قال بعدها (وَنُؤْمِنُ بِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَهُمْ عَلَيْنَا حَافِظِينَ)
_________________
(١) نؤمن أي نُصَدِّقُ ونعتقد وجود الكرام الكاتبين كما أخبرنا ربنا - ﷿ - بذلك وهم الملائكة الذين كَرَّمَهُم الله - ﷿ - بأنواع التكريم، وجعلهم مُوَكَّلين بابن آدم يكتبون عمله؛ ما يصدر منه من قول أو عمل. فهؤلاء الذين يُقَارِنُونَنَا من الكَتَبَة نؤمن بهم؛ لأنَّ الله - ﷿ - أخبرنا عنهم وأخبرنا عنهم نبينا ﷺ. وهذا فرعٌ للإيمان بموجود الملائكة أصلًا، فهذا تبعٌ لركن من أركان الإيمان وهو الإيمان بالملائكة، وقد مَرَّ معنا أنَّ الإيمان بالملائكة له درجتان:
(٢) الدرجة الأولى: إيمانٌ واجبٌ وفرض إجمالي وتفصيلي.
(٣) الدرجة الثانية: إيمانٌ بما أخبر الله - ﷿ - مُطلقًا ما علمنا وما لم نعلم، وما جاء في السنة ما علمنا وما لم نعلم، وكل من بلغه شيء وجب عليه الإيمان به. فالإيمان بالكرام الكاتبين ليس شرطًا في صحة الإيمان، ليس رُكْنًَا في صحة الإيمان بحيث إنَّ من قال ليس ثَمَّ من يكتب من الملائكة، فيُقَال إنه لم يصح إيمانه بل هو كافر، إلَّا إذا عُرِّف بالآيات والأحاديث فأنكر فهنا له حُكْمُ أمثاله من المنكرين ما في الكتاب أو السنة، وإنما الإيمان الذي يتحقق به ركن الإيمان بالملائكة كما ذكرنا لكم، هو أن يؤمن بوجودهم وأنهم يعبدون الله لا يُعْبَدُون. ثُمَّ الإيمان التفصيلي: فكل من سمع آية أو حديثًا صحيحًا واضحًا فيه الخبر بالغيبيات وجب عليه التصديق بذلك واعتقاد ما دل عليه. والطحاوي فَرَّقَ الكلام على أركان الإيمان، وكثيرْ من العلماء الذين صَنَّفُوا في العقيدة ما رتَّبُوا الكلام على مسائل الاعتقاد بترتيبٍ منهجي؛ يعني ما جعلوا الكلام على الإيمان بالله وما يتّصل به أولًا ثم بالملائكة ثم بالكتب ثم بالرسل ثم بالقدر ثم باليوم الآخر، ثم انتقلوا إلى القسم الثاني إلى آخره؛ بل فرقوا ذلك. وهذا راجع إلى ما درجوا عليه من أنَّ المرء يكتب عقيدته بحسب ما يحضُرُهُ من المسائل، ولم يقصدوا فيها الترتيب المنهجي وإلا فمسائل الإيمان بالملائكة الكاتبين أو بملك الموت هذا متصل بإيمان بالملائكة. وهاهنا مسائل:
[ ٥١١ ]
[المسألة الأولى]:
قوله (وَنُؤْمِنُ بِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ) إلى آخره، أخَذَهُ من قول الله - ﷿ - ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١٠-١٢]، فوصفهم الله - ﷿ - بأنهم حَفَظَة علينا وبأنهم كرامٌ وبأنهم كتبة، والآيات التي تَدُلُّ لهذا الأصل متعددة -يأتي بيان بعضها إن شاء الله تعالى-.
لكن هاهنا على هذه الآية وعلى لفظ الطحاوي ﵀: وَصَفَ الله - ﷿ - الملائكة هؤلاء:
- الوصف الأول: بأنهم حَفَظَة على ابن آدم.
- الوصف الثاني: بأنهم كَتَبَة.
- الوصف الثالث: بأنهم يعلمون ما تفعلون.
