الأصل في المسلم البراءة من كل من خالف أصول العقيدة، ومن هؤلاء المشبهة الذين شبهوا الله بخلقه، ومنهم المعتزلة الذين قاسوا أفعال الله على أفعال العباد، وقالوا بأن الشر ليس من خلق الله ولا من تقديره، ومنهم الجهمية المعطلة الذين نفوا الصفات، ومنهم الجبرية الذين نفنوا الإرادة عن المخلوق مطلقًا، ومنهم القدرية الذين جاءوا بعكس عقيدة الجبرية فقالوا لا قدر، وأن الأمر أنف.
[ ١١٠ / ١ ]
البراءة من الفرق الضالة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [(فهذا ديننا واعتقادنا ظاهرًا وباطنًا، ونحن برآء إلى الله تعالى من كل مَن خالف الذي ذكرناه وبينّاه، ونسأل الله تعالى أن يثبتنا على الإيمان، ويختم لنا به، ويعصمنا من الأهواء المختلفة، والآراء المتفرقة، والمذاهب الرديئة، مثل: المشبهة، والمعتزلة، والجهمية، والجبرية، والقدرية وغيرهم من الذين خالفوا الجماعة، وحالفوا الضلالة، ونحن منهم براء، وهم عندنا ضُلَّال وأردياء، وبالله العصمة والتوفيق).
الإشارة بقوله: (فهذا): إلى كل ما تقدم من أول الكتاب إلى هنا].
أحب أن أشير إلى مسألة كثيرًا ما يقولها السلف عند ذكر أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، وهي أولًا: أنهم يعدون هذه الأصول من الأمور المجمع عليها ومتفق عليها إجمالًا.
ثانيًا: أنهم يرتبون على هذا أن من خالف هذه الأصول التي أشار إليها الشارح بقوله: (فهذا ديننا واعتقادنا ظاهرًا وباطنًا) أن من خالف هذه الأصول فهو الخارج عن جماعة المسلمين، فيكون من أهل الأهواء والضلالة والافتراق، سواء كان فردًا أو جماعة، إن كانوا جماعة سموا فرقة، وإن كان فردًا سمي خارجًا عن الجماعة، وكذلك الفرقة سميت فرقة لمفارقتها الجماعة.
ومما ينبغي التنبيه عليه أيضًا في هذا المقام أنهم يقصدون الأصول في مثل هذه الكتب التي قرر فيها السلف العقيدة، تجدهم أنهم يشيرون في أولها أو في ثناياها أو في آخرها إلى مثل هذه الإشارة: أن هذا اعتقادنا، ثم يذكرون أن من خالف هذه العقيدة فهو من أهل الأهواء والافتراق، ثم يشيرون إلى الولاء لمن اعتصم بهذه العقيدة، والبراء ممن خالفها، والمقصود بذلك الأصول والقواعد والإجماليات، لا ما يندرج تحت المسائل الأصولية أحيانًا من خلافيات، وهذا ينبغي التنبه له من قبل طلاب العلم، وهو أن السلف حينما يحكون عقائدهم على شكل أصول ومناهج، قد يدرجون تحتها بعض الخلافيات، فيكون الواحد منهم قد أخذ بما يترجح له في المسائل الخلافية في مسائل العقيدة، فلا تدخل هذه الخلافيات في لوازم الاعتقاد، من أنه يجب، وأن التزامه فرض، وأن من حاد عنه فهو مفارق، وأيضًا البراء ممن فارق، والتبرؤ منه وعداوته، كل ذلك إنما ينصرف إلى الأصول؛ لأن كثيرًا من الأصول التي ذكرها السلف يدرجون تحتها جزئيات، ويدرجون تحتها مسائل خلافية في العقيدة، فالمسائل الخلافية لا تدخل في اللوازم التي ذكرها الطحاوي هنا، وعقيدة الطحاوي -التي نحن بصدد شرحها، وإن شاء الله ننتهي منها قريبًا- تعتبر من أجمع كتب السلف التي تضمنت أصول السلف بعبارات قليلة، ولذلك هي من أفضل الكتب للحفظ، ومثلها: (لمعة الاعتقاد)، ومثلها: (عقيدة السلف أصحاب الحديث) إذا جرد من الأسانيد، لو جرد من الأسانيد ربما يكون أوفى من الطحاوية، وأجود عبارة وأوضح، ولكان حفظه سهلًا جدًا، فهو من أسهل المتون.
[ ١١٠ / ٢ ]
المشبهة وأصل مذهبهم
قال رحمه الله تعالى: [والمشبهة: هم الذين شبهوا الله ﷾ بالخلق في صفاته، وقولهم عكس قول النصارى، فإن النصارى شبهوا المخلوق -وهو عيسى ﵇- بالخالق تعالى، وجعلوه إلهًا، وهؤلاء شبهوا الخالق بالمخلوق، كـ داود الجواربي وأشباهه].
داود الجواربي من الرافضة، وكذلك أشباهه البيانية أصحاب بيان بن سمعان، والمغيرية أصحاب المغيرة بن سعيد، والهشامية أصحاب هشام بن الحكم، فهؤلاء كلهم مشبهة، وكلهم من فرق الرافضة.
[ ١١٠ / ٣ ]
المعتزلة وأصولهم الخمسة
قال رحمه الله تعالى: [والمعتزلة: هم عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء الغزال وأصحابهما، سُمُّوا بذلك لما اعتزلوا الجماعة بعد موت الحسن البصري رحمه الله تعالى في أوائل المائة الثانية، وكانوا يجلسون معتزلين، فيقول قتادة وغيره: أولئك المعتزلة، وقيل: إن واصل بن عطاء هو الذي وضع أصول مذهب المعتزلة، وتابعه عمرو بن عبيد تلميذ الحسن البصري، فلما كان زمن هارون الرشيد صنف لهم أبو الهذيل كتابين، وبيَّن مذهبهم، وبنى مذهبهم على الأصول الخمسة التي سَمَّوها: العدل.
والتوحيد.
وإنفاذ الوعيد.
والمنزلة بين المنزلتين.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولبَّسوا فيها الحق بالباطل؛ إذ شأن البدع هذا، اشتمالها على حق وباطل].
الإشارة إلى أصول المعتزلة فيها بيان لمنهج أهل الأهواء عمومًا، فإن أهل الأهواء وخاصة الفرق ذات الأصول والمناهج، كلهم وضعوا لأنفسهم أصولًا تختلف عن أصول أهل السنة والجماعة، أما أهل السنة والجماعة فليس عندهم في قواعد الدين وأصوله العامة إلا ما ثبت بالكتاب والسنة، ولذلك لا يسمون للدين أصولًا بالتحديد والتعيين إلا ما يندرج تحت أركان الإيمان، وأركان الإسلام، يعني: ليس عندهم أركان للدين ولا أصول غير أركان الإيمان الستة، وأركان الإسلام الخمسة، وما يندرج تحتها، ولذلك لا يزيدون في هذه الأركان ولا ينقصون، ومن هنا بدع السلف من ادعى أن للإيمان أركانًا غير الأركان الستة، أو أن للإسلام أركانًا غير الأركان الخمسة، بخلاف المخالفين من أهل الأهواء قديمًا وحديثًا، فتجد عندهم أصولًا، الأصول الستة وغيرها من الأصول التي لا يقترن بها أصول الإيمان، أو الأصول الخمسة عند المعتزلة، أو الأصول العشرين، أو الثلاثين، أو العشرة، أو الثلاثة إلى آخره، كل ذلك من مناهج أهل الأهواء، والرافضة عندهم أصول محددة، والجهمية عندهم أصول محددة، والمعتزلة عندهم أصول محددة، وهكذا بقية أهل الأهواء.
