مما يتصل بركن الإيمان باليوم الآخر إثبات الحوض الذي أكرم الله تعالى به نبيه ﷺ غياثا لأمته، والتصديق بما ورد من صفاته في الأخبار الثابتة عن النبي ﷺ، خلافًا لمنكريه من الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم، ومما يتصل كذلك بالإيمان باليوم الآخر التصديق بالشفاعة الثابتة يوم القيامة للنبي ﷺ ولغيره بأنواعها، العظمى منها فما دونها بشروطها المنصوصة في آيات الكتاب الكريم.
[ ٢ / ١ ]
إثبات الحوض
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.
وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمدًا إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا، إنك أنت العليم الحكيم.
أما بعد: قال الطحاوي رحمه الله تعالى: [والحوض الذي أكرمه الله تعالى به غياثًا لأمته حق].
هذه الفقرة مشتملة على إثبات الحوض يوم القيامة لنبينا محمد ﷺ، والحوض: هو مجمع الماء، والحوض ثبت بالأحاديث النبوية التي بلغت حد التواتر، فقد ذكر القاضي عياض في شرحه لصحيح مسلم المسمى: (إكمال المعلم) بأنه رواه خمسة وعشرون نفسًا من أصحاب النبي ﷺ، وزاد عليه النووي في شرح مسلم ثلاثة، وزاد عليهم الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في شرحه لأحاديث الحوض في (فتح الباري) ما يقارب قدر ما ذكروه، فزاد عدد الذين رووا حديث الحوض على خمسين راويًا من الصحابة.
بل إن الحافظ ابن حجر ﵀ ذكر في شرحه: أن بعض المتأخرين أوصل عدد الصحابة الذين رووا أحاديث الحوض إلى ثمانين راويًا، وقد صنف الحافظ الضياء المقدسي صاحب المختارة كتابًا مستقلًا في أحاديث الحوض، كما أن أحاديث الحوض جمعها البيهقي ﵀ في كتابه: (البعث والنشور)، ورواها جميعًا بأسانيدها، وممن جمع أحاديث الحوض أيضًا الحافظ ابن كثير ﵀ في كتابه (البداية والنهاية)، وكتاب (البداية والنهاية) يعتبر هو المرجع الأساسي لشارح العقيدة الطحاوية ابن أبي العز الحنفي ﵀، فإن ابن كثير هو شيخه، بل إنه ينقل عنه بالنص كما سيأتي في قضية الشفاعة بإذن الله.
ومما ينبغي أن يتنبه له الإنسان: أن هناك فرقًا بين الكوثر والحوض، فالكوثر: هو نهر بالجنة، وهو الذي أعطاه ربنا ﷾ لمحمد ﷺ، كما دلت عليه السورة المشهورة سورة الكوثر: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١]، ودل على أن هذا الكوثر نهر في الجنة حديث أنس بن مالك ﵁ في صحيح البخاري حيث قال: (لما عرج بالنبي ﷺ إلى السماء قال: أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، فقلت: ما هذا يا جبريل؟! قال: هذا الكوثر)، بل جاء في رواية للبخاري توضح هذه الرواية وهي قوله: (بينما أنا أسير في الجنة إذا أنا بنهر)، فهذا يدل على أن الكوثر نهر في الجنة، كما روى الترمذي عن ابن عمر ﵁ مرفوعًا إلى النبي ﷺ أنه قال: (الكوثر نهر في الجنة، حافتاه من ذهب، ومجراه على الدر والياقوت) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وفي حديث عائشة ﵂ في صحيح البخاري في كتاب التفسير في تفسير سورة الكوثر قالت: (هو نهر أعطيه نبيكم ﷺ)، وذكرت: (أن عليه درًا مجوفًا، وآنيته كعدد نجوم السماء)، وزاد النسائي: (في بطنان الجنة، قلت: وما بطنان الجنة؟ قالت: وسطها) الراوي عن عائشة سأل عن بطنان الجنة؟ فقالت: وسطها، يعني: أن نهر الكوثر في وسط الجنة.
لكن روى البخاري عن ابن عباس ﵁ أنه قال في الكوثر: (هو الخير الذي أعطاه الله إياه).
فإن قيل: كيف يمكن أن نجمع بين ما ثبت عن النبي ﷺ من أن الكوثر نهر في الجنة وبين كلام ابن عباس الذي دعا له رسول الله ﷺ بعلم التفسير، وهو علم التأويل؟ ف
الجواب
يمكن أن نجمع بما جمع به تلميذ ابن عباس سعيد بن جبير؛ فإنه سأله أبو بشر الراوية عنه فقال: إن الناس يزعمون أنه نهر في الجنة! يعني: عندما سمع رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن الكوثر هو الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه، قال: إن الناس يزعمون أنه نهر في الجنة؟ فقال سعيد بن جبير: (النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه) يعني: فلا إشكال.