@ أما الوصف الأول: وهو أنهم حَفَظَة على ابن آدم فَفَرْقٌ ما بين أن يكون حافِظًَا على ابن آدم وما بين أن يكون حافظًا لابن آدم -وسيأتي بيان الفرق في المسائل التي بعدها-، ففي هذه الآية أنهم حَفَظَة على ابن آدم؛ يعني يحفظون على ابن آدم ما يصدر منه.
@ ثُمَّ وَصَفَهُم بوصف ثانٍ: أنهم إذا حَفِظُوا على ابن آدم ما صَدَرَ منه فإنهم يكتبونه في صحُفْ عندهم بأيدي الملائكة، والملك مُوَكَّل بكتابة الحسنات والملك الآخر موكّل بكتابة السيئات.
فإذًا الكتابة منقسمة إلى كتابة للحسنات في صحف والكتابة للسيئات في صحف.
@ الوصف الثالث: أنَّهُ قال ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾، والفعل الذي يفعله ابن آدم:
- يكون بقلبه فيشمل أعمال القلوب.
- ويكون بلسانه ويشمل ما يُحَرِّكُ به لسانه ولو لم ينطق به.
- ما يعمله بجوارحه المختلفة من الأيدي والأرجل والفرْج واللسان إلى آخره، فكل ما يعمله بجوارحه أيضًا تَعْلَمُهُ الملائكة.
هذه دلالة الآية.
هل يُكْتَبُ هذا كله؟
ظاهر الآية أنَّ هذا بأجمعه يُكْتَبْ.
وآية سورة (ق) فيها قول الله - ﷿ - ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] .
﴿رَقِيبٌ﴾ يراقبه.
﴿عَتِيدٌ﴾ يعني مُعَدٌّ للحفظ عليه ولمراقبته، فكل شيء -يعني مما يلفظه- يُعْلَمْ فَيُكْتَبْ.
ودلالة آية الانفطار هذه تشمل الأصناف الثلاثة، وهذا هو الصحيح أنَّ الملائكة تكتب أعمال القلوب؛ لأنها أفعال، وتكتب عمل اللسان ونطق اللسان، وتكتب عمل الجوارح؛ وذلك لأنَّ عمل القلب منه ما هو واجب وهو إخلاصه ونيته وتوكله على الله وخوفه ورجاؤه ونحو ذلك، من أعمال القلوب، وهي أعظم العبادات التي يتعبد بها المرء رَبَّه هذه العبادات الجليلة.
ثُمَّ من أعمال القلوب ما يكون من باب إتيان السيئات مِنَ: الهم، أو إرادة السيئة والعزم عليها، أو من المنهيات من سوء الظن بالمسلم، أو سوء الظن بالله - ﷿ -، أو نحو ذلك من الكِبْرْ إلى آخره من المنهيات.
والملائكة يعلمون هذا كله.
وعِلْمُهُمْ به، هل هو لقدرتهم عليه ذاتًا؟ أو لأنَّ الله - ﷿ - أقْدَرَهُمْ عليه لأنهم مُوَكَّلون بهذا الأمر؟
الظاهر هو الثاني؛ لأنَّ الملائكة ليس لهم سلطان على ابن آدم ولا علم بالغيب، وإنما الله - ﷿ - أقْدَرَ هذا الصنف من الملائكة بخصوصه على الإطلاع لأنهم موكلون بالكتابة، والقلب يُحَاسَبْ عليه الإنسان واللسان يُحَاسَبْ عليه وكذلك الجوارح يحاسب عليها.
فإذًا كل هذه تُكْتَبْ وحتى ما يكون من قبيل الهَمِّ الذي يَهُمْ به الإنسان فإنه يُعْلَمْ ويُحفَظْ، ثم هل يُكْتَبُ عليه أو يُكْتَبُ له؟
هذا فيه البحث المعروف لديكم في أنّ «الله تجاوز لهذه الأمة ما حدّثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم» (١) والمقصود بـ (ما حدّثت به أنفسها) ما هو من قبيل الهم أو من قبيل الوسوسة أو من قبيل حديث النفس؛ لكن إذا انْتَقَلَ الهم أو حديث النفس إلى العزم والإرادة على الشرّ صار مُؤَاخَذًا عليه، إذا انتقل حديث النفس أو الهم هذا إلى شرف المكان وهو مكة فإنه يُؤَاخَذُ عليه في قول بعض أهل العلم وهكذا.
