: [[الشريط الخامس والعشرون]]:
وَلَا نُجَادِلُ فِي الْقُرْآنِ، وَنَشْهَدُ أَنَّهُ كَلَامُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، فَعَلَّمَهُ سَيِّدَ الْمُرْسَلِينَ مُحَمَّدًا ﷺ، وَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُسَاوِيهِ شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ، وَلَا نَقُولُ بِخَلْقِهِ، وَلَا نُخَالِفُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ.
_________________
(١) الحمد لله رب العالمين، وبعد: فهذه الجملة من هذه العقيدة التي ألّفها العلاّمة أبو جعفر الطحاوي ﵀ قال فيها (وَلَا نُجَادِلُ فِي الْقُرْآنِ، وَنَشْهَدُ أَنَّهُ كَلَامُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، فَعَلَّمَهُ سَيِّدَ الْمُرْسَلِينَ مُحَمَّدًا ﷺ، وَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُسَاوِيهِ شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ، وَلَا نَقُولُ بِخَلْقِهِ، وَلَا نُخَالِفُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ.) . وهذه الجملة مشتملة على عقيدة مباركة عظيمة في القرآن. والإيمان بالقرآن فرضٌ ورُكْنُ الإيمان؛ لأنَّ من أركان الإيمان الإيمان بكتب الله المنزلة، وأعظمها الكتاب الذي جعله الله مهيمنًا على كل كتاب وهو هذا القرآن العظيم. فالإيمان به ركنُ الإيمان، والإيمان به عند أهل السنة والجماعة يشمل: - الإيمان بأنه كلام الله تعالى. - وأنه منزّل من رب العالمين. - وأنَّ محمدا ﷺ عَلَّمَهُ إياه جبريل، وجبريل سَمِعَهُ من رب العالمين أوتقدست أسماؤه. - وأنَّ هذا القرآن لا يشبهه شيء من كلام المخلوقين، لا يماثله ولا يدانيه. - وأنه غير مخلوق؛ لأنه صفة الله ﷿، وصفات الله ﷾ كذاته العَلِيَّة، فهو سبحانه الخالق - ﷿ - وغيره مخلوق. وهذا التقرير من العلامة الطّحاوي مأخوذٌ من النصوص الكثيرة في الكتاب والسنة التي تدلّ على هذه الأصول كقوله - ﷿ - ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠٣]، وكقوله - ﷿ - ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل:١٠٢]، وكقوله سبحانه ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٢-١٩٥]، وكقوله - ﷿ - ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة:٦]، وغير ذلك من الآيات التي فيها أنَّ القرآن كلام الله، وأنه مُنَزَّلٌ من عنده وأنّ جبريل ﵇ هو الذي نَزَلَ به على قلب محمد ﷺ. قال (وَلَا نُجَادِلُ فِي الْقُرْآنِ) المُجَادَلَةْ في القرآن دَلَّتْ السنة على أنها مذمومة ومحرّمة، وذلك كما روى مسلم في الصحيح أنَّ النبي ﷺ خَرَجَ عليهم يوما وهم يتجادلون في القرآن هذا ينزع بآية وهذا ينزع بآية، فكأنما فُقئ في وجهه حب الرمان -يعني من الغضب﵊ فقال لهم «اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا» (١) أو كما جاء عنه ﷺ، وقد جاء أيضًا أنَّ نبينا ﷺ نهى أن يَجْهَرَ بعض الناس على بعض في القراءة؛ وذلك لأجل التأدب مع القرآن وأن لا تكون القراءة سببًا للتخاصم أو للمجادلات؛ يعني بسبب القرآن أو في القرآن. والمِرَاءْ مذمومٌ مُطلقًا سواء أكان بحق أو بغير حق، وهو المُرَادُ به نُصْرَةُ النفس والاستعلاء، ولو كان بالقرآن، فلا نجادل في القرآن؛ يعني في أدلته، ولا نجادل في القرآن في صفته؛ بل نُسَلِّم للقرآن أنه كلام الله - ﷿ -، ونستسلم لدليل الرحمن - ﷿ -، فالقرآن آيات الرب ﷾. فالتجادل بالاختلاف في القرآن المبني على الأهواء هذا ليس من صفة أهل الإيمان، وإنما -كما سيأتي- المجادلة تكون لبيان الحق ولبيان وجه الدليل وهذا هو المحمود، فالمجادلة في القرآن مذمومة، ولهذا قال الطحاوي هنا (وَلَا نُجَادِلُ فِي الْقُرْآنِ) . (وَنَشْهَدُ أَنَّهُ كَلَامُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) يعني نُعلِنُ ونُخبِرْ مع اعتقادنا ويقيننا بأنه ليس كَلَامَ مَخْلُوقْ بل هو كلام رب العالمين؛ أي أنه كلام الله ﷿ (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ) الروح الأمين الذي هو جبريل، نزل به من رب العالمين، نزل به سَمَاعًَا، سَمِعَهُ جبريل ﵇ من رب العالمين، وأمره الله - ﷿ - أن ينزل به وحيًا على سيّد المرسلين (فَعَلَّمَهُ سَيِّدَ الْمُرْسَلِينَ مُحَمَّدًا ﷺ) . (وَلَا نَقُولُ بِخَلْقِهِ، وَلَا نُخَالِفُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ) هذا منه تقرير لما أجمع عليه أهل السنة، وذلك خلافًا للمعتزلة والعقلانيين والخوارج والرافضة الذين قالوا بخلق القرآن كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. هذا الأصل الذي ذكره الطحاوي وهذه العقيدة المباركة تحتها مسائل:
(٢) البخاري (٣٧) / مسلم (٦٩٤٨)
[ ٣٣٥ ]
[المسألة الأولى]:
المجادَلَةُ: عُرِّفَتْ بأنها إيراد الحجة على القول المخْتَلَفِ فيه مِن المُخْتَلِفِينَ.