ويؤكد كلام سعيد بن جبير ما رواه مسلم في صحيحه عن أنس ﵁ قال: (بينما نحن عند النبي ﷺ إذ غفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسمًا، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟! قال: نزلت علي سورة آنفًا، وقرأ عليهم سورة الكوثر، ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ فقلنا: الله ورسوله أعلم، قال: نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير، وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة).
وهذا الحديث الذي
[ ٢ / ٢ ]
مكان الحوض ووقت الورود عليه
أين ومتى يكون الحوض؟ ذكر بعض العلماء خلافًا في ذلك، وهو القرطبي ﵀ في كتابه (التذكرة) ذكر أن بعض العلماء قال: إن الحوض يكون قبل الصراط وقبل أن توزن الأعمال، وقال آخرون: إن الكوثر يكون بعد الصراط، وهذا هو الصحيح، وطريقة البخاري رحمه في روايته لأحاديث الحوض تدل على ذلك، فإنه بوب في كتاب الرقاق (باب في الحوض) بعد ذكره الشفاعة والصراط، وهذه إشارة منه ﵀ إلى أن الحوض يكون بعد الصراط، ويدل على ذلك ما رواه أحمد والترمذي عن أنس ﵁ قال: (سألت رسول الله ﷺ أن يشفع لي، فقال: أنا فاعل، فقلت: أين أطلبك؟ قال: اطلبني أول ما تطلبني عند الصراط، قلت: فإن لم أجدك؟ قال: فأنا عند الميزان، قلت: فإن لم أجدك؟ قال: فأنا عند الحوض) وهذا يدل على أن الحوض يكون بعد الميزان وبعد الصراط.
لكن قد يشكل على هذا القول الأحاديث التي وردت أن النبي ﷺ يرى بعض أصحابه ثم يذادون عنه فيقول: (أصيحابي أصيحابي! ثم يقال: إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك).
وإذا كان الحوض بعد الصراط فإن الذي يمر على الصراط إلى الحوض لا بد أن يكون ناجيًا، فإنه لا يمكن أن يمر على الصراط ثم يأتي إلى الحوض ثم يذاد ويرجع به إلى النار، فإن من مر على الصراط ونجا منه لا يمكن أن يرجع إليه مرة أخرى.
لكن هذا يجاب عنه: هؤلاء الذين يذادون عن الحوض يراهم النبي ﷺ وقد بقي لهم بقية من الصراط لم يتجاوزوه، ثم يذادون عنه، يعني: يؤخذون إلى النار، ثم ينادي ويقول: (أصيحابي أصيحابي!) وهم لم يتجاوزوا الصراط بأكمله، هذا ما أفاده الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى.
[ ٢ / ٣ ]
ذكر الخلاف في إثبات أحواض أخرى لبقية الأنبياء ﵈
هل الحوض خاص بالنبي ﷺ أم أن لبقية الأنبياء أحواض؟ المشهور في هذه المسألة هو أن الحوض خاص بالنبي ﷺ، وورد في ذلك حديث عن النبي ﷺ وهو ما رواه الترمذي من حديث سمرة قال: قال رسول الله ﷺ: (إن لكل نبي حوضًا، وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردًا، وإني أرجو أن أكون أكثرهم واردًا) لكن هذا الحديث في إسناده سعيد بن بشير وهو ضعيف، كما أن فيه انقطاعًا بين الحسن البصري وسمرة بن جندب، وبناءً على هذا يكون هذا الطريق الذي رواه الترمذي طريقًا ضعيفًا، ثم إن الترمذي نفسه قال: إن الصحيح هو المرسل، يعني: المرسل عن الحسن، ورواه ابن أبي الدنيا مرسلًا وصححه الحافظ إلا أن فيه زيادة وهي قوله: (وهو قائم على حوضه بيده عصا يدعو من عرف من أمته، إلا أنهم يتباهون) إلى آخر الرواية التي سبق أن ذكرناها من رواية الترمذي، وقد رواه الطبراني أيضًا مرفوعًا عن سمرة لكن في إسناده ضعفًا، كما رواه أيضًا ابن أبي الدنيا من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا وفي إسناده ضعف أيضًا.
ولعل الذين قالوا بأن الحوض خاص بالنبي ﷺ اعتمدوا على أنه لم يوجد دليل صحيح يثبت وجود أحواض أخرى للأنبياء لبقية الأنبياء، لكن هذه الأسانيد يقوي بعضها بعضًا، وتكون في مرتبة الحديث الحسن، وحينئذٍ يكون للأنبياء أيضًا أحواض أخرى، ولكن أكثرهم واردًا هو حوض النبي ﷺ، بينما الخاص بالرسول ﷺ هو الكوثر، فإن الكوثر خاص بالنبي ﷺ لأمرين: الأمر الأول: أنه لم يثبت أنه أعطي أحد من الأنبياء مثله.
