_________________
(١) هذا معتقد أهل السنة وجماعة الصحابة -رضوان الله عليهم- أنهم يحبون الصحابة ويوالونهم كلهم ويَتَرَضَّوْنَ عنهم، ولا يغلون في حبهم حتى يرفعوهم من مقام الصحبة إلى مقام النبوة، وهو مقام الألوهية، ولا يُفَرِّطُون ويقصرون في موالاتهم، بل هم يوالونهم بالعدل والإنصاف خلافا للشيعة والرافضة الذي يغلون في محبتهم حتى يعبدونهم من دون الله، وخلافا للنواصب والخوارج الذين يفرطون فيهم حتى يكفرون الصحابة. فالمسألة: الصحابة فيهم ثلاث مذاهب من الناس. المذهب الأول: مذهب أهل السنة، مذاهب الناس في الصحابة ثلاثة: المذهب الأول: مذهب أهل السنة والجماعة من الصحابة، وهو أنهم يوالون الصحابة كلهم وينزلونهم منازلهم التي يستحقونها بالعدل والإنصاف لا بالهوى والتعصب، إذ إنه من البغي الذي هو مجاوزة الحد فهم يحبون الصحابة، ولا يغلون ويفرطون في حب أحد منهم، ولا يتبرءون من أحد منهم ويبغضونه ويبغضون من يبغضهم. أما المذهب الثاني: هو مذهب الشيعة والرافضة فمذهب الشيعة مذهب الرافضة البراءة من الصحابة يتبرءون منهم ويبغضونهم، ويتولون أهل البيت ويغلون فيهم ويجاوزون الحد في حبهم، علي وفاطمة والحسن والحسين يسرفون في حبهم حتى يعبدونهم مع الله، والشيعة أكثر من عشرين فرقة منهم ست فرق من الزيدية والرافضة من غلاة الشيعة وعند الرافضة لا ولاء إلا ببراء، انتبهوا للجملة هذه يقولون لا ولاء إلا ببراء. ومعنى هذه الجملة أي لا يتولى أهل البيت حتى يتبرأ من أبي بكر وعمر لا ولاء إلا ببراء ربطوا هذه بهذه، لا ولاء إلا ببراء يعنى لا يمكن أن تتولى أهل البيت حتى تتبرأ من أبي بكر وعمر، لا ولاء إلا ببراء، لا يتولى أهل البيت حتى يتبرأ من أبي بكر وعمر -﵄- ومن ماثلهم كعثمان وعائشة. أما مذهب الشيعة عموما غير الرافضة فهو الغلو في أهل البيت وقد لا يتبرءون من الصحابة، أما الرافضة فإنهم يتبرءون من الصحابة مع الغلو في أهل البيت، الغلو فيهم أهل البيت يعني يغلونهم حتى يعبدونهم يعبدونهم مع الله إلا من نفر قليل. وأما بقية الصحابة يتبرءون منهم إلا من نفر قليل نحو بضعة عشر رجلا وهم الذين والوا علي وسموا رافضة من الرفض، وهو الترك لتوليهم أهل البيت ورفضهم للصحابة، وأصل تسميتهم بالرافضة لرفضهم مجلس زيد بن علي حينما رفض الطعن في أبي بكر وعمر. الخصلة التي فضل بها اليهود والنصارى الرافضة هي اليهود والنصارى فاقوا على الرافضة في خصلة وهي أنه قيل لليهود من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى، وقيل للنصارى: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب عيسى، وقيل للرافضة: من شر أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب محمد ولم يستثنوا منهم إلا القليل كعلي وعمار وفيمن سبوهم من هو خير ممن استثنوهم بأضعاف مضاعفة كأبي بكر وعمر وعثمان. المذهب الثالث: مذهب الخوارج والنواصب في الصحابة مذهبهم ضد مذهب الرافضة، وهو بغض أهل البيت وعداوتهم وسموا نواصب؛ لأنهم نصبوا العداوة لأهل البيت وسموا خوارج؛ لأنهم خرجوا على علي وتبرءوا منه بعد مسألة التحكيم وتبرءوا من عثمان بعد تقريبه أقربائه لاعتقادهم بذلك