قال بعد ذلك ﵀ (وَنَقُولُ: اللَّهُ أَعْلَمُ فِيمَا اشْتَبَهَ عَلَيْنَا عِلْمُهُ)
_________________
(١) (نقول) يريد به أتْبَاعْ الأئمة الأربعة وأتباع أهل الحديث والأثر، فإنهم يمتثلون ما أَمَرَ الله - ﷿ - به في أنَّهُمْ لا يقولون على الله ما لا يعلمون، وأنهم لا يَقْفُونَ ما لا يعلمون، امتثالًا لقوله - ﷻ - ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦]، وقال - ﷿ - في بيان المحرّمات ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣] . فالقول على الله - ﷿ - بلا علم محرم وهو قرينٌ للكفر والشرك؛ لأنَّهُ ما حصل الشرك والكفر وعبادة غير الله - ﷿ - إلا بالقول على الله بلا علم، ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٤٨]، فإذًا كل ضلال حصل إنما هو بالقول على الله - ﷿ - بلا علم. فأهل السنة والجماعة أتباع الحديث والأثر فيهم تَخَلِّي عن أهوائهم وغَلَبَة لأنفسهم وامتثال لأمر الله - ﷿ - وأمر رسوله ﷺ، فيقولون: الله أعلم فيما لا يعلمون. ولهذا جبريل ﵇في حديث جبريل في سؤاله للنبي - ﷺ - الحديث المعروف السؤال عن الإسلام والإيمان إلى آخره- قال عمر ﵁ في آخره لمَّا سأله النبي ﷺ: «يا عمر أتدري من السائل؟» قال: الله ورسوله أعلم، قال «هذا جبريل جاءكم يعلمكم أمر دينكم» (١)، فالصحابة رضوان الله عليهم استعملوا هذا الأصل في عهده ﷺ واستعمله العلماء والأئمة إلى وقتنا الحاضر. ونذكر مسألتين:
(٢) سبق ذكره (٩)
[ ٤٩٧ ]
[المسألة الأولى]:
في قول (اللَّهُ أَعْلَمُ) أفعل التفضيل هنا (أَعْلَمُ):
- إما أن ترجع إلى المتكلم، يعني نقول: الله أعلم منا أو مني فيما اشتبه علينا علمه.
- أو الله أعلم بحكم هذه المسألة من خلقه.
@ فالأُولى: فيها إرجاع للمتَكَلِّمْ.
@ والثانية: فيها إرجاعٌ إلى الجميع.
وأفعل التفضيل هنا (أَعْلَمُ) ليس معناها اشتراك الجميع في العلم في هذه المسألة؛ لأنَّ العبد إذا لم يعلم شيئًا قال: الله أعلم، ولو أراد (مني) فإنه لا يعني أنَّ عنده علم قليل.
ولهذا صار معنى (الله أعلم) أي الله هو العالم بحكم هذه المسألة فأنا لا أعلم.
وقول (الله ورسوله أعلم)، لم يذكرها هنا لأنه لا يُقَال الله ورسوله أعلم إلا في حياته ﷺ، وأما بعد وفاته فلا يقال إلا الله أعلم؛ لأنَّ النبي ﷺ انقطع عن دار التكليف ودار الوحي الذي هو العلم الذي ينزل به جبريل ﵇ عَلَيْهِ.
[ ٤٩٨ ]
[المسألة الثانية]:
قوله (فِيمَا اشْتَبَهَ عَلَيْنَا عِلْمُهُ) الاشتباه يعني بِهِ وُرُودْ ما لا تَعْلَم مُطْلَقًَا أو فيما تعلم واشتبه عليك هل هو الصواب أم لا.
ولهذا قال العلماء الاشتباه والمتشابهات المراد منها فيما جاء في النصوص ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران:٧]، وهنا قال (فِيمَا اشْتَبَهَ عَلَيْنَا عِلْمُهُ) المراد بـ: (ما اشتبه، والمتشابهات) المُتَشَابِهْ الإضافي النّسبي لمن قال هذه الكلمة، وأما المُتَشَابِهْ المُطْلَقْ فيما فيه تكليف علمًا أو عملًا فإنه لا يوجد في الكتاب والسنة.