إذًا: من سمات أهل الأهواء أنهم يضعون أصولًا ويحددونها، ويجعلونها تخالف في الغالب أصول الدين المتقررة في الكتاب والسنة وعند السلف، وأيضًا تحكي مناهجهم التي خالفوا فيها أئمة الدين، فالأصول الخمسة هي من اختراع المعتزلة، ولم يخترعوها دفعة واحدة، إنما جاءت باستقراء أبي الهذيل العلاف ومن سلك سبيله، استقرأ أقوال شيوخه السابقين، فتبين له أن عامة ما تقول به المعتزلة يرجع إلى خمسة أصول، فلما سمى هذه الأصول، تعلق بها من بعده، وجعلوها من دينهم ومن شعاراتهم وفرحوا بها؛ لأنها تجعل لهم كيانًا، وكأنها بزعمهم تجمع شملهم المتشتت.
إذًا: فهذه الأصول مبتدعة، وليست مبنية على أصول الكتاب والسنة، وهي من اختراع المتأخرين منهم، ومما ينبغي التنبه له أن أهل البدع لا يتفقون على هذه الأصول، إنما قد يكون عليها الأغلب.
قال رحمه الله تعالى: [وهم مشبِّهة الأفعال؛ لأنهم قاسوا أفعال الله تعالى على أفعال عباده، وجعلوا ما يحسن من العباد يحسن منه، وما يقبح من العباد يقبح منه! وقالوا: يجب عليه أن يفعل كذا، ولا يجوز له أن يفعل كذا، بمقتضى ذلك القياس الفاسد! فإن السيد من بني آدم لو رأى عبيده تزني بإمائه ولا يمنعهم من ذلك، لعُدَّ إما مستحسنًا للقبيح وإما عاجزًا، فكيف يصح قياس أفعاله ﷾ على أفعال عباده؟! والكلام على هذا المعنى مبسوط في موضعه].
يشير المؤلف هنا إلى مقولة المعتزلة -والتي هي من أصولهم-: أن الله ﷿ لم يقدِّر الشر.
ومذهب السلف أن الله ﷿ قدر كل شيء، قدر الخير والشر ابتلاءً وفتنة للعباد، وأن الله خالق كل شيء، والمعتزلة زعمت أن الشر ليس من خلق الله ولا من تقديره، زعمًا منهم أن هذا من تنزيه الله، والسلف يقولون بأن الشر ليس إلى الله، بمعنى لا ينسب إليه نسبة محضة، إنما ينسب إليه تقدير الشر، وخلق ما يتعلق به من باب الابتلاء، ولحكمة يعلمها الله ﷿، فهم زعموا أن نسبة الشر إلى الله ﷿ قدح في كماله، فمن هنا وصلوا إلى القول بأن العباد خالقون لأفعالهم، وأن الله لم يخلق أفعالهم، أو لبعض أفعالهم، فبعضهم يرون أن الله خالق أفعال الخير، وليس الشر من تقديره ولا من خلقه؛ لأن الشر لو كان من خلقه حسب زعمهم لرضي بالفساد ممن تحت ولايته.
[ ١١٠ / ٤ ]
معاني الأصول الخمسة عند المعتزلة ولوازمها
قال رحمه الله تعالى: [فأما العدل فَسَتَرُوا تحته نفي القدر، وقالوا: إن الله لا يخلق الشر، ولا يقضي به؛ إذ لو خلقه ثم يعذبهم عليه يكون ذلك جورًا! والله تعالى عادل لا يجور.
ويلزمهم على هذا الأصل الفاسد أن الله تعالى يكون في ملكه ما لا يريده، فيريد الشيء ولا يكون، ولازمه وصفه بالعجز! تعالى الله عن ذلك.
وأما التوحيد فسَتَرُوا تحته القول بخلق القرآن؛ إذ لو كان غير مخلوق لزم تعدد القدماء! ويلزمهم على هذا القول الفاسد أن علمه وقدرته وسائر صفاته مخلوقة، أو التناقض! وأما الوعيد فقالوا: إذا أوعد بعض عبيده وعيدًا فلا يجوز ألَّا يعذبهم ويُخلف وعيده؛ لأنه لا يخلف الميعاد، فلا يعفو عمن يشاء، ولا يغفر لمن يريد عندهم! وأما المنزلة بين المنزلتين فعندهم أن من ارتكب كبيرة يخرج من الإيمان، ولا يدخل في الكفر! وأما الأمر بالمعروف، وهو أنهم قالوا: علينا أن نأمر غيرنا بما أُمِرنا به، وأن نلزمه بما يَلْزَمنا، وذلك هو الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وضمَّنوه أنه يجوز الخروج على الأئمة بالقتال إذا جاروا! وقد تقدم جواب هذه الشُّبَه الخمس في مواضعها].
فسر المعتزلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأمرين: الأمر الأول عندهم: أن المعروف هو ما يدخل تحت عقائدهم، والمنكر ما يخالف عقائدهم.
الثاني: أنهم اعتقدوا أن من أصول النهي عن المنكر، بل أول درجاته: الخروج على الأئمة، الخروج على الولاة.
أما الأول: الذي هو إلزام الناس بما هم عليه، فإنهم حينما كانت لهم وزارة في عهد المأمون رأوا أن من الأمر بالمعروف إلزام الناس بالقول بعقائدهم، ومنها: القول بخلق القرآن، وأن من النهي عن المنكر إلغاء القول بأن القرآن منزل غير مخلوق، وفعلًا وصل الأمر إلى أن فتنوا المسلمين فتنة عظيمة، ورأوا أن ذلك هو غاية إقامة شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
أما الثاني: الذي بزعمهم أنه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: الخروج على الولاة، فإنا نعلم أن ذلك مخالف للنصوص الصريحة الواردة في السنة، الدالة على ضرورة السمع والطاعة للولاة، وإن وقعوا في الكبائر، وإن ظلموا وإن فسقوا، كما هو معروف في الأحاديث، وربما يقول قائل: لم تجاهلت المعتزلة أحاديث الصبر على الجور، وأحاديث السمع والطاعة بالمعروف، وأحاديث وجوب التزام البيعة للولاة، وإن كانوا من الفجار والفساق والظلمة، أقول: لأنهم لا يعولون على السنة كثيرًا، فالسنة عندهم ليس لها اعتبار إلا فيما يؤيد عقائدهم، ولذلك لا يستدلون بالنصوص إلا للاعتضاد، إذا وجدوا نصًا يعضد أقوالهم أخذوا به، وإذا لم يعضد أقوالهم تركوه ولا يبالون بذلك؛ لأن السنة عندهم منزلتها ليست كالقواعد الفلسفية والعقلية التي يدينون بها، وذلك راجع إلى اعتقادهم الفاسد في الصحابة، وراجع إلى اعتقادهم الفاسد في منهج الاستدلال، فهم لا يستدلون بأحاديث الآحاد، ويرون أن هذه الأمور العملية المتعلقة بالسنة ليست من الأمور الواجبة على الأمة، وأن الدين يمكن أن يكمل من خلال الاجتهاد العقلي وغير ذلك من الأمور التي صرحوا بها في كتبهم، وبعضهم اعتمدها من مناهجهم الأساسية.