أنهم فسقوا وعصوا الله وما عداهم من الصحابة؛ فلا يتبرءون إلا ممن يفسق في نظرهم. أما أهل السنة فوسط، أهل السنة مذهبهم وسط يتولون الصحابة جميعا أهل البيت وغير أهل البيت، وينزلونهم منازلهم التي يستحقونها بالعدل والإنصاف لا بالهوى والتعصب فهم يحبون الصحابة ولا يغلون ولا يفرطون في حب أحد منهم كالشيعة والرافضة ولا يتبرءون من أحد منهم كالخوارج والنواصب ويبغضون من يبغضهم. وعند أهل السنة الشهادة بدعة والبراءة بدعة، عند أهل السنة يقولون: الشهادة بدعة والبراءة بدعة، ومعنى الشهادة أن يشهد على معين من المسلمين أنه من أهل النار، أو أنه كافر بدون العلم بما ختم الله به، وأما مع العلم بما ختم الله فيحكم. وأما مع العلم فلا بأس كأبي لهب وأبي جهل نعلم أنه حكم لهما بالنار فهما من أهل النار. ومعنى البراءة: البراءة من أبي بكر وعمر بدعة، ومما يلحق بهذا البحث مسألة السابقون الأولون مَن هم السابقون الأولون من الصحابة؟ اختلف العلماء فيهم على قولين: القول الأول: أن السابقون الأولون هم الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، والمراد بالفتح صلح الحديبية، وأهل بيعة الرضوان كلهم منهم، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة، الذين أنفقوا من قبل الفتح يعني الذين أسلموا قبل صلح الحديبية وأنفقوا هؤلاء هم السابقون الأولون. القول الثاني: أن السابقون الأولون هم من صلى إلى القبلتين بيت المقدس والكعبة. والقول الأول أصح وأرجح، الدليل على الترجيح:
[ ٣٦٣ ]
أولا: قول الله تعالى ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ فدلت الآية على التفضيل بالسبق إلى الإنفاق والجهاد كما دلت الآية والحديث على التفضيل بالمبايعة تحت الشجرة وهي قول الله تعالى: ﴿* لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ وحديث جابر في صحيح مسلم (لا يلج النارَ أحدٌ بايع تحت الشجرة)
الثاني: أن الصلاة إلى القبلة منسوخة ليس بمجرده فضيلة، الصلاة إلى القبلة المنسوخة وهي بيت المقدس ليس بمجرده فضيلة لأمرين:
أحدهما: أن النسخ ليس من فعلهم.
وثانيهما: أنه لم يدل على التفضيل به دليل شرعي، وحب الصحابة حب الصحابة من الدين: من الدين ومن الإيمان حب الصحابة. دين وإيمان لأمرين:
أولا:: لامتثالهم بل لثلاثة أمور: لامتثالهم لأمر الله.
وثانيها: ولحث الرسول ﷺ عليه فهو من الحب في الله، وهو أيضا طاعة لله ولرسوله، ويذكر في هذا الحديث حديث أصحابي (كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) .
هذا يذكره أهل الأصول يستدلون به، والحديث باطل ليس بصحيح سندا ومتنا أما من جهة السند فليس في شيء من دواوين السنة فهو حديث ضعيف، قال البزار: هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ وليس هو في كتب الحديث المعتمدة فلا يحتج به أصلا، وأما معناه فمعناه فاسد (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) وذلك أن الصحابة إذا اختلفوا في قولين، فقال بعض الصحابة: هذا حلال وقال آخرون: هذا حرام يعني هذا الذي يقتدي بالصحابي الذي يقول هو حرام مهتدي هذا فاسد فدل على بطلان هذا الحديث سندا ومتنا.