الأمر الثاني: الامتنان الوارد في السورة، ولا سيما أنه جاء بأسلوب يشبه الحصر، عندما قال: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] فإنه لو كان الكوثر أو مثله قد أعطي لغير النبي ﷺ لما كان في هذا امتنان، فلما وجد الامتنان دل على الخصوصية، وأن الكوثر خاص بالنبي ﷺ.
[ ٢ / ٤ ]
صفة الحوض
أما صفة الحوض فأجمع ما روي في وصفه هو ما رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منها -يعني: من هذه الكيزان- فلا يظمأ أبدًا)، وورد في بعض الألفاظ: (من شرب منه -يعني: من الحوض- لا يظمأ أبدًا).
فهذه مجموعة من الصفات: الأولى: في طوله، وأن مسيرة شهر.
والثانية: في لونه، وأنه أبيض من اللبن.
والثالثة: في ريحه، وأنه أطيب من المسك.
والرابعة: فيما عليه من الأكواب والكيزان والأباريق، وأنها كنجوم السماء.
والخامسة: وهي أثر هذا الماء الذي يشربه المؤمنون منه، وهو أنه من شرب منه لا يظمأ أبدًا.
ومن الأحاديث عن النبي ﷺ حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا في صحيح البخاري قال: (إن ما بين منبري وبيتي روضة من رياض الجنة، ثم قال: ومنبري على حوضي).
والمقصود: قوله: (ومنبري على حوضي) يعني: أن مكان المنبر هو نفسه مكان الحوض بعد تبديل الأرض، فإن الله ﷿ يبدل الأرض غير الأرض والسماء كذلك تبدل بعد البعث، ثم يكون مكان الحوض هو في نفس مكان المنبر، كما دل عليه هذا الحديث.
كما أن ابن أبي عاصم في (السنة) وابن أبي الدنيا في (الأهوال) رويا من حديث بريدة أن النبي ﷺ قال: (وألين من الزبد)، وزاد مسلم من حديث أبي ذر وثوبان: (وأحلى من العسل)، وزاد الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عمر وابن مسعود: (وأبرد من الثلج).
[ ٢ / ٥ ]
طول الحوض وعرضه
هذه مجموعة من الصفات الثابتة في صفة الحوض، وقد وردت أحاديث متعددة في طوله وعرضه، وسنأتي على هذه الروايات جميعًا، وظاهرها أن بعضها يختلف عن بعض، لكن ورد في مسألة طوله وعرضه وأنهما سواء حديث عن النبي ﷺ، وهو حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ في صحيح مسلم وأخرجه الإسماعيلي كذلك (في الجمع بين الصحيحين) عن النبي ﷺ أنه قال: (وزواياه سواء) زواياه: طوله وعرضه سواء، كما جاء في حديث النواس بن سمعان وجابر وأبي برزة وأبي ذر أنه قال: (طوله وعرضه سواء)، وهذا أوضح، قال: (طوله وعرضه سواء).
أما الأحاديث الواردة في مسألة تشبيه طول الحوض، فوردت على ثلاثة أنواع: النوع الأول: ما يدل على أن مسيرة هذا الطول شهر كامل، ومن ذلك حديث أنس ﵁ يرويه عن النبي ﷺ قال: (كما بين أيلة وصنعاء اليمن) وأيلة هي العقبة، وصنعاء اليمن هي المدينة المشهورة، وإنما أضافها إلى اليمن حتى يفرق بينها وبين صنعاء الشام، فإن أهل اليمن عندما غزوا في فتوح الشام سكن كثير منهم مكانًا في دمشق سمي بعد ذلك باسم مدينتهم صنعاء، وإضافة صنعاء اليمن هي إضافة من بعض الرواة كما يذكر ذلك بعض الشراح.
وفي رواية حذيفة بدل صنعاء: عدن، وفي رواية: (ما بين عمان إلى إيلة) وهي نفسها العقبة، وجاء في رواية أبي بردة عند ابن حبان: (ما بين ناحيتي حوضي كما بين إيلة وصنعاء مسيرة شهر) وهذه المسافات كلها معروف أن مسيرتها مسيرة شهر للراحل بالإبل.
وأما النوع الثاني من الأحاديث الواردة في مسألة الطول: ما يدل على أنها نصف شهر أو دونه، ومن هذه الأحاديث حديث عقبة بن عامر عند الإمام أحمد عن النبي ﷺ أنه قال في طوله: (كما بين أيلة إلى الجحفة) ما بين أيلة إلى الجحفة أقل مما بين أيلة إلى صنعاء.
وفي حديث جابر: (كما بين صنعاء إلى المدينة)، وفي حديث ثوبان: (كما بين عدن وعمان البلقاء) والبلقاء هي مدينة مشهورة في فلسطين، وعند عبد الرزاق في المصنف: (ما بين بصرى إلى صنعاء) وبصرى هي مدينة في أطراف الشام، أو: (ما بين أيلة إلى مكة)، وفي حديث ابن عمر ﵁: (ما بين صنعاء إلى مكة) أو: (ما بين مكة إلى عمان)، وفي حديث الحسن عن أنس عند أحمد: (ما بين صنعاء ومكة) كما سبق أن أشرت.