أما تعطيل الصفات فداخل في مفهوم التوحيد، والتوحيد عند المعتزلة يقصدون به نفي الصفات، لكن الشارح هنا أتى بنموذج فقط، وهو القول بخلق القرآن؛ لأنه هو الذي أثاروا فيه الفتنة، وألزموا المسلمين به بقوة السيف، وإلا فهم أدخلوا في مفهوم التوحيد نفي جميع الصفات التي يرون أنها تعني تعدد القديم؛ لأنهم زعموا أن إثبات الصفات لله ﷿ يعني التنوع، ونظرتهم إلى وجود الله ﷿ نظرة عجيبة، فهم يمنعون أن يكون هناك تنوع في صفات الله ﷿، حتى إنهم يرون أن الأسماء -وهم يثبتونها- ما هي إلا تعبيرات عن أمر واحد، وسبب ذلك أن عقيدتهم في الله ﷿ راجعة إلى اعتقاد الفلاسفة، بأن وجود الله ﷿ وجود معنوي عقلي، وليس له وجود ذاتي، ومن هنا زعموا أن إثبات الصفات يعني تعدد الموصوف، ولا يقصدون بتعدد الموصوف أن يكون للموصوفين أفراد، لكن يقصدون بتعدد الموصوف تعدد أحوال الموصوف، وهم يرون أن الموصوف ليس له أحوال، ولذلك عبروا عنه بتعدد القدماء؛ لينفروا الناس من إثبات الصفات، قالوا: إذا قلنا بأن القرآن كلام الله، فهذا يعني أنه لا بد أن نقول: كلامه صفته، وإذا قلنا بأن كلامه صفته، أدى هذا إلى أن الله ﷿ له صفات متعددة، وهذا يؤدي إلى ثبوت الأحوال لله ﷿، والأحوال لا بد أن ينتج عنها إثبات الذات وهكذا، بمعنى: أن عقيدتهم في الله تعود إلى القول بأن وجود الله وجود معنوي.
[ ١١٠ / ٥ ]
حقيقة التوحيد والعدل عند المعتزلة
قال رحمه الله تعالى: [وعندهم أن التوحيد والعدل من الأصول العقلية، التي لا يُعلم صحة السمع إلا بعدها، وإذا استدلوا على ذلك بأدلة سمعية إنما يذكرونها للاعتضاد بها، لا للاعتماد عليها، فهم يقولون: لا تثبت هذه بالسمع، بل العلم بها متقدم على العلم بصحة النقل! فمنهم من لا يذكرها في الأصول؛ إذ لا فائدة فيها عندهم، ومنهم من يذكرها ليبيِّن موافقة السمع للعقل، ولإيناس الناس بها، لا للاعتماد عليها.
والقرآن والحديث فيه عندهم بمنزلة الشهود الزائدين على النصاب، والمدد اللاحق بعسكر مستغنٍ عنهم، وبمنزلة من يتبع هواه، واتفق أن الشرع ما يهواه! كما قال عمر بن عبد العزيز: لا تكن ممن يتبع الحق إذا وافق هواه، ويخالفه إذا خالف هواه، فإذًا: أنت لا تثاب على ما وافقته من الحق، وتعاقَب على ما تركته منه؛ لأنك إنما اتبعت هواك في الموضعين.
وكما أن الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، والعمل يتبع قصد صاحبه وإرادته، فالاعتقاد القوي يتبع أيضًا علم ذلك وتصديقه، فإن كان تابعًا للإيمان كان من الإيمان، كما أن العمل الصالح إذا كان عن نية صالحة كان صالحًا، وإلَّا فلا، فقول أهل الإيمان التابع لغير الإيمان، كعمل أهل الصلاح التابع لغير قصد أهل الصلاح.
وفي المعتزلة زنادقة كثيرة، وفيهم من ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا].
ما ذكره الشارح من كلام عمر بن عبد العزيز فيه إشارة إلى فارق كبير بين منهج أهل السنة وبين مناهج أهل الأهواء، وهو أن أهل السنة يخضعون للحق أبدًا ودائمًا، ويدورون مع الحق حيث دار، بغض النظر عن رغباتهم وعن أهوائهم وعن ميولاتهم، هذا هو الأصل، وقد يشذ عن ذلك بعض من ينتسبون إلى السنة، والشذوذ لا عبرة به، لكن هذا هو الأصل الذي عليه عموم أهل السنة، وقد عصمهم الله ﷿ من أن يخلوا بهذا الأصل، الأصل في أهل السنة جميعًا أنهم يتبعون الحق، وأن هواهم مع الحق، بخلاف أهل الأهواء، فإن القاعدة عندهم سواء شعروا أو لم يشعروا أنهم يتبعون الحق إذا كان يوافق أهواءهم، وإذا خالف أهواءهم ردوه، إما بالإعراض المباشر كما عند غلاة الجهمية، وإما بصرفه عن معانيه حتى يلووا أعناق الأدلة بالتأويل، والقول بالمجازات، والتمحل والتلبيس، والبحث عن معاذير، ومحاولة التردد في قبول النص بالطعن فيه، أو برواته أو نحو ذلك كما عند غيرهم من أهل الأهواء.
وأهل الأهواء إذا خالف الحق والدليل ما هم عليه تركوه وأعرضوا عنه بأي نوع من أنواع الإعراض، وأغلب وسائل الإعراض عندهم تكون ملبسة، لا تجد إلا النادر من أهل الأهواء من يرد النص ردًا مباشرًا صريحًا، بل يتأوله لصرفه عما هو عليه، وهذه من أعظم الأمور التي نخشى أن يقع فيها كثير من الناس اليوم؛ لأن الناس جهلوا هذه القاعدة، فصاروا يتكلفون بشعور أو بغير شعور، فتجد الواحد منهم في مؤلفاته قد يستقرئ مثلًا الأدلة في موضع معين، فيحاول أن يجلب الأدلة ويلوي أعناقها لتوافق ما يريد أن يصل إليه.
