معتقد أهل السنة والجماعة في الإيمان أنه قول وعمل، وهو قول السلف وعلماء الأمصار الذين حكى إجماعهم عليه غير واحد من الأئمة، وخالفهم في ذلك مرجئة الفقهاء الذين أخرجوا العمل من مسمى الإيمان، وبعض المنتسبين إلى أهل السنة القائلين بأن العمل شرط كمال، فنتج عن خلافهم مفاسد في حياة المسلمين، كما خالفهم الأشاعرة والماتريدية وغيرهم ممن عدل عن دلالة النصوص في هذه المسألة العظيمة.
[ ٤ / ١ ]
عقيدة أهل السنة والجماعة في الإيمان
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحد لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
أما بعد: فالقضية التي سندرسها في هذا الدرس إن شاء الله تعالى هي من أهم القضايا وأخطرها في العقيدة، وهي قضية الإيمان والكفر.
وقضية الإيمان والكفر من أكبر القضايا التي اختلف فيها المسلمون، بل إن أول خلاف وقع في الأمة وفي حياة المسلمين هو الخلاف في مسألة الإيمان، وذلك عندما كفرت الخوارج عصاة المسلمين بالذنوب، ثم ظهرت المرجئة بعد ذلك وأصبحت كرد فعل للخوارج، فأخرجوا العمل عن حقيقة الإيمان وعن مفهومه.
وقبل أن نتحدث عن مذاهب الناس في هذه المسألة واختلافهم فيها أحب أولًا أن نبدأ ببيان عقيدة أهل السنة رحمهم الله تعالى في هذا الموضوع المهم:
[ ٤ / ٢ ]
الإيمان قول وعمل واعتقاد
أجمع أهل السنة والجماعة على أن الإيمان قول وعمل، وكونه قولًا وعملًا مما اتفق عليه أهل السنة ودل عليه القرآن الكريم والسنة النبوية.
فمن القرآن قول الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣]، وقد نزلت هذه الآية للصحابة الذين كانوا يصلون في بداية الأمر إلى بيت المقدس، ثم أمرهم الله ﷾ بالتوجه إلى البيت الحرام، فظن بعض الصحابة أن ما فات من صلاتهم إلى بيت المقدس غير مقبول، فأنزل الله ﷿ قوله وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] والمقصود بقوله: (إيمانكم) صلاتكم، وهذا يدل على أن الصلاة إيمان، ويدل على أن العمل من الإيمان، وقد بوب البخاري ﵀ في كتابه الصحيح في كتاب الإيمان: باب من قال: إن الإيمان هو العمل، وذكر فيه حديث أبي هريرة ﵁ قال: (سئل النبي ﷺ أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور)، وهذا الحديث واضح الدلالة في تسمية الإيمان بالله ورسوله عملًا، فإن السؤال هو: أي العمل أفضل؟
و
الجواب
(إيمان بالله ورسوله) وهو ظاهر.
ومما يدل على أن العمل من الإيمان ما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (الإيمان بضع وستون شعبة، فأعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) قال: (فأعلاها قول: لا إله إلا الله) وهذا قول اللسان، (وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) وهذا من عمل الجوارح، ثم قال: (والحياء شعبة من الإيمان) والحياء عمل قلبي.
وكذلك دل على أن الإيمان يجمع القول والعمل الإجماع، فقد ذكر البخاري ﵀ أنه لقي أكثر من ألف رجل من أهل العلم كلهم يقولون: إن الدين قول وعمل، واستدل على ذلك بقول الله سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥]، فالعمل جزء أساسي من الإيمان، وقول السلف رحمهم الله تعالى: إن الإيمان قول وعمل، معناه: أن الإيمان مركب من القول والعمل، ومعنى القول: قول القلب وقول اللسان، فأما قول القلب فهو تصديقه بكل ما جاء عن الله ﷾ وعن رسوله ﷺ من الإيمان بالله، والإيمان بالملائكة، والكتب، والرسل، والملائكة، والقدر، ونحو ذلك مما أخبر الله به ﷾ أو أخبر به رسوله ﷺ، فتصديق القلب يسمى قولًا، وبعض السلف مثل أبي عبيد القاسم بن سلام رحمه الله تعالى في كتابه (الإيمان) سماه عملًا، ولا مشاحة في الاصطلاح؛ فالمعنى واحد، المهم هو أن تصديق القلب داخل في الإيمان، وتصديق القلب لا نزاع فيه أبدًا بين طوائف المسلمين، بل كل طوائف المسلمين من أهل السنة والمرجئة والخوارج وغيرهم يقولون: إن تصديق القلب من الإيمان، إلا الكرامية، فإن الكرامية لم تعتبر تصديق القلب من الإيمان، وإنما جعلت حقيقة الإيمان هو إقرار اللسان فقط، وهم نظروا إلى الإيمان الظاهر الذي يحكم به على الناس في الدنيا.
فتصديق القلب هو قول القلب، وأما قول اللسان فالمراد به: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، كما دل عليه حديث أبي هريرة ﵁ الله، وكما جاء في حديث ابن عباس ﵁ في وفد عبد القيس، وفيه أن النبي ﷺ قال لهم: (أتدرون ما الإيمان بالله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: الإيمان: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة) إلى آخر الأركان المعروفة، إلا أنه قال: (وأن تؤدوا الخمس من المغنم).
فالإيمان يشمل كذلك قول اللسان، هذا بالنسبة للقول.
وأما بالنسبة للعمل فإن العمل المراد به عمل القلب وعمل الجوارح، فأما عمل القلب فهو يقين القلب وإخلاصه وخشوعه وانقياده وخضوعه واستسلامه ورجاؤه وخوفه ونحو ذلك من الأعمال التي يقوم بها القلب، وعمل الجوارح مثل: الصلاة، والصيام والجهاد في سبيل الله، والدعوة إلى الله ونحو ذلك من الأعمال التي تؤدى بالجوارح.
فالإيمان مركب من هذه جميعًا: مركب من تصديق القلب وقول اللسان وعمل القلب وعمل الجوارح، فهذه أركانه الأربعة الأساسية، وهذه الأركان الأربعة المهم فيها هو أن تعرف حقائقها: لأنه قد يعبر عنها بأكثر من تعبير، فمثلًا: بعض العلماء يقسم الإيمان إلى قسمين: ظاهر، وباطن، ويقصد بالظاهر: قول اللسان وعمل الجوارح، ويقصد بالباطن: تصديق القلب وعمل القلب، وبعضهم يقول: هو قول باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان، وهي كلها
[ ٤ / ٣ ]
عمل القلب ومنزلته من الإيمان
بعد أن عرفنا أن الإيمان قول وعمل، وأنه مركب من القول ومن العمل نحب أن نأتي إلى عناصر الإيمان، ونذكر ما هو الأساس فيها الذي ترجع إليه جميع هذه العناصر.
سبق أن بينا أن عناصر الإيمان الأساسية هي: أولًا: تصديق القلب، وثانيًا: قول اللسان، وثالثًا: عمل القلب، ورابعًا: عمل الجوارح، ويمكن أن نعرف الأساس من هذه الأربعة من خلال حديث النبي ﷺ الذي ربط فيه بين ظاهر الإنسان وباطنه عندما قال ﷺ: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب).
فالعنصر الأساسي من عناصر الإيمان المؤثر في بقية العناصر: هو عمل القلب، فعمل القلب هو الذي يدفع اللسان للنطق وهو الذي يدفع الجوارح للعمل، فأساس الإيمان هو عمل القلب، والبقية التي تأتي بعده هي ترجع إليه في الحقيقة، وإن كان هذا المركب جميعًا يسمى الإيمان وهو حقيقة واحدة كما سبق أن بيناه.
ولهذا لا يتصور أهل السنة والجماعة أن يكون إنسان مؤمنًا في الباطن كافرًا في الظاهر أبدًا في حالة الاختيار، لا يتصور هذا؛ لأن العلاقة بين الباطن والظاهر علاقة تلازم وثيق؛ فقوله: (ألا وإن في الجسد مضغة) يعني: القلب، (إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)، ولا يمكن أن يوجد إنسان مؤمن في قلبه لكنه في ظاهره غير مؤمن إلا في حالة واحدة وهي حالة الإكراه، وحالة الإكراه حالة غير طبيعية، وليست هي الحالة الطبيعية في المجتمع وفي حالة الإنسان في وضعه الطبيعي، لكن يمكن أن يتصور إنسان يظهر العمل بالجوارح وهو كافر في الباطن، وهذه موجودة في صورة المنافق كما هو معروف، فإن المنافق يظهر الإسلام ويبطن الكفر في قلبه.
فأساس الإيمان هو عمل القلب؛ ولهذا ستلاحظون من خلال مناقشتنا للطوائف الضالة في هذه المسألة أننا نحاول أن نبين ما هو موقف هذه الطائفة من عمل القلب؟ فإذا عرفنا موقفها من عمل القلب نستطيع أن نحدد وجهتها وطريقتها ومنهجها.