فكل ما فيه تكليف في الكتاب أو السنة -تكليف بالأوامر والنواهي- في العلم أو في العمل فلا يكون مُشْتَبِهًَا على الأمة كلها؛ بل قد يشتبه على البعض ويعلمه آخرون؛ لأنَّ الاشتباه الموجود نسبي إضافي بحسب علم العبد، لهذا قد يَرِدُ على العالم أو على من هو أقل علمًا أو على الإمام مسائل يشتبه عليه فيها العلم أو لا يعلمها أصلًا.
ترد عليه آية لا يعلم معناها أو مَخْرَجَها، فيسأل عنها، عمر ﵁ سَأَلَ عن آيات، أبو بكر ﵁ جاء عنه أنه قال (أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم) (١)، وعمر رُوي عنه نحو هذه الكلمة وسأل عن تفسير آيات وسُئِلَ، والصحابة لم يزل بينهم إِرْجَاعْ في المسائل إلى بعضهم بعضًا، بعضهم يُرْجِعُ إلى بعض المسائل.
فإذًا هذا أصل في أنّ المرء إذا لم يعلم يقول (الله أعلم)، ويُحِيلُ إلى غيره ممن يعلم.
الاشتباه هنا كما ذكرت لك قد يكون اشتباهًا في الدليل، وقد يكون اشتباهًا في المدلول:
@ في الدليل: ما عَرَفْتَ وجه الدليل أو المسألة، لا تعرف دليلها أصلًا، ليس معنى ذلك أنها ليست بحق؛ لأنَّ علماء الأمة يعلمون دليلها.
@ في المدلول: يكون الدليل معك؛ لكن وجه الاستدلال يشتبه عليك، فلا تَخُضْ في كتاب الله تفسيرًا ببيان وجه استدلال وأنت ليس عندك علم به، فتقول (الله أعلم، هذا هو الدليل لكن إيش وجه الاستدلال الله أعلم.
لهذا الإمام مالك يُذْكَرْ عنه أنه سُئِلَ عن أربعين مسألة أو عن ثلاث وثلاثين مسألة فأجاب عن أربع والبقية قال (الله أعلم لا أدري) .
وهذا من عظيم تعظيمهم لله - ﷿ - وأن يقولوا في دين الله ما لا يعلمون.
وهذا في الحقيقة القاعدة هذه أو هذا الأصل تحتاجه كثيرًا في النقاش؛ لأنَّ المرء إذا ناقش غيره قد يأتيه الشيطان ويقول أنت تعلم كل شيء، فيترك لا أعلم ويترك الله أعلم ويترك لا أدري فيقع ويأثم.
وهَدْيُ أهل السنة والجماعة التواضع في العلم كما أنَّهُ التواضع لله - ﷿ - في العلم والعمل، لهذا قال ابن المبارك ﵀ (إنَّ للعلم طغيانًا كطغيان المال) (٢) . والله - ﷿ - وصف أهل المال بقوله ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦-٨]، كذلك المرء قد يزداد عنده العلم حتى تُكْسِبَهُ تلك الزيادة طغيانًَا فيَتَعَدَّى على غيره، ولا يسلك مع الناس سبيل الشّرع في العدل في اللفظ وحمل أقوالهم ونحو ذلك مما يجب على المرء أن يعدل فيه؛ لأنَّ من أراد أن يُقَيِّمْ الأقوال فهو قاض، والقاضي يجب عليه أن يحكم بالعدل لا أن يحكم بالهوى ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:٢٦]، والمرء إذا أخطأ (الله أعلم) جاءه كل غلط، تأتيه الآراء الخطأ ويقتنع بها ويُؤَيِّدُهَا ثم يَتَعَصَّبْ لها ثم يحصل فساد من أقواله؛ لكن إذا عَوَّدَ نفسه أن يمتثل هذا الأصل وهو ما لا يعلم يقول (الله أعلم) فُتِحَتْ لقلبه أنوار من العلم، ثم إذا عَلِمَ العلم ثبت عنده بإذن الله تعالى، تَوَاضَعْ لله - ﷿ - ومن تواضع لله - ﷿ - رَفَعَهُ.
هذه بعض الكلمات على هذا الأصل.
أسأل الله - ﷿ - أن يوفقني وإياكم لما فيه رضاه، وأن يغفر لأئمتنا الذين وَرَّثُونَا هذا العلم النافع، وأن يجمعنا بهم في دار كرامته وأن يُورِدَنَا حوض نبيه، إنه سبحانه أكرم مسؤول جوادٌ غفورٌ رحيم.
_________________
(١) سبق ذكره (١٤٩)
(٢) حلية الأولياء (٤/٥٥)
[ ٤٩٩ ]