فإذا اختلفوا في مسألة؛ هذا يُورِدُ حُجَّتَهُ تقريرًا لقوله وهذا يُورِدُ حُجَّتَهُ تقريرًا لقوله، فتصير مجادلة.
وفي الشرع المجادلة قسمان:
١- مجادلة مذمومة: وهي التي يُرادُ بها الانتصار للنفس وللقول دون تحرٍّ للحق.
٢- مجادلة محمودة: وهي المجادلة بالتي هي أحسن؛ يعني التي الغَرَضُ منها الوصول إلى الحق وإرشاد الضال وتبيين حجة الله - ﷿ -، وهي مأمور بها في الشرع.
وهذه هي التي أثنى الله - ﷿ - على عباده بها، وأمرهم بها في قوله ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل:١٢٥]، وكقوله سبحانه في سورة العنكبوت ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت:٤٦] .
ويَشْتَبِهُ بالمجادلة الجَدَلْ.
والجَدَلُ قال بعض أهل العلم إنه هو المجادلة؛ لأنه مأخوذ من الجَدْلْ، جَدْلْ الحبل، وهو لَفُّ بعضه على بعض كَأَنَّ الأقوال التَفَّ بعضها على بعض من الإيراد.
والأظهر أنَّ الجَدَلْ نوعٌ من الخصومة؛ لكن لم يُمْدَحْ في القرآن، فذمّه الله - ﷿ - في قوله ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ [الزخرف:٥٧-٥٨] .
﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ يعني في ذلك ذَمْ لهذا الإيراد، لأنَّهُم ما أَرَادُوا المجادلة ولا أَرَادُوا دفعًا للشُّبْهَة أو الوصول إلى الحق، وإنما هو جَدَلْ.
وهنا ثَمَّ بعض البحوث التي كُتِبَتْ في هذا الموضوع خاصَّةً عند المعاصرين باسم الجَدَلْ، (الجَدَلْ في القرآن) .
والجَدَلْ إذا كان يصل معه المتجادلون إلى حقيقة فإنه في الحقيقة مُجَادَلَة ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة:١]، فهي مجادَلات في القرآن.
وإذا كان المقصود بالجَدَلْ في القرآن المجادلات فإنَّ هذا مقبول؛ لكن تكون تسميتها بالجدل هذه يكون فيها بحث اصطلاحي.
وإذا كان المقصود بالجَدَلْ في القرآن -مثل ما كتبوا- ما ضُرِبَ جَدَلًا لغيرِ وصولٍ إلى الحق، فهذا لا يدخل فيه المجادلات التي للوصول للحق، لأنهم يُدْخِلُونَ فيها ما أقام الله - ﷿ - به الحُجَّة مثل مجادلة الملك مع إبراهيم ﵇ في قوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة:٢٥٨]، هذه يُدْخِلُونَهَا في الجدل.
فقوله هنا (وَلَا نُجَادِلُ فِي الْقُرْآنِ) المجادلة -كما ذكرنا- إذا كانت بالتي هي أحسن للوصول إلى الحق فهذه مطلوبة شرعًا، وأمر الله - ﷿ - بها عباده.
لكنهم يجادلون بالقرآن لا فيه.
يعني يُجَادِلُ غيره بحجة القرآن.
وفَرْقٌ ما بين المُجَادَلَةْ بالقرآن وبين المُجَادَلَةْ في القرآن:
- فالمجادلة بالقرآن: أن تُورد الحجة من كتاب الله - ﷿ - وتُورِدْ وجه الاستدلال من ذلك.
- أما المجادلة في القرآن: فهو أن يُخْتَلَفْ في حُجِّيَتِهِ، أو تُضْرَبُ بعض الآيات ببعض، أو أنْ لا يُرَدْ المتشابه إلى المُحْكَمْ أو أن يُخَاضَ في الأمور الغيبية بأمور عقلية ونحو ذلك.
فالمجادلة بالقرآن محمودة لإقامة الحجة، وأما فيه فإنها مذمومة.
[ ٣٣٦ ]
[المسألة الثانية]:
الذين جادلوا في القرآن في هذه الأمة، أمَّةْ الإجابة كثيرون.
فكل طوائف الضلال ممن لم يستسلم لنص القرآن والسنة فإنه جادَلَ في القرآن.
وذلك أنهم أسَّسُوا مذاهب لهم واعتقادات، فإذا جاءهم الدليل من القرآن على خلاف ما أَلِفُوا أو ما هَوَوهُ فإنهم يجادلون فيه.
يعني يَرُدُّونَ حُجَّةَ الله - ﷿ - التي في القرآن ويأتون بآية تضرب هذه الآية.
والنبي ﷺ أتى بعض الصحابة- وهم يتجادلون في القرآن فغضب كما ذكرنا لك.