[ ٤ / ٤ ]
مرجئة الفقهاء ومذهبهم في الإيمان
الفرق في هذه المسألة يمكن أن نذكرها كالآتي: أولًا: مرجئة الفقهاء: مرجئة الفقهاء هم فرقة ظهروا في الكوفة، وذلك بعد ظهور الخوارج وتكفيرهم للصحابة رضوان الله عليهم وتكفيرهم لعصاة المسلمين، فعند الخوارج أن الذي يرتكب الزنا كافر، والذي يأكل الربا كافر، والذي يشرب الخمر كافر، ولكن هذا خروج عن السنن والصراط المستقيم، ولأجل هذا ظهرت طائفة من الفقهاء في الكوفة أخرجت العمل عن مسمى الإيمان، وقالوا: إن الإيمان هو مجرد التصديق القلبي والإقرار باللسان فقط، فحصروا الإيمان عندهم في التصديق القلبي.
فما هي صورة التصديق القلبي؟ صورة التصديق القلبي هي: أنهم يثبتون أن الله صادق وما أخبر به صدق، يعني: مجرد تصديق بدون إذعان وبدون قبول وبدون رد وبدون أي عمل من الأعمال القلبية الأخرى، وإنما مجرد نسبة الصدق إلى الخبر أو المخبر، والمخبر هو الله أو الرسول، والخبر هو ما جاء عن الله أو جاء عن الرسول، فجعلوا الإيمان هو مجرد التصديق القلبي وإقرار اللسان فقط، وأخرجوا العمل عن مسمى الإيمان.
ومرجئة الفقهاء هؤلاء هم من أمثال حماد بن أبي سليمان رحمه الله تعالى، ومن أمثال أبي حنيفة ﵀ وغيرهم من فقهاء الكوفة الذين كانوا في تلك الفترة، لكن الشيء الذي يميز هؤلاء هو أنهم مع قولهم بأن العمل لا يدخل في مسمى الإيمان إلا أنهم كانوا يشددون في الالتزام بالعمل وينبهون الناس على ذلك ويكفرون من ترك العمل كله، أي: جنس العمل، يعني: من ترك العمل القلبي والعمل الظاهر يرون أنه كافر، وهذا القول اختلف هل قال به أبو حنيفة ﵀ أو لم يقل به؟ فيه خلاف كثير، لكن على كل حال ورد في التمهيد لـ ابن عبد البر أن أبا حنيفة ﵀ استدل عليه بعض الناس بحديث في أن العمل يدخل في مسمى الإيمان فسكت، فقيل له: لماذا لا تجيب؟ قال: كيف أجيب وهو يستدل علي بقول الرسول ﷺ؟ والمظنون به أن يرجع في مثل هذه المسألة.
وهذا القول الذي هو قول مرجئة الفقهاء لم يبق عليه أحد إلا أبو جعفر الطحاوي رحمه الله تعالى، وشارح العقيدة الطحاوية ابن أبي العز الحنفي رحمه الله تعالى، وهذا المذهب انقرض، وقد حاول ابن أبي العز الحنفي أن يقرب بين مذهب السلف الصالح رضوان الله عليهم وبين مذهب مرجئة الفقهاء، واجتهد في ذلك إلا أنه أخطأ في مواضع من شرحه للعقيدة الطحاوية.
والحقيقة أن مذهب مرجئة الفقهاء ليس هو مذهب السلف الصالح رضوان الله عليهم، فإن الذي يرجع -مثلًا- إلى كتاب (السنة) لـ عبد الله بن الإمام أحمد أو كتاب (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة) أو كتاب (الشريعة) للآجري يجد تشنيع السلف على الذين يخرجون العمل من الإيمان، وكان مقصود السلف رضوان الله عليهم بهذا التشنيع هم مرجئة الفقهاء، لأن المرجئة الحقيقيون أول ما بدءوا كانوا على طريقة جهم، وقد كان السلف يكفرون جهمًا أصلًا، ولهذا لا داعي بأن يشتغلوا بالرد عليه، وإنما اشتغلوا بالرد على مرجئة الفقهاء؛ لأنهم هم أقرب إلى العلم، وتأثيرهم في الناس أكثر، ولهذا تكلموا في هذه المسألة وأطالوا فيها، ويمكن لمن أراد مراجعة (السنة) لـ عبد الله بن الإمام أحمد أن ينظر إلى مدى إنكار السلف الصالح رضوان الله عليهم لهذه البدعة التي ظهر بها مرجئة الفقهاء.
[ ٤ / ٥ ]
الفرق بين مذهب السلف ومرجئة الفقهاء في الإيمان
الفرق بين مذهب السلف الصالح رضوان الله عليهم وبين مذهب مرجئة الفقهاء من عدة جوانب، منها: أولًا: أن مرجئة الفقهاء أخرجوا العمل عن مسمى الإيمان، وهذا في حد ذاته بدعة، وحتى لو كان إخراجهم للعمل عن مسمى الإيمان هو مجرد إخراج لفظي، فإن هذا في حد ذاته بدعة؛ لأن الإيمان مصطلح شرعي، والمصطلح الشرعي هذا جاءت به النصوص، فكونهم خالفوا النصوص ينطبق عليه قول النبي ﷺ: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد).
ثانيًا: أن مرجئة الفقهاء يقولون: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ولهذا سيأتي أن أبا جعفر الطحاوي ﵀ يقول: (والناس في أصله سواء)، يقول: الإيمان واحد؛ لأنه يرى أن حقيقة الإيمان هي التصديق، وأن الإيمان واحد والناس في أصله سواء، وسيأتي التعليق على هذه العبارة وبيان التناقض فيها إن شاء الله.
فأقول: إن السلف الصالح كانوا يقولون: إن الإيمان يزيد وينقص، بينما كان مرجئة الفقهاء لا يقولون: إن الإيمان يزيد وينقص.
ثالثًا: أن بعض مرجئة الفقهاء كان يقول: إيماني كإيمان جبرائيل وميكائيل، ويقصد بإيمانه: التصديق المجرد، فإن التصديق المجرد عندهم لا يزيد ولا ينقص، فتصديقه مثل تصديق جبرائيل، هكذا كان يقول.
أما السلف الصالح رضوان الله عليهم فإن أحدهم لا يقول: إن إيماني كإيمان جبرائيل وميكائيل.
فالفرق كبير بين الطائفتين في حقيقة الإيمان أصلًا، فهؤلاء يفهمونه على طريقة، وهؤلاء يفهمونه على طريقة أخرى.
[ ٤ / ٦ ]
أول من قال بالإرجاء
وإذا تجاوزنا مرجئة الفقهاء قليلًا نجد أن الجهم بن صفوان الذي قتله سلم بن أحوز والي خراسان كان قد ابتدع الإرجاء، وكان كما يقول بعض المؤرخين: أول من ابتدع الإرجاء، وقيل: إن أول من ابتدع الإرجاء هو غيلان الدمشقي القدري الذي سبق أن تحدثنا عنه، المهم أن مذهب الإرجاء ظهر باسم جهم بن صفوان، فلما ظهر الإرجاء باسم جهم بن صفوان كان حقيقة مذهب جهم بن صفوان في المسألة هو أن الإيمان مجرد المعرفة، يعني: أن يعرف الله ويعرف الرسول، فمن عرف ذلك يصبح مؤمنًا كامل الإيمان حتى لو لم يعمل شيئًا من أعمال القلب ولا أعمال الجوارح ولا نطق اللسان ولا شيء من هذه الأمور، بل مجرد أن يعرف، وإذا عرف حصل منه الإيمان وكفى، هكذا كان يقول جهم، وقد كفره السلف الصالح رضوان الله عليهم في قوله في الإيمان وفي قوله في الأسماء والصفات، ولهذا يقول عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: لئن أحكي كلام اليهود والنصارى خير لي من أن أحكي كلام الجهمية.
ويقصد بالجهمية: جهمًا وأتباعه الذين جاءوا من بعده مباشرة مثل بشر المريسي وابن السجزي وابن أبي دؤاد وأمثال هؤلاء.
[ ٤ / ٧ ]
مذهب الأشاعرة والماتريدية في الإيمان
ثم انقرضت الجهمية الأولى، فمن خلفهم؟ خلفهم الأشاعرة، فقد جاء الأشاعرة والماتريدية فوجدوا تراث الجهمية فأخذوه وقرروا أن الإيمان هو مجرد التصديق القلبي فقط، وأن العمل خارج عن دائرة الإيمان، ثم اختلفوا في قول اللسان: هل هو داخل في حقيقة الإيمان أو ليس بداخل في حقيقة الإيمان؟ وأكثرهم يقول: إنه ليس داخلًا في حقيقة الإيمان على أنه ركن، وإنما هو شرط لإجراء أحكام الإسلام الظاهرة، حتى إنه يقول بعضهم: إن الإنسان إذا لم يقل: لا إله إلا الله، يمكن أن يكون ناجيًا عند الله، لكن في الدنيا نتعامل معه على أنه غير مسلم، فيقول: إن قول: لا إله إلا الله، ليس شرطًا في حقيقة الإيمان بحيث نعتبر هذا الإنسان مؤمنًا عند الله أو ليس بمؤمن، وإنما حقيقة الإيمان عنده هو تصديق القلب، وأما إقرار اللسان فهو شرط لإجراء أحكام الظاهر على الناس بحيث إنه يمكن التمييز بين الكفار وبين المسلمين في الدنيا؛ لأن الأحكام نوعان: أحكام دنيوية، وأحكام أخروية عند الله ﷾، فإقرار اللسان عندهم شرط وليس بركن، وعندهم أن الشرط خارج الماهية، يعني: حقيقة الإيمان نفسه لا يدخل فيه قول اللسان، لكنه شرط خارج عنها، وهذا الشرط لابد منه لإجراء أحكام الظاهر وإن كان قد يكون عند الله ﷿ ناجيًا، كما نص عليه كثير منهم، وبهذه الطريقة أصبح الأشاعرة على سنن الجهمية وعلى طريقتهم.