[ ٢ / ٦ ]
الجمع بين الروايات التي وردت في ذكر مسافة طول الحوض وعرضه
هذه المسافات التي ذكرناها متقاربة، وهي تدل على أن المسافة نصف شهر تقريبًا أو أزيد بقليل أو أنقص بقليل، فهذه نصوص تدل على أن مسافة الحوض شهرًا كاملًا، ونصوص أخرى تدل على أن مسافة الحوض نصف شهر فكيف يمكن أن نجمع بين هذه النصوص؟ جمع بينها أهل العلم بطرق متعددة من الجمع نذكر منها: القول الأول: جمع القاضي عياض ﵀ في شرحه لـ مسلم؛ حيث قال: إن هذا الاختلاف هو اختلاف في التقدير، فإن النبي ﷺ كان في كل موضع يحدث فيه عن الحوض، يضرب لهم -يعني: أصحاب النبي ﷺ- مثلًا ببعد أقطار الحوض وسعته بما يسنح له من العبارة.
فعند القاضي عياض ليس المقصود هو التحديد، وإنما المقصود هو مجرد التقدير وبيان السعة فقط، ولهذا قد يذكر بعض الأحيان أن مسافته مسافة شهر، وبعض الأحيان يذكر أقل، بحسب ما سنحت له العبارة، هذا جمع القاضي عياض ﵀، ولا شك أن في هذا نظرًا، فإن ضرب المثل لا يكون تارة بشيء كثير وتارة بشيء قليل، وإنما يمكن أن يعبر بأنواع متعددة منه، لكن تجتمع في المقدار، فهذا القول فيه ضعف.
القول الثاني في الجمع: هو أن هذا الاختلاف هو لاختلاف الطول والعرض، قالوا: إن بعض الروايات جاءت في الطول وبعضها جاءت في العرض، فما جاء من الروايات أنه يساوي مسيرة شهر فهذا المقصود به الطول؛ لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص السابق: (أن طوله مسيرة شهر)، وما جاء أقل من ذلك فهو في العرض، وهذا جمع بين الأدلة، ولا شك أن هذا أيضًا فيه نظر؛ لأنه سبق أن ذكرنا أن طوله وعرضه سواء.
القول الثالث: هو أن الفرق بين هذه وتلك هو في مسألة السير البطيء والسير السريع، قالوا: إنه إذا نظر إلى السير السريع يكون التقدير ما بين أيلة إلى صنعاء، وإذا نظر إلى السير البطيء يكون أقل من ذلك، لكن هذا الكلام غير صحيح؛ لأن ظاهر الأحاديث أن النبي ﷺ لم يرد التفريق بينهما بالسير، وهذا جمع فيه تكلف.
لكن الجمع الصحيح هو ما ذكره النووي ﵀ في شرح صحيح مسلم: فإن النووي ﵀ عندما أراد الجمع بين هذه النصوص قال: إن الأحاديث التي ورد فيها ما بين أيلة إلى الجحفة مثلًا أو ما بين مكة إلى عمان، هذه المسافات القصيرة لا تخالف المسافات الطويلة، فإن المسافة الطويلة تشمل القصيرة وزيادة.
وبناءً على هذا فيكون المعنى: أن النبي ﷺ كان في بداية الأمر يظن أن الحوض من أيلة إلى الجحفة، ثم بعد ذلك أخبر أنه أكثر، وليس هناك تعارض بين الأكثر والأقل، فإن الأقل يدخل في الأكثر، وهذه المسألة تشبه مسألة العام والخاص، فإن العام يشمل الخاص وزيادة، وكذلك الأكثر يشمل الأقل وزيادة، وهذا أيضًا ما رجحه الحافظ ابن حجر ﵀، وهو اختياره، وقال: إنه أقرب إلى الصواب.
لكن يبقى أن نشير إلى أنه ورد في بعض الأحاديث في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال عن مسافته: (كما بين جرداء وأذرح) وجرداء وأذرح هي قريتان في الشام متقاربتان، يذكر أن بينهما مسافة ثلاثة ليال أو ثلاثة أيام، لكن هذه الرواية التي في البخاري بين الضياء المقدسي في كتابه الذي جمع فيه أحاديث الحوض أن فيها غلطًا، واستدل على وجود الغلط برواية أخرى ساقها بإسناد حسن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (عرضه مثل ما بينكم -يعني: في المدينة- وبين جرداء وأذرح)، وحينئذ فتكون رواية ابن عمر: (أنه ما بين جرداء وأذرح) غلط، وإنما الصحيح أنها: (ما بين المدينة إلى جرداء وأذرح)، فتكون متفقة مع بقية الروايات الأخرى، يقول المقدسي ﵀: فظهر بهذا أنه وقع في حديث ابن عمر حذف تقديره: (كما بين مقامي وبين جرداء وأذرح)، فسقط قوله: (مقامي وبين)، ودل على ذلك رواية أبي هريرة السابقة.
