الصراط وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فَيَقْتَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، فَإِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ». وَجَعَلَ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ هَذِهِ الْقَنْطَرَةَ صِرَاطًا ثَانِيًا لِلْمُؤْمِنِينَ خَاصَّةً، وَلَيْسَ يَسْقُطُ مِنْهُ أَحَدٌ فِي النَّارِ، والله تعالى أعلم.
قَوْلُهُ (وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ مَخْلُوقَتَانِ، لَا تَفْنَيَانِ أَبَدًا وَلَا تَبِيدَانِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ قَبْلَ الْخَلْقِ، وَخَلَقَ لَهُمَا أَهْلًا، فَمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ فَضْلًا مِنْهُ، وَمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ إِلَى النَّارِ عَدْلًا مِنْهُ، وَكُلٌّ يَعْمَلُ لِمَا قَدْ فُرِغَ لَهُ، وَصَائِرٌ إِلَى مَا خُلِقَ لَهُ، وَالْخَيْرُ وَالشَّرُّ مُقَدَّرَانِ عَلَى الْعِبَادِ).
ش: أَمَّا قَوْلُهُ: "إِنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مَخْلُوقَتَانِ"- فَاتَّفَقَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مَخْلُوقَتَانِ مَوْجُودَتَانِ الْآنَ، وَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ أَهْلُ السُّنَّةِ، حَتَّى نَبَغَتْ نَابِغَةٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ، فَأَنْكَرَتْ ذَلِكَ، وَقَالَتْ: بَلْ [يُنْشِئُهُمَا] (١) اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ!! وَحَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَصْلُهُمُ الْفَاسِدُ الَّذِي وَضَعُوا بِهِ شَرِيعَةً لِمَا يَفْعَلُهُ اللَّهُ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ كَذَا، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَ كَذَا!! وَقَاسُوهُ عَلَى خَلْقِهِ فِي أَفْعَالِهِمْ، فَهُمْ مُشَبِّهَةٌ فِي الْأَفْعَالِ، وَدَخَلَ التَّجَهُّمُ فِيهِمْ، فَصَارُوا مَعَ ذَلِكَ مُعَطِّلَةً! وَقَالُوا: خَلْقُ الْجَنَّةِ قَبْلَ الْجَزَاءِ عَبَثٌ! لِأَنَّهَا تَصِيرُ مُعَطَّلَةً مُدَدًا مُتَطَاوِلَةً!! فَرَدُّوا مِنَ النُّصُوصِ مَا خَالَفَ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ الْبَاطِلَةَ الَّتِي وَضَعُوهَا لِلرَّبِّ تَعَالَى، وَحَرَّفُوا النُّصُوصَ عَنْ مَوَاضِعِهَا، وَضَلَّلُوا وَبَدَّعُوا مَنْ خَالَفَ شَرِيعَتَهُمْ.
فَمِنْ نُصُوصِ الْكِتَابِ: قوله تعالى عن الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢). ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ (٣). وعن النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٤). ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾ ﴿لِلطَّاغِينَ مَآبًا﴾ (٥). وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً﴾
_________________
(١) في الأصل: (ينشئها). والصواب ما أثبتناه من سائر النسخ. ن
(٢) آل عمران ١٣٣
(٣) الحديد ٢١
(٤) آل عمران ١٣١
(٥) النبأ ٢١ - ٢٢
[ ٤٢٠ ]
﴿أُخْرَى﴾ ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ (١). وَقَدْ رَأَى النَّبِيُّ ﷺ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى، وَرَأَى عِنْدَهَا جَنَّةَ الْمَأْوَى. كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁، فِي قِصَّةِ الْإِسْرَاءِ، وَفِي آخِرِهِ: «ثُمَّ انْطَلَقَ بِي جَبْرَائِيلُ، حَتَّى أَتَى سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى، فَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ"قَالَ: "ثُمَّ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، فَإِذَا هِيَ جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤِ، وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ».