شارح الطحاوية ابن أبي العز انتقد الطحاوي حينما قال هنا الطحاوي: وحبهم دين وإيمان.
حب الصحابة من الإيمان وبغضهم كفر ونفاق
وحبهم دين وإيمان وإحسان وبغضهم كفر ونفاق وطغيان.
هكذا يقول الطحاوي حبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر وطغيان ونفاق هذا كلام صحيح، لكن الشارح الطحاوية ألزم الطحاوي بالتناقض؛ لأنه قال فيما سبق الطحاوي: والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان، الإيمان كم هو؟ مركب من شيئين إقرار باللسان وتصديق بالقلب وعمل القلب وعمل الجوارح ما يدخل في الإيمان عند الطحاوي، والحب أليس عملا قلبيا الحب هنا عمل قلبي جعله من الإيمان، هذا صحيح يوافق ما ذهب إليه جمهور أهل السنة.
لكن الشارح ألزم الطحاوي بالتناقض قال: أنت قلت في الأول الإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان ولم تدخل أعمال القلوب، ولا أعمال الجوارح من الإيمان، وهنا قلت: حب الصحابة إيمان، والحب عمل قلبي، وليس هو التصديق فيكون العمل داخلا في مسمى الإيمان معناه وافقت جمهور أهل السنة، وهذا هو الحق هذا حق لكن ينبغي لك يعني أيها الطحاوي ينبغي لك أن تضيف هذا في التعريف، فتقول: الإيمان إقرار باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالقلب وعمل بالجوارح حتى يتناسب مع قولك هذا فتوافق جمهور أهل السنة وهو الحق.
ولكن شارح الطحاوية اعتذر عنه قال: لعله أراد أن هذه التسمية مجاز كما سميت الصلاة إيمان مجازا عند الطحاوي والأحناف في قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي صلاتكم إلى بيت المقدس فسميت إيمانا سميت إيمانا مجازا، والصواب أن التسمية حقيقية؛ لأن العمل من الإيمان سواء كان عملا قلبيا أو عملا من أعمال الجوارح.
والأدلة من الكتاب والسنة لمذهب أهل السنة في الصحابة وفضلهم والترضي عنهم أدلة كثيرة منها قول الله تعالى: ﴿* لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ إلى آخر الآية، ومنها قول الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ومنها قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ .
[ ٣٦٤ ]
ومن السنة أحاديث كحديث: (لا تسبوا أصحابي فالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) وحديث مسلم (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة) وحديث (الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه) والحديث وإن كان فيه ضعف لكن له شواهد.
من ذلك ما ثبت عن عائشة -﵂- أنها قيل لها: إن ناسا يتناولون يعني بالسب أصحاب رسول الله حتى أبا بكر وعمر قالت: (وما تعجبون انقطع عملهم في الدنيا فأحب الله ألا يقطع عنهم الأجر) .
وكذلك أيضا ما ثبت عن ابن عباس - ﵁ - أنه قال: (لا تسبوا أصحاب محمد فلمقام أحدهم مع رسول الله ساعة خير من عمل أحدكم أربعين سنة) وفي رواية: (هي خير من عمل أحدكم عمره) في رواية وكيع قول ابن مسعود - ﵁ - (إن الله سبحانه اختار نبيه واصطفاه وابتعثه بالرسالة فنظر في قلوب الناس فرأى قلب محمد ﷺ واختصه فرآه أصفى القلوب وأبرها فاختاره الله واصطفاه لنبوته.
ثم نظر في القلوب بعد قلب محمد ﷺ فرأى قلوب أصحابه أبرها فاختارهم لصحبة نبيه) أو كما قال - ﵁ - والنصوص في هذا كثيرة، والنصوص في فضل الصحابة وفضلهم ومكانتهم وأدلتها كثيرة من الكتاب ومن السنة. نعم.
[ ٣٦٥ ]