_________________
(١) قال ﵀ (وَنُسَمِّي أَهْلَ قِبْلَتِنَا مُسْلِمِينَ مُؤْمِنِينَ، مَا دَامُوا بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مُعْتَرِفِينَ، وَلَهُ بِكُلِّ مَا قَالَ وَأَخْبَرَ مُصَدِّقِينَ.) يريد الطحاوي ﵀ أنَّ أهل السنة والجماعة يُسَمُونَ أهلَ القبلة وهم من تَوَجَّهَ في صلاته إلى الكعبة بيت الله الحرام، يُسَمُّونَهُم مسلمين مؤمنين؛ لأنّ هذا هو الأصل، فاستقبال القبلة دليل على تميُّزِ من استقبلها عن المشرك الوثني الأصلي؛ لأنه لا يستقبل القبلة يعني لا يُصَلِّي مثل مشركي قريش، وعن اليهودي والنصراني لأنهم يستقبلون جهة الشّرق، فالذي يستقبل الكعبة هذا يُسَمَّى مسلمًا كما جاء في الأحاديث الصحيحة «من أكل ذبيحتنا واستقبل قبلتنا له ما لنا وعليه ما علينا» (١) . لكن هذا ليس وصفًا مانعًا من خُروجه من الدّين، لهذا اشترط له شرطًا فقال (مَا دَامُوا بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مُعْتَرِفِينَ) يعني لو أنْكَرُوا ما جاء به النبي ﷺ أو شيئًا مما جاء به ﷺ فإنهم لا يُسَمَونَ مسلمين مؤمنين، وقال (وَلَهُ بِكُلِّ مَا قَالَ وَأَخْبَرَ مُصَدِّقِينَ) يعني إذا كانوا لم ينكروا شيئا مما جاء به النبي ﷺ. ويريد بهذه الجملة أيضًا مخالفة الخوارج والمعتزلة ومن شابههم ممن يكفرون بالذنوب ويسلُبون عن صاحب الكبيرة والمعصية، يسلبون عنه اسم الإسلام أو اسم الإيمان. وتحت هذه الجملة مسائل:
(٢) البخاري (٣٩٣)
[ ٣٢٥ ]
[المسألة الأولى]:
قوله (أَهْلَ قِبْلَتِنَا) هذه الكلمة (أهل القبلة) لم ترد في النصوص في تحديد المراد بها؛ يعني في أن يكون لها اصطلاح شرعي؛ ولكن جاء في النص وفي الأحاديث ذِكْرُ من استقبل القبلة، ولهذا جُعِلَ هذا الإسم (أهل القبلة) بمعنى من استقبل القبلة، فكل من استقبل القبلة في صلاته فهو من أهل القبلة.
وسبب هذه التسمية (أهل القبلة) هوما جاء في الأحاديث في الصحيح في البخاري وفي غيره «من استقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فله ما لنا وعليه ما علينا»، (استقبل قبلتنا) لأنه تميز باستقبال القبلة في عهد النبي ﷺ عن الكفار إذْ يُصَلُّونْ وعن اليهود والنصارى إذ قبلتهم مختلفة.
و(أهل القبلة) إذًا يشمل كل أهل الأهواء، كل الفِرَقْ الثلاث والسبعين التي أخبر بها وعنها النبي ﷺ في قوله «وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة» (١) فهذه الفرق الثلاث وسبعين كلها تدخل عند أهل العلم تحت هذا الاسم (أهل القبلة) .
ويدخل تحت هذا الاسم أيضًا المنافقون؛ لأنهم كانوا يستقبلون القبلة في عهد النبي ﷺ واسم الإسلام الظاهر ينطبق عليهم.
لهذا اسم أهل القبلة كاسم المسلم ينطبق على من استقبل القبلة بصلاته ولو كان من أهل البدع أو من أهل الأهواء أو ممن يعتقد في الباطن اعتقادًا مُكَفِّرًا مناقضًا للدين، فالأصل فيه أنه من أهل القبلة.
وهذا يتّضح بأن نقول أهل القبلة لفظ يُطْلَقُ على طائفتين: (٢)
الطائفة الأولى:
هم أهل الإسلام الصحيح الذين كانوا على مثل ما كان عليه محمد ﷺ وأصحابه، وهذا يدخل فيه -يعني هذه الطائفة- يدخل فيها دخولًا أوَّلِيًَّا صحابة رسول الله ﷺ والتابعون وتبع التابعين وكل من كان على منهجهم.