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ، قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، يُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٢).
وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، وَفِيهِ: «يُنَادِي مُنَادٍ من السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ، قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا».
وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ أَنَسٍ بِمَعْنَى حَدِيثِ الْبَرَاءِ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «خَسَفَتِ الشَّمْسُ في حياة رسول الله ﷺ». فذكرت الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا كُلَّ شَيْءٍ وُعِدْتُمْ بِهِ، حَتَّى لَقَدْ رَأَيْتُنِي آخُذُ قطفا من الجنة حين رأيتموني تقدمت [وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ» (٣) ".
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ». فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: «فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ، ثُمَّ رأيناك تكعكعت؟
_________________
(١) النجم ١٣ - ١٥
(٢) رواه مالك في الموطأ ١: ٣٣٧ - ٣٣٨، بهذا اللفظ، ورواه أحمد: ٥٩٢٦ من طريق مالك ورواه أيضا من أوجه أخر: ٤٦٥٨، ٥١١٩، ٥٢٤٣. ورواه الشيخان كذلك
(٣) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل، وأثبتناه من سائر النسخ. ن
[ ٤٢١ ]
فَقَالَ: "إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ، وَتَنَاوَلْتُ عُنْقُودًا، وَلَوْ أَصَبْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا، وَرَأَيْتُ النَّارَ، فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ"، قَالُوا: بِمَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "بَكُفْرِهِنَّ"، قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: "يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ خَيْرًا قَطُّ!! ".
» وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: «وَايْمُ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ، لَضَحِكْتُمْ قليلا [ولبكيتم] (١). كَثِيرًا"قَالُوا: وَمَا رَأَيْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "رَأَيْتُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ».
وَفِي الْمُوَطَّأِ وَالسُّنَنِ، من حديث كعب بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَيْرٌ تعلق فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ، حَتَّى يُرْجِعَهَا اللَّهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
وَهَذَا صَرِيحٌ فِي دُخُولِ الرُّوحِ الْجَنَّةَ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَالسُّنَنِ وَالْمُسْنَدِ. مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الجنة والنار، أرسل جبرائيل إِلَى الْجَنَّةِ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا. فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَهْلِهَا فِيهَا، فَرَجَعَ فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ، لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا. فَأَمَرَ بِالْجَنَّةِ، فَحُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ، فَقَالَ: ارْجِعْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا. قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهَا، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ، لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ. قَالَ: ثُمَّ أَرْسَلَهُ إِلَى النَّارِ، قَالَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا. قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهَا، فَإِذَا هِيَ يَرْكَبُ بَعْضُهَا بَعْضًا، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ، لَا يَدْخُلُهَا أَحَدٌ سَمِعَ بِهَا. فَأَمَرَ بِهَا فَحُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا. فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا، فَرَجَعَ فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ، لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَنْجُوَ مِنْهَا أَحَدٌ إلا دخلها».
_________________
(١) في الأصل: (وبكيتم). والتصويب من صحيح مسلم ح
[ ٤٢٢ ]
وَنَظَائِرُ ذَلِكَ فِي السُّنَّةِ كَثِيرَةٌ.
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْجَنَّةَ الْمَوْعُودَ بِهَا هِيَ الْجَنَّةُ الَّتِي كَانَ فِيهَا آدَمُ ثُمَّ أُخْرِجَ مِنْهَا - فَالْقَوْلُ بِوُجُودِهَا الْآنَ ظَاهِرٌ، وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مَعْرُوفٌ.
وَأَمَّا شُبْهَةُ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا لَمْ تُخْلَقْ بَعْدُ، وَهِيَ: أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَخْلُوقَةً الْآنَ لَوَجَبَ اضْطِرَارًا أَنْ تَفْنَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَنْ يَهْلَكَ كُلُّ مَنْ فِيهَا وَيَمُوتَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (١). و﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (٢).
