالبعث يعني بالنفخ في الصور، منهم الموكل بالموت إلى آخره، هذا يرجع إلى الإيمان باليوم الآخر.
ميكائيل مُوَكَلْ بالقطر وهذا يرجع إلى الإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى.
منهم الموكل بالأجنة ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء﴾ [آلأ عمران:٦] يأتي ملك فيقول: يا ربي أذكر أم أنثى أشقي أم سعيد أمريض أم سليم؟
فيقضي الله ما يشاء ويكتب الملك، فإذًا لها صلة بالقَدَرْ.
فلهذا نقول: إنَّ الإيمان بالملائكة صار من أركان الإيمان:
- لكثرة الأدلة الدالة على ذلك.
- ولأن الإيمان بالملائكة يدل على الإيمان بجميع الأركان الأخرى.
لهذا صار الإيمان بالملائكة بعد الإيمان بالله مُبَاشَرَةً.
الإيمان بالله هذا يدل على الجميع، والإيمان بالملائكة يدل على الجميع.
وكذلك الإيمان بالكتب يدل على الجميع، والإيمان بالرسل يدل على البقية، والإيمان باليوم الآخر يدل على الإيمان بالقدر.
هذه كلمات مختصرة حول الإيمان بالملائكة؛ لكن الموضوع طويل ومهم ولابد أن تطَّلِعُوا عليه بتوسع في بعض الكتب التي ذكرت لكم، خاصة كتاب الدكتور الأشقر فإنه مفيد جدًا في هذا الباب.
هناك مسألة تَطَرَّقْ إليها الشارح وهي مسألة المفاضلة بين الملائكة والأنبياء.
والشارح قال: كان الأَوْلَى أن لا أدخل فيها.
شيخ الإسلام قال: كنتُ أظُنُّ أَنَّ البحث فيها، أنَّ المسألة من المسائل المبتدعة -يعني التفضيل- حتى رأيت البحث فيها سُنِّيًا أثريًا ومع ذلك فإني لا أحب الخوض في هذه المسألة؛ لأنه لا يندرج تحتها عمل.
ومن أراد الإطلاع ينظر في الفتاوى في بحث في نحو أربعين صفحة أو أكثر في هذه المسألة.
لكنّ الذي يهمّ طالب العلم في العقيدة السلفية أن لا يُقِرْ من قال بتفضيل الملائكة مُطْلَقًَا، فهذا القَدْرْ مهم أن لا يُقِرِّ بِهِ، إما أن يُسْكَتْ عنها، وإما أن يقال فيها بقول جمهور أهل السنة وهو بتفضيل الأنبياء وصالح المؤمنين على الملائكة، وأما الخوض في الزيادة والأدلة والتفصيل والردود هذا من العلم الذي يُترك لعدم الحاجة إليه الآن.
نكتفي بهذا القدر، ونلتقي إن شاء الله الأسبوع القادم بارك الله فيكم، وفقني وإياكم إلى ما فيه رضاه وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
[ ٣٠٨ ]
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا، أما بعد: