يعتقد أهل السنة والجماعة أخذ الله تعالى الميثاق من ذرية آدم واستنطاقهم وإشهادهم على ربوبيته لهم، كما يعتقدون وجوب الإيمان بالقدر ومراتبه وما تضمنته كل مرتبة من مسائل، خلافًا لمن ضل فيه وفي مراتبه من القدرية والجبرية والفلاسفة ونحوهم، وأنه سر الله تعالى في خلقه لا يخوض فيه إلا من زلت به القدم، كما يعتقدون إثبات العرش والكرسي وإثبات علو الله تعالى على خلقه، وإثبات صفة المحبة له تعالى، والإيمان بالملائكة والنبيين والكتب المنزلة لهداية الخلق.
[ ٣ / ١ ]
الميثاق الذي أخذه الله ﷿ من آدم وذريته
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن نبينا محمدًا إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين.
أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته حق].
أخذ الله ﷾ من ظهر آدم ذريته، وجمعهم في مكان واحد، واستنطقهم ﷾، وأشهدهم على أنفسهم، وقال لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف:١٧٢] فقال الله ﷿ لهم: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢]، وهذا الميثاق الذي أخذه الله ﷾ على بني آدم من ظهر آدم هو قبل أن يخلق الناس، والميثاق فيه أربع مسائل كبار: المسألة الأولى: مسألة الفطرة، والمسألة الثانية: مسألة الأرواح، والمسألة الثالثة: مسألة القدر، والمسألة الرابعة: مسألة قيام الحجة.
والشيخ أبو جعفر الطحاوي ﵀ أوردها في صدر الكلام على القدر، كأنه يشير إلى أن الميثاق نوع من أنواع القدر المكتوب، كما سيأتي ذكره.
ويدل على الميثاق قول الله ﷾ في سورة الأعراف: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٢ - ١٧٣]، والإشهاد والاستنطاق وأخذ الميثاق أمر متفق عليه بين السلف الصالح رضوان الله عليهم، إلا أنهم اختلفوا في مسألة: هل آية الأعراف تدل على هذا الأمر الذي هو أمر الميثاق وإخراج الذرية واستنطاقهم وإشهادهم، أو أنها لا تدل؟ أما استنطاقهم وإخراجهم وإشهادهم على أنفسهم فقد دلت عليه جملة من الأحاديث، منها حديث عمر بن الخطاب ﵁، وحديث ابن عمر ﵁، وحديث أبي هريرة ﵁، وحديث أنس بن مالك ﵁، وكل هذه الأحاديث منصوصة في كتب أهل العلم في المسانيد والسنن والجوامع، وهي وإن كان كثير من طرقها فيه ضعف إلا أن بعضها يجبر بعضًا، وقد جمع طرقها الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة واستفاض في تخريجها وأطال رحمه الله تعالى.
ويمكن أن نذكر من هذه الأحاديث حديث ابن عباس ﵁، وهو قوله: قال رسول ﷺ: (إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم ﵇ بنعمان -يعني: بعرفة- فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرها بين يديه، ثم كليهم قبلًا، قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢] إلى آخر الآيات).
وكذلك روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عمر بن الخطاب ﵁ نحو ما رواه عن ابن عباس، إلا أنه زاد: (إن الله ﷿ مسح ظهر آدم بيمينه واستخرج منها ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون، فقال رجل: يا رسول الله! ففيم العمل؟ فقال رسول الله ﷺ: إن الله ﷿ إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار) ونحو ذلك من الأحاديث التي تدل على أن الله ﷿ استخرج من ظهر آدم ذريته، وأشهدهم على أنفسهم.
لكن اختلف السلف الصالح رضوان الله عليهم في آية الأعراف، هل هي نفسها المقصودة في الأحاديث؟ يعني: هل الأحاديث وآية الأعراف شيء واحد، أم أن الآية تدل على معنى والأحاديث تدل على معنى آخر؟ جمهور أهل العلم يقولون: إن الآية هي نفسها المرادة في الأحاديث، ولهذا جاء نصها في حديث ابن عباس ﵁ كما سبق.
وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وتلميذه ابن القيم في كتابه الروح وأيضًا وافقهما الشارح يرون أن الآية التي في سورة الأعراف لا توافق الأحاديث الواردة في استخراج الذرية وإشهادهم على أنفسهم وإقرارهم بذلك.
وهذه المسألة التي في تفسير الآية الخلاف فيها سهل وبسيط، لكن أهل العلم اتفقوا على مسائل الاعتقاد التي تضمنها هذا الميثاق الوارد في الأحاديث، فقد اتفقوا على أن الميثاق يدل على الفطرة، ويدل على أن الله ﷿ خلق كل ا
[ ٣ / ٢ ]
الإيمان بالقدر
ثم بعد ذلك شرع الإمام أبو جعفر الطحاوي ﵀ في الكلام على القدر فقال: [وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة وعدد من يدخل النار جملة واحدة، فلا يزداد في ذلك العدد ولا ينقص منه، وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه].
ثم ذكر بعد ذلك فقرات متعددة كل هذه الفقرات يجمعها أنها في موضوع القدر، يعني: من فقرة (٥٠) إلى فقرة (٦٠) تقريبًا هذه كلها في موضوعات القدر، ويمكن أن نذكر الموضوعات الأساسية في القدر ثم نعرض لهذه الفقرات، ونطبقها على ما نذكره إن شاء الله.
والإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان، كما جاء ذلك في حديث جبريل عندما سأل النبي ﷺ عن الإيمان فقال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره)، فالقدر ركن من أركان الإيمان، كما أن القدر يعتبر من الإيمان بالله ﷾؛ فإن خلاصة القدر هو: الإيمان بصفات الله ﷾؛ الإيمان بالعلم والقدرة والإرادة والخلق، وكل ذلك سيأتي بيانه وتفصيله.
فالإيمان بالقدر متعلق بالإيمان بالله ﷾، وبالذات بتوحيد الأسماء والصفات، ولهذا تساءل البعض: لماذا لم يرد ركن الإيمان بالقدر في القرآن؟ والجواب عن هذا: أنه ورد في القرآن مفردًا عن بقية الأركان، كما قال الله ﷿: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، وقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب:٣٨] هذا أمر.
والأمر الثاني: أنه حتى لو لم يرد هذا الركن منفصلًا فهو تابع لركن الإيمان بالله، فإن القدر كما سبق أن بينا متعلق بالإيمان بالله؛ لأن الإيمان بالله يتضمن الإيمان بربوبية الله والإيمان بإلوهية الله، والإيمان بأسماء الله وصفاته، ومن الإيمان بأسماء الله وصفاته الإيمان بالقدر، فإن القدر يعود إلى توحيد الأسماء الصفات، كما سيأتي في مراتبه إن شاء الله.
[ ٣ / ٣ ]
مراتب القدر
القدر له أربع مراتب:
[ ٣ / ٤ ]
المرتبة الأولى: العلم
المرتبة الأولى: مرتبة العلم، والعلم صفة من صفات الله ﷾، فإن الله ﷾ عالم بكل شيء، عالم بما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، وهو ﷾ عالم بآجال الناس وأعمالهم وأرزاقهم، وهو ﷾ عالم بكل شيء ولا يغيب عنه شيء.
والعلم من الصفات الثبوتية لله ﷾، فإن الصفات تنقسم إلى قسمين: الصفات السلبية: وهي التي نفاها الله ﷿ عن نفسه؛ كقوله تعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥].
والصفات الثبوتية: وهي ما أثبته الله ﷾ لنفسه.
فصفة العلم هي من الصفات الثبوتية، والصفات الثبوتية تنقسم إلى قسمين: صفات فعلية وصفات ذاتية، والضابط في التفريق بينهما هو: أن الصفات الفعلية هي ما تعلق بمشيئة الله ﷾ وإرادته، وأما الصفات الثبوتية فهي الذي لا ينفك عن الله ﷿ بأي وجه من الوجوه، وليس متعلقًا بالإرادة.
فصفة العلم صفة ثبوتية ذاتية متعلقة بالله ﷾، لكن قد يقول قائل: ما هو الدليل على تقسيم الصفات؟ فنقول: الدليل على تقسيم الصفات هو أن هذه الصفات أصلًا موجودة في القرآن بمعناها، فمعنى الصفات الفعلية هو موجود، كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، فهذا يدل على أنه استوى وقبل ذلك لم يكن مستويًا، فلما خلق العرش استوى ﷾، وهذه صفة فعلية متعلقة بإرادته ومشيئته، وصفة العلم متعلقة بالله ﷿؛ فإن العلم لا ينفك عنه بوجه من الوجوه، ولهذا لا يمكن أن يكون الله ﷿ يومًا من الأيام جاهلًا ومرة أخرى عالمًا هذا لا يقوله أي مسلم، وصفة العلم يمكن أن نأخذها من اسم الله ﷾ العليم، فإن القاعدة: أن كل اسم من أسماء الله ﷾ يتضمن صفة؛ فالعليم يتضمن صفة العلم، ومما يدل على هذه الصفة في القرآن قول الله ﷾: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]، فهذه الآية وغيرها من الآيات تدل على إثبات صفة العلم لله ﷾، وأهل السنة يثبتون هذه الصفة التي هي العلم، ويقولون: إنه عالم بالماضي والمستقبل، وإن علمه ﷾ شامل لكل شيء، لا يعزب عنه مثقال ذرة، ولا يعتريه نسيان ولا جهل بأي وجه من الوجوه.
[ ٣ / ٥ ]
الفرق التي ضلت في إثبات مرتبة العلم والرد عليهم
أما المذاهب الضالة في موضوع العلم فهي على أنواع: الفرقة الأولى: الفلاسفة، والفلاسفة جمع فيلسوف، وفيلسوف كلمة يونانية مركبة من كلمتين: من (فيلا) و(سوف) يعني: محب الحكمة، والفلاسفة نوعان: فلاسفة اليونان: مثل أرسطو وأفلاطون وسقراط وجالينيوس وغيرهم من الفلاسفة.
وهناك فلاسفة يسمون بالفلاسفة الإسلاميين، والحقيقة أنه ليس في الإسلام فلسفة، لكن نسبوا إلى الإسلام؛ لأنهم ينتسبون إليه، مثل: ابن سينا والفارابي والكندي، فهؤلاء الفلاسفة ضلوا في صفة العلم، فقالوا: إن الله ﷾ إنما يعلم الكليات فقط، وأما الجزئيات فلا يعلمها، وهذا أحد الأسباب التي جعلت الغزالي في كتابه (تهافت الفلاسفة) يكفرهم بسببه، فإن الغزالي كفرهم في كتابه (تهافت الفلاسفة) بثلاثة أسباب: السبب الأول: أنهم قالوا: إن الله ﷾ إنما يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات.
السبب الثاني: إنكارهم للنبوة.
السبب الثالث: أنهم أنكروا المعاد الجسماني، وقالوا: إن الناس لا يبعثون من قبورهم.
ويمكن أن يرد عليهم بآية في كتاب الله ﷿ وهي قوله: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] يعني: عقلًا لا يتصور أن يخلق الله ﷿ خلقًا لا يعرفه، فإن من يخلق الشيء لابد أن يعرفه، فكيف يقال: إن الله خلق الخلق ثم لا يعرف ما فيه إلا الكليات؟! وهم أصلًا ضالون في صفة الخلق، فإنهم يقولون: إن الخلق لم يحصل بإرادة الرب ﷾، وإنما صدر الخلق عن الله ﷿ صدورًا مثل الشعاع عندما ينفصل عن الشمس، ولهذا يعتقدون أن الخلق قديم، وأن الخلق له جزء من صفة الباري! هكذا يعتقدون، وهم ضالون في ذلك، وكفرهم وضلالهم واضح.
الفرقة الثانية: هم القدرية الأولى، فإن القدرية الأولى يقولون: إن الله ﷾ لا يعلم الفعل من العبد قبل وقوعه، وإنما يعلمه بعد أن يقع، وأول من قال بهذا رجل نصراني ظهر في البصرة في العراق يسمى سوسن النصراني أظهر الإسلام، ثم بعد ذلك تأثر به معبد الجهني، وأخذها عن معبد غيلان الدمشقي، والذي يدل على أن معبدًا أخذها من سوسن النصراني هو حديث يحيى بن يعمر الثابت في صحيح مسلم وفيه: أنه ذهب هو وحميد بن عبد الرحمن الحميري والتقيا بـ ابن عمر ﵁ في عرفة وكان حاجًا، فقالا له: إنه ظهر عندنا بالبصرة رجل يقال له: معبد، ينكر القدر ويقول: إن الأمر أنف، فـ معبد الجهني كان هو وغيلان وسوسن الذي قبله ينكرون علم الله ﷾ بالفعل قبل وقوعه، وإنما يقولون: إنه يعلم الفعل بعد وقوعه، وهؤلاء كفرهم السلف رضوان الله عليهم، لكن هؤلاء انقرضوا، ولم يبقوا بعد ذلك.
الفرقة الثالثة: المعتزلة: والمعتزلة أخذوا هذا الفكر عن القدرية، ولا شك أن عقيدة القدرية الذين ينكرون علم الله ﷾ باطلة؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه:٩٨]، فقوله: «وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا» يدل على أنه عالم بالماضي والمستقبل، عالم ﷾ بالفعل قبل وقوعه وبعد وقوعه، كما سيأتي في الكلام على عقيدة الأشاعرة في هذا الأمر.
فالمعتزلة هم خلف القدرية، وجاء بعد معبد الجهني غيلان الدمشقي، ثم غيلان الدمشقي قتله هشام بن عبد الملك كما هو مشهور، وقيل: قتله عمر بن عبد العزيز.