كيف يدافع الأشاعرة إذا قيل لهم: أنتم جهمية في هذا الأمر؟ قالوا: هناك فرق بيننا وبين الجهمية، فإذا قلنا لهم: وما الفرق بينكم وبين الجهمية؟ قالوا: الجهمية يقولون: الإيمان هو المعرفة فقط، وإبليس يعرف الله، ونحن نقول: الإيمان هو التصديق، وهناك فرق بين التصديق والمعرفة.
لكن إذا جئت تحرر مذهبهم تجد أنه لا فرق بينهم وبين مذهب الجهمية، وإنما هو مذهب واحد؛ لأن التصديق الذي جاء به الأشاعرة ليس فيه قدر زائد على المعرفة، فإن التصديق هو مجرد الإخبار بأن كلام الله صدق، وأن كلام الرسول ﷺ صدق فقط، وهذا لا شك أنه هو نفسه مجرد معرفة كلام الله ومعرفة كلام النبي ﷺ.
وهم يحاولون أن يفرقوا، ويقولون: إننا نحن ننسب الصدق والجهمية لا ينسبون، لكن حقيقة قول جهم عندما قال: إن الإيمان هو المعرفة لا يقصد به مجرد المعرفة حتى مع التكذيب، وإنما كان يقصد المعرفة التي تدل على أن هذا إله وهذا رسول، ولا يمكن لأحد أن يعرف أن هذا إله وهذا رسول ثم يكذبه، لا يمكن هذا حتى من أصحاب الملل الأخرى، لكن قد يكذب أن يكون هذا إله في بداية الأمر، لكن أن يعتقد أنه إله ثم يكذبه هذا لا يوجد في الناس، كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
وبناءً على هذا نجد أن الأشاعرة والماتريدية لم يقولوا بدخول عمل الجوارح في مسمى الإيمان، ولم يقولوا بدخول عمل القلب في مسمى الإيمان، ولم يقولوا بدخول قول اللسان في مسمى الإيمان، وإنما حصورا الإيمان في مجرد التصديق فقط.
[ ٤ / ٨ ]
قول بعض المنتسبين إلى السنة بأن العمل شرط كمال في الإيمان
وأهل السنة كانوا يرون أن العمل ركن أساسي في الإيمان؛ بحيث يزول الإيمان بزواله، وسننقل نصوصًا كثيرة للسلف الصالح رضوان الله عليهم، وكيف أنهم يقولون: إنه لا ينفع أحدًا الإيمان بدون العمل، ولا يكون ولا يصلح ولا يحصل إلى غير ذلك من التعبيرات التي سيأتي نقلها عنهم إن شاء الله.
ووجدت طائفة في هذه العصور الأخيرة تقول: إن العمل شرط كمال فقط وليس ركنًا في الإيمان، ويقولون: إن العمل شرط كمال وليس ركنًا في الإيمان، واختلفوا مع السلف في مسألة: هل العمل يزول الإيمان بزواله أو لا يزول الإيمان بزواله؟ فقالوا: إن الإيمان لا يزول بزواله.
وهذه طائفة ليسوا من الأشاعرة ولا من الجهمية ولا من مرجئة الفقهاء وإنما هي طائفة تنتسب إلى السنة، قالوا: إن الإيمان لا يزول بزوال العمل؛ لأنه شرط كمال، ومن المعلوم أن الكمال إذا زال لا يزول نفس الشيء الذي عندهم وهو الإيمان، وهنا حصلت الخطورة.
[ ٤ / ٩ ]
بيان ما يترتب على الخلاف بين أهل السنة والمرجئة في الإيمان
وقد يقال: ماذا يترتب على الخلاف بين أهل السنة من جهة وبين هذه الفرق التي ذكرتها من جهة أخرى؟ وما هي الفائدة؟ ولو حصل خلاف ماذا يعني؟ القضية بسيطة: نحن نجتمع فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه، فلماذا نحدث مشكلة؟ ولماذا نحدث تفرقًا في الناس؟ ولماذا نقول: هذا قول السلف وهذا قول الجهمية وهذا قول الأشاعرة وهذا قول كذا؟ لماذا لا نجمع الناس كلهم وهذه أقوال بسيطة اجتهادية اختلفوا فيها والقضية سهلة جدًا؟ فنقول: ببيان الأثر يتبين أن القضية ليست بسيطة، وأن القضية خطيرة، فماذا يترتب على خلاف هؤلاء للسلف الصالح في مسمى الإيمان؟ يترتب عليه ما يلي:
[ ٤ / ١٠ ]
مخالفة المرجئة للسلف في مصطلح شرعي
أولًا: أنهم خالفوا السلف في مصطلح شرعي دلت النصوص على تفسيره، فالنصوص الشرعية فسرت الإيمان وجعلت العمل منه، فأقوال هؤلاء جميعًا مناقضة لهذه النصوص التي فسرت الإيمان، وهذا كما سبق أن ذكرته في حد ذاته بدعة خطيرة تكون مناقضة للعقيدة؛ لأنكم تعلمون أن البدع خط آخر غير خط السنة، كما قال النبي ﷺ: (ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة) فلما سئل عنها قال النبي ﷺ: (من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)، فهذه الفرق من أمة الإسلام؛ لقوله: (ستفترق هذه الأمة) وفي لفظ: (ستفترق أمتي) فهم المسلمون الذين يقول الله ﷿ عنهم: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود:١١٨ - ١١٩] ثم بين أن الناجية واحدة وهي أهل السنة، فالفرق هذه كلها ليست ناجية، وهذا لا شك أنه أثر خطير من آثار هذه المسألة.
[ ٤ / ١١ ]
انتشار الفسق والفجور والمعاصي
الأثر الثاني: أنه انتشر الفسق والفجور في الناس وانتشرت كثير من المعاصي؛ بسبب حصر الإيمان في مجرد التصديق، ولهذا أصبح كثير من الناس يعمل الذنوب ويعمل المعاصي ويعمل الفجور ويعمل الكبائر، فإذا سئل قال: التقوى هاهنا وأشار إلى صدره، يعني: الإيمان هاهنا؛ الإيمان في القلب، ولهذا هم عندما حصروا الإيمان في القلب جعلوا العبد كامل الإيمان لمجرد تصديقه.
ولهذا كما ذكر أكثر من واحد من أهل العلم أنه بسبب ضلال المرجئة في مسألة الإيمان انتشرت الذنوب والمعاصي والفجور في حياة الأمة، وقد كانت الأمة قبل ذلك تخاف من هذه الذنوب وتخاف من هذا الفجور وتهرب منه، لكن المرجئة عندما فسروا الإيمان بأنه مجرد التصديق وصار كثير من المسلمين على هذا فحينئذٍ رأوا أن القضية سهلة وبسيطة، وأن الله غفور رحيم، وانتشرت الذنوب بهذه الطريقة، ولاشك أن الذين قالوا: إن الإيمان هو مجرد التصديق، ولم يقولوا: إن الذنوب حلال، ولم يقولوا: أيها الناس! افعلوا الذنوب، لكن من الناحية الاجتماعية عندما تقرر هذه الفرق هذه العقيدة وتنشرها في الناس وتدافع عنها الناس يفهمون أن الإيمان هو التصديق وحينئذٍ يتساهلون عمليًا في الذنوب وفي المعاصي.
[ ٤ / ١٢ ]
حصر المرجئة للكفر بالتكذيب
الأمر الثالث الذي يترتب على هذه القضية: أن الكفر عند هذه الفرق أصبح محصورًا بالتكذيب، فأولًا الإيمان نقيضه الكفر، والإيمان عندهم هو التصديق، والكفر عندهم هو التكذيب فقط، فكما أن الإيمان هو التصديق فقط فالكفر هو التكذيب فقط، بينما أهل السنة يقولون: الإيمان قول وعمل، والكفر كذلك قولي وعملي، وحينئذٍ اختلفت هذه الطوائف مع أهل السنة في قضايا كثيرة، فأهل السنة يقولون: هذا كفر، وهم يقولون: لا، ليس بكفر، وحينئذٍ أدخلوا طائفة كبيرة من المرتدين في الإسلام؛ بسبب هذا القول الذي جاءوا به.
فمثلًا: قالوا: الذي يتولى عن الطاعة ولا يصلي ولا يصوم ولا يحج ولا يزكي ولا يخاف ولا يرجو هل هذا مسلم؟ عندهم مسلم، لكن عند أهل السنة هذا مشرك كافر ليس بمسلم، وحينئذٍ يختلفون في مثل هؤلاء.
وأكبر قضية اختلفوا فيها هي قضية الصلاة، فأهل السنة يرون أن تارك الصلاة ليس بمؤمن وأنه كافر في الدنيا وفي الآخرة إذا ترك الصلاة تركًا كليًا، بينما يرى المرجئة أنه مسلم، وأنه مؤمن كامل الإيمان؛ لأنه مصدق، وإنما غاية ما هنالك أنه ترك الصلاة، فانظروا ما يترتب على هذا في المجتمع؟ يترتب على هذا في المجتمع: أن أهل السنة يعتبرون كل من ترك الصلاة كافر، ويتعاملون معه تعامل الكفار، ويستتيبونه فإن تاب وإلا قتل، وحينئذٍ كثير من هؤلاء الذين يتركون الصلاة في ميزان أهل السنة كفار، وفي ميزان المرجئة مسلمون، وهذا خلاف شنيع وليس خلافًا سهلًا.
