يتعلق بحادثة الإسراء والمعراج جملة من مسائل العقيدة، منها اعتقاد أهل السنة والجماعة كون الإسراء والمعراج كان بالجسد والروح، خلافًا لما ذهب إليه القائل بأن ذلك كان منامًا، أو أنه كان بالروح، أو أن المعراج كان بالروح دون الجسد، ومن مسائل هذه الحادثة العظيمة دلالتها على النبوة، وتحقق المعجزة الباهرة والحجة البالغة فيها، وغير ذلك مما يتصل بها من المسائل.
[ ١ ]
الإسراء والمعراج كان بالروح والجسد
روى سعيد بن منصور من طريق سفيان ﵀ عن ابن عباس ﵄ أنه قال في رؤية النبي ﷺ: (هي رؤية عين وليست رؤية منام)، وهذا نص صريح في هذه المسألة، وكأن ابن عباس ﵄ كان يستشعر أنه سيأتي من يقول بهذا القول الضال، وهو: أن النبي ﷺ إنما أسري بروحه فقط ولم يسرَ بجسده، ولم يعرج به إلى السماء.
والعجيب أن أهل التفسير نقلوا عن عائشة ﵂ وعن معاوية ﵁: أنه كان يرى أن هذه الآية نزلت في الإسراء والمعراج، وأنها رؤيا عين وليست رؤيا منام، وهذا يدل على بطلان ما رواه ابن إسحاق ﵀ عن عائشة ومعاوية.
[ ٢ ]
مذاهب أهل البدع في الإسراء والمعراج والرد عليهم
بقي أن نذكر أن بعض أهل البدع قالوا: إن الإسراء حصل بالروح والجسد، وأما المعراج فإنه حصل بالروح فقط؛ وذلك حتى يجمعوا بين العقل وما سمعوه من النصوص، فإنهم يقولون: إنه يمكن للإنسان أن ينتقل في ساعة واحدة من مكة إلى بيت المقدس ثم يعود، وهذا أثبته العلم الحديث؛ حيث ينتقل الإنسان من مكة -مثلًا- إلى بيت المقدس بطائرة ويمكن أن يعود في نفس اليوم، فالعلم الحديث أثبت هذا، قالوا: وأما المعراج الذي يكون فيه اختراق لهذا الفضاء الهائل الكبير فإنه لا يمكن أن يكون بالجسد، وإنما يكون بالروح.
ثم بدءوا يتلمسون بعض الأدلة التي تدل على قولهم، ولا شك أن هذا منهج ضال، ومنهج منحرف؛ لأنه لم يُبنَ بناءً سليمًا، لم يُبنَ أصلًا على النص، ولم يبنَ على الدليل الصحيح، وإنما بني على مسألة: هل هذا الأمر يوافق العلم الحديث أو لا يوافقه؟! وحتى النصوص فسروها بغير وجهها الصحيح، فمثلًا: فسر أبو زهرة قول الله ﷿: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١] قال: هذه رؤيا منامية؛ لأنه قال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١]، ورؤية الفؤاد رؤية معنوية، وليست رؤية حسية، ففهم من الآية فهمًا باطلًا، فإن الآية: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١] يعني: النبي ﷺ لم يكذب فؤاده ما رآه بعينه، هذا هو المعنى الصحيح في الآية، يعني: فؤاد الرسول ﷺ عندما رأى بعينه ما رأى لم يكذب هذه الرؤية التي كانت بعينه، لكنه نسب الرؤية هنا إلى الفؤاد مباشرة.
ولا شك أن هذا استدلال باطل، وكما قلت: إن مرجعه الأساسي هو تقديم العقل على النقل، ولهم قانون كلي في هذا الباب ذكره الرازي في كتابه (أساس التقديس)؛ فإنه ذكر: أن الدليل العقلي إذا عارض الدليل النقلي، فإما أن نأخذ بالدليلين معًا، وهذا جمع بين النقيضين وهو محال، وإما أن نرد الدليلين معًا، وهذا رد للأدلة ومحال أيضًا، وإما أن نأخذ بالدليل الشرعي وهذا فيه إبطال للعقل، والعقل هو أصل النقل، وبناء على هذا قال: لابد أن نأخذ بالعقل وأن نقدمه على النقل! وماذا يعمل بالنقل؟ قال: النقل إما أن نقول: إنه غير صحيح، يعني: إذا كان هذا كذبًا عن النبي ﷺ، وإما أن نؤوله على سبيل التورع، هكذا قال، وهكذا نص، قال: يؤوله على سبيل التورع؛ فإن الأصل عندهم العقل.
ولا شك أن هذا إلغاء وطي لبساط الشرعية -والعياذ بالله-، وهذا إلغاء للدين بهذا الأسلوب، فإنه لا يوجد شيء واحد اسمه العقل، وإنما هي عقول عند الناس، والعقل الكلي لا وجود له في الخارج، وإنما له وجود في الذهن، ولا وجود له في الخارج على الحقيقة؛ ولهذا هؤلاء يعارضون العقل ويعارضون الشرع بأهوائهم وآرائهم، ويصورون أهواءهم وآراءهم أنها هي العقل الذي يجب أن يؤول الشرع بناءً عليه، وإلى هذه الدرجة أصبحت قيمة النصوص عند هؤلاء.
مع أنه لو قال قائل لأحدهم: هذا النقل عمن جاء؟ عن الرب ﷾ أو عن كلام النبي ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى؟ والله ﷿ هو الذي خلق العقل الذي ترد به هذا النقل، وحينئذ يكون هذا إبطال حتى للعقل نفسه الذي امتدحته حيث إنك قدحت في خالقك خالق هذا العقل، قدحت فيه بهذه الطريقة.