فأولى الناس بهذا الوصف من كان على عقيدة الصحابة رضوان الله عليهم، وما أعظم قوله ﷺ «من استقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم، له ذمة الله وذمة رسوله ﷺ فلا تُخفروا الله في ذمته» (٣) .
ويدخل في هؤلاء من تبعهم بإحسان على عقيدة أهل السنة والجماعة من أهل التوحيد الذين حَقَّقُوا كلمة التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله، فلم يعبدوا إلا الله ولم يُحكِّمُوا إلا شرع محمد ﷺ، وهؤلاء في الحقيقة هم أهل القبلة لأنهم أولياء البيت، وهم الحقيقون بوصف المتقين، قال - ﷿ - لمَّا ذكر المشركين في سورة الأنفال قال ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ﴾ [الأنفال:٣٤]، يعني أولياء البيت ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال:٣٤]، فأولياء البيت الحرام؛ أولياء القبلة يعني الذين يحبونها حقيقة وينصرونها وثَمَّ ولَايَةْ هم أهل البيت، هم أهل القبلة.
الطائفة الثانية:
هم كل منتسب إلى الإسلام سواءٌ كان فيه مُكَفِّرٌ باطنًا أم ليس فيه مُكَفِّرْ، فيدخل في ذلك أهل البدع والأهواء من فرق الضلال كالمعتزلة والخوارج والمرجئة والقدرية وإلى آخره وغلاة الصوفية، كل من خالف عقيدة أهل السنة والجماعة، وكذلك يدخل فيه المنافقون.
فإذًا اسم الإسلام، المسلم، واسم أهل القبلة يشمل المبتدعة وأهل الأهواء والعصاة، ويشمل المنافقين في دار الإسلام؛ لأنَّ النبي ﷺ لم يكن يميز ما بين المنافق وغير المنافق في الوَلاية الظاهرة؛ يعني في كونه له ما له وعليه ما عليه؛ لأنَّ المنافق له حكم الإسلام ظاهرًا؛ لأنه أظهر الإسلام، وكذلك أهل البدع والأهواء لهم حكم المسلم ظاهرًا لأنَّهُم أَظْهَرُوا الإسلام واستقبلوا القبلة.
إذا تبين ذلك، فإذًا هذا الوصف أهل القبلة ليس وصفًا لطائفة واحدة؛ بل هو وصف متميّز ومُتَمَايِزٌ أهله فيه، فالوَلَايَةْ لأهل القبلة والنُّصرَة لأهل القبلة والمحبة لأهل القبلة ليست على درجة واحدة:
- فكل من كان مُتَحَقِّقًَا بوصف الطائفة الأولى فله الوَلاية الخاصة لمن كان على مثل ما عليه ﷺ وأصحابه.
- ومن كان من أهل البدع والأهواء فله حكم الإسلام وله حكم أنه من أهل القبلة، فلا يُسْتَباحْ دمه ولا يُكفَّر ولا يُخرَجْ من الدين إلا إذا أتى مُكَفِّرًا.
فإذًا هذا الاسم واللقب أهل القبلة هذا فيه نوع اختلاط، وتعلمون أنَّ زمن المؤلف وما قبله لم يكن فيه إلا ما ذكرنا لك من هاتين الطائفتين:
- طائفة من كان على منهاج أهل السنة والجماعة.
- والطائفة الثانية طائفة أهل البدع والأهواء والمنافقون.
_________________
(١) سبق ذكره (٥)
(٢) انتهى الوجه الأول من الشريط الرابع والعشرين.
(٣) البخاري (٣٩١)
[ ٣٢٦ ]
[المسألة الثانية] (١):
ظَهَرَ بعد زمان المؤلف المشركون -الشرك الأكبر- الذين يعبدون مع الله غيره ويدعون غير الله ويستغيثون بغير الله ويذبحون لغير الله ويعبدون غير الله - ﷿ -.
فهل هؤلاء يصدق عليه اسم أنَّهم من أهل القبلة أم لا يصدق عليهم أنهم من أهل القبلة؟
على قولين لأهل العلم:
القول الأول:
ليسوا من أهل القبلة لأنَّ صلاتهم باطلة؛ لأنَّ المشرك لا تُقبَلُ صلاته، فيكون استقباله للقبلة لَغْوًا؛ يعني ليس من أهلها، كما كان المشرك من قريش، ومن العرب يتوجه إلى الكعبة بالطواف ويؤدون عندها بعض العبادات ونحو ذلك، ولكنهم لم يكونوا موحدين فلم يتصفوا بوصف أنهم يستقبلون القبلة في الأحاديث.
٢- القول الثاني:
أنَّ الأصل في المسلم الإسلام حتى يَثْبُتَ عنه أو منه ما يُخرِجُهُ من الدين.