وكذلك تجد كثيرًا منهم يكتب في قضية شرعية معينة أو في منهج من المناهج، وفي نيته وعزمه المسبق أن يتوصل إلى نتيجة سبق أن قررها في نفسه، ومن هنا اختلط الأمر على كثير من شباب الأمة، خاصة أولئك الذين لا يسلمون من النزعات الحزبية والشعارات؛ فإنهم فتنوا الناس بمحاولة عرض ما هم عليه بالأدلة، وبدءوا يتكلمون عن مناهج الأنبياء ومناهج السلف، ومناهج الدعاة، ومناهج العلماء، وكل منهم يجر هذه المناهج إلى ما يريد، فهذا خلاف منهج السلف، وجر النصوص إلى ما يريده الشخص من أعظم سمات أهل الأهواء، التي فارقوا بها السنة، فعلى طالب العلم أن يتنبه لهذا الأمر وأن ينبه عليه، وأن يحذر هذه الخصلة التي وقع فيها كثير من الناس، ولذلك أرى ضرورة التمعن والتأني فيما يكتبه ويقوله الناس اليوم، فيما يتعلق بالتنويه عن مناهج السلف، وعن أصولهم، وعن مواقفهم، والارتكاز عليها في كثير مما يذهب إليه المختلفون من طلاب العلم، ومن المتنازعين في كثير من الأمور، ينبغي أن نتنبه، وقد يحدث هذا من أهل الصلاح والاستقامة، لا يلزم أن يكون صاحب هوى وممن عرف بالهوى؛ لأنه قد يدخل بنزعة معينة من النزعات التي وقع فيها غالب المسلمين الآن، لذا لا ينبغي أن يكون الميزان فقط هو صلاح الظاهر والاستقامة الظاهرة، ولا أن يكون الميزان هو مجرد حشد النصوص، ودعاوى أقوال السلف ومناهجهم، إنما ينبغي أن يكون الميزان الرجوع إلى الأصول التي قررها السلف مسبقًا، والتي عليها العلماء الراسخون، الذين لم يعرفوا بشيء من النزعات أو الميولات التي ابتلي بها كثير من المسلمين الآن.
[ ١١٠ / ٦ ]
حقيقة الجهمية وأصل مذهبهم
قال رحمه الله تعالى: [والجهمية: هم المنتسبون إلى جهم بن صفوان الترمذي، وهو الذي أظهر نفي الصفات والتعطيل، وهو أخذ ذلك عن الجعد بن درهم، الذي ضحى به خالد بن عبد الله القسري بواسط، فإنه خطب الناس في يوم عيد الأضحى وقال: أيها الناس! ضحوا تقبَّل الله ضحاياكم، فإني مُضحٍّ بـ الجعد بن درهم؛ فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، تعالى الله عما يقول الجعد علوًا كبيرًا! ثم نزل فذبحه، وكان ذلك بعد استفتاء علماء زمانه، وهم السلف الصالح رحمهم الله تعالى].
قصة قتل الجعد مشهورة ومستفيضة عند السلف، وأنها إنما تمت بسبب قوله بأصول الجهمية؛ بسبب إنكاره لأسماء الله ﷿ وصفاته، لا كما يدعي كثير من أهل الأهواء قديمًا وحديثًا من أن قتل الجعد كان قتلًا سياسيًا، هذه شنشنة لا نزال نسمعها من كثير من الذين في نفوسهم هوى أو جهل بمناهج السلف؛ فإن قتل الجعد وغير الجعد ممن قتلوا في ذلك الوقت من الذين جانبوا الحق، إنما كان من باب الردع وإقامة الحد، وخالد بن عبد الله القسري الذي قتل الجعد إنما فعل ذلك بعد استفتاء علماء زمانه، كما هو معروف، بل بوصية من العلماء؛ لأن الفتنة في أقوال الجعد كانت فتنة عظيمة، تتعلق بأصول الدين وقواعده الأساسية.
قال رحمه الله تعالى: [وكان جهم بعده بخراسان، فأظهر مقالته هناك، وتبعه عليها ناس بعد أن ترك الصلاة أربعين يومًا شكًا في ربه! وكان ذلك لمناظرته قومًا من المشركين يقال لهم: السُّمَنية من فلاسفة الهند، الذين ينكرون من العلم ما سوى الحسيات، قالوا له: هذا ربك الذي تعبده هل يُرَى أو يُشَم أو يُذاق أو يُلْمَس؟ فقال: لا.
فقالوا: هو معدوم! فبقي أربعين يومًا لا يعبد شيئًا، ثم لما خلا قلبه من معبود يألهه نقش الشيطان اعتقادًا نَحَته فكرُه، فقال: إنه الوجود المطلق! ونفى جميع الصفات، واتصل بـ الجعد.
وقد قيل: إن الجعد كان قد اتصل بالصابئة الفلاسفة من أهل حران، وأنه أيضًا أخذ شيئًا عن بعض اليهود المحرفين لدينهم المتصلين بـ لبيد بن الأعصم الساحر الذي سحر النبي ﷺ.
فقُتل جهم بخراسان، قتله سلم بن أحوز؛ ولكن كانت قد فشت مقالته في الناس، وتقلدها بعض المعتزلة؛ ولكن كان الجهم أدخل في التعطيل منهم؛ لأنه ينكر الأسماء حقيقة، وهم لا ينكرون الأسماء، بل الصفات].
[ ١١٠ / ٧ ]
أصناف الجهمية وحكم كل صنف
قال رحمه الله تعالى: [وقد تنازع العلماء في الجهمية هل هم من الثنتين وسبعين فرقةً أم لا؟ ولهم في ذلك قولان، وممن قال: إنهم ليسوا من الثنتين وسبعين فرقةً: عبد الله بن المبارك ويوسف بن أسباط رحمهما الله].
الذي استقر عليه قول جمهور السلف في القرن الثالث وما بعده، بعدما ظهرت هذه الفرق وتبينت مناهجها بشكل جلي، الذي استقر قول السلف أن الجهمية على نوعين: جهمية خالصة وهم الذين تتوافر عندهم ثلاثة أصول: القول بالتعطيل المطلق، والقول بالإرجاء الغالي، والقول بالجبر الغالي، وهؤلاء الذين تتوافر عندهم هذه الأصول هم غلاة الجهمية، فهؤلاء بمقتضى أصولهم ليسوا من المسلمين.