فالتأدب مع القرآن أن يكون الإيراد به -يعني إيراد الدليل به- فإن اختلفت الأدلة وَجَبَ رد المتشابه إلى المحكم.
فالقرآن حَقٌ كله لا يُنَاقِضُ بَعْضُهُ بَعْضًَا؛ بل بعضه يدل على بعض.
١- فالقرآن مُحْكَمٌ كُلَّهُ:
جعله الله مُحْكَمًَا كما قال ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١]، وكما قال - ﷿ - ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس:١-٢]، حكيم يعني المُحْكَمْ في أحد أوجه تفسير ﴿الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ .
٢- وكذلك القرآن مع كونه مُحْكَمًَا فإنه أيضًا متشابه؛ متشابه كله:
فالقرآن مُحْكَمٌ كله وأيضًا هو متشابِهٌ كله؛ لأنَّ بَعْضَهُ يشبه بعضًا.
متشابه يعني يُشْبِهُ بَعْضُهُ بعضًا، وذلك لقوله - ﷿ - الله ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر:٢٣]، يعني يشبه بعضه بعضًا؛ هذه آية في صفات الله وهذه آية في صفات الله، هذه آيات في تقرير التوحيد -توحيد الربوبية توحيد الألوهية- وهذه آيات من مثلها، وهذه آيات في الحِجاج مع المشركين، وهذه آيات في الحجاج مع المشركين، هذه آيات في قصص الأنبياء وهذه آيات في قصص الأنبياء، ونحو ذلك من المعاني.
فهو متشابه، موضوعاته متشابهة مع اختلاف الآيات في ذلك.
٣ - أن القرآن مُحْكَمٌ بعضه:
يعني بعض آياته مُحْكَمَة، ومنه ما هو متشابه.
وهذا هو المَعْنِيْ في قوله سبحانه في أول سورة آل عمران ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ لاحظ قوله ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ يعني أنَّ بعضًا منه آيات محكمات ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ يعني يُرْجَعُ إليها في تفسير الكتاب ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران:٧]، وقوله ﴿أُخَرُ﴾ يدل على قلة المتشابه بالنسبة إلى المحكم.
فإذًا أقسام القرآن ثلاثة:
١- محكم كله.
٢- متشابه كله.
٣- منه ما هو محكم ومنه ما هو متشابه.
وكلٌ من هذه الأقسام دلَّتْ عليها آية أو آيات من القرآن العظيم.
المحكم والمتشابه الذي هو الأخير:
عُرِّفَ المُحْكَمْ بأنه: ما اتضحت دلالته.
وهو يختلف عن المَبَيَّنْ عند الأصوليين -يعني المجمل والمبين-؛ لأنَّ ذاك من عوارض الألفاظ يعني ما اتضحت دلالة لفظه وهذا ما اتضحت دلالة الآية في معناه.
والثاني المتشابه: وهو ما اشتبهت دلالته.
والمتشابه للعلماء في تفسيره وبيان نوعه أقوال كثيرة.
لكن المُحَقَّقْ عند أهل السنة والجماعة أنَّ المتشابه في القرآن إنما هو متشابه على من نُزِّلَ عليه.
متشابه على بعض هذه الأمّة.
أما المتشابه الكلي بحيث إنه يوجد في القرآن ما لا يُعَلَمُ معناه ولا يُعْلَمُ تأويله مطلقًا لِكُلِّ الأمة، فإنَّ هذا ممتنِع؛ لأنَّ القرآن جاء بلسان عربي مبين.
وما ورد عن ابن عباس ﵄ فيما ساقه ابن كثير وغيره في (أنَّ من القرآن ما لا يعلم تأويله إلا الله) -يعني لا أحد يعلم تأويله-، فيريد به نوعًا من التأويل والتفسير.
فالمتشابه مُتَشَابِهٌ نسبي.
المُتَشَابِهْ الكلي: آية لا أحد يعلم معناها لا النبي ﷺ ولا صحابته ولا العلماء إلى وقتنا الحاضر، فهذا ممتنع.
حتى الأحرف المقطعة فإنَّ دلالتها عَلِمَهَا بعض هذه الأمة.
وأما المشتبه النسبي، اشْتَبَهَ عليّ، اشتبه على من هو أعظم وأجل، على بعض الصحابة، فهذا موجود.
أبو بكر ﵁ سأل عن الأب ما (الأب)؟ ثم قال (أيّ سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم) (١) .
عمر ﵁ سأل الصحابة عن بعض الآيات.
وابن عباس خَفِيَ عليه بعض الآيات وسأل عنها وهكذا.
فالمتشابه النسبي الذي يشتبه معناه، تشتبه دلالته، إما لعدم معرفة معنى اللفظ أو لمعارضة آية لها أخرى تحتاج إلى تَأَمُلْ، فإنَّ هذا يكون نسبيًا.
مثل ما سئل ابن عباس أنَّ الله - ﷿ - أخبر أنَّ الناس في يوم القيامة يُوقَفُونَ فَيُسْأَلُونْ ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات:٢٤] وفي آيات أُخَرْ أَخْبَرَ الله - ﷿ - أنهم لا ينطقون ولا يُسْأَلُونْ ونحو ذلك، فكيف يُجمع بينهما؟
هذا متشابه، يعني آيات يَشْتَبِه معناها فيجب رَدُّهَا إلى المحكم.