وهؤلاء إنْ أُطْلِقَ عليهم أنَّهُم كَفَرُوا -يعني صار عليهم اسم الكفر- سُلِبَ عنهم اسم أهل القبلة.
وإن لم يُطْلَقْ عليهم الكفر -يعني ليسوا بكفار- فإنهم يبقون في الطائفة الثانية من التقسيم الأول؛ يعني في أهل البدع والأهواء والمنافقين وأشباه هؤلاء؛ لأنه لا يُكَفَّرْ أَحَدْ إلا بعد أن تقوم عليه الحجة الرسالية التي يَكْفُرُ جاحدها أو يَكْفُرُ منكرها أو يَكْفُرُ رادُّها.
*وهذا القول الثاني هو الأَوْلى وذلك أنَّ الأصل فيمن استقبل الكعبة أنه مسلم حتى يثبت عنه ما يخرجه من الإسلام.
العلماء -خاصةً بعض علماء الدعوة- بحثوا هنا في مسألة الكافر الأصلي، يعني من نشأ، بَلَغْ وهو يعبد الأوثان وهو يعبد الأضرحة وهو يعبد غير الله - ﷿ -، ومن كانت هذه الأمور عارضةً له، بَحَثُوا في هذه المسألة في بعض الردود؛ لكن ليس بحثها مؤثرًا على التقسيم الذي قلناه.
المقصود أَنَّ اسم أهل القبلة مثل اسم المسلم؛ يعني لا يترتب على هذا اللفظ (أهل القبلة) لا يترتب عليه حقوق إلا حقوق المسلم، فما دام أنه مسلم فله حق الإسلام له حقوق المسلم، إذا كان مسلمًا مطيعًا فله حق المسلم المطيع، مسلم عاصي صاحب كبيرة، مسلم مبتدع، مسلم ظاهرًا منافق باطنًا فهذا له حقوقه.
_________________
(١) هذه النقطة لم يعدها الشيخ مسألة مستقلة وإنما جعلها مع ما قبلها، وقد جعلتها في مسألة مستقلة تميزًا لها.
[ ٣٢٧ ]
[المسألة الثالثة]:
قوله (مُسْلِمِينَ مُؤْمِنِينَ) هذا الوصف: (مسلم)، (مؤمن)، هذا بناءً على أنَّ الإسلام والإيمان عند الطحاوي واحد وأنَّه لا فرق ما بين الإسلام والإيمان.
وهذا القول ليس بجيد؛ بل مخالفٌ للأدلة ويأتي بحثه في الكلام على الإيمان.
وهناك وِجْهَةْ أخرى ظهرت لي أثناء تَأَمُّلْ كلمته أنه وإن قال ذلك لكن هذه الكلمة ليست مُلْزِمَةْ له بهذا القول؛ يعني لا نفهم منها أنه يُسَوِّيْ ما بين المسلم والمؤمن؛ لأنَّ من جهة التسمية نسميهم مسلمين أو نسميهم مؤمنين فالإسلام والإيمان إذا تفرّقا اجتمعا، فإذا قلنا هو مؤمن مع كونه مسلمًا صحيح، وحتى صاحب الكبيرة نقول هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته.
فإذًا هذه الكلمة (مُسْلِمِينَ مُؤْمِنِينَ) لا تدل بنفسها على أنَّهُ يجعل الإسلام والإيمان واحد وأنَّ المسلم هو المؤمن، ويأتي بيان أنَّ قول أهل السنة والجماعة -يعني جمهور أهل السنة والجماعة- والراجح عندهم أنَّ الإسلام غير الإيمان، والله - ﷿ - فرَّقَ بينهما في كتابه فقال - ﷿ - ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، وهذا دليلٌ واضحٌ على التفريق ويأتي بقية الأدلة في موضعها.
[ ٣٢٨ ]
[المسألة الرابعة]:
أنَّ هذا الإسم أهل القبلة واسم المسلم والمؤمن لابد من بقاء ما دلَّ عليه، وهذا هو ما ذَكَرَهُ بعد ذلك بقوله (مَا دَامُوا بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مُعْتَرِفِينَ، وَلَهُ بِكُلِّ مَا قَالَ وَأَخْبَرَ مُصَدِّقِينَ) يعني أنَّهُ لو ارْتَكَبَ مُكَفِّرًَا فإنه يَخْرُجُ من اسمه مسلم ومن اسمه مؤمن ولو استقبل القبلة، ولو كان السجود في جبهته فإنَّهُ ما دام أنه ثَبَتَ عنه بيقين ما حَكَمَ عليه عالم أو قاضي بكفره فإنه يكون حينئذ ليس له حكم المسلم المؤمن ولو كان مستقبل القبلة.