والجهمية الذين يقولون بالإرجاء الغالي هم الذين يقولون: إن الإيمان هو المعرفة فقط، وإنه لا يضر مع المعرفة ذنب، ولا تنفع مع المعرفة طاعة، فهؤلاء من البدهي ومن الضرورة أن قولهم هذا يستلزم الجبر، بل العكس هو الصحيح، الجبرية الخالصة وهي الجهمية الخالصة قالوا بأن الإنسان مجبور على أفعاله، ومن هنا تركز على هذا الجبر الإرجاء، وأنه ما دام مجبورًا فإنه لا يؤاخذ، ثم قالوا بأن الإيمان هو المعرفة، فمن هنا اجتمعت عند غلاة الجهمية هذه الأصول الثلاثة: التعطيل الخالص، الذي هو إنكار أسماء الله وصفاته، وهذا أول سمة لهم، ثم القول بالجبر المطلق، ثم القول بالإرجاء الغالي، فهذا الصنف هم الذين قصدهم عبد الله بن المبارك ويوسف بن أسباط وجمهور السلف الذين قالوا: إنهم ليسوا من فرق المسلمين، وليسوا من الثنتين والسبعين فرقة المتوعدة بالنار، وليسوا من أهل القبلة.
الصنف الثاني من الجهمية: هم كل من أخذ بقول من أقوال الجهمية غير الأقوال المغلظة؛ لأن بعض أهل العلم يلحق القائل بخلق القرآن بالغلاة، والصحيح أن القول بخلق القرآن كان نتيجة للتعطيل، فمن هنا لا يلحق القائل بخلق القرآن بالقائل بالتعطيل؛ لأن السلف الصالح يتوسعون في مفهوم التجهم، وعلى هذا فإن الجهمية غير الغلاة تدخل فيهم المعتزلة، فمن هنا لا يكونون من الخارجين من الملة، بل هم من فرق المسلمين، وأيضًا المعتزلة أهل الجهمية غير الغلاة يدخل فيهم المتكلمون، فالكلابية فيها تجهم، والأشاعرة كذلك بعض أصولها قائمة على أصول الجهمية، خاصة في عهد أبي المعالي الجويني والغزالي والرازي ومن جاء بعدهم، والماتريدية ابتداءً قامت أصولها على شيء من التجهم، منذ أن نشأت الماتريدية وأصولها قائمة على بعض أصول الجهمية، ومصطلحات الجهمية، ومناهج الجهمية، فلهذا هذا النوع من الجهمية يعتبرون من فرق المسلمين، لكنها من الفرق الضالة الخارجة عن السنة.
[ ١١٠ / ٨ ]
وقت اشتهار مقالة الجهمية
قال رحمه الله تعالى: [وإنما اشتهرت مقالة الجهمية من حين محنة الإمام أحمد بن حنبل وغيره من علماء السنة، فإنه من إمارة المأمون قووا وكثروا، فإنه كان قد أقام بخراسان مدة، واجتمع بهم، ثم كتب بالمحنة من طرسوس سنة ثمان عشرة ومائتين، وفيها مات، وردوا الإمام أحمد إلى الحبس ببغداد إلى سنة عشرين، وفيها كانت محنته مع المعتصم، ومناظرته لهم بالكلام، فلما رد عليهم ما احتجوا به عليه، وبيَّن أنه لا حجة لهم في شيء من ذلك، وأن طلبهم من الناس أن يوافقوهم، وامتحانهم إياهم جهل وظلم، وأراد المعتصم إطلاقه، أشار عليه مَن أشار بأن المصلحة ضربُه؛ لئلا تنكسر حرمة الخلافة مرةً من بعد مرة! فلما ضربوه قامت الشناعة في العامة، وخافوا فأطلقوه، وقصته مذكورة في كتب التاريخ].
المقصود بمقالة الجهمية هنا التعطيل بعامة، والقول بخلق القرآن بخاصة؛ لأنه نوع من التعطيل، والشهرة لا يقصد بها هنا شهرة الذيوع وكثرة الأتباع، أما شهرة المقالة فقد سبقت قبل ذلك، وعرفنا من خلال دروس سابقة أن الجهمية بدأت بذورها وظهرت مقالاتها وأصحابها الأولى في آخر القرن الأول، نجم مذهب الجهمية على يد غيلان الدمشقي، فقد كان عنده ميل إلى التعطيل، ونسبت إليه بعض مقالات التعطيل في الاستواء، وفي كلام الله ﷿، لكن ليست صريحة كما حصل في المرحلة الثانية، المرحلة الثانية من مراحل ظهور الجهمية كانت في أول القرن الثاني الهجري، حيث بدأت مناهج الجهمية تشتهر على يد الجعد بن درهم، فقد عمم القول بالتعطيل، خاصة فيما يتعلق بالتكليم، والخلة، والاستواء، والعلو، والفوقية ونحو ذلك، وقد صرح الجهم بتعطيل صفات الله ﷿ وأسمائه في هذا الجانب بالذات، وأنكر عليه السلف أشد الإنكار، وغلظوا في تبديع مقولته، وحاوروه وأقاموا عليه الحجة، حتى حكموا بضرورة قتله؛ لأن قوله هذا من أعظم الفساد في الدين، فقتل.
ثم جاءت المرحلة الثالثة من مراحل الجهمية على يد الجهم بن صفوان، والجهم أخذ بعض مقالات الجعد وزاد عليها، والجهم أعلن التعطيل وعممه في جميع أسماء الله ﷿ وصفاته، وأيضًا قال بالجبر الغالي وبالإرجاء الغالي، واستقرت أصول الجهمية ومناهجها العامة على يد الجهم بن صفوان، ثم بقيت من ضمن الفرق، وتلاقحت هي والمعتزلة مع الشيعة أيضًا في آخر القرن الثاني، ومع الخوارج أيضًا، تلاقحت هذه الفرق حتى صارت كثير من أصول الجهمية موجودة عند المعتزلة، وعند الإباضية، وعند الرافضة، ومما جعلها تشتهر بشكل أكثر في المرحلة الرابعة في عهد المأمون، والمأمون أشرب في قلبه بعض أصول الجهمية، وأعجب بأقوال المعتزلة وتلقى عنهم، وكان ميالًا إلى الكلاميات، وعنده نزعة حب الفلسفة، فأشهر مقالة الجهمية بقوة السيف وقوة الدولة، وحصلت الفتنة والمحنة العظمى التي امتحن بها المسلمون سنين عديدة، وانتهت -بحمد الله- بالنصر المبين لإمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل، وبعدها انكمشت الجهمية وانسابت وساحت بين الفرق، فلم تعد للجهمية راية مستقلة لها أصولها ورءوسها، إنما دخلت في الشيعة خاصة الرافضة، ودخولها في الإباضية وفي الزيدية من باب أولى، وكذلك دخولها في فرق أخرى، كذلك وجدت عقيدة التجهم وانتشرت في الطرق الصوفية في هذه المرحلة.
ثم بعد ذلك ظهرت المعتزلة الجهمية في العصر الحديث، على يد بعض الجماعات بشكل صريح معلن، حيث تبنت أصول الجهمية تبنيًا مستقلًا، وهي لا تتبع الفرق السابقة، إنما قامت على أنقاض الجهمية والمعتزلة، كحزب التحرير، وبعض الاتجاهات العقلانية والعصرانية، التي يدعي أصحابها أنهم أصحاب الفكر الإسلامي الحديث.