واختلفوا كذلك في قضايا الواقع المعاصر، فمثلًا: اختلفوا في القوانين الوضعية، والقوانين الوضعية جاءت لما ابتلي أهل الإسلام في الأزمان المتأخرة باستيلاء الكفار على بلاد المسلمين عسكريًا وعمليًا، وأصبح الكفار هم الذين يديرون شئون المسلمين، وجاءوا بقوانينهم، وجاءوا بدساتيرهم، وقرروها على المسلمين، ثم لما خرجوا خروجًا صوريًا وبقيت كثير من دساتيرهم وقوانينهم في حياة المسلمين اختلف فيها الإسلاميون: ما حكم هذه القوانين؟ وما حكم تطبيقها على الناس؟ أما أهل السنة فقالوا: هي كفر بالله رب العالمين، والسبب في ذلك: أنها مناقضة للعمل ومناقضة للالتزام بالإيمان بالله ﷿، فالله ﷿ كما له الخلق له الأمر، والأمر الذي له أمر كوني وأمر شرعي، فالذي يسن للناس الشرائع والذي يقرر لهم قواعد التعامل في حياة الناس هو الله ﷿، فإذا جاء أحد وقال: لا؛ الذي يسن للناس الشرائع هو أنا، وأطاعه قوم فقد اتخذوه ربًا، نحن كما قال الله ﷿: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١] جاء تفسيرها في حديث عدي بن حاتم -وإسناده حسن حسنه الشيخ الألباني - لما سأل النبي ﷺ وقال له: يا رسول الله! نحن لا نعبدهم، فقال: (أفلا يحلون لكم الحرام فتتبعونهم؟ قال: بلى، قال: ألا يحرمون عليكم الحلال فتتبعونهم؟ قال: بلى، قال: فتلك عبادتهم)، فهذا هو الحاصل في القوانين الوضعية، فمثلًا: الله ﷿ يشرع حكم الزنا سواء للمتزوج أو لغير المتزوج فيأتي هذا ويلغي هذا الحكم، ثم يشرع للناس حكمًا جديدًا ويطبقه عليهم ويلزمهم بالتعامل معه.
وأقول: اختلف في هذه القضية الحساسة والخطيرة أهل السنة من جهة والمرجئة من جهة أخرى، فأهل السنة قالوا: هذا كفر، والمرجئة قالوا: هذا ليس بكفر؛ لأن الذي عمل هذا العمل ليس بمكذب، ولا يكون الإنسان عندهم كافرًا إلا إذا كذب الله مباشرة، فإذا كذب الله فيكون كافرًا، وأما إذا كان مصدقًا يقول: الله حق والرسول حق، لكن غير شرائع الناس وألزمهم بشرائع كفرية فعندهم لا يكفر ما دام أنه مصدق، وهذه القضية من أخطر القضايا التي يواجهها كثير من المسلمين.
[ ٤ / ١٣ ]
إخراج المرجئة لتوحيد الألوهية من أقسام التوحيد بناءً على إخراجهم العمل من الإيمان
وهناك قضية أخطر من هذه القضية، وهذه القضية هي أن الإيمان يدخل فيه التوحيد، والإيمان كما قلنا: قول وعمل، والتوحيد داخل فيه، كما هو معلوم.
والتوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام باعتبار، وإلى قسمين باعتبار آخر، فهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام باعتبار النظر إلى الله ﷿، وحينئذ يقسم إلى: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.
ويقسم إلى قسمين بالنظر إلى العبد، فهو ينقسم إلى قسمين: توحيد المعرفة والإثبات، وتوحيد القصد والطلب.
وإذا جئنا للمقارنة بين الإيمان وبين التوحيد نجد أن الإيمان هو التوحيد، فالإيمان قول وعمل، والتوحيد قول وعمل، الإيمان قول؛ لأن فيه تصديق القلب وإقرار اللسان، والتوحيد قول؛ لأن فيه الإيمان بربوبية الله ﷿ والإيمان بأسمائه وصفاته، وهذه مطابقة لهذه، فالإيمان عمل بالجوارح وعمل بالقلب، وكذلك التوحيد عمل بالجوارح وعمل بالقلب.
وتوحيد الألوهية: هو التأله لله ﷾ بالخوف والرجاء والحب والصلاة والصيام وأعمال الجوارح، وهذه هي حقيقة العمل في الإيمان، يعني: هذه هي نفسها العمل في الإيمان؛ إذا جئت تعرف العمل في الإيمان تجد أنه هو توحيد الألوهية، فهما شيء واحد، ولهذا لما ضلت المرجئة في الإيمان فأخرجت العمل عن الإيمان أخرجت كذلك توحيد الألوهية عن التوحيد، وحينئذٍ وقعت المصيبة، فلما أخرجوا توحيد الألوهية -وهو إفراد الله ﷿ بالعبادة- عن التوحيد، ترتب على هذا أنهم فسروا لا إله إلا الله بتفسير بدعي ما كان يعرفه السلف الصالح رضوان الله عليهم، فقالوا: لا إله إلا الله، يعني: لا خالق إلا الله، وإله: فسروه بأنه هو القادر على الاختراع؛ وفسروا الإله بأنه القادر على الاختراع من أجل أن يخرجوا من الجانب العملي في التوحيد، ومن أجل أن يفسروا الإيمان بالتصديق فقط، فإنك إذا قلت: لا خالق إلا الله، يصير المطلوب من العبد هو أن يعتقد أنه لا خالق إلا الله فقط، لكن إذا فسرت الإله بأنه المعبود المألوه المحبوب، وهكذا فإن هذا يحتاج من العبد إلى عمل، وهي المحبة والتأله والخوف والرجاء الذي ينتج عنه أعمال الجوارح مثل: الكف عن الذنوب والمعاصي، ومثل: الإقبال على الطاعات والجهاد في سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما يتبع ذلك من أعمال صالحة.
فأقول: لما أخرج المرجئة العمل من الإيمان أخرجوا كذلك توحيد الألوهية من التوحيد، واضطروا لتفسير الإله وقول: لا إله إلا الله بمعنى يوافق قولهم في مسألة الإيمان، فقالوا: إنه لا قادر على الاختراع إلا الله، وإن المطلوب من العبد هو مجرد أن يعتقد أن الخالق هو الله وحده لا شريك له فقط، وحينئذٍ يكون موحدًا.
[ ٤ / ١٤ ]
ادعاء المرجئة أن الاستغاثة بغير الله والذبح والنذر لغير الله والطواف حول القبور ونحوها ليست شركًا
وترتب على هذه القضية أن هؤلاء لا يرون الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك؛ لأنهم يقولون: إن المستغيث بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله يعتقد أن الله خالق ورازق، وإذا كان كذلك فقد جاء بالتوحيد وجاء بالإيمان.
وترتب على هذا أن الذبح -والذبح عمل- لغير الله ليس بشرك عندهم، وترتب على هذا أن النذر لغير الله ليس بشرك، وترتب على هذا أن الطواف حول القبور ليس بشرك، وقد صرح بهذه القضية علماء المرجئة، وهم علماء الكلام في زمان الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، وحصلت المصادمة الشديدة بين أهل السنة من جهة والمرجئة من جهة أخرى في زمن الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
وكان الصدام قديمًا بين أهل السنة من جهة والمرجئة من جهة صدامًا علميًا، وكان يحصل بينهم الصدام في كثير من الأشخاص، فمثلًا: ابن عربي هل هو مسلم أو ليس بمسلم؟ والحلاج هل هو مسلم أو ليس مسلم؟ وتجد أن علماء أهل السنة يخرجونهم من الإسلام بكفرياتهم، بينما علماء الكلام من الأشاعرة والمرجئة هؤلاء لا يخرجونهم من الإيمان؛ لأنهم مصدقون عندهم.
والشيخ محمد بن عبد الوهاب كانت دعوة عملية مارس فيها الجهاد، ومارس فيها أحكامه، ومارس فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عمليًا، فتصادم مع هؤلاء، ولهذا اتهموه بأنه من الخوارج، واتهموه بأنه يكفر المسلمين، وهذه الاتهامات ما جاءت عن فراغ، ولم يتهموا الرجل مباشرة، وإنما اتهموه لأنه يخالف عقائدهم؛ فهو يرى أن التوحيد قول وعمل، وهم يرون أن التوحيد قول فقط، وأن التوحيد تصديق بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت والتصديق بأسمائه وصفاته على عقيدتهم التي يعتقدون، لكن العمل ليس داخلًا في التوحيد كما أنه خارج عن الإيمان، وكما صرحوا بأن العمل خارج عن الإيمان كذلك صرحوا بأن العمل خارج عن التوحيد، فهم مرجئة في الإيمان ومرجئة في التوحيد، فتصادموا مع الشيخ وقالوا: هذا من الخوارج، وهذا يكفر المسلمين، وهذا أدخل في المكفرات ما ليس منها، وقالوا: إن هذا حروري، يعني: نسبة إلى حروراء، وهي قرية خرج منها الخوارج في بداية أمرهم.
