قال بعدها (وَلَا نَخُوضُ فِي اللَّهِ، وَلَا نُمَارِي فِي دِينِ اللَّهِ) .
_________________
(١) (لَا نَخُوضُ فِي اللَّهِ) يعني في ذات الله - ﷿ -. (وَلَا نُمَارِي فِي دِينِ اللَّهِ) يعني لا نلقي الأُغْلُوطاتْ والشُّبَهْ والشكوك في دين الله - ﷿ -، فأصل الإسلام مبني على الاستسلام، والاستسلام لله - ﷿ - فيما أخبر به في أمور الغيب، فيما أنزله على رسوله ﷺ جملةً وتفصيلًا. فإذًا لا نخوض في الله -يعني في ذات الله ﷾- بل نتكلّم عن الذات العَلِيَّةْ - ﷻ - وعن صفاته ﷾ بما جاء في الكتاب والسنة. لهذا أَصْلُ أهل السنة مخالف لأهل الأهواء في هذا الأَصْلْ. فأهل الأهواء والبدع يخوضون في الله وفي صفاته ولذلك سُمُّوا أهل الكلام؛ لأنهم في كل مسألة يخوضون. فلو راجعت كتاب الأشعري (مقالات الإسلاميين) لوجدت أنَّهُ قسمه إلى قسمين: - القسم الأول جليل الكلام. - والقسم الثاني دقيق الكلام. دخَلُوا في أشياء هي خَوضٌ في الله - ﷿ - وفي صفاته بغير ما أنزل على رسوله ﷺ. إذًا قوله (وَلَا نَخُوضُ فِي اللَّهِ) يريد به مفارقة أهل الكلام ومفارقة أهل البدع والأهواء في أننا نتأدب مع الرب - ﷻ - فلا نخوض في شيءٍ إلا بما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ. (وَلَا نُمَارِي فِي دِينِ اللَّهِ) يعني بإلقاء الشبه والشكوك إلى آخره ولو لقصد المناظرة؛ بل الِمرَاءْ مذموم بأنواعه. وتحتها مسائل:
[ ٣٣١ ]
[المسألة الأولى]:
الخوض في ذات الله محرمة، وكذلك التفكر في ذات الله أيضًا منهيٌّ عنه.
لكن المأمور به أن يُفَكِّرْ المرء في آلاء الله - ﷿ -.
قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال «تفكّروا في آلاء الله، ولا تفكروا في ذات الله فتهلكوا» (١) .
فالمأمور به العبد أن يتفكّر في آلاء الله، وآلاء الله - ﷿ - يعني في آياته.
آيات الله - ﷿ - نوعان:
- آيات مرئية وهي ملكوته في السموات وفي الأرض وما خَلًقً الله من شيء.
- وآيات متلوة وهي القرآن.
فمن تفكر في آلاء الله دلَّهُ على عِظَمِ ربه - ﷿ - وأصابه طمأنينة وسكينة وخشوع وخضوع للرب - ﷿ -.
لهذا أمرنا ربنا سبحانه بالتفكر في آلائه وملكوته وآياته، قال سبحانه ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٩٠-١٩١]، وقال سبحانه ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ (٢) وقال سبحانه أيضا ﴿قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس:١٠١]، وقال - ﷿ - ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبإ:٤٦]، تقف هنا ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ [سبإ:٤٦]، والنبي ﷺ حُبِّبَ إليه الخلاء، حُبِّبَ إليه أن يدخل غار حراء ويمكث فيه الليالي ذوات العدد يَتَحَنَّثْ ويتأمل في ملكوت الله - ﷿ -.
وهذا يُحدِثْ من حقائق الإيمان في النفس ومن الارتباط والذل لله - ﷿ - ما يُحدث.
ولهذا كان من هدي السلف رضوان الله عليهم قلة الكلام والتفكّر في آلاء الله - ﷿ -.
قالت أم الدرداء في وصف زوجها أبي الدرداء (كانت أكثر عبادة أبي الدرداء التفكّر) (٣) .
وكان الحسن البصري ﵀ يقول (عاملنا القلوب بالتفكر فأورثها التَذَكُرْ، فرجعنا بالتَذَكُرْ على التفكر وحركنا القلوب بهما، فإذا القلوب لها أسماع وأبصار) (٤) .
هذه كلمة عظيمة، الناس قلوبهم مُضْغَة كلها تتحرك وتقذف الدم؛ ولكن القلب الحي ﴿لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا﴾ [يس:٧٠]، صاحب القلب الحي هذا يكون قلبه له سمع وبصر؛ يعني يرى أشياء ويتفرس في الأشياء ويكون له مرئيات، يرى ما لا يراه الآخرون.
قال (عاملنا القلوب بالتفكر)، التفكر في آلاء الله، وليس التفكر في الله ولا في ذات الله إنما التفكر في آلاء الله - ﷿ -، فيما خلق، في آياته التي أعطاها المرسلين، في آياته المتلوة، القرآن إلى آخره، يعني في المنظورة والمقروءة.
(فأورثها التَذَكُرْ)؛ يعني تَذَكَرْ العبد، إذا تفكر وخلا بنفسه فإنه سيتذكر؛ لكن تَذَكُرُهُ سيكون ضعيفًا؛ لأنه بدايات التذكر بعد التفكر.