هذا النوع الثالث المحكم والمتشابه هو الذي تكون فيه المجادلة التي نَهَى عنها الطحاوي هنا ونهى عنها أئمة أهل السنة جميعًا، المجادلة في القرآن.
_________________
(١) سبق ذكره (١٤٩)
[ ٣٣٧ ]
لهذا أثنى الله - ﷿ - على الراسخين في العلم بأنهم يَرُدُّونَ المتشابه إلى المحكم، ويقولون آمنا به.
ما عَلِمْتَ معنى الآية، ما عملت معنى سورة، معنى آية، ما عملت وجهه، ما عملت كيف تجيب عن الإشكال الوارد عليها، فنقول: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾، ونعلم أنَّ كلام الله - ﷿ - مُحْكَمْ وذلك كما قال سبحانه ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]؛ لكن الله ابتلى الأمة بوجود المتشابه لينظر كيف تُسَلِّمْ وتستسلم لكتاب الله - ﷿ -.
المقصود من ذلك أنَّ أصل الضلال في الفِرَقْ وُجِدَ من المجادلة في القرآن، والمجادلة في القرآن بأنهم اعتمدوا المتشابه ولم يُرْجِعُوا المتشابه إلى المحكم.
فالخوارج إنما خَرَجَتْ بالمجادلة في القرآن.
جادلوا في القرآن فجاءهم ابن عباس ﵁ فجادلهم بالقرآن.
فقالوا: كيف يُحَكِّم عَلِيٌّ الرجال والله - ﷿ - يقول ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر:١٢] .
فقال ابن عباس لهم (إنَّ الله - ﷿ - سمَّى بعض الرجال حَكَمًَا فقال ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء:٣٥])، وحاجَّهُم في ذلك حتى رجع معه ثلث أو أكثر من الخوارج.
المرجئة، القدرية، المعتزلة، كلّهم لم يعتمدوا القرآن كله، وإنما جادلوا فيه فيَدخُلون في عموم قوله ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [غافر:٥] .
[ ٣٣٨ ]
[المسألة الثالثة]:
قال (وَنَشْهَدُ أَنَّهُ كَلَامُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) إلى قوله (لَا يُسَاوِيهِ شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ)، هذا فيه تقرير لعقيدة أهل السنة في أنَّ القرآن كلام الله.
وقد مرّ معنا تفصيل الكلام على هذه الجملة من جهة كون القرآن كلامًا لله وتفاصيل الأقوال في ذلك.
وأهل السنة يعتقدون:
- أنَّ القرآن حروف وكلمات وجُمَلْ وآيات وسور.
- وأنَّهُ ألفاظ ومعاني.
- وأنَّ هذه جميعًا من الله - ﷿ -.
فالقرآن كلام الله - ﷿ - بحروفه ومعانيه، تَكَلَّمَ به الحق أ، فسمعه منه جبريل ﵇، فبلَّغَهُ لنبيه ﷺ كما سَمِعْ.
والقرآن الذي بلّغه جبريل محمدًا ﷺ هو القرآن المسموع، كلام الله المسموع وليس كلامَ الله المكتوب.
لأنَّ القرآن كتبه الله - ﷿ - في اللوح المحفوظ جميعًا، كتب القرآن جميعه في اللوح المحفوظ كما قال سبحانه ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٥-٧٩] .
﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ يعني جميع القرآن كريم، هو أعلى وأفضل وأميز الكلام.
لأنَّ الكريم من الأشياء هو المتميز على غيره الفاضل الأفضل.
قال ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ يعني في اللوح المحفوظ.
﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ الذين هم الملائكة.
وكذلك قوله - ﷿ - في آية الحاقة.
فالقرآن المكتوب في اللوح المحفوظ، جبريل لم يأخذه مكتوبًا وإنما أخذه مسموعًا، فهذا اعتقاد أهل السنة والجماعة.
فقوله هنا ﴿نَشْهدُ أَنَّهُ كَلاَمُ ربِّ العالمينَ﴾ يعني بحروفه وكلماته وآياته وسوره هو كلام الله - ﷿ -، سمعه جبريل فنزل به مسموعًا إلى النّبي ﷺ.
غير أهل السنة لهم في ذلك أقوال كثيرة يأتي ذكر تَعْدَادٍ لها عند قوله (وَلَا نَقُولُ بِخَلْقِهِ) .
[ ٣٣٩ ]
[المسألة الرابعة]:
في قوله (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ) الروح الأمين هو جبريل ﵇.
وسُمِّيَ روحًا: لفضله وتَمَيُّزِهِ عن الملائكة ولأنه يَنْزِلُ بالرّوح من أمر الله - ﷿ - وهو الوحي.
وسُمِّيَ الأمين أو نَعَتَهُ الله - ﷿ - بالأمين في قوله ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء:١٩٣-١٩٤]: لأنه مُؤْتَمَنٌ على أعظم ما يؤتمن عليه وهو كلام الله - ﷿ - ووحيه في سماواته.
[ ٣٤٠ ]
[المسألة الخامسة]:
في قوله (لَا يُسَاوِيهِ شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ) كلمة (لَا يُسَاوِيهِ) هنا يعني لا يكون مساويًا له أيّ كلامٍ لمخلوق.
