س١/ كيف نجمع بين حديث أبي هريرة ﵁، قال رسول الله ﷺ «لاَ يَقُلْ أَحَدُكُمُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى إِنْ شِئْتَ، ارْحَمْنِى إِنْ شِئْتَ، ارْزُقْنِى إِنْ شِئْتَ، وَلْيَعْزِمْ مَسْأَلَتَهُ، إِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، لاَ مُكْرِهَ لَهُ» (١) وبين حديث ابن عباس ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ دخل على أعرابي يعوده فقال «لاَ بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ الله» (٢) قال قال الأعرابي: طهور؛ بل هي حمى تفور على شيخ كبير تُزِيرُهُ القبور، قال النبي ﷺ «فَنَعَمْ إِذًا»؟
ج/ الحديثان المذكوران كلاهما في الصحيح، والعلماء جمعوا بينهما بأوجهٍ من الجمع:
- من أحسنها أنَّ قوله ﷺ «طَهُورٌ إِنْ شَاءَ الله) هذا من باب الخبر لا من باب الدعاء، فهو قال للأعرابي هذه الحمى طهور لك؛ طهور لك في دينك وطهور لك أيضا في بدنك فتصبح بعدها سالما، فأخبره النبي ﷺ بذلك.
لأنَّ قوله (طهورٌ) مرفوع، والرافع له مبتدأ محذوف أو الابتداء المحذوف بقوله (هي طهور إن شاء الله) وليس المراد الدعاء لأنه لو كان دعاءً لصارت منصوبة اللهم اجعلها طهورًا.
لو قال: طهورًا إن شاء الله؛ يعني: اجعلها اللهم طهورًا، فيكون دعاء.
فالظاهر من السياق من اللغة ومن القصة أنَّ المراد الخبر.
فإذا كان المراد الخبر فلا يعارض الدعاء بقول القائل اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت؛ لأنَّ النبي ﷺ عَلَّقَ الخبر بالمشيئة فقال «طَهُورٌ إِنْ شَاءَ الله»، كما قال - ﷿ - ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح:٢٧]، وكقوله - ﷿ - ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [يوسف:٩٩]، فقوله اغفر لي إن شئت، هذا تعليق للدعاء بالمشيئة، والله - ﷿ - لا مُسْتَكْرِهَ له يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد في خلقه - ﷻ -.
- الوجه الثاني وهو وجه حسن أيضًا أنَّ قول الداعي: اللهم اغفر لي إن شئت هذا على جهة المخاطبة، اغفر لي إن شئت.
وأما إذا كان على جهة الغَيْبَةْ فإنه لا بأس به، فلو قال غَفَرَ الله له إن شاء الله، هذا أخف من التعليق بالمواجهة اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت.
لأنَّ المخاطبة تقتضي الذل والتقرب إلى الله - ﷻ - بما يحبه من نعوت جلاله وصفاته ومدحه سبحانه والثناء عليه.
والتعليق بالمشيئة فيه نوع استغناء، فلهذا قال في آخره «إِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، لاَ مُكْرِهَ لَهُ» وقال «إن الله لا مستكره له» .
وهذا الوجه الثاني قال به بعض أهل العلم ولكنه ليس في القوة كالأول فالأول ظاهر، والثاني قيل به وليس هو المختار.
س٢/ هل تعدد الجماعات مثل تعدد الآراء في المسألة الفقهية الواحدة؟
ج/ إذا كان يقصد بالجماعات الجماعات الإسلامية التي ظهرت في هذا الزّمن فليس ذلك مثل تعدد الآراء في المسألة الفقهية الواحدة؛ لأنَّ تعدد الآراء في المسألة الفقهية الواحدة هذا إذا كان مورده الاجتهاد فإنَّ كل واحد من القائلين بالمسألة الفقهية يؤجر على اجتهاده فيما اجتهد فيه؛ لأنَّ المسألة موردها الاجتهاد.
كذلك في المسائل التي ينزع فيها المجتهد إلى دليل هو مأجور كما قال النبي ﷺ «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد (٣)» يعني أجر على اجتهاده، والثاني له أجر على اجتهاده وأجر على إصابته الحق.