ثم بعد ذلك ظهر عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء وأخذوا ضمن ما أخذوا إنكار القدر عن معبد، لكن بشكل أقل غلوًا من أولئك؛ فقد أثبتوا صفة العلم لله ﷾، لكنهم أنكروا الكتابة، وأنكروا الإرادة، وأنكروا خلق أفعال العباد كما سيأتي مفصلًا بإذنه تعالى.
والمعتزلة وإن كانوا يثبتون صفة العلم، إلا أنهم يقولون: إن الله ﷿ عليم بلا علم، كما يقولون: سميع بلا سمع، ويقولون: إن علمه هو ذاته، وقالوا بهذا القول هروبًا من شبهة تعدد القدماء؛ فإنهم يعتقدون أن أخص وصف للإله أن يكون قديمًا، والقديم لا يقبل التعدد عندهم، فإنهم يقولون: لو أثبتنا -مثلًا- للباري صفة العلم وأثبتنا له صفة الإرادة وأثبتنا له صفة الكلام فإنه يلزم في كل صفة من هذه الصفات أن تكون قديمة؛ لأن الإله قديم، ومادام يلزم أن تكون هذه الصفة قديمة فمعنى هذا: أنه لابد أن يكون لهذه الصفة سمع وبصر وعلم، فأصبحت إلهًا آخر، ولهذا أصبح عندنا آلهة متعددة، فيقولون: إذا أثبتنا الصفات أثبتن
[ ٣ / ٦ ]
المرتبة الثانية: الكتابة
المرتبة الثانية من مراتب الإيمان بالقدر: مرتبة الكتابة، وهذه المرتبة متعلقة بصفة القدرة، ويدل على هذه المرتبة من القرآن قول الله ﷿: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ﴾ [الأنعام:٣٨]، وللسلف رضوان الله عليهم في تفسير الكتاب هنا رأيان: الرأي الأول: أن المقصود بالكتاب: اللوح المحفوظ.
والرأي الثاني: أن المقصود به: القرآن.
لكن يبدو أن المقصود به اللوح المحفوظ كما ذكره غير واحد من السلف.
ومما يدل على ذلك -وهو أوضح من الاستدلال السابق- قول الله ﷿: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:٧٠]، وهذا نص على أن الله ﷾ خلق السماوات والأرض وأن ذلك في كتاب، ويقول الله ﷿: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل:٧٥].
ومرتبة الكتابة أنواع: النوع الأول: الكتابة العامة، ويدل عليها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وكان عرشه على الماء).
النوع الثاني: التقدير أو الكتابة حين أخذ الميثاق، وقد ذكرنا ذلك في حديث عمر بن الخطاب.
النوع الثالث: هي الكتابة العمرية أو التقدير العمري، ويدل عليه حديث ابن مسعود ﵁ عندما قال: حدثني الصادق المصدوق إلى أن قال: (ثم يبعث الله إليه ملكًا بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد)، فهذه كتابة عمرية، يعني: متعلقة بعمر الإنسان كله.
النوع الرابع: التقدير أو الكتابة التي تحصل في ليلة القدر، فإن الله ﷿ يقول عنها: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٤].
النوع الخامس: الكتابة أو التقدير اليومي؛ كما قال الله ﷿: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩]، وكما قال النبي ﷺ في هذه الآية: (من شأنه أن يغفر ذنبًا ويفرج كربًا ويرفع قومًا ويخفض آخرين)، وهذه الكتابة كما تلاحظون ثابتة بالقرآن والسنة، والمكتوب في هذه الكتابة هو ما علمه ﷾، وعلمه لا يحده حد، فهو يعلم الماضي ويعلم المستقبل، يعلم كل شيء ﷾، فقد علم ما سيفعله العباد قبل أن يفعلوه، وكتب ما علمه من فعل العباد الذي سيفعلونه قبل أن يفعلوه، وهذا من علمه ﷾ الشامل التام، وهذه المرتبة ينكرها المعتزلة القدرية، ويثبتها الجبرية بكل طوائفهم، وسيأتي الإشارة إلى هذه الطوائف في المرتبة الرابعة.
[ ٣ / ٧ ]
المرتبة الثالثة: المشيئة
المرتبة الثالثة: هي مرتبة المشيئة والإرادة، يقول الله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:٦]، ويقول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [الحج:١٤]، وإثبات إرادة الله ﷾ في النصوص كثيرة جدًا، وأهل السنة والجماعة يثبتون أن الله ﷾ مريد بإرادة شاملة عامة لا يحدها حد.
وأما المعتزلة فإنهم يقولون: إن إرادة الله ﷾ إنما تكون في الخير فقط، وأما الشر فإن الله لا يريده، والسبب في ضلال المعتزلة في هذه المسألة: هو أنهم لم يفرقوا بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، فإن الإرادة الكونية هي ما أراده الله ﷾ أن يكون في خلقه، ولا يمكن أن يحصل شيء في مخلوقات الله ﷿ وهو لم يرده، فهي موافقة لصفة الخلق، فكل شيء خلقه الله ﷿ فقد أراده قبل أن يخلقه.
وأما الإرادة الثانية فهي الإرادة الشرعية، والإرادة الشرعية المقصود بها: ما أمر الله ﷾ به العباد وأوجبه عليهم وما أراده الله ﷿ منهم، بمعنى: أحب أن يفعلوه، فلما لم يفرق المعتزلة بين هذين ظنوا أن الإرادة لابد أن تكون محبوبة لله ﷿، فلما ظنوا هذا الظن قالوا: كيف إذًا يريد الكفر مع أنه ﷾ يقول: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧]؟ فلا يمكن أن يحصل منه أنه يريد الكفر وهو في نفس الوقت يكرهه، ولهذا يتساءلون بتساؤل مشهور وهو: كيف يريد الله تعالى أمرًا ولا يرضاه ولا يحبه؟ وكيف يريده ثم يبغضه؟ يقولون: كيف يريد الله ﷿ شيئًا من الأشياء، ثم يبغض هذا الشيء؟ وكيف يريد الله ﷿ أمرًا من الأمور ثم ينهى عنه وهو مريده؟ فلم يتصوروا أن المراد نوعان: نوع مراد لذاته، وهذه هي الإرادة الشرعية التي أرادها الله ﷾ من العباد.