ومن عوامل قوة الجهمية ترجمة العلوم، كترجمة الفلسفة اليونانية، وترجمة كتب الديانات الوثنية والفلسفية، وكتب الصابئة والمجوس، وكتب الديانات الهندية وغيرهم، وكلها ترجمت في عهد المأمون أو أكثرها، فكان لها الأثر في شيوع الجهمية، وفي امتداد أصولها إلى أصول جديدة، ومباحث جديدة كلامية وفلسفية.
[ ١١٠ / ٩ ]
عقيدة الجهم في الجنة والنار والإيمان والكفر
قال رحمه الله تعالى: [ومما انفرد به جهم: أن الجنة والنار تفنيان، وأن الإيمان هو المعرفة فقط، والكفر هو الجهل فقط، وأنه لا فعل لأحد في الحقيقة إلا لله وحده، وأن الناس إنما تنسب إليهم أفعالهم على سبيل المجاز، كما يقال: تحركت الشجرة، ودار الفلك، وزالت الشمس.
ولقد أحسن القائل: عجبت لشيطان دعا الناس جهرةً إلى النار واشتُق اسمه من جهنم وقد نقل أن أبا حنيفة ﵀ سئل عن الكلام في الأعراض والأجسام؟ فقال: لعن الله عمرو بن عبيد هو فتح على الناس الكلام في هذا!].
[ ١١٠ / ١٠ ]
حقيقة الجبرية وأصل مذهبهم
قال رحمه الله تعالى: [والجبرية: أصل قولهم من جهم بن صفوان كما تقدم، وأن فعل العبد بمنزلة طوله ولونه! وهم عكس القدرية نفاة القدر؛ فإن القدرية إنما نسبوا إلى القدر لنفيهم إياه، كما سميت المرجئة لنفيهم الإرجاء، وأنه لا أحد مرجأ لأمر الله؛ إما يعذبهم وإما يتوب عليهم، وقد تسمى الجبرية قدرية].
في هذا تجاوز في تعليل التسمية، أما كون القدرية سموا قدرية لنفيهم القدر فهذا واضح، أما المرجئة فسموا مرجئة لعدة أسباب بحسب حالهم، فمرجئة الفقهاء سموا مرجئة؛ لأنهم أخروا الأعمال عن الإيمان، ومرجئة المشككة -الذين سيأتي الكلام عنهم بعد قليل- سموا مرجئة؛ لأنهم أرجئوا أمر الحكم على العباد، خاصة أصحاب الذنوب، والجهمية سموا مرجئة؛ لأنهم قالوا بالإرجاء المطلق، غلَّبوا جانب الرجاء مطلقًا، ولم يعد للخوف ولا للوعيد عندهم أي اعتبار، وطائفة من الناس سميت مرجئة؛ لأنهم اختلفوا في بعض قضايا الدين، كاختلافهم فيما حدث بين الصحابة، أو كاختلاف بعضهم في المفاضلة بين علي وبين عثمان، فكل من هذه الطوائف قالوا: نرجئ الأمر ولا نبت فيه، يعني: نتوقف فيه، فسموا مرجئة؛ لأنهم أخروا الحكم فعلقوه بمشيئة الله ﷿.
إذًا: كل طائفة من المرجئة صار سبب تسميتها مرجئة راجعًا إلى حالها، فهم لا يتشابهون في سبب التسمية، وما ذكره الشارح هنا لعله من أضعف الأقوال في سبب تسمية المرجئة، وإذا أطلقت بدون تقييد وبدون ما يدل عليها السياق، فإنها تعني مرجئة الفقهاء الذين يقولون بأن الإيمان تصديق، وأن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان، والإيمان لا يزيد ولا ينقص، ولا استثناء في الإيمان، فهؤلاء هم المرجئة عند الإطلاق.
قال رحمه الله تعالى: [وقد تسمى الجبرية: قدرية؛ لأنهم غلوا في إثبات القدر، كما يسمى الذين لا يجزمون بشيء من الوعد والوعيد، بل يغلون في إرجاء كل أمر حتى الأنواع، فلا يجزمون بثواب من تاب، كما لا يُجزم بعقوبة من لم يتب].
هؤلاء أيضًا يسمون مرجئة، وهنا لم يأت بجواب العبارة: (كما يسمى الذين لا يجزمون بشيء من الوعيد والعيد) كما يسمى المرجئة كذلك.
وقوله: (بل يغلون في إرجاء كل أمر حتى الأنواع) يعني: الأنواع المتعلقة بالأحكام العامة البدهية، بعضهم يشكك فيها، مثل: الثواب على الطاعات، والعقاب على المعاصي مطلقًا، يوجد من يشكك ويرجئ الأمر مطلقًا، فهذا يعتبر نوعًا من الوسواس، أو نوعًا من الزندقة أحيانًا، وكذلك الوعد والوعيد لا يقرون بوعد ولا بوعيد، ولا بثواب ولا بعقاب، أو يغلون في تعليق مصائر العباد، فلا ثواب ولا عقاب، ولا وعد ولا وعيد.
إذًا: هذا معنى قوله: (في إرجاء كل أمر حتى الأنواع) يعني: أنواع الأحكام العامة من الثواب والعقاب، والوعد والوعيد ونحو ذلك.
قال رحمه الله تعالى: [وكما لا يجزم لمعين.
وكانت المرجئة الأولى يرجئون عثمان وعليًا ولا يشهدون بإيمان ولا كفر].
هنا أشار المؤلف ﵀ إلى عدة أنواع من المرجئة، أولهم: المرجئة الجبرية الخالصة، المرجئة الغالية، مرجئة الجهمية، الذين يقولون: لا يضر مع المعرفة ذنب، وبعد ذلك تأتي بعدهم: مرجئة الكرامية، ولم يشر إليهم هنا، لكن يحسن ذكرها، وهم الذين يقولون بأن الإيمان قول اللسان فقط، وهم في الدرجة الثانية من حيث البدعة، أما المقولة الأولى فهي مقولة كفرية، وهي القول بأن الإيمان هو المعرفة فقط، والمقولة الثانية بدعية، وهي أن الإيمان هو قول اللسان فقط، وهم الكرامية.
والنوع الثالث من المرجئة: مرجئة الفقهاء، الذين يقولون بأن الإيمان هو التصديق، أو التصديق والقول، فيخرجون الأعمال من مسمى الإيمان، ويمنعون زيادة الإيمان ونقصانه، ويمنعون الاستثناء في الإيمان.
والمرجئة الرابعة: مرجئة الأحكام، الذين لا يجزمون بحكم، لا يجزمون بثواب ولا بعقاب، ولا بوعد ولا بوعيد، وهم فرع عن الجهمية، لكنهم أخف، وهؤلاء يكثرون في المتصوفة.