قال (مَا دَامُوا بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مُعْتَرِفِينَ)
معنى الاعتراف هنا هو الإقرار بأنَّ ما جاء به النبي ﷺ في كل مسألة حق.
لكن فَرْقٌ هنا ما بين الجحد وما بين التأويل:
فإنَّ من جحد أمرًا جاء به النبي ﷺ وكان ثابِتًَا عن النبي ﷺ وكانت دلالته قطعية فإنه يكفر بذلك، مثل «عثمان في الجنة» (١) هذا دلالته قطعية «عثمان في الجنة» ما تحتمل معنى آخر، فإذا قال: لا، هذا لا يدل على أنه يُحْكَمْ له بالجنة، لا أنا ما أحكم لعثمان بالجنة مع أنَّ النبي ﷺ حَكَمَ له، أنا أَرُدْ كون عثمان ﵁ في الجنة، لا أدري هو من أهل الجنة أو من أهل النار، هذا ردٌّ لخبر دلالته قطعية.
فإذًا قوله (مَا دَامُوا بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مُعْتَرِفِينَ) هنا الاعتراف بمعنى الإقرار بهذا الخبر وبما جاء به ﷺ.
* وهذا الإقرار فيما كانت دلالته قطعية، أما إذا كانت دلالته محتملة وصار ثَمَّ للتأويل مَسْرَحْ؛ فإنه لا يُسلب عنه اسم الإسلام والإيمان.
ولهذا نصَّ أهل العلم من أئمة الدَّعوة ومن غيرهم على أنَّ متأولة الصفات ليسوا كمنكري الصفات، يعني ليس الأشاعرة مثل الجهمية، ليس المعتزلة مثل الجهمية في هذا الباب، الصفاتية الذين أثبتوا أصل الصفات وتأَوَّلُوا بعضًا هؤلاء لهم شُبْهَة التأويل فلم يُكَفِّرْهُمْ أهل السنة والجماعة في هذا الباب؛ لأنّهم معترفون بأصل ما جاء به النبي ﷺ في هذا الباب؛ لكن تَأَوَّلُوهُ إلى جهةٍ أخرى.
فإذًا يُفَرَّقْ هنا ما بين الرد وما بين التأويل، فالاعتراف هو الإقرار.
* كذلك يُفَرَّقُ هنا ما بين الإقرار الذي يقابله الجحد، وما بين الإلتزام الذي يقابله الامتناع:
١- أولًا (الإقرار أو الإعتراف) الذي يقابله الجحد:
فالاعتراف الذي هُوَ الإقرار يقابله الجحد، يقالُ أَقَرَّ واعترف أو حَجَدْ.
أقر بأنَّ النبي ﷺ أَمَرَ بكذا، أو حَجَدَ أنَّ الصلاة واجبة، جَحَدَ أَنَّ الزكاة واجبة، جَحَدَ أَنَّ أَكْلْ نوع من المأكولات المباحة أنَّهُ حلال، جَحَدَ أن الخمر محرم، فهذا جحد يناقض الإعتراف، يعني أصلًا ما يقر بالتحريم أصلًا.
٢- ثانيًا الإلتزام الذي يقابله الإمتناع:
قد يُقرُّ ولكنه لا يلتزم.
وقد لا يجحد ولكنه يمتنع.
والالتزام واجب والامتناع مُكَفِّرْ.
ما معنى الامتناع؟
الامتناع أن يقول: أنا لا أدخل في هذا الخطاب، وهذا معنى قول العلماء: الطائفة الممتنعة، وقول إذا امتنع أحد عن كذا يعني لم يلتزم، فَجَعَلَ فِعْلَهُ غير داخل في هذا الخطاب.
مثل حديث أبي بردة بن نيار المعروف (أنَّ النبي ﷺ بعثه في رجل نكح امرأة أبيه فأمره أن يقتله وأن يُخَمِّسَ ماله) (٢) .
هذا رجل نَكَحَ امرأة أبيه، الفعل معصية كبيرة، كبيرة بشعة أن ينكح امرأة أبيه؛ لكن النبي ﷺ أمره أن يقتله وأن يخمّس ماله؛ يعني جعله مرتدًا لم؟
لا لكونه جَحَدَ ولكن لكونه امتنع.
فإذًا هنا في الاعتراف (مَا دَامُوا مُعْتَرِفِينَ):
- فيه الإقرار ويقابله الجحد.