ونوع مراد لغيره، يعني: ليس مرادًا لذاته، وإنما هو مراد لغيره، وهذه هي الإرادة الكونية، فإن الله ﷿ خلق الكفر وخلق القبائح في الكون وقد أرادها ﷾، بمعنى: أنه خلقها، لكن جعلها للابتلاء والامتحان والاختبار، ولم يخلقها الله ﷿ وهو محب لها كما ظن المعتزلة، ولهذا ينقل كثير من أهل العلم مناظرات بين المعتزلة وبعض أئمة أهل السنة، وعندما يحصل النقاش بينهم إذا ذكر أحدهم هذا التساؤل وهو: كيف يريد الله ﷿ شيئًا ثم يبغضه؟ فيرد عليه السلفي بقوله: إنه لا يمكن أن يكون في كونه ما لا يريد؛ لأن المعتزلة يقولون: إن الله ﷿ لم يرد الشر ولم يرد الكفر، وأن الكفر حصل من الكفار بغير إرادة الله! هكذا يزعمون، ولا شك أن في هذا تنقيصًا لأفعال الله ﷾ وقدرته؛ لأنهم يقولون: إن الكافر كفر بإرادته هو والله ﷿ لم يرد هذا، فكأن الكافر غلب الله ﷿ فحصلت إرادته! ولهذا سماهم السلف: مشبهة الأفعال؛ حيث شبهوا الله ﷿ بخلقه، وهذا قدح في التوحيد الذي يظنون أنهم يدافعون عنه بمثل هذه العقائد الفاسدة.
[ ٣ / ٨ ]
المرتبة الرابعة: الخلق
المرتبة الرابعة: مرتبة خلق أفعال العباد، يقول الله ﷿: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام:١٠٢]، فقوله ﷿: «خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ» يشمل أفعال العباد، ويقول الله ﷿: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦]، ويقول الله ﷾: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم:٤٣]، ويقول: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:٢] يعني: الذي خلق و(ما) موصولة تعم، وعقيدة أهل السنة: أن الله ﷾ خالق العباد وأفعالهم، ومما خلق ﷾ من أفعال العباد إرادتهم وأنهم يفعلون الفعل عن إرادة واختيار.
وآراء الفرق في هذه المسألة يمكن أن نقسمها إلى رأيين مشهورين: الرأي الأول: رأي القدرية، وهم المعتزلة.
والرأي الثاني: رأي الجبرية.
فأما المعتزلة فقالوا: إن الله ﷾ لم يخلق أفعال العباد، وإن العباد يحدثون أفعالهم، واختلفوا هل يصح أن نسمي العبد خالقًا لفعله أو أنه محدث له؟ فأما المتقدمون فلقربهم من عهد السلف كانوا يتجنبون اسم الخلق ويقولون: إنه محدث لفعله، وأما المتأخرون فإنهم ينصون على أنه خالق لفعله حقيقة، وقال المعتزلة بهذا بسبب هو أنهم يريدون أن يفروا من الجبر، وأن الله ﷿ لم يجبر العباد على شيء من الأعمال، ولهذا يسميهم كثير من الكتاب المعاصرين: أتباع حرية الإرادة، يعني: الذين يطالبون بأن يكون الإنسان حرًا مختارًا مريدًا، والحقيقة أن الله ﷿ خالق لأفعال العباد وليس في هذا جبر عليهم، فإن مما خلق إرادتهم التي يريدون بها والتي يختارون بها، فإرادتهم مخلوقة له ﷾، ومشيئتهم مخلوقة لله ﷿، لكن طبيعة هذه الإرادة هي أنهم يختارون ما يشاءون من غير جبر، ويتركون ما يشاءون من غير جبر، وأما الكتابة السابقة فإنه لا يوجد فيها جبر، وإنما الكتابة التي كتبها الله ﷿ هي ما علمه ﷾، والله ﷿ علمه واسع يشمل السابق واللاحق ويشمل كل شيء، ومما علم ﷾ هو أن العبد سيختار الكفر أو سيختار الإيمان، فكتب ما علمه، ولهذا لا حجة للجبرية في كون الله ﷿ خالق لأفعال العباد، ولا حجة للقدرية في كونه خالق لأفعال العباد فيما وصلوا إليه من القولين المتناقضين، فهما يعني: أصل دعواهما واحدة، لكن لكل طائفة قول غير قول الطائفة الأخرى.
أما الجبرية فإنهم على نوعين: جبرية خالصة، وهم الجهمية الأولون.
وجبرية تسمى جبرية جزئية وهم جبرية الأشاعرة.
فأما الجبرية الخالصة فإنهم قالوا: إن العبد مجبور على فعل نفسه، كما قال جهم، وإن العبد مثل الريشة في مهب الريح، وإن أفعاله كلها اضطرارية، وليس فيها شيء اختياري، وإن العبد إذا فعل ما فعل إنما يفعله عن جبر وليس عن اختيار، وصار لهذا الرأي قبول عند المتأخرين من الصوفية ونحوهم؛ فإنهم يعتقدون أن العبد مجبور على فعل نفسه، وأنه ليس له اختيار فيما يفعله، ولهذا يعتقدون أن الأفعال التي يفعلها العبد هي أفعال صالحة؛ لأن الله يحبها، هكذا يظنون، فلما جاءت معها عقيدة وحدة الوجود، أصبح فعل العبد هو نفسه فعل الله عندهم، ولهذا يقول ابن عربي: وكل كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه ويقول: العبد رب والرب عبد يا ليت شعري من المكلف إن قلت عبد فذاك رب أو قلت رب أنى يكلف يعني: كيف يكلف؟ ولهذا كثير منهم يعتقد أن النصارى إنما وقع منهم الشرك لأنهم حددوا إلهًا معينًا، والواجب أن يكون كل شيء إلهًا! يعني: أنهم أكثر غلوًا من النصارى وأكثر غلوًا من اليهود، وهذه عقيدة ابن عربي وابن سبعين وغيرهم من الصوفية الملاحدة، وهم الذين يسمون بفلاسفة الصوفية.
وأما الأشاعرة فكما هي حالهم في كثير من مسائل العقيدة: يأتون ويريدون التوسط، ثم يضطربون ويميلون في آخر المطاف إلى أحد المذاهب الباطلة، فهم أرادوا التوسط بين مذهب القدرية ومذهب الجبرية، فأثبتوا أن الله خالق لأفعال العباد، فوافقوا السلف في هذا، ثم أرادوا أن يثبتوا للعبد فعلًا معها فتورطوا كيف يجمعون بين كون الله ﷿ خالق لفعل العبد، وبين كون العبد له فعل، فتوصلوا في النهاية إلى أن العبد له شيء سموه كسبًا، والكسب هذا عند التحقيق وعند تحرير مذهبهم لا شيء، وإنما هو اسم الفعل، ولهذا شبهه إمام من أئمتهم وهو أبو منصور البغدادي في كتابه (أصول الدين) بأنه مثل الرجل الكبير الذي يحمل صخرة ومعه طفل صغير يحمل معه هذه الصخرة، ولو أن الطفل الصغير ما حملها لحملها الكبير، فلما حملها معه الصغير سمي حاملًا؛ لأنه يحملها معه، لكنه في الحقيقة ليس بحامل، وهذه هي عقيدة الأشاعرة في موضوع الكسب، ولهذا يقول أحد أئمتهم وهو الأيجي في كتاب له اسمه (المواقف): الجبرية نوعان: جبرية خالصة، وهم ال
[ ٣ / ٩ ]
وجوب الإيمان بالقدر وعدم الخوض فيه
ويمكن أن نمر على فقرات من موضوع القدر، ثم نعلق عليها، ثم ننتقل إلى الكلام في مسألة العلو.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكل ميسر لما خلق له، والأعمال بالخواتيم، والسعيد من سعد بقضاء الله والشقي من شقي بقضاء الله].
وهذا سبق أن أشرنا إليه، وذكرنا أن الله ﷿ قد كتب أعمال العباد جميعها.
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه].
والسبب في كونه سر الله تعالى: أنه متعلق بصفة العلم، وصفة العلم لا نعلمها نحن، ولهذا الذين يحتجون بالقدر على المعائب ويقولون: إن الله كتب علينا الأخطاء، هؤلاء اعتقادهم اعتقاد فاسد وباطل، والسبب في هذا هو: أنهم لا يعلمون ماذا كتب لهم أصلًا؛ فهو سر من الأسرار.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان وسلم الحرمان].
ولهذا نهى النبي ﷺ الصحابة الذين كانوا يتناظرون في القدر، خرج عليهم وهو مغضب ووجهه أحمر كأنما فقع في وجهه حب الرمان، فقال: (أتضربون كتاب الله بعضه ببعض؟!) ونهاهم عن ذلك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ودرجة الطغيان، الحذر كل الحذر! من ذلك نظرًا وفكرًا ووسوسة؛ فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه ونهاهم عن مرامه، كما قال الله تعالى في كتابه: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] فمن سأل: لم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين].
ومن الطرائف في الحقيقة التي تذكر في هذا: أن أعرابيًا جاء إلى عمرو بن عبيد، وعمرو بن عبيد من المعتزلة الذين يقولون: إن الله ﷿ لم يرد الشر، وإنما حصل الشر بغير إرادته، فجاءه أعرابي وهو في بيته، وقال له: ضاعت إبلي فادع الله لي، وكان بين طلابه، فرفع يديه وقال: اللهم إنك لم ترد أن تضيع إبل فلان فردها إليه، فقال: لا حاجة لي بدعائك، قال: لماذا؟ قال: لأني أخشى أن يريد أن ترجع فلا ترجع، مادام أنه لم يرد أن تضيع فضاعت! قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فهذه جملة ما يحتاج إليه من هو منور قلبه من أولياء الله تعالى، وهي درجة الراسخين في العلم؛ لأن العلم علمان: علم في الخلق موجود، وعلم في الخلق مفقود، فإنكار العلم الموجود كفر، وادعاء العلم المفقود كفر، ولا يثبت الإيمان إلا بقبول العلم الموجود وترك طلب العلم المفقود].
والمقصود بالعلم المفقود هو علم الغيب، مثل حقائق أسماء الله وصفاته، ومثل القدر، ومثل حقائق ما في الجنة والنار ونحو ذلك، فكل هذه ليست مرامة بالنسبة للإنسان في هذه الدنيا، وإنما عليه أن يؤمن بالقدر الذي جاء في الكتاب والسنة فقط.
وفي هذه الفقرة مسألة من المسائل، وهي مسألة الأولياء، وسيذكرها الشيخ في آخر الكتاب، والأولياء بينهم الله ﷿ في قوله: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣]، فأولياء الله ﷿ هم أهل التقوى من أهل العقيدة الصحيحة، وأما ما يعتقده الصوفية في الولي وأنه أفضل من النبي فهذا اعتقاد باطل، حتى إنه قال بعضهم: مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي يعني: النبوة أقل من الولاية، ويستدلون على ذلك بأن الخضر كان معلمًا لموسى ﵉، والخضر ولي، وبناء على هذا فالولي أفضل من النبي، وهذا استدلال فاسد؛ فإن الخضر نبي؛ لقوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف:٨٢] يعني: وإنما فعلته عن أمر الله ﷿، فقولهم هذا لا شك في بطلانه.
والباطنية لهم عقيدة خاصة في أولياء الله ﷾، لكن لا يكفي المجال لشرحها، حتى إن بعضهم يعتقد أن الولاية إنما تحصل بالكشف فقط، فقد نص الغزالي في إحياء علوم الدين على أن الكشف يمكن أن تؤول به النصوص الشرعية، وهذه علومهم، فعلومهم أنهم يجلسون في الأماكن القذرة والوسخة ويدعون أنهم تأتيهم كشوفات، حتى قال الشبلي: إذا بارزونا بعلم الورق خرجنا إليهم بعلم الخرق يعني: يعتقدون أن الخرقة -وهي الولاية التي تحصل لهم- لها إسناد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ونؤمن باللوح والقلم وبجميع ما فيه قد رقم].
وهذه منزلة الكتابة، وهي الإيمان بما كتبه الله ﷾ في اللوح، وهذه الكتابة بالقلم.
وقد أنكر الفلاسفة اللوح والقلم، قال ابن سينا: إن اللوح هو النفس الكلية، وأما القلم فهو العقل الكلي، ورفض أن يؤمن باللوح والقلم كما أراده الله ﷾.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه أنه كائن ليجعلوه غير كائن لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه ليجعلوه كائنًا لم يقدروا عليه؛ جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة].
وقد س
[ ٣ / ١٠ ]
إثبات العرش والكرسي
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والعرش والكرسي حق].
فأما العرش فقد ورد في آيات كثيرة، منها قول الله ﷿: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج:١٥]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، وقوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [غافر:٧]، وقوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧]، فهذه الأدلة كلها وغيرها تدل على أن لله ﷾ عرشًا، وأما الكرسي فهو الثابت في آية الكرسي، عندما قال الله ﷿: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فهو حق، لكن هنا مسألة: هل هناك فرق بين الكرسي والعرش؟ بعض أهل الكلام قالوا: إن الكرسي هو العرش، وهذا خطأ، فإن الكرسي هو موضع قدمي الرب ﷾؛ لما روى ابن أبي شيبة في صفة العرش عن ابن عباس ﵁ أنه قال: (الكرسي موضع قدمي الرب ﷾، والعرش لا يقدر قدره إلا الله) وإسناده حسن، وهذا من المرفوع حكمًا؛ لأنه مما لا يدخله الاجتهاد في الرأي، وقد فسر بعض أهل الكلام الكرسي بأنه الملك، وهذا تأويل باطل، لقوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧]، فهل معنى هذا أنهم يحملون ملك الله ﷿؟ ويقول الله ﷿: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود:٧] فهل كان ملكه على الماء؟ ولهذا لا يصح هذا التفسير للعرش، وإنما العرش هو: سرير الملك، وليس هو الملك، وهنا فرق بين السرير والملك نفسه.