وهذا للدلالة على إعجاز القرآن، ولهذا أكد بعد قوله (كَلَامُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) قال (وَهُوَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُسَاوِيهِ شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ) .
وإعجاز القرآن، يعني وَجْهُ كَونِ القرآن مُعْجِزًَا للجن الإنس أن يأتوا بمثله من إنزال القرآن إلى قيام الساعة، ما وجه كون ذلك؟
كيف صار القرآن مُعْجِزًَا؟
ذكرنا لكم هذا بالتفصيل في درس مستقل (١) .
وبيانه هو ما ذكره الطحاوي هنا مُحَقِّقًَا بأنه كلام الله تعالى لا يشبه قول البشر.
وهذا معنى قوله (لَا يُسَاوِيهِ شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ) يعني لا يشابهه، لا يدانيه، لا يكون مساويًا له لأنّه مُعْجِزٌ.
ولماذا صار معجزا؟
لأنه كلام الله.
وهذا هو المراد بقوله (لَا يُسَاوِيهِ شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ)، وإلا فلو كان المراد التقرير الابتدائي فليس مناسبا أن يُقال إنَّ كلام الله لا يساويه شيء من كلام المخلوقين ابتداءً؛ لأنَّ هذا فيه نوع تركٍ للأدب الواجب مع القرآن، ولقد قال الشاعر:
ألم تَرَ أنّ السيف ينقص قدره ****** إذا قيل إن السيف أمضى من العصا
لكن هو لم يُرِدْ هذا المعنى، إنما أراد دليل الإعجاز أنَّ القرآن لا يشبه قول البشر، لا يساويه، ولا يماثله شيء من كلام المخلوقين، لم؟
لأنه كلام الله تعالى.
_________________
(١) سبق ذكره (١٢٣)
[ ٣٤١ ]
[المسألة السادسة]:
قال في آخر هذه الجملة (وَلَا نَقُولُ بِخَلْقِهِ، وَلَا نُخَالِفُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ) .
في قوله (وَلَا نَقُولُ بِخَلْقِهِ) بخصوصها يعني:
- أنَّ مُعْتَقَدْ الصحابة رضوان الله عليهم ومُعْتَقَدْ التابعين وتبع التابعين وأئمة الإسلام وأئمة أهل السنة والجماعة ومُعْتَقَدْ عامة المنتسبين إلى الإسلام أنَّ القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود ﷾.
- نَّ القول بخلقه ضلال وخروج عن جماعة المسلمين؛ يعني عن ما اجتمع عليه المسلمون من زمن الصحابة إلى زمن المؤلف؛ بل إلى زمننا الحاضر.
والقول بخلق القرآن هذه عقيدة فُتِنَ بها كثيرون؛ لكنهم شواذ وقلة بالنسبة لعموم الأمة.
وأول ما نَشَأْ القول بخلق القرآن من جهة الجَعْدْ بن درهم ثم الجهم بن صفوان ثم أخذه المعتزلة فَنَصَرُوهُ واستدلُّوا له.
القول بخلق القرآن الكلام عليه يطول جدًا.
ومما يُؤْسَفُ له ويَجِبُ جِهَادُهُ أيضًا أنَّ بعض الضُّلال والمفتونين بَدَؤُوا ينشرون لهذه الفكرة عن طريق بعض وسائل الإعلام والقنوات والمناقشة فيها، كما نشرته بعض الإذاعات فيما ذُكِرَ لي في مناظرات تتصل بذلك، وجَعْلْ الناس -يعني العامة- يتكلمون في هذه المسألة.
وهي فتنة مشابهة للفتنة الأولى من حيث الابتداء.
فنسأل الله - ﷿ - أن يكبِتَ شر من يريد صرف الأمة عن حُسن الاعتقاد وإضلال عامّة المسلمين.
من قال بخلق القرآن طوائف في هذه الأمة منهم: الجهمية والمعتزلة والخوارج والرّافضة.
والخوارج اليوم يوجد منهم طائفة الإباضية وهم من أخصِّ فرق الخوارج قولًا واعتقادات، ويوجدون في أكثر من مكان في العالم الإسلامي في الجزيرة وفي ليبيا وفي الجزائر وفي أنحاء أُخَرْ، ولهم كتب كثيرة ومصَنَّفَة في العقيدة وفي الفقه يعني تبلغ عشرات المجلدات أو أكثر.
هم الذين ينصرون اليوم القول بخلق القرآن في مؤلفاتهم.
ومنهم اليوم الرافضة وعقيدتهم أيضًا في القرآن بأنه مخلوق.
وكذلك الزيدية يعتقدون هذا الاعتقاد.
ومن العجب أنَّ بعض المنتسبين للسنة من أئمة الحديث أو ممن حاربوا التقليد ونصروا الدّليل لأجل ما راج في بلده اشتبهت عليه هذه المسألة، وهو العلامة الشّوكاني ﵀، فإنه اشتبهت عليه مسألة خلق القرآن؛ لأجل ما شاع في بلده وذهب فيها إلى الوَقْفْ، وذَكَرَ ذلك في تفسيره.