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ، مِنْ حَدِيثِ ابن مسعود، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ، عَذْبَةُ الْمَاءِ، وَأَنَّهَا قِيعَانٌ، وَأَنَّ غِرَاسَهَا سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ»، قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَفِيهِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ»، قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، قَالُوا: فَلَوْ كَانَتْ مَخْلُوقَةً مَفْرُوغًا مِنْهَا لَمْ تَكُنْ قِيعَانًا، وَلَمْ يَكُنْ لِهَذَا الْغِرَاسِ مَعْنًى. قَالُوا: وَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى عَنِ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ أَنَّهَا قَالَتْ: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ (٣).
- فَالْجَوَابُ: إِنَّكُمْ إِنْ أَرَدْتُمْ بِقَوْلِكُمْ إِنَّهَا الْآنَ مَعْدُومَةٌ بِمَنْزِلَةِ النَّفْخِ فِي الصُّوَرِ وَقِيَامِ النَّاسِ مِنَ الْقُبُورِ، فَهَذَا بَاطِلٌ، يَرُدُّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ وَأَمْثَالِهَا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ، وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّهَا لَمْ يَكْمُلْ خَلْقُ جَمِيعِ مَا أَعَدَّ اللَّهُ فِيهَا لِأَهْلِهَا، وَأَنَّهَا لَا يَزَالُ اللَّهُ يُحْدِثُ فِيهَا شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وَإِذَا دَخَلَهَا الْمُؤْمِنُونَ أَحْدَثَ اللَّهُ فِيهَا عِنْدَ دُخُولِهِمْ أُمُورًا أُخَرَ- فَهَذَا حَقٌّ لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ،
_________________
(١) القصص ٨٨
(٢) آل عمران ١٨٥
(٣) التحريم ١١
[ ٤٢٣ ]
وَأَدِلَّتُكُمْ هَذِهِ إِنَّمَا تَدُلُّ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ.
وَأَمَّا احْتِجَاجُكُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (١)، فأثبتم سُوءِ فَهْمِكُمْ مَعْنَى الْآيَةِ، وَاحْتِجَاجُكُمْ بِهَا عَلَى عَدَمِ وُجُودِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ الْآنَ - نَظِيرُ احْتِجَاجِ إخوانكم بها عَلَى فَنَائِهِمَا وَخَرَابِهِمَا وَمَوْتِ أَهْلِهِمَا!! فَلَمْ تُوَفَّقُوا أَنْتُمْ وَلَا إِخْوَانُكُمْ لِفَهْمِ مَعْنَى الْآيَةِ، وَإِنَّمَا وُفِّقَ لِذَلِكَ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ.
فَمِنْ كَلَامِهِمْ: أَنَّ الْمُرَادَ"كُلُّ شَيْءٍ"مِمَّا كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْفَنَاءَ وَالْهَلَاكَ"هَالِكٌ"، وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ خُلِقَتَا لِلْبَقَاءِ لَا لِلْفَنَاءِ، وَكَذَلِكَ الْعَرْشُ، فَإِنَّهُ سَقْفُ الْجَنَّةِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ إِلَّا مُلْكَهُ. وَقِيلَ: إِلَّا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُهُ. وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أنزل: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ (٢)، فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: هَلَكَ أَهْلُ الْأَرْضِ، وَطَمِعُوا فِي الْبَقَاءِ، فَأَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ أَهْلِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَنَّهُمْ يَمُوتُونَ، فَقَالَ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (٣)، لِأَنَّهُ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، فَأَيْقَنَتِ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ ذَلِكَ بِالْمَوْتِ. وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ تَوْفِيقًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ النُّصُوصِ الْمُحْكَمَةِ، الدَّالَّةِ عَلَى بَقَاءِ الْجَنَّةِ، وَعَلَى بَقَاءِ النَّارِ أَيْضًا، عَلَى مَا يُذْكَرُ عَنْ قَرِيبٍ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.