والكرسي لم يرد إلا في آية واحدة وهي آية الكرسي المشهورة، وجاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت في فلاة من الأرض)، وهذا الحديث يدل على أن الكرسي غير العرش، وهو رد على من جعل الكرسي هو نفسه العرش، فيضاف إلى أثر ابن عباس السابق.
وقد أول بعض السلف الكرسي بأنه العلم، وهذا خطأ، وربما يقع من بعض أهل العلم خطأ في مسألة من المسائل وهذا الخطأ لا يكون بدعة؛ لأن أصوله العقائدية وآراءه العقائدية هي ما أجمع عليه السلف رضوان الله عليهم، والذي قال: إن الكرسي هو العلم، هو ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى، ولا يصح أن يقال: إنه العلم؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، ولا يمكن أن يكون العلم وسع السماوات والأرض فقط، وحينئذ فالكرسي هو موضع قدمي الرب كما ثبت ذلك عن ابن عباس ﵄.
[ ٣ / ١١ ]
إثبات العلو
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهو مستغن عن العرش وما دونه، محيط بكل شيء وفوقه، وقد أعجز عن الإحاطة خلقه].
وهو مستغن عن العرش لأنه ﷾ هو الغني الحميد، كما قال عن نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:٦]، وكما قال الله ﷿: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥]، واستواؤه على العرش لا يدل على حاجته له، فإن الله ﷿ استوى عليه وهو غير محتاج له، وإنما هو غني ﷾ عنه، وهاتان الفقرتان ذكرهما المؤلف في بداية الكلام على موضوع من أهم الموضوعات العقائدية، وهو موضوع إثبات علو الله ﷾، وإثبات علو الله ﷿ على خلقه من أعظم العقائد السلفية الثابتة بالكتاب والسنة وإجماع الأئمة، والثابتة بالعقل والفطرة، بل إن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ذكر أن علو الله ﷿ على خلقه عليه ألف دليل، وقد ذكر ابن القيم أكثر من ثلاثين دليلًا فطريًا على إثبات علو الله ﷾ على خلقه، وقد وزعها بعض العلماء إلى أنواع، وقبل ذلك صنف فيها بعض الأئمة كتبًا مستقلة، مثل: الذهبي ﵀ صنف كتاب (العلو للعلي الغفار) وقد اختصره الشيخ الألباني والأصل والمختصر كلاهما مطبوع، وقبل الذهبي ألف أبو محمد الموفق المقدسي كتابًا سماه (علو الله تعالى)، وممن ألف في علو الله تعالى الأستاذ موسى الدويش له رسالة ماجستير في إثبات علو الله تعالى على خلقه، وأسامة القصاص له جزءان في إثبات علو الله تعالى على خلقه.
وذكروا أنواعًا من الأدلة على علو الله ﷿، منها: أن الله ﷿ صرح بالعلو، كقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، فهذا صريح في إثبات صفة العلو، ومنها قوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٤]، ومن الأدلة قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠].
ومن الأدلة قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤].
ومن الأدلة كذلك المعراج، فإنه ﷺ أعرج به إلى السماء، وهكذا هناك أدلة كثيرة تدل على إثبات علو الله ﷾ على خلقه، ومنها تنزل القرآن منه ﷾.
وأما العقل فقد دل على إثبات علو الله ﷾ على خلقه، وقد استدل الإمام أحمد ﵀ في كتابه (الرد على الجهمية والزنادقة) بدليل عقلي ظاهر، فإنه قال: إن الله ﷿ عندما خلق الخلق، هل خلق المخلوقات في نفسه أو خارجًا عنه؟ ثم قال: لا يخلو المعطل -يعني: لا يجيب المعطل- إلا بأحد ثلاثة أجوبة، إما أن يقول: خلق المخلوقات في نفسه، وهذا واضح الكفر، وإما أن يقول: خارجًا عنه، فإذا قال: خارجًا عنه، فنقول: هل هو خارج عنه ثم دخل فيه؟ فإن قال: هو خارج عنه ثم دخل فيه، فهذا كفر ظاهر؛ لأن فيه حصرًا لله ﷿ ونسبة للأماكن القبيحة له سبحانه، فلا يبقى له إلا واحد وهو أن يقول: إن الله خلق الخلق وهو ﷾ خارج عن هذه المخلوقات وهو في العلو ﷾.
[ ٣ / ١٢ ]
الفرق التي ضلت في صفة العلو لله ﷿
الفرق التي ضلت في مسألة علو الله ﷾ فرقتان: الفرقة الأولى: الجبرية الحلولية، وهم الذين قالوا: إن الله ﷾ في كل مكان، ولا يخلو منه مكان، وهم الذين قالوا: إن أفعال العباد هي أفعال الله، بل كل شيء في هذا الكون هو من فعل الله ﷿، هكذا ظنوا، وهكذا يقولون! وهم يستدلون على ذلك بآيات المعية، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤] وفهموا أن قوله تعالى: «وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ» يعني: أنه مختلط بكم، وهذا فهم فاسد، فإن قوله: «وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ» يعني: بعلمه وقدرته ﷾، فإن الذي قال: «وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ» قال: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦]، وهو ﷾ الذي نزه نفسه عن القبائح، وهو نفسه ﷾ الذي قال: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، وهو الذي أوجد في فطر العباد أن الإله لابد أن يكون عاليًا، ولهذا يذكر أن إمام الحرمين الجويني وهو من أئمة الأشاعرة النفاة للعلو كان في أحد دروسه يقرر نفي العلو، فقال له أحد التلاميذ -وهو الهمداني -: أرأيت الشيء والحاجة التي نجدها في صدورنا أثناء الدعاء بالاتجاه إلى العلو؟ فماذا تقول فيها؟ فسكت، ثم فكر قليلًا، وقال: إنها الحيرة! إنها الحيرة! وجعل يضرب على رأسه، ويقول: حيرني الهمداني؛ لأنه استدل عليه بدليل من نفسه، وهو وجود فطرة في نفس الإنسان أثناء الدعاء؛ حيث يجد الإنسان في نفسه الالتجاء إلى الله ﷿، بل إنك لو أوقفت طفلًا صغيرًا وسألته: أين الله؟ فإنه مباشرة يشير إلى السماء فهي فطرة موهوبة في نفس الإنسان.
الفرقة الثانية التي ضلت: الجهمية الكلامية، وهم أهل الكلام من الجهمية، فهؤلاء قالوا: إن الله لا داخل العالم ولا خارج العالم، ولا في العلو ولا في السفل، ولا عن اليمين ولا عن الشمال، وهؤلاء في الحقيقة ينفون الإله، إلا أنهم لم يأتوا بالتصريح في نفي الإله؛ لأن هذا لا يجوز بتاتًا، فإن الذي لا داخل العالم ولا خارج العالم ولا في اليمين ولا في الشمال هو العدم.
ويمكن مراجعة كتاب (الصواعق المرسلة) فقد شرح ابن القيم ﵀ الرد على هؤلاء بالتفصيل.