فهذه الطوائف المعتزلة، والعقلانيون أيضًا في عصرنا الحاضر جماعة من العقلانيين من المنتسبين إلى الإسلام، يعني من المسلمين، وممَّن يدَّعون غير ذلك أيضًا هم ينصرون مذهب المعتزلة في خلق القرآن. (١)
فإذًا مسألة خلق القرآن كغيرها من مسائل الاعتقاد لا يُقَالُ ذهبت أبدًا بل هي باقية، فطالب العلم يتعلم أدلة ذلك حتى يجادل بالقرآن من قال بخلقه والعياذ بالله.
وهذه مسائل تحتاج إلى إيضاح طويل وتفصيل للكلام على الأدلة والخلاف في ذلك مما له موضع آخر إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) انتهى الوجه الأول من الشريط الخامس والعشرين.
[ ٣٤٢ ]
[المسألة السابعة]:
شبهة من قال بخلق القرآن وهم الطوائف الذين ذكرتهم لك قالوا:
إنَّ القرآن حروف وكلمات وصوت، فإذا قيل إنه كلام الله - ﷿ - الذي هو صفته صار الله - ﷿ - مَحَلًا لِما هو من صفة الأجسام والتقطع في الكلام؛ لأنَّ القرآن حروف متقطعة؛ يعني حروف تكونت منها الجمل، تكونت منها الآيات.
فنظروا إلى هذا فقالوا: هذا التقطع إنما هو من صفات من له نَفَسْ، من يُخْرِجْ الحرف ثم يَتَنَفَّسْ، ثم يقول كذا ونحو ذلك، وهذه من صفات المخلوقين، فلهذا جعلوه مخلوقًا.
ولهم في تبايُن صفات الخلق، أو كيف خَلَقَهُ وفي أي شيء خلقه، لهم أقوال كثيرة.
وهذه الشبهة والإيراد مبني أيضا على اعتقادٍ لهم، وهو أنَّ -أظن أني ذكرته لكم قبل ذلك- حدوث الأجسام إنما كان بدليل الأعراض، يعني حلول العَرَض في الجسم تَبِينُ به حاجة الجسم وافتقار الجسم إلى العرض، والعرض يطرأ ويزول، فلهذا صار الجسم حادثًا مما هو معروف، وقد فصّلته لكم فيما قبل فيما يسمى بدليل الأعراض (١) .
وهذا دليلٌ يعتمده المعتزلة وأخذه عنهم كتأصيل الأشاعرة والماتريدية وجماعة.
والقرآن إن قيل إنه صفة الله - ﷿ - صار عندهم أنَّ القرآن يكون في حالْ ولا يكون في حالْ؛ لأنَّ القرآن تَكَلَمَ الله - ﷿ - به ليس دَفعة واحدة، وإنما بحسب الوقائع، قالوا هذا يمتنع معه إلا أن يكون مخلوقًا.
والأشاعرة والماتريدية لما سلَّموا بأصل البرهان عارضوا ذلك ظاهرًا.
عارضوا قول المعتزلة ظاهرًا وسَلَّمُوهُ باطنًا، فقالوا: القرآن قرآنان:
- قرآن قديم وهو الذي تكلم الله - ﷿ - به.
- وقرآن أُنْزِلَ على محمد ﷺ.
فالقرآن القديم الذي هو صفة الله - ﷿ -، هذا تكلم الرب - ﷿ - به دفعة واحدة.
والقرآن الذي أنْزِلَ على محمد ﷺ هذا جُعِلَ في رُوعِ جبريل، ذلك القرآن جُعِلَ في روعه -يعني في نفسه بدون أن يسمع- فنزل به على نبينا ﷺ. (٢)
وهذا منهم لأجل أن لا يُبطِلُوا الدليل السابق.
واستدلوا على ذلك -يعني المعتزلة- بأدلة كثيرة، موجودة في كتبهم، ليس هذا محل بيانها.
المقصود أنَّ القول بخلق القرآن مبني على شبهة، ولأجل هذه الشُّبْهَة ولأجل إبطالها فإنَّ أئمة أهل الإسلام كفَّرُوا في خلق القرآن بالنوع ولم يُكَفِّرُوا كل أحد قال بخلق القرآن حتى تقوم عليه الحجة لأجل الاشتباه في الدليل.
فإذًا نقول: من قال بخلق القرآن فهو كافر؛ لكن إذا جاء المُعَيَّنْ لابد من إيضاح الحجة له والرد على شبهته؛ وذلك لأنَّ هذه الفتنة عظيمة.
كذلك من تَوَقَّفَ في ذلك ولم يستبن له الأمر، أو من أجاب في الفتنة -فتنة خلق القرآن- فإنَّ أئمة أهل السنة والجماعة لم يُكَفِّرُوا أحدًا في ذلك ولم يمتنعوا أيضًا عن الرواية ممن توقف في المسألة أو أجاب لأجل الافتتان.
وهذا أصل عظيم مهم في هذا الأصل؛ يعني في مسألة خلق القرآن.
فإذًا معتقد أهل السنة والجماعة:
- أنّ القول بخلق القرآن من أبْطَلْ الباطل.
- وأنَّ القول بخلق القرآن كفر، لأنَّ معنى القول بأنَّ صفة الله مخلوقة، والقرآن صفة الله كلام الله فالقول بأنَّ صفة الله مخلوقة هذا تنقّص عظيم للرب - ﷿ -، وتنقّص الرب - ﷿ - كفر بالله ﷾، فهو أعظم من الاستهزاء المجرّد لأنَّ هذا قول بالتنقص ومسبّة لله - ﷿ -.
