قال بعدها (وَنُؤْمِنُ بِمَلَكِ الْمَوْتِ، الْمُوَكَّلِ بِقَبْضِ أَرْوَاحِ الْعَالَمِينَ)
_________________
(١) مَلَكُ الموت الذي يقبض الأرواح ذَكَرَهُ الله - ﷿ - في القرآن في قوله ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة:١١]، فالإيمان به إيمانٌ بالملائكة وإيمانٌ بما ذَكَرَ الله - ﷿ - وأخْبَرَ به من ملك الموت بخُصُوصِهِ ومن الرُّسُل التي تتوفى نفس المؤمن. فالإيمان بذلك فرض، والذين يُنْكِرُونَ الغيبيات ربما أنْكَرُوا حقيقة المَلَكْ الذي يقبض الأرواح، ومنهم من يقول: الروح إذا ذهبت فإنها تذهب إلى جسد آخر فَتَحِلُّ فيه، ونحو ذلك من أقوال الحلولية أو التناسخية أو ما أشبه ذلك ممن يرون التَّجَسُّدْ، يعني العودة إلى التَجَسُّد كما يزعمون من أهل القديم والحديث من المنتسبين للإسلام أو من ملل الكفر والضلال. يريد الطحاوي ﵀ بهذه الكلمة أن يقول: إنَّ أهل السنة والجماعة مُسَلِّمُونَ للنص فيؤمنون بملك الموت وأنه يقبض الأرواح وأنه مُوَكَّلٌ بها، مُفُوِّضٌ إليه قبض الأرواح، وهذا ظاهر في دلالة الآية على ما ذكرنا. ونذكر عدة مباحث ومسائل:
[ ٥١٥ ]
[المسألة الأولى]:
ملك الموت جاء ذكره مَرَّة مُفْرَدًَا وجاء ذكره في موضع آخر في القرآن مجموعًَا بأنهم رسل في سورة الأنعام في قوله ﴿إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام:٦١]، وهؤلاء الرسل هم أعوان ملك الموت وجنود ملك الموت، فهو لهم كالملك أو كالأمير الذي يأمرهم ويطيعونه، هذا منهم من يقبض نفس فلان ومنهم من يقبض نفس فلان إلى آخره، فقوله - ﷿ - ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ هو بمعنى قوله ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام:٦١]؛ لأنَّ ملك الموت ومن معه يمتثلون أمر الله - ﷻ -.
[ ٥١٦ ]
[المسألة الثانية]:
متى يقبضون الروح هل هو بِأَمْرٍ مُجَدَّدٍ من الله - ﷿ -؟ أوإذا انتهى الأجل بما معهم من صُحُفْ بأنَّ أَجَلَ فلان ينتهي بالوقت الفلاني؟ خلاف بين أهل العلم في هذه المسألة.
والذي يظهر هو الأول لأنَّهُم وُكِّلُوا والمُوَكَّلْ يقبض بأمر المُوَكِّلْ وهو الله - ﷻ -.
[ ٥١٧ ]
[المسألة الثالثة]:
قوله (الْمُوَكَّلِ بِقَبْضِ أَرْوَاحِ الْعَالَمِينَ) جاء فيه الآية نَصًَّا أنَّهُمْ مُوَكَّلُون، وهذا لا يعني أنَّ المُوَكِّلَ غائب أو أَنَّ المُوَكِّلَ قاصر؛ ولكنَّ الله - ﷿ - خلق الملائكة وجَعَلَ لهم هذه المهمة وغيرها من المهام للتَّعَبُّدِ لا لِنَقْصٍ في ملكوت الله - ﷿ - أو في صفاته - ﷻ -؛ بل هو الكامل وله الصفات الكاملة سبحانه ولكن لأجل التَّعَبُّدِ بذلك.
وهذا فيه من الاعتقاد بتصرف الله - ﷿ - في ملكوته في جميع الخلائق ما يطول وصفه، إذا نُظِر إلى سَعَةِ ملك الله وسَعَةِ التصرفات في الملكوت وكثرة الملائكة وأنهم مُوَكَّلُون هذا بكذا وهذا بكذا إلى آخره.
[ ٥١٨ ]
[المسألة الرابعة]:
ذكر لك هنا الشارح ابن أبي العز كلامًا طويلًا في الكلام على الأرواح والروح وحقيقتها والنفس والفَرْقُ بينها وبين الروح، وهل الروح مخلوقة الآن، الأرواح مخلوقة أوغير ذلك من البحوث التي هي استطراد، لأجل ذِكْرْ الطحاوي لفظ (أَرْوَاحِ الْعَالَمِينَ) .
وتَبِعَ في ذلك؛ بل نقل نَصًَّا ما فتاوي ابن تيمية في الجزء الرابع من البحث في مسألة الروح والنفس والبحث في الآية ﴿قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]، بما يُطَالَعُ ويُسْتَفَاد من كلامه إن شاء الله تعالى.