[ ٣ / ١٣ ]
إثبات صفتي المحبة والكلام لله ﷿
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ونقول: إن الله اتخذ إبراهيم خليلًا، وكلم الله موسى تكليمًا؛ إيمانًا وتصديقًا وتسليمًا].
الخلة: هي كمال المحبة، ويدل على ذلك قول الله ﷿: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء:١٢٥]، وقوله ﷺ: (إن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا)، وهذا يدل على إثبات صفة المحبة لله ﷾.
وقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] هذه الآية تدل على إثبات صفة الكلام لله ﷿، وقد طلب بعض نفاة الصفات من أبي عمرو بن العلاء -وهو من الأئمة القراء- أن يقرأ: (وكلم اللهَ موسى تكليمًا) بالنصب، حتى يكون المتكلم هو موسى، فقال لهم: أرأيتم إن صنعت لكم ما تريدون ماذا تفعلون بقول الله ﷿: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣] يعني: أن هذه ليس فيها خروج لهم، وليس فيها مهرب.
وأهل البدع لا يثبتون صفة المحبة لله ﷿، وإنما يفسرونها بإرادة الثواب، حتى محبة العبد لربه لا يقولون: إنها محبة حقيقة، وإنما يسمونها محبة عقلية ويقولون: إن الإله يتصور أن يُحب كما أنه لا يتصور أن يُحِب، ولهذا جعلوا العبد بعيد الصلة عن الله ﷿، يعني: لا هو يحب الإله ولا الإله يحبه، ولهذا كان شيخ الإسلام ﵀ يقول: هؤلاء غلاظ أخباث، يعني: لأنهم فصلوا العبد عن ربه، فلا العبد يحب ربه ولا الرب يحب عبده والعياذ بالله! وانظروا كيف الإنسان إذا ضل في الاعتقاد يكون بضلاله في الاعتقاد أثر في سلوكه وأثر في أخلاقه وفي آدابه وفي تعامله، فالضلال في الاعتقاد له آثار عظيمة جدًا في حياة الإنسان، سواء في سلوكه وآدابه أو في دعوته، أو في فهمه للإسلام، فلذلك خطر كبير جدًا على الإنسان، كما أن الاعتقاد الصحيح له أثر عظيم جدًا على الإنسان في أخلاقه وسلوكه وآدابه، كما في الحديث: (جاء لقيط بن صبرة إلى النبي ﷺ فقال له الرسول ﷺ: يضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره، فقال: يا رسول الله! أو يضحك الرب؟ قال: نعم، قال: لن نعدم من رب يضحك خيرًا)، فاستفاد هنا فائدة سلوكية، فقال: (لن نعدم من رب يضحك خيرًا) يعني: سيعطينا الخير مادام أنه يضحك ﷾.
ولهذا يا إخوان! الكلام في الاعتقاد له آثار على السلوك وله آثار على الآداب وله آثار في التعامل الاجتماعي مع الناس، كما أن صحة الاعتقاد لها آثار إيجابية على الإنسان في سلوكه وآدابه وأخلاقه.
وقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤] هذه الآية فيها إثبات صفة الكلام، وقد تقدم بحث الكلام مفصلًا في الفقرات السابقة.
[ ٣ / ١٤ ]
الإيمان بالملائكة والكتب والرسل
[ونؤمن بالملائكة والنبيين والكتب المنزلة على المرسلين، ونشهد أنهم كانوا على الحق المبين].
هذا فيه إثبات الإيمان بالملائكة والإيمان بالأنبياء والإيمان بالكتب المنزلة، وهذه ثلاثة أركان من أركان الإيمان، وهي الواردة في حديث جبريل؛ فإنه عندما سأل النبي ﷺ عن الإيمان قال له: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره).
والإيمان بالملائكة يمكن أن يكون على نوعين: إيمان مجمل عام، وهو إثبات أن لله ﷿ ملائكة، وأن لهم عدة وظائف، وأنهم لا يحصون عددًا، ويمكن أن يكون الإيمان مفصلًا، وهو أن نؤمن بكل نبي على حدة، أي: أن نؤمن بكل ملك على حدة، ونؤمن بوظيفته التي أخبر الله ﷾ عنها؛ فملك الموت موكل بقبض الأرواح، وإسرافيل موكل بالصور، وإن كان في اسم إسرافيل خلاف، وجبرائيل موكل بالوحي، وميكائيل موكل بالقطر وهكذا، ولهم أعمال غير هذه، وهم لا يحصون عددًا.
والإيمان بالأنبياء أيضًا يكون مجملًا ومفصلًا، فالإيمان المجمل هو أن يؤمن الإنسان بأن لله ﷿ أنبياء، وأنهم بلغوا الرسالة وأدوا الأمانة، ويؤمن بهم على التفصيل بأسمائهم كآدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم، والأنبياء بعضهم قص الله ﷾ علينا في القرآن قصتهم، وبعضهم لم يقص ﷾ قصتهم.
وأما الكتب المنزلة فكذلك يمكن الإيمان بها مجملة أو مفصلة على نحو ما سبق.
ثم بدأ المؤلف بعد ذلك في مسألة الإيمان وهي من أخطر المسائل، وأهمها، وسيكون إن شاء الله الكلام عليها تفصيلًا في الدرس القادم.
[ ٣ / ١٥ ]
الأسئلة
[ ٣ / ١٦ ]
نوع صفة الكلام لله تعالى
السؤال
هل صفة الكلام صفة فعلية؟
الجواب
صفة الكلام صفة فعلية، ويمكن أن تكون صفة ذاتية باعتبار، وتكون فعلية باعتبار آحاد الكلام، فإنه ﷾ يتكلم متى شاء وكيف شاء ﷾، يتكلم في الأزل وسيتكلم يوم القيامة، وهذا يدل على أنها فعلية؛ لأنها متعلقة بمشيئة الله ﷾، لكنها ذاتية باعتبار تعلقها بذات الله ﷿، وأنه ﷾ يمكن أن يتكلم متى شاء كيف يشاء.