وأما الجماعات الإسلامية الموجودة الآن فهي تختلف في طريقتها وتختلف في أصولها وتختلف في مبادئها وأهدافها إلى آخر ذلك، والأصل الواجب على كل مسلم أن يلزمه هو لزوم جماعة المسلمين قبل أن يَحدث الافتراق، فإنَّ الافتراق الحادث في الأمة لا يجوز إقراره ومعالجته بإحداث جماعات جديدة، فالواجب على المسلمين جميعا لزوم الجماعة قبل أن تفسد الجماعة.
_________________
(١) البخاري (٧٤٧٧) / الموطأ (٤٩٦) / أبو داود (١٤٨٣)
(٢) سبق ذكره (٢٢٢)
(٣) البخاري (٧٣٥٢) / مسلم (٤٥٨٤)
[ ٣٤٧ ]
والجماعة التي هي على الحق لم يتركها الله - ﷿ - لم يُبَيِّنْهَا، ولم يتركها الرسول ﷺ لم يُبَيِّنْهَا؛ بل بَيَّنَهَا الله - ﷿ - بقوله ﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥]، المراد بالمؤمنين هنا الصحابة؛ لأنهم هم المقصودون بذلك في وقت تنزّل هذه الآية ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني صحابة رسول الله ﷺ، وبَيَّنَ ذلك الأمر نبينا ﷺ بقوله «وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة» قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال «هي الجماعة»، وفي رواية أخرى قال «هم الغرباء»، وفي رواية ثالثة قال «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» إلى غير لك، وهذا يدلّ على أن الجماعة موجودة في زمن الصحابة، وهي موجودة في زمن التابعين، وموجودة يحملها أئمة السلف وأئمة الإسلام امتثالًا لقول نبينا ﷺ «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك» (١) أو كما قال ﷺ.
فالواجب على كل مسلم يريد السلامة في دينه وأن يكون ممن وَعَدَهُ النبي ﷺ بأن يكون من الفرقة الواحدة التي لم تأخذ سبيل الثنتين والسبعين فرقة أن يلزم أمر الجماعة قبل أن تفسد الجماعة، وهذا من أعظم مقاصد الدّين العظيمة التي يمتثلها العبد بامتثال قوله تعالى ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣]، فالعبد المؤمن يلزم هذه الطريقة.
وكيف يلزمها؟
بتعلُّم هذه العقيدة المباركة فإنَّ دروس العقيدة والمحاضرات في التوحيد والعقيدة هي التي تنقلك إلى الالتزام بطريقة الجماعة الأولى قبل أن تفسد الجماعة.
ولهذا ففتّش أنت بنفسك وستجد أنَّ من خالف أمر الجماعة الأولى وأحدث شعارات جديدة وأهداف وآراء وكتبًا غير كتب السلف في هذه المسائل، ستجد أنه خالف شيئًا من أمور الاعتقاد ولا بد، فإذًا خالف طريق الجماعة قبل أن تفسد الجماعة.
وهذه مسألة مهمة فتعدد الجماعات ليس مثل تعدد الفقهاء؛ بل الواجب على جميع أمة الإسلام أن يعتصموا بحبل الله جميعا ولا يتفرقوا امتثالًا لقول الله ﷻ ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣]، يعني لا تتفرقوا في الأبدان ولا تتفرقوا أيضا في الدين بل التزموا بالقرآن الذي يدعو إلى الإجتماع على الحق. (٢)
: [[الشريط السادس والعشرون]]:
س٣/أشكلت علي مسألة وهي: أنَّ كل من انتسب إلى القبلة من أهل الأهواء والبدع وغيرهم ينتسبون إلى الإسلام، ومن قال إنَّ المجتمعات مجتمعات جاهلية، فكيف يكون الإيضاح على هذا الأمر؟
ج/ الأول ذكرناه وقَرَّرْنَاهُ لكم فيما سبق أنَّ من كان منتسبًا إلى القبلة بالصلاة إليها من أهل التوحيد فهو من أهل القبلة، وإذا عَرَضَ له هوى أو بدعة فإنَّ البدع درجات والأهواء أيضًا درجات، فلا نُخْرِجُهُ من الإسلام لبِدْعَةٍ فيه، يعني لمجرد بدعة فيه أو بكل بدعة فيه، ولا نُخْرِجُهُ من الإسلام بمجرد الهوى الذي يكون في هذه الأمة؛ بل لابد أن يكون الهوى مُؤَثِّرًَا أو أن تكون البدعة مُغَلَّظَةً مُكَفِّرَةْ.