قال (فرجعنا) -هو يحكي حال السلف الحسن البصري يقول (عاملنا) يعني السلف يعني طبقة التابعين-
قال (فرجعنا بالتَذَكُرْ) هذا الذي تذكرناه وصار في القلب نوع حياة رجعنا به على التَفَكُرْ، تَفَكَّرْنَا من جديد، نظرنا في الملكوت، في آلاء الله، في تصرف الله - ﷿ - في خلقه، في آيات الله في القرآن.
(فرجعنا بالتذكر على التفكر وحركنا القلوب بهما)، يعني مرة ورا مرة، هذا تذكر بعد تفكر، تذكر بعد تفكر، يبقى العبد في الإيمان.
قال (فإذا القلوب لها أسماع وأبصار)، ينفتح القلب من معارف الله - ﷿ - ومن الأُنْسِ به ومن لذة مناجاته ومن إيثار ما عنده على ما في هذه العاجلة، وعلى إيثار مَحَابِّهِ - ﷻ - على أهواء النفس ما لا يدركه إلا من وفّقه الله - ﷻ -.
لهذا قال (وَلَا نَخُوضُ فِي اللَّهِ) سمة أهل السنة والجماعة أنهم لا يخوضون في الله، ولا يخوضون في صفات الله وإنما يذكرون ما دَلَّ عليه الكتاب والسنة ويُعَلِّمُونَ ذلك، وإنما المهم العمل، المهم هذا القلب أن يكون صالحًا، أن يكون خاشعًا لله، منيبا لله - ﷻ -، ولهذا صح عن النبي ﷺ أنه قال «عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله» (٥)، وقال في السبعة الذين يظلهم الله في ظلهم «ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه» (٦) .
_________________
(١) شعب الإيمان (١٢٠)
(٢) الأعراف:١٣٤، الروم:٨.
(٣) حلية الأولياء (١/٢٠٨)
(٤) الفتاوى الكبرى (/٥١٧) / الإستقامة (١/٢١٠)
(٥) الترمذي (١٦٣٩)
(٦) البخاري (٦٦٠) / مسلم (٢٤٢٧) / الترمذي (٢٣٩١)
[ ٣٣٢ ]
فمن أعظم العبادات التَفَكُّرْ، تَفَكَرْ في القرآن، تُرَدِّدْ الآيات لتؤثر على قلبك، التَفَكُّرْ في ملكوت الله، في هذه السماء العجيبة، الأرض، في الخلق، هذا من سمة وخصال أهل السنة والجماعة، مخالفين بذلك لطريقة الصوفية الذين أورثهم العزلة التفكر والخوف في الله - ﷿ - والكشف؛ كشف الحُجُبْ ونحو ذلك مما زلَّتْ به أقدامهم.
[ ٣٣٣ ]
[المسألة الثانية]:
على قوله (وَلَا نُمَارِي فِي دِينِ اللَّهِ) المِرَاء مذموم.
والمراء ضابطه هو أن يُورِدْ الشيء بقصد الانتصار للنّفس أو إضعاف من أمامه.
يعني المغالبة، يريد يغالب، يريد يشكك، الشبه يوردها.
هذا من الأمور المذمومة لأنّ أصل الدين مبني على الاستسلام، فالمراء في الدّين محرم وقد صحَّ عنه ﷺ أنه قال «أنا زعيم ببيت في أعلى الجنّة لمن ترك المراء وهو محقّ وأنا زعيم بييت بوسط الجنة لمن ترك المراء» (١) .
[]
ايش، المقصود الحديث اشتبه عليّ لفظه، «أنا زعيم في بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء» . النبي ﷺ تَكَفَّلَ ببيت لمن ترك المراء وإن كان محقا -ببيتٍ في الجنة-، لماذا؟
لأنَّ المراء أحيانًا وأنت تماري يأتيك الحق معك لكن تغلبك نفسك للانتصار لنفسك لا للحق، والإنسان بين هذه وهذه يكون عنده شيء -يعني بين الانتصار للحق وبين الانتصار لنفسه-، وكثيرا ما تشتبه على أكثر الناس؛ يعني تختلط هذه بهذه، أنت ستنتصر لنفسك أو ستنتصر للحق، ولهذا يسمى هذا مراء، إذا صارت مجادلة وخشيت أن تنتصر فيها لنفسك، فالسكوت أفضل لأنَّ الانتصار لنفسك من المراء في دين الله - ﷻ -.
فإذًا من صفة أهل السنة والجماعة ومن سماتهم أنهم لا يمارون في دين الله، لهذا قال الإمام مالك ﵀ لما سُئِلْ (الرجل تكون عنده السنة أيجادل عليها؟)
قال (لا، يخبر بالسنة فإن قُبِلَتْ منه وإلا سكت) (٢) .
لأنَّ المراء في ذلك يورث العداوة قد يورث الانتصار للنفس، وذلك كله مذموم.
نقف عند هذا، وأسأل الله - ﷿ - لي ولكم الهدى والرشاد، وأن يحبب إلينا الإيمان ويزيّنه في قلوبنا.
كما أسأله - ﷻ - أن يُكَرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان.
نكتفي بهذا القدر، وفقكم الله. (٣)
_________________
(١) أبو داود (٤٨٠٠)
(٢) جامع العلوم والحكم (١/٩٣)
(٣) انتهى الشريط الرابع والعشرون.
[ ٣٣٤ ]