يعني مباحث الروح ليست من المباحث المهمة في فهم كلام الطحاوي في هذا الموضع.
[ ٥١٩ ]
[المسألة الخامسة]:
في قوله (أَرْوَاحِ الْعَالَمِينَ) لفظ (الْعَالَمِينَ) يريد به هنا من له رُوحْ من المُكَلَّفين.
(بِقَبْضِ أَرْوَاحِ العَالَمِينَ) يعني من له روح من المكلفين دون غيرهم، وذلك لِدِلَالَةْ ظاهر الآية على ذلك بقوله ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ ﴿يَتَوَفَّاكُمْ﴾ الخطاب للمُكَلَّفين من الجن والإنس.
ولفظ (العَالَمينَ) له في القرآن عدة إطلاقات:
١- الإطلاق الأول: وهوالمعروف وهو أنه اسم لكل ما سوى الله - ﷿ -، وهذا هو الذي يُذْكَرْ عند قوله تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، يقول العلماء: العالمون اسم لكل ما سوى الله - ﷿ -، فكل ما سوى الله عَالَمْ وأنا واحِدٌ من هذا العالم.
لكن هذا الاستدلال أو هذا التفسير ليس تفسيرًا وحيدًا؛ يعني ليس إطلاق لفظ (العَالَمينَ) على هذا المعنى فقط، فإنَّ العالمين كلفظ في الكتاب والسنة يطلق على هذا المعنى ويُطْلَقُ إطلاقات أُخَرْ.
٢- الإطلاق الثاني: أنَّهُ يراد بـ (العَالَمينَ) الناس الذين تُشَاهِدُهُم، كما في قوله - ﷿ - ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنْ الْعَالَمِينَ﴾، ومعلومٌ أنَّ ﴿الذُّكْرَانَ مِنْ الْعَالَمِينَ﴾ لا يشمل الملائكة لأنهم ليسوا بإناث ولا يشمل الجن لأنهم لا يدخلون في هذا اللفظ.
فقوله ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنْ الْعَالَمِينَ﴾ يعني به - ﷿ - أو معنى الآية يعني الناس الذين يأتُونَهُم ويَرَونَهُم.
٣ - الإطلاق الثالث: يأتي لفظ (الْعَالَمِينَ) ويُرَادُ به أهل الزمان الواحد من الإنس والجن، أهل الزمان الواحد يقال لهم عالمَوُنْ، وهذا يُسْتَدَلُّ عليه بقول الله - ﷿ - ﴿وَلَقَدْ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان:٣٢]؛ يعني بهم بني إسرائيل اخْتِيرُوا على العالمين المراد بهم أهل الأرض في ذلك الوقت، أهل ذلك الزمان من الجن والإنس، وقد اختار الله - ﷿ - بني إسرائيل على علم لأنَّهم أصلح ذلك الزمان.
وهذه الإطلاقات الثلاث موجودة أيضًا في السنة.
ومن أهل العلم من يُقَسِّمْ هذا التقسيم ومنهم من يقول إنَّ المراد هو الأول فقط.
وهذا الإطلاق الأول (عَالَمْ) وهو أنَّ كل ما سوى الله - ﷿ - عَالَمْ وأنا واحد من هذا العالم، هذا عامٌّ يُرَادُ به الخصوص في مواضع.
وهذا وَجْهْ هو قوي وواضح؛ يعني أنَّ السياق يَدُلُّ على إخراج بعض ما دل عليه العموم، فقول الله - ﷿ - ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنْ الْعَالَمِينَ﴾ معلومٌ أنَّهُ لا يدخل فيهم الجن ولا يدخل فيهم من ليس مُشَاهَدًَا لهم إلى آخره، فلم يأتوا كُلَّ ذَكَر وإنما أَتَوا بعض الذكور الذين رَأَوهُمْ، فيكون هذا من العام الذي أُرِيْدَ به الخصوص، كذلك قوله ﴿وَلَقَدْ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ يُرَادُ به العَالَموُن الذين في زمانهم فهذا من العام المخصوص؛ لأنهم لم يُفَضَّلُوا على أمة محمد ﷺ ولم يُفَضَّلُوا على الملائكة فيكون هذا من العام المراد به الخصوص.
المقصود من ذلك أنَّ قوله هنا (الْمُوَكَّلِ بِقَبْضِ أَرْوَاحِ الْعَالَمِينَ) يُرَادُ به العالَمون الذين لهم روح ومن المكلّفين.
نقف عند هذا إن شاء الله تعالى، ونكمل غَدًَا بإذن الله.
[ ٥٢٠ ]
وَنُؤْمِنُ بِمَلَكِ الْمَوْتِ، الْمُوَكَّلِ بِقَبْضِ أَرْوَاحِ الْعَالَمِينَ.