ولا يزال الخلاف قائمًا إلى اليوم بين أهل السنة الذين هم أتباع الدعوة السلفية وبين هؤلاء المتصوفة والأشاعرة، ما زال الخلاف قائمًا إلى اليوم في هذه المسألة، ويمكن أن أضرب لكم نماذج في الخلاف في زمن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ يرى أن الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك، ويرى -مثلًا- أن قول: مدد يا عبد القادر شرك، والشرك معناه: أن صاحبه يخرج من الإسلام، يعني: يكفر؛ لأن الكفر والشرك بابان لحقيقة واحدة، وكلاهما يجتمعان في مكان واحد وهو الخروج عن الإسلام.
فالشيخ محمد بن عبد الوهاب يقول: الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك، ويقول الشيخ: إن قول: مدد يا عبد القادر! أو ممارسات الصوفية الموجودة في طبقات الشعراني مثلًا أو الموجودة في كتبهم السابقة من استغاثة بغير الله وطلب المدد وطلب مغفرة الذنوب من الرسول ﷺ أو من أحد من الصالحين والأولياء يقول الشيخ: هذا شرك يخرج عن الإسلام، وصاحبه تقام عليه الحجة فإن أبى وعاند يقاتل مقاتلة الكفار.
وأما المرجئة فيقولون: لا، هؤلاء مسلمون، وهؤلاء ليسوا كفارًا، ولهذا صنف أحدهم -وهو يوسف بن إسماعيل النبهاني، وهو من أئمتهم في بلاد الشام في تلك الفترة- كتابًا سماه: (شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق) وحشد فيه من الاستغاثات بالرسول ﷺ ما يدل على أنه أكبر مشرك، وهذا لاشك فيه، وقد رد على النبهاني الشيخ: محمود شكري الألوسي في كتاب سماه (غاية الأماني في الرد على النبهاني) وطبع الكتاب أول ما طبع باسم مستعار باسم عبد الله السندي؛ لأنهم كانوا في تلك الفترة في زمن الدولة العثمانية، وكانت الدولة العثمانية حامية لمثل هؤلاء ومدافعة عنهم؛ لأنها كانت على طريقة الماتريدية وعلى طريقة أئمة الصوفية في تلك الفترة، لاسيما أواخر الدولة العثمانية، فكتبه بالبداية باسم مستعار، ثم بعد ذلك لما سنحت له الفرصة أخرجه باسمه الصريح، وهو كتاب مطبوع وموجود الآن اسمه (غاية الأماني في الرد على النبهاني).
وكذلك ألف أحمد زيني دحلان -وقد كان مفتي الشافعية في مكة- كتابًا سماه: (الدرر السنية في الرد على الوهابية) والدرر السنية هذا الذي هو في الرد على الوهابية رد عليه أيضًا أحد أهل السنة بكتاب سماه (صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان) وهو كتاب مطبوع وموجود، وهؤلاء يدعون إلى هذه العقيدة التي سبق أن ذكرناها والتي فيها أن الذبح لغير الله ليس شركًا عندهم، والنذر
[ ٤ / ١٥ ]
رد قول من يقولون بأن العمل شرط كمال في الإيمان
وبقي أن نبين قضية مهمة جدًا وهي قضية أن بعض المنتسبين إلى السنة قالوا: إن العمل شرط كمال وليس ركنًا في الإيمان، وقد ترتب على هذه القضية أنهم يعتبرون القوانين الوضعية ليست كفرًا مخرجًا عن الملة إلا إذا استحلها سواء المشرع أو الحاكم أو الراضي بها إذا كان محكومًا.
وهذه القضية التي هي قضية أن العمل هل هو ركن أساسي في الإيمان أو أنه شرط كمال من الإيمان قضية محسومة كانت عند السلف الصالح رضوان الله عليهم لكن كثيرًا ممن كتب في هذه المسألة من أهل السنة أو بعض هؤلاء كتبوا وهم تحت ضغوط الواقع، ولهذا أصبح بعضهم يردد دعاوى المرجئة وهو لا يشعر، فمثلًا: أنا اطلعت على كتاب لرجل من أهل السنة اسمه (إحكام التقرير في أحكام التكفير)، ضبط الكفر بأنه التكذيب بالله أو بالرسول ﷺ فقط، وهذه قضية لا شك يا إخوان أنها خطيرة؛ فإنه إذا ضبط الكفر بأنه التكذيب يصير هذا فيه موافقة للمرجئة، وأنا أعلم أن مثل هؤلاء من أهل السنة لا يقولون: إن الطواف حول القبور ليس من الشرك، وإنما هم يدعمون دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في هذه القضية، ويقولون: إن الطواف حول القبور شرك، وإن النذر لغير الله شرك، ويقولون بأن العمل من الإيمان على اعتبار أنه شرط كمال وليس ركنًا فيه، ويقولون: إن الإيمان يزيد وينقص، لكن عندهم مشكلة في مسألة القوانين الوضعية، ولهذا ترتب على هذه القضية أنهم جعلوا العمل شرط كمال، وأنه لا يزول الإيمان بزواله.
[ ٤ / ١٦ ]
أقوال السلف بأن العمل ركن في الإيمان
ويمكن أن أذكر نصوصًا لأئمة السلف السابقين التي تدل على أنهم كانوا يقولون بأن الإيمان يزول إذا زال العمل، وهؤلاء لاشك أنهم كما قلت عندهم اضطراب، فصاحب (إحكام التقرير) وأمثاله عندهم اضطراب في مسألة العمل، يعني: لا يميزون بين عمل القلب وعمل الجوارح، فتجده يقول: العمل شرط كمال، وإذا سألته: ماذا تقصد بالعمل الذي هو شرط كمال؟ هل تقصد عمل القلب؟ فإنه لا يقول أحد من السلف: إن عمل القلب شرط كمال أبدًا، ولا يقول بأن عمل القلب شرط كمال إلا مرجئي، بل إن طوائف الإرجاء السابقة قبل ظهور الجهم وقبل أخذ الأشاعرة لعقيدة الجهم ما كانوا يقولون بأن عمل القلب شرط كمال، لكنهم اضطربوا في هذه المسألة، وبعضهم استعجل، وبعضهم لم يحرر القضية ولم يعطها حقها من البحث والتتبع.
يقول الفضيل بن عياض: لا يصلح قول إلا بعمل.
رواه عبد الله بن الإمام أحمد في (السنة) وروى مثله عن محمد بن مسلمة الطائفي وسفيان الثوري.
ويقول سفيان بن عيينة: الإيمان قول وعمل أخذناه ممن قبلنا قول وعمل، وأنه لا يكون قول إلا بعمل.
فانظروا إلى هذه التعبيرات: لا يصلح، لا يكون، ولو كان شرط كمال فلن يعبر عنه بهذه التعبيرات القوية: لا يصلح، لا يكون، لا يقبل، وهكذا.
ويقول الأوزاعي: لا يستقيم الإيمان إلا بالقول، ولا يستقيم الإيمان والقول - والقول يشمل قول القلب وقول اللسان، يعني: تصديق القلب وقول اللسان- إلا بالعمل، ولا يستقيم الإيمان والقول والعمل إلا بنية موافقة للسنة.
وهذه الأقوال كلها مخرجة في (الشريعة) للآجري وفي (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) للالكائي، وفي (السنة) لـ عبد الله بن الإمام أحمد، لكن للاختصار لا داعي أن نذكر التخريجات.
ويقول الحسن البصري: الإيمان كلام وحقيقته العمل، فإن لم يحقق القول بالعمل لم ينفعه القول.
ويقول الآجري ﵀ تعليقًا على أثر الحسن هذا: وأنا بعد هذا أذكر ما روي عن النبي ﷺ، وعن جماعة من أصحابه، وعن كثير من التابعين: أن الإيمان تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح، ومن لم يقل عندهم بهذا فقد كفر.
كذلك بوّب ابن بطة العكبري ﵀ في كتابه (الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية) بابًا بعنوان: باب بيان الإيمان وفرضه وأنه تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح والحركات؛ لا يكون العبد مؤمنًا إلا بهذه الثلاثة.
ويقول ابن بطة أيضًا: قد تلوت عليكم من كتاب الله ﷿ ما يدل العقلاء من المؤمنين أن الإيمان قول وعمل، وأن من صدق بالقول وترك العمل كان مكذبًا وخارجًا من الإيمان، وأن الله لا يقبل قولًا إلا بعمل ولا عملًا إلا بقول.
[ ٤ / ١٧ ]
مناقشة الإمام أبي ثور للمرجئة
ويمكن أن ننقل هنا أثرًا لـ أبي ثور رحمه الفقيه المشهور ناقش فيه المرجئة مناقشة لطيفة جدًا ورائعة، قال ﵀: فأما الطائفة التي زعمت أن العمل ليس من الإيمان -يعني: المرجئة- فيقال لهم: ما أراد الله ﷿ من العباد إذ قال لهم: (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) إلا الإقرار بذلك أو الإقرار والعمل؟ ويعتقد المرجئة أن مجرد الإقرار بالصلاة والصيام والحج والزكاة إيمان حتى ولو لم يعمل منها أي شيء، وأن الإقرار بالخوف من الله ونحو ذلك إيمان حتى ولو لم يعمل أي شيء، ويمكن أن نبطل دليلهم هذا بقصة الحبرين اللذين جاءا إلى النبي ﷺ فرأيا ما عنده وعرفا أنه رسول الله فقالا: إنك رسول الله، أو قالا: نشهد أنك رسول الله، فقال لهما رسول الله ﷺ: (وما يمنعكما أن تتبعاني؟) قالا: تقتلنا يهود، فقوله ﷺ: (ما يمنعكما أن تتبعاني؟) دليل على أنه لا يكفي مجرد الشهادة، بل لابد من عمل ولابد من اتباع؛ ولهذا لم تنقلهم هذه الشهادة إلى الإسلام، بل بقوا على اليهودية وعلى حالهم كما كانوا.