[ ٢ / ٧ ]
ذكر منكري الحوض وسبب إنكارهم له
أنكر الخوارج والمعتزلة الحوض، وممن أنكر الحوض كذلك عبيد الله بن زياد، وهو أحد أمراء العراق لـ معاوية وابنه يزيد، فقد أخرج أبو داود عن أبي برزة الأسلمي: أنه دخل على عبيد الله بن زياد فذكر ابن زياد الحوض، فقال: (هل سمعت رسول الله ﷺ يذكر فيه شيئًا؟ فقال أبو برزة: نعم، لا مرة ولا مرتين ولا ثلاثًا ولا أربعًا ولا خمسًا، فمن كذب به فلا سقاه الله منه).
ويزيد القصة وضوحًا حديث أنس بن مالك ﵁ الذي رواه أبو يعلى في مسنده قال -يعني: أنس -: دخلت على ابن زياد وهم يذكرون الحوض، فقال: هذا أنس، فقلت: (لقد كانت عجائز المدينة كثيرًا ما يسألن ربهن أن يسقيهن من حوض نبيهن) وإسناده صحيح.
وكذلك روى أبو داود من طريق يزيد بن حبان التيمي قال: شهدت زيد بن أرقم وبعث إليه ابن زياد -وهو عبيد الله بن زياد - فقال: (ما أحاديث تبلغني أنك تزعم أن لرسول الله ﷺ حوضًا في الجنة؟ قال: حدثنا بذلك رسول الله ﷺ).
وعبيد الله بن زياد هو من النواصب الذين كانوا يبغضون علي بن أبي طالب، بل ربما تكلم على بعض الصحابة، فلما جاءه عائذ بن عمرو ﵁ وقال له: سمعت النبي ﷺ يقول: (إن شر الرعاع الحطمة)، وإني أخشى أن تكون منهم، فقال: اجلس إنما أنت من نخالة أصحاب محمد، فقال له عائذ: وهل كان فيهم نخالة؟! إنما كانت النخالة فيمن بعدهم.
يقصده.
فهذه هي مسألة الحوض، والأقوال في هذه المسألة، وإنما أنكره الخوارج والمعتزلة لمخالفته للعقل في زعمهم، فإن لهم أصلًا في باب السمعيات الخبريات التي لا تقبل العقل: يؤولونها جميعًا، فيؤولون الميزان، ويؤولون الصراط، ويؤولون الحساب، ويؤولون الحوض وغير ذلك من السمعيات.
وأما الأشاعرة فإنهم يثبتون الحوض، ويقولون: إن كل السمعيات بعد إثبات النبوة تكون مثبتة، هذا هو أصلهم في هذه القضية.
[ ٢ / ٨ ]
الشفاعة
قال المؤلف ﵀: [والشفاعة التي ادخرها لهم حق، كما روي في الأخبار].
الشفاعة: هي طلب الخير للغير بالتوسط عند من لديه حاجة المشفوع له.
[ ٢ / ٩ ]
أركان الشفاعة
لها ثلاثة أركان: الركن الأول: الشافع وهو الذي يتوسط.
الركن الثاني: المشفوع له، وهو المتوسط له.
الركن الثالث: الشفاعة، وهي فعل الشافع.
[ ٢ / ١٠ ]
أنواع الشفاعة وشروطها
أنواعها نوعان: شفاعة مثبتة، وشفاعة منفية.
وأما شروطها فشرطان: الشرط الأول: أن يأذن الله ﷾ للشافع أن يشفع، كما يدل على ذلك قول الله ﷿: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥].
الشرط الثاني: الرضا عن المشفوع له بأن يكون من أهل التوحيد، ويدل على ذلك قول الله ﷿: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨]، وحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله، مخلصًا من قلبه).
[ ٢ / ١١ ]
أنواع الشفاعة التي أثبتها الله ﷾
والشفاعة التي أثبتها الله ﷾ أنواع: النوع الأول: الشفاعة العظمى لأهل الموقف، وهي المقام المحمود الذي يقول الله ﷾ فيه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]، فقد روى البخاري عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الشمس لتدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن، فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم ثم موسى ثم بمحمد ﷺ، فيشفع ليقضي بين الخلق أو ليقضى بين الخلق، فيومئذٍ يبعثه -يعني: الله ﷿- مقامًا يحمده فيه أهل الجمع كلهم).