ولهذا مثل هؤلاء لا ينبغي أن يناقشوا إلا بالطريقة الشرعية الصحيحة، فإنه وجد من المنتسبين إلى السنة من ناقش هؤلاء بمناهجهم العقلية فألزموهم فالتزموا، فضلوا عندما التزموا بما ألزموهم به، لكن المنهاج الشرعي الصحيح هو أن نقول: إن العقل خلقه الله ﷾، والشرع أنزله الله ﷿، ولا يمكن أن يحصل هناك تعارض بين العقل الذي خلقه الله وبين الشرع الذي نزله الله.
ولهذا أي مسألة يكون فيها تعارض بين النقل والعقل إما أن يكون النقل غير صحيح أو فهمه غير صحيح، أو يكون العقل فاسدًا، يعني: لا يتصور أبدًا حصول التعارض بين النقل والعقل، مع أن خالق العقل هو الله، ومنزل النقل هو الله ﷾، والله ﷿ يقول: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك:١٤] فكيف لا يعلم ﷾ من خلق؟! وهنا نحب أن ننبه إلى مسألة مهمة جدًا وهي: أن النصوص الشرعية مليئة بالأدلة العقلية، يعني: عندما تقرأ في الآيات القرآنية تجد أنها مليئة بالأدلة العقلية، ولا حاجة لنا لعقول هؤلاء.
[ ٣ ]
مسائل العقيدة في الإسراء والمعراج
بقي عندنا مسألة أخيرة وهي: مسائل العقيدة في الإسراء والمعراج: مسائل العقيدة في الإسراء والمعراج كثيرة جدًا، يمكن أن نشير إليها إشارة: من مسائل العقيدة في الإسراء والمعراج: المعجزة، ودلائل النبوة، فإن هذه الحادثة تعتبر من الأدلة على نبوة النبي ﷺ وصدقه؛ ولهذا صدقه أبو بكر ﵁ مباشرة؛ لأنه كان يؤمن به أصلًا كنبي، فإذا كان نبيًا يأتيه خبر السماء فمن باب أولى أن نصدقه فيما يقوله من الإعجاز، وفيما يقوله من الدلائل.
كما أن حادثة الإسراء والمعراج تدل على إثبات علو الله تعالى على خلقه.
وهي تدل كذلك على إثبات الرؤية، وعلى إثبات صفة الكلام لله ﷾، كما تدل على إثبات الجنة والنار، وأنهما مخلوقتان الآن، كما تدل كذلك على إثبات الدجال، وتدل كذلك على خروج يأجوج ومأجوج، وتدل على مسائل كثيرة من مسائل العقيدة، لكن هذه بعض ما ذكرناه في هذا الموضوع.
بقيت مسألة مذكورة في حادثة الإسراء والمعراج، وهي مسألة: هل رأى رسول الله ﷺ ربه بعينه التي في رأسه؟ السلف رضوان الله عليهم ذكر عن بعضهم -ومنهم ابن عباس ﵄- أن رسول الله ﷺ رأى ربه، وثبت عن ابن عباس أيضًا أنه قال: رأى ربه بقلبه مرتين.
كما ثبت عن عائشة ﵂ أنها أنكرت رؤية النبي ﷺ لربه.
والتحقيق في هذه المسألة هو ما ذكره عدد من أهل العلم كـ شيخ الإسلام ﵀: أن الآثار الواردة عن ابن عباس في مسألة إثباته لرؤية النبي ﷺ لربه هي آثار مطلقة، ليس فيها تحديد هل كانت الرؤيا بالعين أم بالقلب؟ وهناك أيضًا آثار عن ابن عباس مقيدة، وهو أنه أثبت الرؤية بالقلب، والقاعدة: أنه إذا ورد المطلق والمقيد وموضوعهما واحد يحمل المطلق على المقيد، فالمطلق من كلام ابن عباس هو قوله: إن الرسول ﷺ رأى ربه، فيحمل قوله هذا على المقيد، وهو أنه رآه بقلبه، وليس المقصود الرؤية البصرية.
وأما إنكار عائشة ﵂ لرؤية النبي ﷺ لربه، فالمقصود: أنها أنكرت رؤية العين التي في الرأس، وهذا لا يخالف ما روي عن ابن عباس ﵄.
وبهذا يمكن أن نقول: إن مذهب الصحابة رضوان الله عليهم في هذه القضية واحد.
وهو: أنهم يرون أن النبي ﷺ رأى ربه بقلبه ولم يره بعينه التي في رأسه، وهذا هو التحقيق في هذه المسألة.
وأما قوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم:١٣]، فإن بعضهم -مثل ابن عباس ﵄- فسرها: بأن المقصود: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١] يعني: رأى ربه.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم:١٣] يعني: رأى ربه.
وكما قلنا: هذه رواية مطلقة تحمل على المقيدة، لكن التفسير الصحيح لهذه الآية هو ما روي عن جماعة من الصحابة: أن جبريل هو الذي رآه رسول الله ﷺ، وقوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى﴾ [النجم:٥ - ٧] هو المقصود بهذه الآيات، حيث إن النبي ﷺ رأى جبريل مرتين: مرة في الأرض، عندما رآه وقد سد الأفق وله ستمائة جناح.
ومرة أخرى: وهو عند سدرة المنتهى كما ذكر ذلك العلماء، ذكر ذلك أبو هريرة وغيره من أهل العلم.
وبهذا نكون قد انتهينا من هذه الفقرة التي اشتملت على قضية من قضايا الاعتقاد الطويلة، وهي قضية: الإسراء والمعراج، وسنناقش -إن شاء الله- في الدرس القادم الكلام على الحوض الذي أكرم الله تعالى به نبيه ﷺ.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٤ ]