ويدل على هذا أيضًا قصة هرقل التي رواها البخاري في كتاب الوحي من حديث ابن عباس أنه لما سأل أبا سفيان وأجابه أبو سفيان في سؤالات طويلة يمكن مراجعتها في كتاب بدء الوحي في أول صحيح البخاري، وذلك عندما جمع الروم في دسكرة واحدة قال لهم: هل لكم في النجاح؟ هل لكم في الفلاح؟ إنه رسول الله، يعني: عرف أنه رسول الله وأيقن في نفسه أنه رسول الله، فحاص الروم كما تحيص الحمر، واتجهوا إلى الأبواب ووجدوها موصدة مغلقة، فقال لما يئس من إسلامهم: ردوهم علي، ولما صار عنده تعارض بين الإسلام أو الملك قدم الملك ورجحه على الإسلام، وترجيحه في ذلك فاسد.
المهم أنه لما يئس من الإسلام قال: ردوهم علي، ثم قال لهم: إنما كنت أختبر التزامكم بدينكم! وقال للقرشيين: والله! إنه رسول الله، وإنه سيملك موضع قدمي هاتين، حتى إنه قال أحد هؤلاء القرشيين: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة، يعني: الرسول ﷺ، يعني: لقد عظم حتى صارت ملوك الروم تخافه، فاستغرب من ذلك، وهذا يدل على أن الرجل كان موقنًا، لكن ما نفعه يقينه ما دام أنه لم يعمل بقلبه وبجوارحه.
قال أبو ثور: فإن قالت -يعني: هذه الطائفة-: إن الله أراد الإقرار ولم يرد العمل فقد كفرت عند أهل العلم.
يعني: فقد كفر عند أهل العلم من قال: إن الله لم يرد من العباد أن يصلوا وأن يؤتوا الزكاة.
قال: فإن قالت: أراد منهم الإقرار والعمل، قيل: فإذا أراد منهم الأمرين جميعًا، لم زعمتم أنه يكون مؤمنًا بأحدهما دون الآخر وقد أرادهما جميعًا؟ أرأيتم لو أن رجلًا قال: أعمل جميع ما أمر الله ولا أقر به، أيكون مؤمنًا؟ فإن قالوا: لا، قيل لهم: فإن قال: أقر بجميع ما أمر الله به ولا أعمل منه شيئًا أيكون مؤمنًا؟ فإن قالوا: نعم، قيل لهم: ما الفرق؟ وقد زعمتم أن الله ﷿ أراد الأمرين جميعًا، فإن جاز أن يكون بأحدهما مؤمنًا إذا ترك الآخر جاز أن يكون بالآخر إذا عمل ولم يقر مؤمنًا، ولا فرق بين ذلك، فإن احتج فقال: لو أن رجلًا أسلم فأقر بجميع ما جاء به النبي ﷺ أيكون مؤمنًا بهذا الإقرار قبل أن يجيء وقت العمل؟ قيل له: إنما نطلق له الاسم بتصديقه وبقوله أنه يعمله في وقته إذا جاء، وليس عليه في هذا الوقت إلا الإقرار بجميع ما يكون به مؤمنًا، ولو قال: أقر ولا أعمل، لم نطلق له اسم الإيمان.
يعني: اعترضوا بشبهة وقالوا: إذا قال الإنسان: أنا أقر لكنني لا أعمل، هل يكون مؤمنًا؟ وذكر هذه الشبهة أبو عبيد القاسم بن سلام في (الإيمان) ورد عليها؛ لأنهم يحتجون ويقولون: العمل ليس من الإيمان، والدليل على أن العمل ليس من الإيمان أن الصحابة رضوان الله عليهم كانت هناك فروض وأعمال كثيرة ما كانوا يعملونها في المرحلة المكية، وبناءً على هذا يصبح العمل ليس من الإيمان، وهذا قول فاسد، ودليل فساده هو: أن الصحابة عندما أقروا بنبوة الرسول ﷺ وأقروا بالتوحيد لله ﷿ أقروا بما يأتي عنهما من عمل في وقته إذا جاء، فلم يتضمن هذا الإقرار الإباء والامتناع عن العمل، وإنما تضمن الخضوع للعمل إذا أمروا به في أي وقت من الأوقات، وقد أمروا بعد ذلك فالتزموا، فهذا لاشك أنه قول فاسد من أقوال المرجئة، وهذا رواه اللالكائي في (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)، وذكره أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
[ ٤ / ١٨ ]
تكفير السلف لتارك العمل بالكلية
ومما يوضح أن العمل ركن أساسي في الإيمان: أن السلف رضوان الله عليهم كفروا من ترك العمل، فالذي يترك العمل عند السلف كافر، فلو كان شرط كمال ما كان يترتب عليه كفر، لكن هذا يدل على أنه ركن أصلي في الإيمان، ولهذا إذا ترك يكفر.
قال سفيان بن عيينة عن الإرجاء: يقولون -يعني: المرجئة-: الإيمان قول، ونحن نقول: الإيمان قول وعمل.
والمرجئة أوجبوا الجنة لمن شهد أن لا إله إلا الله مصرًا بقلبه على ترك الفرائض، وسموا ترك الفرائض ذنبًا بمنزلة ركوب المحارم، وليسا بسواء؛ لأن ركوب المحارم من غير استحلال معصية، وترك الفرائض -يعني: جميعًا: فرائض القلب وفرائض الجوارح- تعمدًا من غير جهل ولا عذر كفر، وبيان ذلك في أمر آدم صلوات الله عليه وإبليس وعلماء اليهود: أما آدم فنهاه الله ﷿ عن أكل الشجرة وحرمها عليه فأكل منها متعمدًا ليكون ملكًا أو يكون من الخالدين، فسمي عاصيًا من غير كفر.
وأما إبليس لعنه الله فإن الله فرض عليه سجدة واحدة فجحدها متعمدًا، فسمي كافرًا.
وأما علماء اليهود فعرفوا مبعث النبي ﷺ وأنه نبي رسول كما يعرفون أبناءهم وأقروا به باللسان ولم يتبعوا شريعته، فسماهم الله ﷿ كفارًا.
فركوب المحارم مثل ذنب آدم ﵇ وغيره من الذنوب، وأما ترك الفرائض جحودًا فهو ككفر إبليس لعنه الله، وتركها على معرفة من غير جحود هو كفر مثل كفر علماء اليهود.
وهذا رواه عبد الله بن الإمام أحمد في (السنة) وإسناده صحيح.
ويقول الحميدي ﵀: أخبرت أن قومًا يقولون: إن من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج ولم يفعل من ذلك شيئًا حتى يموت أو يصلي مسندًا ظهره مستدبر القبلة حتى يموت فهو مؤمن ما لم يكن جاحدًا إذا علم أن تركه ذلك في إيمانه إذا كان يقر الفروض واستقبال القبلة.
يعني: ما دام أنه يقر أن الله أوجب عليه هذه الفروض حتى ولو لم يعملها، حتى ولو أسند ظهره للقبلة ولم يصل إليها وصلى إلى أي قبلة أخرى، فعندهم ليس بكافر ما دام أنه مقر بالفروض.
يقول: فقلت: هذا الكفر بالله الصراح، وخلاف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وفعل المسلمين، قال الله ﷿: ﴿حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥] رواه الخلال في (السنة).
وبهذا يتبين لنا أن العمل ركن أساسي في الإيمان يزول الإيمان بزواله وليس بشرط كمال كما يردد البعض، فإن القول بأنه شرط كمال قريب من قول المرجئة إن لم يكن هو حقيقة قول المرجئة، لكن نعلم أن مثل هؤلاء الذين قالوا بهذا القول لا يقصدون قول المرجئة ولا يعتقدونه، فإنهم يقولون: إن العمل داخل في الإيمان، ويقولون كذلك: إن الإيمان يزيد وينقص، وعندهم الطواف حول القبور والنذر لها والذبح لها شرك بالله رب العالمين.
وإنما أحببت أن أبين هذا القول والرد عليه؛ لانتشاره ورواجه عند بعض الدعاة وبعض المصلحين في هذا الوقت بالذات بسبب الخلاف في مسألة القوانين الوضعية هل هي كفر أو ليست بكفر؟ والحقيقة: أن مذهب أهل السنة في هذه القضية واضح، وهو: أن القوانين الوضعية كفر مخرج عن الإسلام؛ لأن ذلك تولٍ عن الالتزام بشريعة الله ﷿ وإعراض عن الشريعة وتبديل لأحكام الدين وتغيير لأحكام الشريعة، ولاشك أن صاحب الأمر في هذا هو الله ﷿، ولا يصح لأحد أن يدعي أنه صاحب أمر في هذه القضية ويلزم الناس باتباعها، وكما ذكر الله ﷿ عن عامة اليهود أنهم اتخذوا علماءهم واتخذوا عبادهم أربابًا من دون الله بسبب طاعتهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال.