فإذًا ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ هذه عامة يمكن أن يُسْتَثْنَى منها ما تجاوز الله - ﷿ - لهذه الأمة عنه والباقي على عمومه.
وهذا مما يُعْظِمُ الخوف من حركات العبد وفي قلبه ولسانه وجوارحه، ويُعْظِمْ عند العبد المؤمن شأن الاستغفار فإذا كان النبي ﷺ يُحْسَبُ له في المجلس الواحد أنه يستغفر ويتوب إلى الله مائة مرة؛ لأجل عِظَمْ ما يفعله وما تَعْلَمُهُ الملائكة، فإنَّ أشباهنا أعظم وأعظم وأعظم حاجة إلى كثرة الاستغفار والتوبة والإنابة إلى الله - ﷿ -.
_________________
(١) البخاري (٥٢٦٩) / مسلم (٣٤٧)
[ ٥١٢ ]
[المسألة الثانية]:
كثير من العلماء عند هذه المسألة -عند ذكر الكرام الكاتبين وعند الآية- يجعلون الكَتَبَة والحَفَظَة شيئًا واحدًا، فيجعلون الجميع أربعة ملائكة:
- منهم اثنان للكتابة.
- اثنان للحفظ.
وهذا دَرَجَ عليه كثيرٌ من العلماء في شروحهم حتى شارح الطحاوية عندكم نَسَجَ على هذا المنوال.
وهذا الأمر يحتاج إلى نظر وجمع للنصوص والأحاديث حتى تُنْظَرَ في دلالتها، والذي يظهر لي بنوعٍ من التأمل وليس ببحثٍ مستفيض: أنَّ الملائكة الكتبة غير الحَفَظَة.
فالحَفَظَة يحفظون الإنسان، وأمَّا الكتَبَة فإنهم يحفظون عليه.
الحَفَظَة هم المُعَقِّبَات الذين ذكرهم الله - ﷿ - في قوله في سورة الرعد ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١]، أوجَهْ التفاسير فيها أنَّ معنى ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ يعني يحفظونه بأمر الله؛ يعني يحفظونه وحِفْظُهُمْ له بأمر الله لهم أن يحفظوه، وفيه -يعني في الحفظة- قوله ﷺ «يتعاقبون فيكم ملائكة أربعة بالليل وأربعة بالنهار فيجتمعون» (١) إلى أخر الحديث «فيقول: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: آتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون» (٢)
: [[الشريط السابع والثلاثون]]:
وهذا الحديث يدل على أنَّ الحفظة هؤلاء يتعاقبون، منهم من يحفظ بالليل ومنهم من يحفظ بالنهار، وأنَّ هؤلاء يلتقون في وقت الصلاة، يعني في هذا الوقت من اليوم ثم يُفَارقون العبد.
وهذا خلاف ما دَلَّتْ عليه الآية الأخرى والأحاديث في وصف الملائكة الكَتَبَة في أَنَّهُم لا يُغَادرون ابن آدم ولا يفارقونه على أيّ حال كان فيها حاشا الجنابة.
فإذًا نقول: الذي يظهر من الأدلة التفريق في الحفظ ما بين الحفظ لابن آدم والحفظ عليه:
- فحفظ ابن آدم هذا عمل الملائكة الذين يتعاقبون؛ المُعَقِّبَات.
- وأما الحفظ عليه فهذا عمل الكَتَبَة.
والكَتَبَةُ اثنان: أحدهما يكتب الحسنات والآخر يكتب السيئات.
وأما الحَفَظَة: فكما قال النبي ﷺ إنهم أربعة يتعاقبون في الليل والنهار.
_________________
(١) البخاري (٥٥٥) / مسلم (١٤٦٤)
(٢) انتهى الشريط السادس والثلاثون.