والمرجئة الأخيرة: هم مرجئة أمر الصحابة، فهم الذين أرجئوا الأمر فيما حدث بين الصحابة، فلا يرون أن أحدًا من الصحابة محق على سبيل الجزم، فيقولون: لا نجزم، وهذا خلاف رأي جمهور السلف، وتفرع عن هذه المرجئة أيضًا إرجاء أمر علي وعثمان، ترددوا في أيهما أفضل، ثم ترددوا في أيهما أحق بالخلافة، ثم نتج عن ذلك أيضًا التردد في أمر علي ومعاوية ﵄ وأصحابهما، ممن حدث بينهم شيء من الخلاف في صفين والجمل وغيرها، فترددوا في الأمر، وقالوا: نرجئ أمرهم إلى الله ﷿، وهذا كله خلاف قول السلف.
إذًا: التجهم الأول: كفري، والثاني: بدعي، والثالث: بدعي، والرابع: لم يتكلم السلف في حق من قاله؛ لأنه قول انتهى، قاله قوم من السلف إبان الفتنة وبعده بقليل، قبل أن يستقر القول عند السلف في تفضيل عثمان ﵁ على علي، وقبل أن يستقر عند السلف أن الفئة المحقة هي فئة
[ ١١٠ / ١١ ]
النصوص الواردة في ذم القدرية
قال رحمه الله تعالى: [وقد ورد في ذم القدرية أحاديث في السنن، منها: ما روى أبو داود في سننه من حديث عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: (القدرية مجوس هذه الأمة؛ إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم)، وروي في ذم القدرية أحاديث أخر كثيرة تكلم أهل الحديث في صحة رفعها، والصحيح أنها موقوفة، بخلاف الأحاديث الواردة في ذم الخوارج].
الأحاديث الواردة في المرجئة وفي القدرية لا تصح، لكن نسبة قول القدرية إلى المجوس وقول المرجئة إلى النصارى نسبة صحيحة، من حيث الأصول والمناهج؛ لأنه ثبت عند السلف بالاستقراء أن مقولة القدرية هي فرع عن مقولات الأمم الماضية، وهي أقرب إلى مقولة المجوس، وطوائف من الصابئة، وطوائف من اليهود، وطوائف من النصارى، القول بالقدر لم يكن وليد الأهواء عند المسلمين، بل كان امتدادًا لما كان عليه الأمم السابقة خاصة المجوس؛ لأن المجوس جعلوا مع الله ﷿ إلهًا آخر، سموه: إله الشر، وشبهتهم في ذلك أنهم زعموا أنه لا يليق أن يكون الله ﷿ خالق الشر ولا مقدرًا له، فمن هنا نشأ عن قولهم اعتقادهم بأن هناك إلهًا آخر قدر الشر وخلقه، هذه هي الفكرة والشبهة الموجودة عند المعتزلة، الذين زعموا أن الإنسان يستقل بأفعاله من دون تقدير الله لها.
فمن هنا نقول: القول بالقدر أشبه ما يكون وأقرب ما يكون إلى قول المجوس، وهو امتداد لمقولة المجوس، وهذه المقولة موجودة عند كثير من الأمم أيضًا، وليست في المجوس فقط، فاليونان مثلًا: عندهم آلهة للخير وآلهة للشر، وكذلك عند كثير من الأمم الوضعية، لكن المجوس أقرب الناس تأثيرًا في المسلمين، وأيضًا المجوس كانت صفتهم ظاهرة في هذا الأمر، فهم أثبت من غيرهم من الأمم في هذه المقولة.
قال رحمه الله تعالى: [فإن فيهم في الصحيح وحده عشرة أحاديث: أخرج البخاري منها ثلاثة، وأخرج مسلم سائرها، ولكن مشابهتهم للمجوس ظاهرة؛ بل قولهم أردأ من قول المجوس؛ فإن المجوس اعتقدوا وجود خالقَينِ، والقدرية اعتقدوا خالقِينَ!! وهذه البدع المتقابلة حدثت من الفتن المفرقة بين الأمة كما ذكر البخاري في صحيحه عن سعيد بن المسيب قال: وقعت الفتنة الأولى -يعني: مقتل عثمان - فلم تبق من أصحاب بدر أحدًا، ثم وقعت الفتنة الثانية -يعني: الحرة- فلم تبق من أصحاب الحديبية أحدًا، ثم وقعت الثالثة فلم ترتفع وللناس طباخ.
أي: عقل وقوة.
فالخوارج والشيعة حدثوا في الفتنة الأولى، والقدرية والمرجئة في الفتنة الثانية، والجهمية ونحوهم بعد الفتنة الثالثة، فصار هؤلاء الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا، يقابلون البدعة بالبدعة، أولئك غلوا في علي، وأولئك كفروه! وأولئك غلوا في الوعيد حتى خلدوا بعض المؤمنين، وأولئك غلوا في الوعد حتى نفوا بعض الوعيد -أعني: المرجئة-، وأولئك غلوا في التنزيه حتى نفوا الصفات، وهؤلاء غلوا في الإثبات حتى وقعوا في التشبيه، وصاروا يبتدعون من الدلائل والمسائل ما ليس بمشروع، ويعرضون عن الأمر المشروع، وفيهم من استعان على ذلك بشيء من كتب الأوائل: اليهود، والنصارى، والمجوس، والصابئين؛ فإنهم قرءوا كتبهم، فصار عندهم من ضلالتهم ما أدخلوه في مسائلهم ودلائلهم، وغيروه في اللفظ تارة، وفي المعنى أخرى، فلبسوا الحق بالباطل وكتموا حقًا جاء به نبيهم، فتفرقوا واختلفوا، وتكلموا حينئذ في الجسم والعرض والتجسيم نفيًا وإثباتًا].
[ ١١٠ / ١٢ ]
سبب ضلال الفرق العدول عن الصراط المستقيم الذي أمر الله باتباعه
قال رحمه الله تعالى: [وسبب ضلال هذه الفرق وأمثالهم عدولهم عن الصراط المستقيم الذي أمرنا الله باتباعه، فقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣].
وقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨]، فوحد لفظ صراطه وسبيله وجمع السبل المخالفة له.
وقال ابن مسعود ﵁: (خط لنا رسول الله ﷺ خطًا، وقال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن يساره، وقال: هذه سبل، على كل سبيل شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣]).
ومن هاهنا يعلم أن اضطرار العبد إلى سؤال هداية الصراط المستقيم فوق كل ضرورة، ولهذا شرع الله تعالى في الصلاة قراءة أم القرآن في كل ركعة، إما فرضًا أو إيجابًا على حسب اختلاف العلماء في ذلك؛ لاحتياج العبد إلى هذا الدعاء العظيم القدر، المشتمل على أشرف المطالب وأجلها، فقد أمرنا الله تعالى أن نقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧].
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون).
وثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (لتتبعن سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه.
قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟!).
قال طائفة من السلف: من انحرف من العلماء ففيه شبه من اليهود، ومن انحرف من العباد ففيه شبه من النصارى].
ووجه الشبه ظاهر أن من انحرف من العلماء انحرف عن علم، ومن انحرف من العباد انحرف عن جهل، وأكثر من اشتهر انحرافهم بعد علم وإقامة حجة هم اليهود، وأكثر من اشتهر انحرافهم عن جهل هم النصارى، خاصة الرهبان منهم.