أسأل الله ﷿ أن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح.
[ ٤ / ١٩ ]
الأسئلة
[ ٤ / ٢٠ ]
حكم تارك الصلاة
السؤال
أنت قلت: إن تارك الصلاة عند أهل السنة كافر بالإجماع، ولكن قرأتُ أن تارك الصلاة له حالتان: إما أن يتركها جحدًا بوجوبها وكفرًا بها فذاك كافر، وإما أن يتركها تهاونًا وتكاسلًا ففيه قولان: يكفر ولا يكفر، والراجح هو الأول؟
الجواب
مسألة الصلاة هي من أهم المسائل؛ لأنها متعلقة بمسألة الإيمان، وأهل السنة ﵏ مجمعون على تكفير تارك الصلاة، وقد أجمع الصحابة رضوان الله عليهم على أن تارك الصلاة كافر، كما روى ذلك شقيق عندما أخبر أن الصحابة رضوان الله عليهم ما كانوا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة، فانعقد الإجماع في زمن الصحابة رضوان الله عليهم واتفقوا على أن ترك الصلاة كفر، وهو مجرد ترك؛ أما إذا انضاف إليه الجحد فهذا كفر بالإجماع حتى عند أهل البدع، ولكن الكلام في الترك المجرد عن الجحود.
أقول: هذا مما أجمع عليه الصحابة رضوان الله عليهم، فإذا وجد مخالف بعد الصحابة رضوان الله عليهم فلا يعتبر خلافه خرقًا للإجماع مادام أن الإجماع سبق، وقد اتفقوا على ذلك، ولهذا نص شيخ الإسلام ﵀ في كتابه (الإيمان) على أن الذين قالوا بأن ترك الصلاة ليس بكفر جاءتهم شبهة من المرجئة، وقد ذكر ذلك ﵀ في (الإيمان)، فالراجح كما قلت هو: أن ترك الصلاة كفر بالله رب العالمين، وهو مخرج من الإسلام بإجماع الصحابة رضوان الله عليهم، ولا يخرق الإجماع ما حصل من الخلاف بعده.
[ ٤ / ٢١ ]
مدى صحة الاستدلال بحديث الجهنميين على عدم كفر تارك الصلاة
السؤال
قرأت: أنه عندما يقضي الله ﷾ بين الخلق فيدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، أن الله ﷾ يخرج من النار من كان في قلبه ذرة من إيمان، وأن تارك الصلاة تهاونًا وكسلًا كذلك إذا كان يؤمن بالله وبرسوله ولكنه متكاسل، فهل يصح أن نكفره؟
الجواب
الحديث الوارد في ذلك حديث صحيح، ويسمى بحديث الجهنميين، وقد كنت أحب أن أعرض له أثناء الدرس، لكن لم نستطع أن نعرض ذلك، فحديث الجهنميين رواه مجموعة من الصحابة منهم أبو سعيد الخدري ﵁، ومنهم أبو هريرة وغيرهم ممن رووا حديث الجهنميين، وحديث الجهنميين رواه البخاري ومسلم والإمام أحمد في المسند، وروي بألفاظ متعددة، فمن الألفاظ التي روي بها: (أن الله ﷿ يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان)، وهذا لا إشكال فيه عند أهل السنة، فإن المقصود بمثقال الذرة من الإيمان: عمل القلب، فإن عمل القلب هو المقصود بمثقال الذرة، والدليل على ذلك: أن حديث الجهنميين جاء في الصحيح عن أبي هريرة وعن أبي سعيد الخدري وفيه: (إن الملائكة تأخذهم من النار وتعرفهم بآثار السجود)، فهذا يدل على أنهم كانوا من أهل الصلاة، ولهذا عرفتهم الملائكة فأخرجتهم، وهذا ثابت في صحيح البخاري وفي صحيح مسلم، وهذا يدل على أن مثقال الذرة التي في القلب هي عمل القلب، فإن المؤثر في جوارح الإنسان هو عمل القلب وليس التصديق المجرد، فإن التصديق المجرد لا تأثير له في جوارح الإنسان، وكما قلنا: اليهود وإبليس ونحو هؤلاء كانوا على تصديق لكن ما نفعهم ذلك في جوارحهم، فمثقال الذرة من الإيمان الذي وجد عند الجهنميين هو جزء بسيط من عمل القلب دفعهم إلى الصلاة فأصبحوا من أهل الصلاة، كما دلت عليه رواية أبي سعيد الخدري في صحيح البخاري وفيها: (أن الملائكة تخرجهم وتعرفهم بآثار السجود) فهؤلاء الجهنميون يخرجهم الله ﷿ من النار، ثم يلقيهم في نهر في الجنة، وجاء في بعض الروايات: (أنه نهر الحياة) بالتاء، وفي بعض الروايات: (أنه نهر الحياء)، وفيه: (أنهم ينبتون على أطراف هذا النهر كما تنبت الحبة في حميل السيل، ويعرفون بأنهم عتقاء الله ﷾) فهؤلاء من أهل الصلاة، ومثقال الذرة هو عمل القلب الذي لابد منه لكل مؤمن، ومن ليس في قلبه عمل أبدًا فهذا ليس بمسلم، وليس من الجهنميين أصلًا، فهذه قضية ينبغي التنبه لها.
وقد ورد في بعض روايات حديث أبي سعيد الخدري وهي رواية عطاء بن يسار أنه قال: (إن الله ﷿ يخرج من النار من لم يعملوا خيرًا قط)، فظن بعض الناس أن المقصود بقوله: (لم يعملوا خيرًا قط): أنهم ما عملوا شيئًا لا صلاة ولا صيامًا ولا حجًا، لا في القلب ولا في الظاهر، وهذا فهم غير سليم، فإن من منهج أهل السنة في الاستدلال: أنه إذا وردت رواية من الروايات تضم إلى غيرها من الروايات الأخرى، وبناءً عليه يكون الفهم الصحيح: أن هذه الرواية: (لم يعملوا خيرًا قط) تضم إلى رواية: (أنهم يعرفون بآثار السجود)، وتضم إلى رواية: (يخرج من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان)، وحينئذٍ نخلص إلى أن الجهنميين من أهل الصلاة في عملهم الظاهر، ومن أهل عمل القلب في الباطن، وهذا العمل القليل جدًا دفعهم إلى الصلاة؛ لأن النبي ﷺ يقول: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)، فعلى قدر صلاح هذه المضغة يكون صلاح الجسد، فإذا كان صلاح الجسد بسيطًا يكون الصلاح للمضغة بسيطًا، فلما كان في قلوبهم مثقال ذرة فقط دفعهم هذا إلى الصلاة فقط.
وأما قوله: (لم يعملوا خيرًا قط) فإن هذا فسره ابن خزيمة ﵀ في كتابه (التوحيد) حيث قال: إن هذا من استخدام العرب، فإن العرب تنفي الشيء لانتفاء تمامه وكماله، وذكر بعض النصوص: مثل قول الإنسان لولده: أنت لست بولدي؛ عندما يغضب عليه، وهو في الحقيقة ولده، لكنه يقصد: لست بولدي الطائع، وهذا استخدام عربي دارج، فيمكن بناءً على هذا أن نفهم هذه النصوص مجتمعة، لكن إذا أخذ أحد نصًا واحدًا وقال: إنهم ما عملوا خيرًا قط، وبناءً عليه كل الأعمال ليست من الإيمان، فهذا فهم فاسد؛ لأنه ترك أحاديث أخرى، وعطل أحاديث أخرى، لكن الجمع بينها تجتمع به الأدلة، ويفهم به النص على وجهه الصحيح، وحينئذ: فإن الجهنميين من أهل الصلاة، وليسوا -كما يظن الأخ- تاركين للصلاة.
[ ٤ / ٢٢ ]
خطورة الحكم على أي أحد بأنه من أهل الجنة أو من أهل النار
السؤال
قيل: إنه لا يصح أن نحكم على المرء أنه من أهل النار أو من أهل الجنة حتى ننظر في خاتمته فما تعليقكم؟
الجواب
هذا ليس بصحيح، فإننا لا نحكم على أحد بأنه من أهل النار ولا من أهل الجنة، لكن نحكم على القضاء وعلى المسائل في الدنيا، فنقول: هذا العمل كفر وهذا توحيد، هذا إيمان وهذا شرك وهكذا؛ حتى يعمل الموحد بالتوحيد ويجتنب الشرك؛ لأنه لو لم نبين هذه القضايا ونوضحها للناس فسيحصل اضطراب عند الإنسان، وقد يقع في الشرك وهو لا يدري أنه شرك، ويقع في الكفر وهو لا يدري أنه كفر، ولهذا فمن منهج الدعوة الإسلامية الأساسي هو تحرير هذه القضايا وتبيينها للناس، ودعوة الناس إليها، وحمل الناس على الإيمان والتوحيد، ومنعهم عن الكفر والشرك بكل أنواعه وصوره.