[ ٥١٣ ]
[المسألة الثالثة]:
الإيمان بالكَتَبَة يقتضي الإيمان بأنَّهُمْ يَكْتُبُون؛ لأنَّ أصل المسألة الإيمان بالملائكة الكَتَبَة، ويقتضي ذلك الإيمان بأنهم يكتبونَ في صحف، وقد جاءت الأدلة في السنة أنَّ منهم من يكتب الحسنات ومنهم من يكتب السيئات.
وربما تنازعوا في كتابة بعض الأشياء فيحكم الله - ﷿ - بينهم.
والكتابة هذه في صحف الملائكة هذه هي التي تُجْمَعْ على العبد، وهي كتَابُهُ الذي يُجْمَعُ معه في عنقه إذا أُدْخِلَ القبر، وهو الذي جاء فيه قول الله - ﷿ - ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٤]، وهي الصُّحُفْ التي يُحَاسِبُ الله - ﷿ - العبد بها فَيُقَرِّرُه على ما فيها من أعمال، وفيه أنَّهُ يَسْأَلُهُم ربنا - ﷿ - هل ظَلَمَكُم ملائكتي؟ فيقولون: لا يا رب، يعني بعد أن يُحَاسِبَهُم الرب - ﷻ -.
وإذا كان كذلك فإنَّ مقتضى الإيمان بالكتابة وأنَّ الإنسان على ما في قلبه يُكْتَبُ له أو عليه، وحركة لسانه يُكْتَبُ له أو عليه، وحركة جوارحه يُكْتَبُ له أو عليه، فإنَّ عِظَمْ الإيمان بهذا الأصل يطلب العبد إلى أَنْ يَجعَلَ صحائفه ليس فيها إلا الخير، وإذا عمل شيئًا من السوء فليُعظْمِ ْالحسنات الماحية وليُعظْمِ الاستغفار الذي يمحو الله - ﷿ - به السيئات.
ولهذا صار من نتائج الاعتقاد الصحيح أنَّ العبد يكون أذل ما يكون لله - ﷿ -، فأصحاب العقيدة الحَقَّة يَذِلُّونَ لله - ﷿ - حتى ولو عَصَوا أو صار عندهم ما صار فإنهم أكثَرُ ذُلًَّا لله - ﷿ -؛ لأنَّ عندهم من الإيمان بالغيبيات واليوم الآخر وبالكتابة وبمعرفة الله - ﷿ - والعلم به وصفاته وما هو عليه - ﷻ - من نعوت الجلال والكمال ما يوجب عليهم قسرًا أن لا يكون في قلوبهم إعراض أو كِبْرْ أو طاعة للشيطان في البعد عن ربهم - ﷻ -.
ولهذا الوصية للجميع أنّهم إذا عَلَّمُوا العقيدة فإنهم يُعَلِّمُونَهَا لأنَّ صلاح القلب به تَصْلُحْ الأعمال، وهذا واقع.
وأما أهل الكلام وأهل البدع فإنهم يُعَلِّمُونَ مسائل الاعتقاد كمسائل عقلية، مسائل عقلية ينظرون إليها نظرًا عقليًا برهانيًا، عقليًا أو نقليًا دون نظر في آثار ذلك، ولهذا تجد فيهم من قسوة القلوب ومن قلة العبادة، وترك التواضع، والكِبِرْ إلى آخره من الصفات المذمومة ما فيهم.
بخلاف أهل الحق من أهل السنة والحديث والعبادة، فإنهم ألْيَنْ قُلُوبًا لأجل ما معهم من العلم بالله - ﷿ -، وأكثر تواضعًا للخلق، ونفع للعباد وخوف من الله - ﷿ -، لأجل صحة العقيدة أثمرت في قلوبهم وفي أعمالهم.
زادني الله - ﷿ - وإياكم من الهدى وغَفَرَ لنا ما كان منا من نقصٍ أو ضعف أو ذنب أو خطيئة إنّه سبحانه غفور رحيم.
[ ٥١٤ ]