أما من قال مجتمعات المسلمين اليوم مجتمعات جاهلية، فهذا باطل؛ لأنَّ الجاهلية في النصوص هي اسم لفترة زمنية مضت، قال - ﷿ - ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الأحزاب:٣٣] الأولى وقال سبحانه ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠]، وهذه الجاهلية تكون في العقيدة، في العبادة، تكون في الأحوال الاجتماعية وتكون في الأخلاق وتكون في الآداب.
فهي من جهة الزمان انقضت زمانها ببعثة محمد ﷺ.
أما من جهة المكان فإنَّ الجاهلية اسم يتبع صفة الجهل، والجهل يتنوع، والجهل العام ارتفع ببعثة محمد ﷺ، لهذا قال ﷺ «لا تزال طائفة من أمتي على الحق» (٣) ووجود هذه الطائفة على الحق حتى قيام الساعة يمنع رجوع الجهل العام ورجوع الجاهلية العامة.
فإذًا الجاهلية العامة في الأمكنة ذهبت، وجاهلية الزمان ذهبت، بَقِيَ نوع آخر من الجاهلية وهو جاهلية الصِّفَات، فمن أَشْبَهَ أهل الجاهلية في صِفَةْ فهو مشارِك لهم في هذه الصفة، كما قال ﷺ لأبي ذر لما عَيَّرَ رجلا أسودا بأمه فقال له: يا ابن السوداء. قال له ﷺ «إنك امرؤ فيك جاهلية» (٤) يعني فيك خصلة من خصال أهل الجاهلية، وخصال الجاهلية متنوعة كثيرة دل عليها القرآن والسنة يعني فيما خالف فيه رسول الله ﷺ أهل الجاهلية.
وألّف في هذا إمام هذه الدعوة الكتاب المشهور مسائل أهل الجاهلية التي خالف فيها رسول الله ﷺ أهل الجاهلية.
فتلك المسائل منها ما هو مُكَفِّرْ كعبادة غير الله، منها ما هو في الاعتقادات، ومنها ما هو في المسائل العملية، ومنها ما هو في الاجتماعيات، ومنها ما هو في الأقوال إلى آخره.
فجاهلية الصفات هذه باقية، وقد صح عنه ﷺ أنه قال «لتسلكُنَّ مسلك الأمم من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع» قالوا: يا رسول الله فارس والروم؟
قال «فمن الناس إلا أولئك» (٥) .
فارس والروم خصالهم من خصال الجاهلية؛ بل خصالهم خصال جاهلية في الاعتقاد وفي الأقوال وفي الأعمال، فدل على أنَّ خصال الجاهلية تكون في هذه الأمم.
فإذًا وَصْفُ الأرض بأنها صارت إلى جاهلية هذا باطل، ومناقض لحكم النبي ﷺ؛ بل وحكم الله - ﷻ - في قوله ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح:٢٨]، فظهر دين محمد ﷺ على كل دين وظهرت مِلَّتُهُ على كل مِلَّة وظهر هَدْيُهُ على كل هدي.
والحمد لله على ذلك كما قال - ﷻ - ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:٤]، فَرُفِعَ ذِكْرُ محمدٍ ﷺ فوق ذكر غيره، فصار هو المُقَدَّمَ ﷺ في الإتِّبَاعْ وفي الهَدْيْ في أكثر الأرض ولله الحمد.
كذلك جاهلية الزمان لا يوجد زمان يكون زمان جاهلية، لأنَّ زمن الجاهلية انتهى ببعثة محمد ﷺ.
فلا يقال مثلًا هذا القرن قَرْنٌ جاهلي، أهل هذا القرن في جاهلية ونحو ذلك؛ بل لا تزال في أمة محمد ﷺ صنوف الخير ولله الحمد على منته وتوفيقه.
_________________
(١) البخاري (٧٣١١) / مسلم (٥٠٥٩)
(٢) انتهى الشريط الخامس والعشرون.
(٣) سبق ذكره (٣٤٨)
(٤) البخاري (٣٠) / مسلم (٤٤٠٣)
(٥) البخاري (٧٣١٩) / مسلم (٦٩٥٢)
[ ٣٤٨ ]