قال رحمه الله تعالى: [فلهذا تجد أكثر المنحرفين من أهل الكلام من المعتزلة ونحوهم فيه شبه من اليهود؛ حتى إن علماء اليهود يقرءون كتب شيوخ المعتزلة، ويستحسنون طريقتهم، وكذا شيوخ المعتزلة يميلون إلى اليهود ويرجحونهم على النصارى، وأكثر المنحرفين من العباد من المتصوفة ونحوهم فيهم شبه من النصارى؛ ولهذا يميلون إلى نوع من الرهبانية والحلول والاتحاد ونحو ذلك، وشيوخ هؤلاء يذمون الكلام وأهله، وشيوخ أولئك يعيبون طريقة هؤلاء، ويصنفون في ذم السماع والوجد وكثير من الزهد والعبادة التي أحدثها هؤلاء].
[ ١١٠ / ١٣ ]
طرق فرق الضلال في الوحي
قال رحمه الله تعالى: [ولفرق الضلال في الوحي طريقتان: طريقة التبديل، وطريقة التجهيل، أما أهل التبديل فهم نوعان: أهل الوهم والتخييل، وأهل التحريف والتأويل.
فأهل الوهم والتخييل: هم الذين يقولون: إن الأنبياء أخبروا عن الله، واليوم الآخر، والجنة والنار، بأمور غير مطابقة للأمر في نفسه، لكنهم خاطبوهم بما يتخيلون به، ويتوهمون به أن الله شيء عظيم كبير، وأن الأبدان تعاد، وأن لهم نعيمًا محسوسًا، وعقابًا محسوسًا، وإن كان الأمر ليس كذلك؛ لأن مصلحة الجمهور في ذلك، وإن كان كذبًا فهو كذب لمصلحة الجمهور!! وقد وضع ابن سينا وأمثاله قانونهم على هذا الأصل.
وأما أهل التحريف والتأويل: فهم الذين يقولون: إن الأنبياء لم يقصدوا بهذه الأقوال ما هو الحق في نفس الأمر، وإن الحق في نفس الأمر هو ما علمناه بعقولنا، ثم يجتهدون في تأويل هذه الأقوال إلى ما يوافق رأيهم بأنواع التأويلات.
ولهذا كان أكثرهم لا يجزمون بالتأويل، بل يقولون: يجوز أن يراد كذا، وغاية ما معهم إمكان احتمال اللفظ.
وأما أهل التجهيل والتضليل الذين حقيقة قولهم: إن الأنبياء وأتباع الأنبياء جاهلون ضالون، لا يعرفون ما أراد الله بما وصف به نفسه من الآيات وأقوال الأنبياء، ويقولون: يجوز أن يكون للنص تأويل لا يعلمه إلا الله، لا يعلمه جبريل ولا محمد ﷺ، ولا غيره من الأنبياء، فضلًا عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأن محمد ﷺ كان يقرأ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥].
﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠].
﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، وهو لا يعرف معاني هذه الآيات؛ بل معناها الذي دلت عليه لا يعرفه إلا الله تعالى، ويظنون أن هذه طريقة السلف.
ثم منهم من يقول: إن المراد بهذا خلاف مدلولها الظاهر المفهوم ولا يعرفه أحد، كما لا يعلم وقت الساعة.
ومنهم من يقول: بل تجرى على ظاهرها وتحمل على ظاهرها، وهؤلاء يشتركون في القول بأن الرسول لم يبين المراد بالنصوص، التي يجعلونها مشكلة أو متشابهة؛ ولهذا يجعل كل فريق المشكل من نصوصه غير ما يجعله الفريق الآخر مشكلًا.
ثم منهم من يقول: لم يعلم معانيها أيضًا.
ومنهم من يقول: عَلِمَهَا ولم يبينها، بل أحال في بيانها على الأدلة العقلية، وعلى من يجتهد في العلم بتأويل تلك النصوص، فهم مشتركون في أن الرسول ﷺ لم يَعْلَم أو لم يُعلِّم، بل نحن عرفنا الحق بعقولنا، ثم اجتهدنا في حمل كلام الرسول ﷺ على ما يوافق معقولنا، وأن الأنبياء وأتباعهم لا يعرفون العقليات، ولا يفهمون السميعات.
وكل ذلك ضلال وتضليل عن سواء السبيل.
نسأل الله السلامة والعافية من هذه الأقوال الواهية المفضية بقائلها إلى الهاوية سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين].
يقرر المؤلف ﵀ هنا مناهج أهل الأهواء ومواقفهم مما جاء به الرسل، وتقرير المؤلف هذا منقول عن شيخ الإسلام ابن تيمية في درء التعارض وفي غيره، وهذا لا يعني أن كل طائفة تمثل فرقة، أو كل منهج يمثله فرقة، هذه المناهج موزعة بين الفرق، فمثلًا: ما أشار إليه عند ذكر أهل الوهم والتخييل، الذين يقولون: إن الأنبياء أخبروا عن الله واليوم الآخر والجنة والنار بأمور غير مطابقة للأمر في نفسه، إنما جاءوا بهذا الخطاب من أجل إقناع الجمهور، وأغلبها خيالات وتوهمات، فالقائلون بهذا القول هم طوائف من الفلاسفة ومن الجهمية ومن الباطنية.
والقول الثاني الذي أشار إليه في قوله: (وأما أهل التحريف والتأويل) فهم الذين يقولون: إن الأنبياء لم يقصدوا بهذه الأقوال ما هو الحق في نفس الأمر، وأن الحق في نفس الأمر هو ما علمناه بعقولنا، فهؤلاء أهل الكلام عمومًا، سواء من كان عنده نزعة صوفية، أو كانوا من متكلمة الفرق الإسلامية، ومناهج أهل الكلام تقوم على هذا الأصل، على التحريف والتأويل.
الصنف الثالث: هم أهل التجهيل والتضليل، وأغلبهم من الفلاسفة والباطنية، لكن نسب الشيخ إليهم المفوضة والواقفة، وأهل التفويض والوقف موجودون في جميع الفرق، في الفلاسفة والباطنية والجهمية وأهل الكلام، أيضًا أدخل في هذا الصنف طائفة من المتكلمين في المقطع الأخير، الذين قال فيهم: ثم منهم من يقول: لم يعلم معانيها أيضًا، هذا ما استقر عليه منهج أهل الكلام المتأخرين من القرن السادس وما بعده، بل من القرن الخامس من أيام الشهرستاني والبغدادي والجويني والغزالي والرازي وهو أشهرهم، ثم الإيجي والآمدي ومن سلك سبيلهم، فهؤلاء هم أصحاب القول الأخير، فأدخلهم في أهل التجهيل والتضليل من باب الإلزام؛ لأن التجهيل والتضليل من لوازم قولهم، وإلا ففي الفئة الأخيرة من يقول: يعلم معان
[ ١١٠ / ١٤ ]