أما حديث أبي هريرة الطويل فقد ذكر الشارح ابن أبي العز الحنفي ﵀ أن سياق الحديث في بدايته يدل على أنه في الموقف، فإنهم يأتون إلى آدم ثم إلى نوح ثم إلى إبراهيم ثم إلى موسى ثم إلى عيسى يطلبون أن يحاسبهم الله ﷾، وأن يخرجهم من هذا الموقف، لكن في ختام الحديث ليس فيه شيء من ذلك، بل فيه أنه بعد أن يسجد ويقول الله ﷿ له: (ارفع رأسك، سل تعط واشفع تشفع، فيقول: يا رب! أمتي أمتي، يا رب! أمتي أمتي، يا رب! أمتي أمتي، فيقول: أدخل من أمتك من لا حساب عليه من العذاب من الباب الأيمن من أبواب الجنة)، فليس فيه أنه شفع لهم في الموقف، مع أن أهل العلم يستدلون بهذا الحديث في مسألة الشفاعة العظمى للنبي ﷺ، ولهذا يقول: والعجب كل العجب من إيراد الأئمة لهذا الحديث من أكثر طرقه، ولا يذكرون أمر الشفاعة الأولى، وهذا الكلام هو نص كلام الحافظ ابن كثير ﵀ في البداية والنهاية.
والصحيح أن حديث أبي هريرة ﵁ يدل على الشفاعة العظمى، وقد استدل به ابن خزيمة في كتاب (التوحيد) على هذا الأمر، كما استدل به القرطبي في كتابه (التذكرة) على الشفاعة العظمى، ووجه الدلالة في هذه المسألة هي أن الحديث اشتمل في بدايته على طلب الشفاعة، فالنبي ﷺ يقول -كما في حديث أبي هريرة -: (فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون إلى ما أنتم فيه؟ ألا ترون إلى ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟) يعني: فيخرجكم من هذا الموقف، وليس في نهاية الحديث أنه شفع لهم للخروج من الموقف، لكن فيه أن الله ﷿ يقول: (أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة) وفيه بعد ذلك حصول الشفاعة لأهل الكبائر، وهذا يدل على أنهم حوسبوا، فيبدو أن في الحديث اختصارًا، وأن الصحيح هو أن سياق الحديث بأكمله أنه بعد أن جاءوا إلى النبي ﷺ طلب الشفاعة من ربه فشفع للناس، فنزل ﷾ فحاسب الناس، ثم شفع النبي ﷺ مرة أخرى لدخول من لا حساب عليه ولا عذاب الجنة.
وحينئذٍ فلا حاجة للقول بما قال به الشارح من أن الدليل هو حديث الصور؛ فإن حديث الصور حديث طويل ساقه الشارح بأكمله، وفيه: فيقول ﷾: (شفعتك، أنا آتيكم فأقضي بينهم، قال: فأرجع فأقف مع الناس) يعني: النبي ﷺ، ثم ذكر انشقاق السماوات وتنزل الملائكة بالغمام، ثم يجيء الله ﷾ لفصل القضاء.
وحديث الصور لا يكون مثل حديث أبي هريرة، فإن حديث أبي هريرة أقوى منه، فحديث أبي هريرة في الصحيحين وحديث الصور تكلم عليه العلماء وقالوا: إن فيه ضعفًا، وفي إسناده إسماعيل بن رافع المدني وهو قاص أهل المدينة، ويبدو أنه ركب الحديث من أحاديث مجموعة وجعلها في سياق واحد، ولهذا ضعف هذا الحديث أهل العلم، وذكروا أن ما وجد فيه من فقرات يشهد لها أحاديث أخرى في الصحيحين أو في غيرها مما ثبت إسناده فهي صحيحة، ووجد فيه ألفاظ منكرة ولا تكون ثابتة، ووجد فيه أشياء لا شواهد لها، وهذه لا تكون صحيحة؛ لضعف إسماعيل بن رافع القاص الذي سبق ذكره.
النوع الثاني من الشفاعة: الشفاعة في دخول أهل الجنة فيها، وهذه الشفاعة ثابتة في صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (أنا أول شفيع في الجنة).
وكذلك روى الإمام مسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: (آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت ألا أفتح لأحد من قبلك).
وهاتان الشفاعتان -الشفاعة الأولى والشفاعة الثانية- خاصتان بالنبي ﷺ لا يشاركه فيها أحد.
النوع الثالث من أنواع الشفاعة: الشفاعة بتخفيف العذاب عمن يستحق، وهذه الشفاعة هي شفاعة النبي ﷺ في تخ
[ ٢ / ١٢ ]
إثبات شفاعة غير النبي ﷺ
أما شفاعة غير النبي ﷺ فقد وردت الأحاديث الصحيحة أن الملائكة والأنبياء والمؤمنين يشفعون، كما جاء ذلك في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وهو حديث طويل وفيه: (فيقول الله ﷿: شفعت الملائكة وشفع الأنبياء وشفع المؤمنون، ثم لم يبق إلا رحمة أرحم الراحمين) إلى آخر الحديث، وهو يدل على أن الأنبياء وعلى أن الملائكة والمؤمنين يشفعون يوم القيامة.