[ ٤ / ٢٣ ]
نبدة عن ابن بطة رحمه الله تعالى
السؤال
من هو ابن بطة؟ وما عقيدته؟ وما أشهر كتبه ومؤلفاته؟
الجواب
ابن بطة هو عبيد الله بن بطة العكبري ﵀، مؤلف (كتاب الإبانة الصغرى)، وله كتاب اسمه (الإبانة) تعارف عليه العلماء باسم (الإبانة الكبرى)، وعقيدته هي عقيدة أهل السنة والجماعة، ويمكن أن تراجع هذين الكتابين وتجد تعريفًا أطول.
[ ٤ / ٢٤ ]
الرد على من يقول إن الشهادة تكفر جميع الذنوب
السؤال
يقول الأخ: كيف نرد على المرجئة إذا قالوا: إن الشهادة تكفر جميع الذنوب؛ بدليل حديث: (من قال: لا إله إلا الله، خالصًا من قلبه دخل الجنة على ما كان من العمل) فالعمل ليس شرطًا في الإيمان؟
الجواب
سبحان الله! وقوله: (خالصًا من قلبه) ما معناها؟ وخالص هذا ما هو؟ خالص هذا هو عمل القلب، فإن الإخلاص من عمل القلب، وكما قلت: مما يستدل به المرجئة: الأحاديث الواردة في الشهادة: (من قال: لا إله إلا الله، دخل الجنة) يأخذ بعض الناس هذا الحديث على إطلاقه، ويجعل كل من قال: لا إله إلا الله، دخل الجنة؛ حتى المنافقين وحتى الذين لا يعملون من أعمال الإسلام شيئًا، وهذا خطأ في الفهم، وإنما يجمع هذا الحديث مع بقية الأحاديث، فإن النبي ﷺ قال: (من قال: لا إله إلا الله؛ يبتغي بذلك وجه الله) هذا شرط، وقال النبي ﷺ: (من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله) وهذا شرط ثانٍِ، وهكذا في أحاديث الشهادة نجد شروطًا: منها ترك الشرك، ومنها الإخلاص، ومنها اليقين: أن يكون موقنًا غير شاكٍ، كما في بعض الروايات وهكذا، وحينئذ يستقيم الفهم.
[ ٤ / ٢٥ ]
موقف الإمام الطحاوي من الإرجاء
السؤال
في قولكم: إن الإمام الطحاوي ﵀ من مرجئة الفقهاء، وبعض أهل العلم في زماننا يقولون: إن هذه العبارة مكذوبة عليه، أما الشارح فهو من مرجئة الفقهاء، ويقولون أيضًا: إن الإمام الطحاوي ﵀ ذكر أن هذه العقيدة هي ما يعتقده الإمام أبو حنيفة ﵀، فلو قلنا: إن الإمام الطحاوي من مرجئة الفقهاء فإذًا الإمام أبو حنيفة منهم، وحاشا وكلا، فلا نريد أن نفتح بابًا لمن يتهم أبا حنيفة بالإرجاء، فما تعليقكم؟
الجواب
أولًا: ادعاء أن هذه الفقرة ليست من كلام الطحاوي ادعاء بدون دليل، فهذه الفقرة من عقيدة الطحاوي وقد ذكرها.
وأما مسألة أن الطحاوي ﵀ قال في بداية العقيدة: هذا ما يعتقده أبو حنيفة ﵀ فيدل هذا على أن أبا حنيفة من مرجئة الفقهاء، ولكن نحن نقول: إن أبا حنيفة ﵀ رجع عن هذا الإرجاء، وقد ذكرنا قصته السابقة، وكون أحد أهل العلم يجتهد في قضية ويخطئ فيها فهذا لا يدل على التشنيع عليه أو الإيذاء له أو نحو ذلك، فينبغي أن تفهم هذه القضية.
[ ٤ / ٢٦ ]
أهم الكتب التي ألفت في موضوع الإيمان
السؤال
ما أهم الكتب التي كتبت في موضوع الإيمان وفصلت في خلاف الناس فيه؟
الجواب
من أفضل الكتب التي كتبت في موضوع الإيمان: كتاب (الإيمان) لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؛ فهو من أنفع الكتب وأفضلها وأجمعها، كما كتب بعض السلف كتبًا مثل: (الإيمان) لـ أبي عبيد القاسم بن سلام، و(الإيمان) لـ أبي يعلى، ويمكن مراجعة كتب الإيمان ضمن الصحيحين وضمن السنن الأربع، ومن أفضل من تكلم على الإيمان من المتأخرين أئمة الدعوة السلفية؛ فإن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه هم من أفضل من كتب عن الإيمان من المتأخرين، فقد أوضحوه وبينوه بيانًا شافيًا، وربطوا بينه وبين التوحيد ربطًا لا نظير له، وهم يعتبرون من أهل التجديد في هذا الباب العظيم.
[ ٤ / ٢٧ ]
مدى صحة تفسير لا إله إلا الله بالحاكمية
السؤال
هل تفسير لا إله إلا الله بالحاكمية صحيح؟
الجواب
ماذا يُقصد بالحاكمية؟ إذا كان المقصود بالحاكمية: الخضوع لله ﷾ والائتمار بأمره والخضوع له فلا شك أنه داخل في معنى لا إله إلا الله، وكذلك إذا كان المقصود بالحاكمية: أن يحكم بما أنزل الله وأن يكون الحكم لله ﷿؛ فإن الله ﷿ يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [يوسف:٤٠]؛ ولهذا هذه الآية يمكن أن نستدل بها على أن الحاكمية من العبادة بهذا المفهوم، فالحاكمية من العبادة إذا كان المقصود بها إفراد الله ﷿ في الحكم، فلا نتلقى الأحكام إلا من الله، ولا ننفذها إلا بأمر الله ﷾، فتصبح الحاكمية بهذا الاعتبار من العبادة كما هو نص الآية: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠] فقوله: ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠] تفسير لقوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف:٤٠]، وهذا واضح ولا إشكال فيه.
[ ٤ / ٢٨ ]
نبذة عن كتاب الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية
السؤال
ما هو الكتاب الذي يوضح لنا وظائف القلب وتعلقها بالجوارح مع ربط هذا باللسان وأعمال الشرك والكفر كما وضحتم لنا في الدرس؟
الجواب
حقيقة من أفضل الكتب وأنفعها هو كتاب شيخ الإسلام ﵀ (الإيمان)، لكن بعض الناس يمل من كتاب الإيمان؛ لأن الكتاب غير منظم، يعني: طريقة الشيخ هو أنه يتكلم على قضية ثم يستطرد فيذكر قضية ثم يستطرد فيذكر قضية أخرى، فمثلًا: موضوع المجاز بحثه شيخ الإسلام في أكثر من ثلاثين صفحة تقريبًا عندما تكلم على مسألة قول القلب: هل قوله قول حقيقي أو غير حقيقي؟ ثم استطرد في المسألة وتكلم على قضية المجاز وغيرها، فالذي يصبر على الكتاب ويلخص ما فيه من الفوائد ويدقق فيه ينتفع ويستفيد، إذا استطاع أن يرتب الموضوعات الذي في الكتاب، لكن الذي يمل منه من أول لحظة لا يستطيع أن يستفيد منه.
[ ٤ / ٢٩ ]
أنواع الفرق المنتسبة إلى الإسلام وحكمها
السؤال
أشكل علي قولك: إن هذه الفرق الضالة تعتبر من الأمة الإسلامية، فهل هم مخلدون في النار أم يعذبون حسب معاصيهم ثم يدخلون الجنة؟
الجواب
الفرق نوعان: فرق تنتسب إلى الإسلام وفرق إسلامية، فالفرق التي تنتسب إلى الإسلام وهي من الفرق الكافرة مثل: الباطنية، والإسماعيلية، والبهرة، والأغخانية، والنصيرية، والدروز، وهكذا غيرهم من أصحاب العقائد الباطنية، فهؤلاء كفار ولا إشكال في ذلك، فيهم وليسوا من المسلمين أصلًا، فهؤلاء فرق منتسبة إلى الإسلام وهم غير مسلمين.
وهناك فرق تسمى فرقًا إسلامية، يعني: أنها فرق ظهرت في المسلمين، لكن ظهرت ببدع، هذه البدع لم تخرجهم عن دائرة الإسلام، ويدل على هذا قول النبي ﷺ: (ستفترق هذه الأمة -وفي رواية: أمتي- على ثلاث وسبعين فرقة) هذه الثلاثة والسبعون هم هؤلاء الفرق الضالة الذين هم من هذه الأمة، كما قال الرسول ﷺ، لكن الناجية منها واحدة فقط، وهي كما بينها النبي ﷺ: (من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي).
وأما هل الفرق هذه الواردة في الحديث مخلدون في النار؟ فالجواب: ليسوا مخلدين في النار؛ لأنهم من المسلمين؛ لأن النبي ﷺ قال: (ستفترق هذه الأمة) يعني: المسلمين، ولا يخلد في النار مسلم، فينبغي التفريق بين هاتين القضيتين.
[ ٤ / ٣٠ ]
الخلاف بين أهل السنة وغيرهم من الفرق في مسألة العمل
السؤال
هل الفرق جميعًا تشترك مع المرجئة في مسألة العمل في الخلاف مع السلف؟
الجواب
الخلاف كله أو أكثره على مسألة العمل، والنزاع كله في موضوع الإرجاء هو في مسألة العمل، فأكثر هذه الطوائف تخالف أهل السنة في مسألة العمل، وللعمل قيمة عظيمة عند أهل السنة.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
[ ٤ / ٣١ ]