لكن ثَمَّ اشتباه وشبهة الوضع معها ما ذكرته لك آنفا.
أما الأشاعرة والماتريدية ومن نحا نحوهم فهم يَرُدُّونَ على المعتزلة وعلى العقلانيين وعلى الخوارج وعلى الرافضة في مسألة خلق القرآن، يَرُدُّونَ عليهم بأنواع من الردود.
* لكن تنتبه إلى أنَّ مبنى هذه الردود على مذهبهم؛ وهو أنَّ كلام الله قديم وأنَّ الذي أُنْزِلَ على محمد ﷺ إنما كان في روع جبريل أو أخذه من اللوح المحفوظ -أخذه من المكتوب- أو نزل به من بيت العزة أو نحو ذلك من أقوالهم المعروفة.
_________________
(١) انظر شرح الواسطية للشيخ صالح آل الشيخ -سلَّمهُ الله-/ الشريط الثامن
(٢) لمزيد من التفصيل راجع الشريط السابع من شرح القصيدة النونية للشيخ ابن عثيمين - ﵀-
[ ٣٤٣ ]
[المسألة الثامنة]:
في قوله (وَلَا نُخَالِفُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ.)، (جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ) هذه الكلمة من الكلمات العظيمة التي تَرِدْ في كتب أهل السنة والجماعة وفي عقائدهم.
والجماعة عندهم يُراد بها نوعان:
- النوع الأول: جماعة الدين.
- والنوع الثاني: جماعة الأبدان.
وكلٌ منهما مَأْمُورٌ التزامه، وكلٌ منهما مطلوبٌ التمسك به، جماعة المسلمين في دينهم وجماعة المسلمين في أبدانهم.
وقد فصَّلْتُ لك الأقوال في ذلك في أول شرح الواسطية يمكن أن ترجع إليه للازدياد من هذا الموطن (١) .
الجماعة تقابلها الفرقة.
يعني لماذا قسمناها إلى جماعة دين وجماعة البدن جماعة الأبدان؟
لأَّنُه جاء في النصوص الأمر بلزوم الجماعة وجاء في النصوص النهي عن الفُرْقَة.
والنهي عن الفرقة جاء النهي عن الفرقة في الدّين والنهي عن الفرقة في الأبدان، كما في قوله - ﷿ - ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣]؛ يعني في الدين.
والتفرق في الدين يَؤُولُ إلى الترفق في الأبدان، فكلٌّ منها له صلة بالآخر.
فجماعة الأبدان يقوى معها الاجتماع في الدين، والتفرق في الأبدان يحصل معه تَفَرُّقْ في الدين.
وكذلك الاجتماع في الدين يحصل معه اجتماع في الأبدان، فكل منهما يقود إلى الآخر.
ولهذا لما ظهرت العقائد الباطلة في زمن عثمان وزمن علي ﵄ ظَهَرَ الافتراقُ في الأبدان والخروج على الأئمة ونحو ذلك، فهذه وهذه كل منهما يؤول إلى الآخر.
قول الطحاوي هما (وَلَا نُخَالِفُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ.) هذه عقيدة عظيمة يجب على كل مُعْتِقِدٍ لِمُعْتَقَدْ أهل السنة والجماعة أن يهتم بها.
فجماعة المسلمين (جماعة الدين) واجِبٌ التزامها، وعدم الخروج عما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم وعما كان عليه السلف الصالح وأئمة الإسلام.
وكذلك (جماعة الأبدان) بلزوم إمام المسلمين وولي أمرهم وعدم شقّ الطاعة والسمع والطاعة في المعروف، هذا واجبٌ أيضا الاجتماع عليه والائتلاف على ذلك.
وهذا هو الذي كان عليه أئمة أهل الإسلام رحمهم الله تعالى.
فإذًا من خالف في عقيدة من عقائد الإسلام ففي الواقع خالف جماعة المسلمين.
جماعة المسلمين كانت على شيء قبل أن تَفْسُدَ الجماعة، كانوا على شيء في زمن الصحابة رضوان الله عليهم.
ولذلك تعلمون ما ذَكَرَهُ ابن القيم في أول إغاثة اللهفان وذَكَرَهُ غيره من أنَّ الرجل الواحد قد يكون في زمن من الأزمان هو الجماعة، متى؟
إذا كان موافقا لِمُعْتَقَدْ الصحابة رضوان الله عليهم ومُعْتَقَدْ التابعين وأئمة الإسلام ولم يكن معه أحد فهو الجماعة وإن خالفه الناس جميعا، لماذا؟
لأنَّ الجماعة معناها هو من كان في العقيدة مع الجماعة، من كان في الاعتقاد مع الجماعة فهو الجماعة.
وفي زمن الإمام أحمد حينما حصلت فتنة القول بخلق القرآن، كان الإمام أحمد ومن معه ممن وقف في وجه أمراء ذلك الوقت في هذه العقيدة، وأقرّوا ما عليه جماعة المسلمين، كانوا هم الجماعة، والمخالفون لهم الأكثر كانوا قد خالفوا الجماعة.
وهذه مسألة مهمة في أنَّ الجماعة بمعنى العقيدة هو من كان على الجماعة.