كما أنه ورد في الصحيح إثبات شفاعة الشهداء، وفي ذلك حديث المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله ﷺ: (للشهيد عند الله ست خصال: -ومنها- ويشفع في سبعين إنسانًا من أقاربه) وهذا الحديث رواه الترمذي وابن ماجة والإمام أحمد في مسنده والآجري في الشريعة، وهو صحيح.
وورد كذلك شفاعة الصيام والقرآن، فقد ثبت من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب! منعته الطعام والشراب بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته من نومة بالليل فشفعني فيه، فيشفعان) وهذا الحديث إسناده صحيح رواه الإمام أحمد في مسنده والحاكم وصححه وقال: على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وصححه كذلك المنذري.
هذه هي الشفاعة المثبتة.
[ ٢ / ١٣ ]
الشفاعة المنفية
وأما الشفاعة المنفية: فهي الشفاعة الشركية، ويمكن أن نتحدث عن هذا الموضوع في نقاط، منها: حكم طلب الشفاعة من الرسول ﷺ.
[ ٢ / ١٤ ]
حكم طلب الشفاعة من الرسول ﷺ والتوسل به
طلب الشفاعة من الرسول ﷺ هو أن يقول الإنسان: يا رسول الله! اشفع لي، فإن هناك فرقًا بين أن يقول الإنسان: اللهم شفع نبيك محمدًا ﷺ في، وبين أن يقول: يا رسول الله! اشفع لي، فإذا قال: اللهم، هذا دعاء لله ﷿ وليس فيه إشكال، وإذا قال: يا رسول الله! اشفع لي، فإن طلب الشفاعة من الرسول ﷺ ينقسم إلى ثلاثة أقسام بحسب الدور: ففي الدنيا يصح للإنسان أن يأتي إلى النبي ﷺ ويطلب منه الشفاعة، والمقصود بالشفاعة حينئذ الدعاء، ولا إشكال في ذلك.
وأما طلب الشفاعة من النبي ﷺ في البرزخ فإنه لا يجوز، وهو إما بدعة وإما شرك، فإنه طلب من الغائب أن يشفع له فيما لا يقدر عليه إلا الله ﷿، فإن الشفاعة ملك لله ﷿، كما قال الله ﷿: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٤]، فالشفاعة ملك خاص لله ﷿ لا يجوز أن تطلب إلا منه، لكن قد يقول قائل: إن الله أعطى النبي ﷺ الشفاعة، فإذا أعطى الله ﷿ النبي ﷺ الشفاعة فلماذا لا نطلبها منه الآن؟ والجواب على هذا هو أن يقال: إن الله ﷿ أعطى النبي ﷺ الشفاعة في الآخرة بعد أحداث، وبعد أن يستأذن من الله ﷿، وأما في الدنيا وفي البرزخ فلم يعطه شيئًا من الشفاعة، بل هي ملك لله ﷿، فإذا طلبها الإنسان من غير الله فهو يدعو غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله ﷿، وهذا من الشرك.
وأما الحالة الثالثة فهي أن يطلب الشفاعة من النبي ﷺ يوم القيامة، وهذا لا إشكال فيه، فإنه يطلب الشفاعة والدعاء من حي ينظر إليه ويستطيع أن يدعو له، ولهذا لا يصح للقبوريين أن يستدلوا: بأن الناس يوم القيامة يأتون إلى آدم وإلى نوح وإلى إبراهيم وإلى موسى وعيسى ويأتون إلى النبي ﷺ فيستغيثون به، فإن الاستغاثة هذه استغاثة فيما يقدرون عليه وهو الدعاء، ولا إشكال في ذلك، وهذا من جنس أن يطلب الإنسان من مخلوق في الدنيا ما يستطيع عليه، والشرك هو أن يطلب من غير الله ﷿ ما لا يقدر عليه إلا الله ﷾، فإذا طلب الإنسان من مخلوق شيئًا من الأشياء يقدر عليه المخلوق فلا إشكال في هذا، وهذه الصورة لا إشكال فيها، وإنما الذي يدخله الشرك أو هو الشرك بعينه أن يطلب من غير الله ﷿ ما لا يقدر عليه إلا الله ﷾.
والمسألة الثانية: التوسل بالنبي ﷺ، والتوسل بالنبي ﷺ إذا أطلقه القبوريون فهم يريدون به استغاثة الرسول ﷺ، فإذا قالوا: نحن نتوسل بالرسول ﷺ، فإنهم يقصدون الاستغاثة بالرسول ﷺ، وهي دعاؤه فيما لا يقدر عليه إلا الله ﷾، وهذا من الشرك.
[ ٢ / ١٥ ]
التوسل المشروع
وأما التوسل المشروع فإنه ثلاثة أنواع: النوع الأول: التوسل بأسماء الله تعالى كما قال الله ﷿: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠].
النوع الثاني: التوسل بالعمل الصالح، كما يدل عليه خبر الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى الغار، وكل واحد منهم سأل الله ﷿ بصالح عمله.