- وفيه الالتزام ويقابله الامتناع
الالتزام: أن يعتقد أنه مخاطب.
والامتناع: أنا غير مخاطب بذلك، مثل فعل مانعي الزكاة، فيقولون: الزكاة واجبة وأَدُّوهَا لكن نحن بذاتنا لا نحن لسنا داخلين في هذا الخطاب.
فالرجل ظَنَّ أنه لا يدخل في هذا الخطاب في قوله - ﷿ - ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء:٢٢]، فهو مُقِرٌّ بوجوبها بدخوله في الإسلام أصلًا، مُقِرٌّ بهذه الآية بدخوله؛ لكنه امْتَنَعَ من الالتزام بها لأجل أنَّ هذه كانت فِعْلَةْ أهل الجاهلية، فكان من إكرام الرّجل لأبيه أن ينكح امرأة أبيه لأنَّ هذا يدل على بِرِّهِ، يدل على صلته، ويدل على شرفه، ويدل على أشياء عندهم، فلما أنَّهُ امتنع، يعني كان أَخَذَهُ إذًا مَأْخَذْ الحكم الجاهلي ما دام أنه لم يلتزم.
إذًا في هذه الصورة لم يلتزم -هو مقر معترف- لكنه لم يلتزم، بمعنى امتنع.
وليست المسألة مسألة تكفير بالعمل أو أن فِعْلَهُ دَلَّ على استحلاله.
ليست من هذا الباب، إنما هي من باب الامتناع فمن عَرَفَ واقع أهل الجاهلية في نكاح امرأة الأب إلى آخره وسبب نزول الآية ودلالة ذلك عرف.
المقصود من هذا أنَّ قول الطحاوي (مَا دَامُوا بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ صلى ﷺ مُعْتَرِفِينَ):
الاعتراف هو الإقرار، والإقرار يقابله الجحد.
ويأتي الكلام على الاستحلال في قوله (وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ، مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ) .
فإذًا صارت عندك هنا أنَّ النسبة إلى الإسلام، النسبة إلى أهل القبلة يأتي الخروج منها بأشياء.
وأما العمل فيأتي الكلام عليه (وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ، مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ) .
لهذا هنا علقها بالاعتقادات (مَا دَامُوا بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مُعْتَرِفِينَ، وَلَهُ بِكُلِّ مَا قَالَهُ وَأَخْبَرَ مُصَدِّقِينَ) .
_________________
(١) أبو داود (٤٦٤٩) / الترمذي (٣٧٤٧) / ابن ماجه (١٣٣)
(٢) أبو داود (٤٤٥٧) / النسائي (٣٣٣٢)
[ ٣٢٩ ]
[المسألة الخامسة]:
هذا الباب، باب الإيمان، والخروج من اسم الإسلام واسم الإيمان ومِنْ معنى أهل القبلة، هذا من المواضع التي تَزِلُّ فيها الأقدام.
ولهذا الذي يجب على كل طالب علم أن يعلم:
- ما قاله أهل السنة والجماعة في بيان الإيمان وبيان ضده.
- وأنَّ الإيمان والإسلام إذا قامت بالشخص -يعني وُصِفَ أحد بالإسلام والإيمان-، المسلم والمؤمن لا يُخْرَجُ من إسلامه وإيمانه حتى يأتي بُمُكَفِّرٍ واضِحٍ مثل وضوح ما أدخله في الإيمان.
فهو دخل باعتقادٍ واضح، دخل بكلمة التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله، دخل أيضا بِعَمَلٍ بالأركان، فلا بد أن:
- يكون الاعتقاد مضاد للأصل -الإيمان بالله وملائكته ورسله إلى آخره.
- كذلك القول يكون مضاد للأصل؛ يعني مواجه للأصل، مضاد للتوحيد، لكلمة التوحيد؛ يعني من الأقوال الشركية.
- كذلك العمل يكون مضاد لما دلَّ عليه العمل من الاستسلام لله - ﷿ -.
وهذه المسألة يأتي لها مزيد تفصيل فيما نستقبل إن شاء الله تعالى.
فإذًا معتقد أهل السنة والجماعة في هذه المسألة أنَّ من ثَبَتَ في حقه اسم الإسلام والإيمان فإنَّهُ يبقى على هذا الاسم ما لم يأتِ بشيء من الأقوال أو الأعمال أو الاعتقادات تَرُدُّ هذا الأصل بوضوح لا باحتمال؛ لأَّن الواضح البَيِّنْ اليقيني لا يزيله إلا يقيني.
[ ٣٣٠ ]