فإذًا الجماعة لها إطلاقان:
١- الإطلاق الأول: الجماعة بمعنى الاجتماع على عقيدة السلف، فمن كان على ذلك الاعتقاد فهو الجماعة في العقيدة وإن كان واحدًا.
٢- الإطلاق الثاني: الجماعة في الأبدان وهو أن يلزم إمام المسلمين وجماعتهم فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام فيعتزل الفرق كلها، ويعبد الله - ﷿ - على بصيرة، فيكون حينئذ أدى ما يجب عليه أداءه.
فالواجب إذًا على كل طالب علم أن يأخذ بهذه الكلمة، وأن يوصي غيره بها؛ لأنها من أعظم ما يتقرب بها العبد إلى ربه أن يكون مع الجماعة؛ لأنَّ النبي ﷺ بيَّنَ الفرق الضالة، الفرق التي توعدها بالنار قال «كلها في النار إلا واحدة» قالوا: من هي يا رسول الله؟
قال «هي الجماعة» (٢) وفي الرواية الثانية قال «الجماعة من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» (٣) أو نحو ذلك.
والرواية الأولى جيدة يعني من حيث الإسناد قال «هي الجماعة» يعني من كان على ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم ومن سار على نهجهم.
وهذا وعد عظيم كلها في النار إلا واحدة.
إذا حصل أنَّ المرء اشتبه عليه شيء في مسائل فما الذي يجب عليه؟
يجب عليه أن يأخذ بما يَتَيَقَّنُهُ من الدين وما يَتَيَقَّنُهُ من عمل أئمة الإسلام، وما دُوِّنَ في العقائد الصحيحة لأهل السنة والجماعة وأن يترك ما اشتبه عليه.
_________________
(١) انظر الشريط الأول من شرح العقيدة الواسطية للشيخ.
(٢) سبق ذكره (٥)
(٣) الترمذي (٢٦٤١)
[ ٣٤٤ ]
لأنّ الله - ﷿ - له حدود كما جاء في حديث النعمان بن بشير «الْحَلاَلَ بَيِّنٌ، والْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ» (١) يعني في نفسها، مُشْتَبِهَات على من يريدها أو على من ينظر فيها، وفي رواية أخرى في البخاري «وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشَبَّهَاتٌ» (٢) يعني الله - ﷿ - جَعَلَهَا كذلك ليختبر العباد، مثل ما جعل بعض الكلام محكمًا وبعض كلامه متشابهًا.
قال ﷺ في المتشابهات «فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اِسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ» يعني طَلَبَ البراءة وهذا هو الواجب؛ لأنه ما كل أحد يأتي للمتشابه يقول لا سَأَعْرِفُهُ.
الذي يشتبه عليك اتركه أسلم لدينك، وخاصَّةً في مسائل الجماعة، في مسائل الاعتقاد، في مسائل الاختلاف لأنك لا تدري ما يؤول إليه الأمر.
تَعْرِفْ أنَّ الخوارج صار معهم بعض من وُلِدَ في زمن النبي ﷺ؛ لكنه لم يكن منهم لكنهم شَبَّهُوا عليه كمحمد بن أبي بكر الصديق ولدته أمه أسماء بنت عميس في الحج -يعني في حجة الوداع- نفست فولدت بمحمد بن أبي بكر.
يعني وُلِدَ في زمن النبي ﷺ، وحَصَلَ أنه أتى لعثمان لقوة الاشتباه، أتى لعثمان بعد أن تسلق عليه البيت وهو يتلو القرآن فشده من لحيته، وقال له -يعني وعظه عثمان- فبكى محمد بن أبي بكر الصديق ﵁ فبكى وترك ذلك وتركهم ثُمَّ قُتِلَ عثمان، وضلَّ من قال أنَّ الذي قتله أو ساعد في قتله أنه محمد بن أبي بكر. (٣)
المقصود أنَّ المسائل المشتبهة قد تشتبه على الخيار، فطالب العلم الذي يرغب في سلامة دينه يعتمد ما كانت عليه الجماعة ولا يخالف ما كانت عليه جماعة المسلمين.
وهذا من أعظم فوائد طلب العلم، أنّ المرء يعلم ما به السلامة له في دينه، ويكون مع الفرقة الناجية يوم القيامة، «كلها في النار إلا واحدة» قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال «هي الجماعة» .
وهذا مما يُرَغِّبْ كل واحد منكم في طلب علم العقيدة لأنَّ معه سلامة القلب ومعه سلامة العمل ومعه سلامة الخروج بيقين عن الفرق الضالة والالتزام بطريق الجماعة.
فهذه الكلمة كلمة عظيمة (وَلَا نُخَالِفُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ.) يعني في اعتقادهم ولا في أقوالهم، وكذلك لا نترك جماعة المسلمين في أبدانهم لأنَّ هذا من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة الذين تابعوا الكتاب والسنة ولم يخرجوا عن ذلك أعان الله الجميع على كل خير.
نكتفي بهذا القدر، ونقف عند قوله (ولا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ القِبْلَةِ بِذَنْبٍ، مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ) .
نأخذ بعض الأسئلة.
_________________
(١) البخاري (٥٢) / مسلم (٤١٧٨)
(٢) البخاري (٥٢)
(٣) لمعرفة المزيد مما صح في هذه الفتنة راجع الشريط (٤٠٤) من سلسلة الهدى والنور.
[ ٣٤٥ ]