النوع الثالث: التوسل بدعاء الصالحين، وهذا ما يدل عليه حديث الأعمى المشهور: (أنه جاء إلى النبي ﷺ وطلب منه أن يدعو له، فدعا له، ثم قال: اللهم شفعه في)، وهذا توسل بدعاء النبي ﷺ، وهو يدل على جواز التوسل بدعاء الصالحين عمومًا، وقد فعله الصحابة ومنهم عمر بن الخطاب ﵁ وغيره.
وأما الحديث المشهور الذي فيه الدعاء: (اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي) إلى آخر الحديث، فهذا الحديث لا يثبت عن النبي ﷺ، بل هو حديث ضعيف، يقول عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن العلماء أجمعوا على ضعفه، فإن في إسناده فضيل بن مرزوق وهو ضعيف، وفيه أيضًا عطية العوفي، قال ابن حبان: إنه كان يسمع من أبي سعيد الخدري، ثم لما مات أبو سعيد ذهب فأصبح يطلب العلم من الكلبي، والكلبي وضاع كذاب، فكناه بـ أبي سعيد، فإذا سأله أحد عن الحديث: من حدثك؟ قال: حدثني أبو سعيد، فيفهم المستمع أن أبا سعيد الخدري هو الذي حدثه، وفي الحقيقة أن الذي حدثه هو الكلبي، لكنه دلسه بهذه الطريقة، ولا يصح هذا الحديث بأي وجه من الوجوه.
وبهذا نكون قد انتهينا من الكلام عن الشفاعة بشكل مجمل، وفي اللقاء القادم إن شاء الله سنتحدث عن مسائل أخرى بإذنه تعالى.
[ ٢ / ١٦ ]
الأسئلة
[ ٢ / ١٧ ]
المقصود بقوله ﵇ عن الحوض: (زواياه سواء)
السؤال
هل المقصود بقوله: (زواياه سواء): أن الحوض مربع أو مستطيل؟
الجواب
المقصود به: أنه مربع؛ لأن تساوي الزوايا يدل على أنه مربع.
[ ٢ / ١٨ ]
عموم الشفاعة العظمى لكل الناس
السؤال
الشفاعة العظمى هل هي عامة لجميع الخلق أم هي خاصة للمؤمنين الموحدين فقط؟
الجواب
الشفاعة العظمى عامة لجميع الناس، وهي من أجل أن يأتي الله ﷾ لفصل القضاء، وهذه عامة للمسلمين والكفار.
[ ٢ / ١٩ ]
عصمة الأنبياء
السؤال
الأنبياء معصومون من الخطأ، ولكن في يوم القيامة كل نبي يعد خطأه، فما توجيه ذلك؟
الجواب
ليس هناك مانع من أن يخطئ النبي في غير الوحي، فإن الوحي لا يخطئ فيه النبي، لكن غير الوحي يمكن أن يحصل منه الخطأ، فإذا حصل منه الخطأ فإنه يتوب منه في الدنيا، وأما الكبائر فإنهم معصومون منها.
[ ٢ / ٢٠ ]
عموم الشفاعة لأصحاب الصغائر والكبائر
السؤال
هل الشفاعة تشمل أصحاب الكبائر أم هي فقط لأصحاب الصغائر؟
الجواب
الشفاعة تشمل أصحاب الكبائر وأصحاب الصغائر أيضًا.
[ ٢ / ٢١ ]
حكم قول: اللهم أدخلني الجنة من دون شفاعة النبي ﷺ
السؤال
من يقول: اللهم أدخلني الجنة ولا تدخلني النار، وأدخلني الجنة من دون شفاعة نبيك محمد ﷺ، هل هذا الدعاء صحيح، علمًا أنه يقصد بذلك: أي بأعماله، وقبل ذلك برحمة الله؟
الجواب
ليس هناك داع للدعاء بهذه الطريقة السيئة، يعني: كونه يقول: اللهم أدخلني الجنة من دون شفاعة النبي ﷺ، هذا دعاء عجيب! وهو على كل حال من الاعتداء في الدعاء، والواجب أن يدعو الإنسان ربه ﷾ بأن يدخله الجنة ويعيذه من النار، ولا يتشرط بهذا الأسلوب الغريب.
[ ٢ / ٢٢ ]
كيفية الرؤية القلبية
السؤال
كيف رأى النبي ﷺ ربه بقلبه؟ وهل القلب يرى؟
الجواب
سبق أن بينا أن النبي ﷺ رأى ربه بقلبه، والمقصود بالرؤيا هنا رؤيا قلبية، وهي نوع من أنواع الكشف؛ كشف قلبي يعرف الإنسان به ربه، وليس المقصود به رؤية بصرية كما سبق.
وأما هل القلب يرى؟ فنعم يرى، له رؤية خاصة به وليست مثل رؤية العين.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
[ ٢ / ٢٣ ]