[ ٣ / ١٧ ]
عقيدة أبي حامد الغزالي
السؤال
ما رأيكم في عقيدة الغزالي؛ حيث إن كثيرًا من الناس يقتنون كتبه ويقتنعون برأيه؟
الجواب
أبو حامد الغزالي مر بمراحل متعددة، مر بمرحلة التصوف حتى إنه وصل إلى درجة القول بعقائد الباطنيين؛ وذلك عندما اختبأ في منارة دمشق زمنًا طويلًا، وكتب في أثناء تصوفه كتاب (معارج القدس) وكتاب (المضنون به على غير أهله) وكتب كتبًا متعددة في هذه الفترة، وهو في هذه الفترة قد قال بعقائد الباطنية إلى درجة أنه كان يجيد السحر، كما في كتاب (المضنون به على غير أهله)، والغزالي كان يؤمن بالأسرار، ويتحدث كثيرًا عن الأسرار، فيقول: قلوب الأحرار قبور الأسرار، ويتكلم عن مسألة السر، ويدندن حولها كثيرًا من أجل أن يبين أن هناك شيئًا من الدين خاصًا بطائفة معينة، هذا الشيء الخاص في طائفة معينة لو خرج للعامة لأنكروه، هكذا كان يظن، ثم بعد ذلك ترك عقيدة الباطنية وألف ردًا عليهم كتاب (تهافت الباطنية) بعد أن كلفه نظام الملك بهذا الكتاب عندما درس في مدرسته النظامية في بغداد، ثم بعد ذلك اهتم بعلم الكلام، وألف فيه رسالة (الاقتصاد في الاعتقاد)، ثم رقى بعلم الكلام في كتاب سماه (إلجام العوام عن علم الكلام)، وكان مضطرب العقيدة؛ حتى إنه صرح بالشك في بعض كتبه، في كتاب (ميزان العمل) يقول في آخر هذا الكتاب: إن من لم يشك ولم يحصل له الشك فإنه لم يصل إلى الحقيقة! ويعتقد أن طريق الوصول إلى الحقيقة هي عن طريق الشكوك، فيقول: إن فائدة كتابي -يعني: ميزان العمل- لو لم يثمر إلا أنه يشكك في الموروث من عقائدك، لكان هذا كافيًا! يعني: في أن يكون قد أدى دوره.
وبعض الباحثين يحاول أن يدافع عن الغزالي بأن هذا الشك يسمونه الشك المنهجي وليس الشك العقائدي، والحقيقة أن الشك المنهجي والشك العقائد متلازمان وهما شيء واحد في الحقيقة، فالذي يشك منهجيًا لابد أن يشك عقائديًا، ولابد أن يشك في عقيدته.
وأما كتابه (إحياء علوم الدين) فهو كتاب مليء بالخير والشر، ومليء بالأحاديث الصحيحة والضعيفة، وهو كتاب تربوي يمكن للمتخصص الذي يستطيع أن يميز أن يستفيد منه، لكنه لا ينفع لمن لا يستطيع التمييز؛ فإنه صرح فيه بعقائد باطلة، منها العقيدة التي ذكرتها وهي أنه يقول: إن الكشف الصوفي يمكن أن تؤول به النصوص الشرعية، وكما قلت: إنه ملأه بكثير من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وبعض الناس يعظم كتاب (إحياء علوم الدين) إلى درجة أنه يقول: إن الغزالي في هذا الكتاب استطاع أن يحيي الأمة الإسلامية في الجيل الذي ظهر قبل صلاح الدين الأيوبي، وإنه لما جاء صلاح الدين الأيوبي وجد أمة جاهزة للجهاد في سبيل الله، وهذا الكلام غير صحيح، فإن كتاب (إحياء علوم الدين) على ضخامته في أربعة مجلدات كبيرة لم يعقد فيه بابًا للجهاد، ولم يتكلم عن الجهاد أبدًا، وإنما كان يتكلم عن بعض السلوكيات، والحق يقال، ولا ينبغي كتم الحق، والواجب هو العدل، فالكتاب فيه الكثير من الجوانب الإيجابية والجوانب المفيدة، إلا أنه لا ينبغي لغير المتخصص ولغير الممحص أن يقرأه، فإنه إن قرأه تورط في بعض أخطائه.
[ ٣ / ١٨ ]
قول الأشاعرة في العلو
السؤال
ما هو قول الأشاعرة في العلو؟
الجواب
المتقدمون من الأشاعرة كانوا يرون أن علو الله ﷿ ثابت، كـ أبي الحسن الأشعري والباقلاني والبغدادي وغيرهم من الأئمة السابقين من أئمة الأشاعرة، لكن من مرحلة الجويني أو قبله بقليل وما بعد الجويني بدءوا ينفون علو الله ﷾ على خلقه، تأثرًا بالمعتزلة، واستحكم الأمر أكثر في زمن الرازي والأرنوي الذين رد عليهم شيخ الإسلام في كتابه الجليل (درء تعارض العقل والنقل)، فإنه خصصه في الرد على مقالات الرازي والأرنوي وفصل مقالاتهم ورد عليهم بشكل مفصل، ومن أكبر المسائل التي رد عليهم فيها مسألة العلو، وأفرد في المجلد الثاني وبعض الثالث أكثر من مائة صفحة من الكتاب كلها في الحديث عن مسألة علو الله ﷾ والرد على شبه الرازي التي ذكرها في كتابه الأربعين في هذه المسألة.
وأما المتأخرون منهم في زمن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وفي أزماننا المعاصرة الآن فقد خلطوا بين نفي العلو وبين عقيدة الصوفية في وحدة الوجود، فأصبحوا يدندنون أن الله في كل مكان، حتى أن الشعراوي نص على أن الله ﷿ ليس في السماء وأنه في كل مكان، وصرح بهذه القضية، ونفى علو الله ﷾ على خلقه، بينما لو أنه رجع إلى عقائد السابقين من أئمة الأشاعرة لوجد أنهم يثبتون صفة العلو ولا ينفونها.
[ ٣ / ١٩ ]
وقت انتهاء الكتابة في اللوح المحفوظ
السؤال
هل الكتابة في اللوح المحفوظ إلى قيام الساعة فقط كما في الأحاديث، فإن الشيخ الطحاوي قال: حتى بعد الساعة؟
الجواب
الظاهر -والله تعالى أعلم- أنها إلى الساعة فقط، كما هو نص الأحاديث في هذه المسألة، وأما ما بعد الساعة فلم يرد أنها مكتوبة في اللوح المحفوظ؛ لأن التكليف انتهى.
[ ٣ / ٢٠ ]
حكم الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي
السؤال
ما حكم الاحتجاج بالقدر على فعل الذنوب؟
الجواب
لا شك أن الاحتجاج بالقدر على فعل الذنوب باطل ولا يصح، والشريعة جاءت بالأمر والنهي، والذي يحتج بالقدر على فعل الذنوب أعرض عن الأمر والنهي وأصبح فعله هو الذي يرى أنه القدر المكتوب عليه، ولا شك أن هذا قول فاسد، وأنه طي لبساط الشريعة كلها؛ لأنها جاءت بأمر ونهي وبيان للوعيد على من ترك الأمر وفعل النهي، وفي بيان الثواب لمن فعل الأمر وابتعد عن النهي وهكذا.
فأقول: الذي يحتج بالقدر على فعل معاصيه هذا منتقص لهذه الآيات والأحاديث الواردة في هذا الباب، وأما محاجة آدم لموسى وقول النبي ﷺ: (فحج آدم موسى)، فإنما هو احتجاج بالقدر على المصائب وليس على المعائب، فإن الذنب الذي فعله آدم ﵇ ثم تاب منه وتركه أصبح في حقه مصيبة، ولامه موسى بعد أن تاب من الذنب.
[ ٣ / ٢١ ]