من مراتب القدر الإيمان بعلم الله تعالى الأزلي السابق لجميع المخلوقات، فهو سبحانه قد علم ما كان وما سيكون إلى قيام الساعة علمًا دقيقًا تفصيليًا، ثم كتب ذلك في اللوح المحفوظ، ثم شاء وقدر مقادير الخلائق، ثم خلقهم على ما علم وقدر سبحانه، فتقديره سبحانه مطابق لعلمه الأزلي بكل شيء، ولم ينكر العلم الأزلي إلا غلاة المعتزلة والقدرية، وقالوا بأن الله لم يخلق أفعال العباد، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
[ ٥٦ / ١ ]
علم الله تعالى وتقديره سابقان لكل المخلوقات
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه، فقدر ذلك تقديرًا محكمًا مبرمًا ليس فيه ناقض ولا معقب ولا مزيل ولا مغير ولا محول ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه)].
في هذه الفقرة أراد الشارح والمؤلف رحمهما الله تعالى أن يقررا أن علم الله سابق لكل شيء، وأن علم الله سابق يشمل جميع أفعال العباد، وكذلك التقدير، فالعلم والتقدير في كل ما يحدث في هذا الكون سابقان من الله ﷿، فلا يحدث إلا ما علمه الله ﷿، ولا يحدث إلا ما قدره الله ﷿.
وأراد بهذه الفقرة أن يرد على شبهة القائلين بأن أفعال البشر كلها أو بعضها ليست مقدورة لله ﷿ ولا معلومة له إلا بعد حدوثها.
وقال: [وأنكر غلاة المعتزلة أن الله كان عالمًا في الأزل] فالإشارة إلى غلاة المعتزلة، يعني: أنه ليس كل المعتزلة يقولون ذلك، وهذا صحيح، فغلاتهم ينكرون علم الله في الأزل، يعني: علم الله السابق مطلقًا، ويقولون: إن الله تعالى لا يعلم أفعال العباد حتى يفعلوها، وبعضهم يقول بأن الله لا يعلم أفعال الشر من العباد حتى يفعلوها، إنما يعلم أفعال الخير ويقدرها، وبعضهم يثبت العلم، لكنه ينكر التقدير، يقول بأن الله علم ما سيفعله العباد، لكنه لم يقدره، وكذلك اختلافهم في التقدير كاختلافهم في العلم؛ فمنهم من ينفي تقدير أفعال العباد مطلقًا من قبل الله ﷿، ومنهم من ينفي تقدير أفعال الشر فقط.
وهؤلاء كلهم الرد عليهم واحد، ويتلخص في قول الشافعي: ناظروا القدرية بالعلم، يعني: خذوهم في مسألة الإقرار بالعلم، يعني: سلوهم عن العلم، أي: علم الله ﷿، فإن أقروا به، أي: أقروا بأن الله عالم بكل شيء خصموا، بمعنى: انقطعت حجتهم، فلا يعقل أن الله ﷿ يعلم شيئًا ولا يقدره، وإن أنكروا العلم كفروا؛ لأن من أنكر العلم ادعى أنه يقع في ملك الله ما لا يعلمه الله، وهذا لا يعقل ولا يليق ولا يمكن، بل يستحيل أن يقع في ملك الله ﷿وهو المدبر الحي القيوم الذي لا تخفى عليه خافية- ما لا يعلمه.
إذًا: فهم بهذا يخصمون على الوجهين.
[ ٥٦ / ٢ ]
الرد على شبهة قدرة العبد على تغيير علم الله بفعله ما لا يريده الله شرعًا
ثم عرض الشارح لشبهة قالها بعض المتحذلقة، وهو قولهم: فيلزم أن يكون العبد قادرًا على تغيير علم الله، بمعنى: أنه إذا كان الإنسان يمكن أن يفعل ما لا يريده الله شرعًا فهذا يعني أن العبد قادر على تغيير علم الله، فكأنهم يزعمون أن الله لا يدري هل يفعل هذا أو ذاك، فإذا فعل ما لا يريده الله -أي: لم يشرعه الله- تجدد لله علم بأن هذا العبد فعل الشر الذي لا يريده الله منه! وذلك كله ناتج عن قصور فهمهم للقدر.
فيقال لهم: هذه مغالطة؛ لأن مجرد قدرة العبد على الفعل لا تستلزم تغير العلم وتغييره بالنسبة لله ﷿، فكون الله ﷿ أقدر العباد على الفعل والترك لا يعني أنه بفعلهم أو تركهم يتجدد له شيء، فالله سبحانه كما أنه أقدر العبد على أن يفعل وأقدره على أن يترك هو ﷿ عالم بأنه سيفعل أو سيترك، فإن فعل العبد ما يأمر الله به فإن الله عالم سلفًا بأن العبد سيفعله، وإذا لم يفعل العبد ما يأمره الله به؛ فإن الله عالم سلفًا بأن العبد لن يفعل ذلك، ومن هنا كان التقدير السابق في الشقاوة والسعادة مبنيًا على علم الله السابق وحكمته ومشيئته.
إذًا: مجرد قدرة العباد على الفعل أو على الترك لا يلزم منها أن يتغير لله علم.
[ ٥٦ / ٣ ]
الإيمان بالقدر من عقد الإيمان وأن القدرية مجوس هذه الأمة
قال رحمه الله تعالى: [قوله: (وذلك من عقد الإيمان وأصول المعرفة والاعتراف بتوحيد الله تعالى وربوبيته، كما قال تعالى في كتابه: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢]، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب:٣٨]): الإشارة إلى ما تقدم من الإيمان بالقدر وسبق علمه بالكائنات قبل خلقها، قال ﷺ في جواب السائل عن الإيمان: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره)، وقال ﷺ في آخر الحديث: (يا عمر! أتدري من السائل؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم) رواه مسلم.
وقوله: (والاعتراف بتوحيد الله وربوبيته)، أي: لا يتم التوحيد والاعتراف بالربوبية إلا بالإيمان بصفاته تعالى، فإن من زعم خالقًا غير الله فقد أشرك، فكيف بمن يزعم أن كل أحد يخلق فعله؟! ولهذا كانت القدرية مجوس هذه الأمة، وأحاديثهم في السنن.
روى أبو داود عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: (القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم).
وروى أبو داود أيضًا عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لكل أمة مجوس، ومجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر، من مات منهم فلا تشهدوا جنازته، ومن مرض منهم فلا تعودوهم، وهم شيعة الدجال، وحق على الله أن يلحقهم بالدجال).
وروى أبو داود أيضًا عن عمر بن الخطاب ﵁، عن النبي ﷺ قال: (لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم).
وروى الترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (صنفان من بني آدم ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية).
لكن كل أحاديث القدرية المرفوعة ضعيفة، وإنما يصح الموقوف منها، فعن ابن عباس ﵄ أنه قال: القدر نظام التوحيد، فمن وحد الله وكذب بالقدر نقض تكذيبه توحيده.
وهذا لأن الإيمان بالقدر يتضمن الإيمان بعلم الله القديم وما أظهر من علمه بخطابه وكتابه مقادير الخلق، وقد ضل في هذا الموضع خلائق من المشركين والصابئين والفلاسفة وغيرهم ممن ينكر علمه بالجزئيات أو بغير ذلك، فإن ذلك كله مما يدخل في التكذيب بالقدر].
أحاديث القدرية لا تصح، وقد ترقى بمجموعها إلى درجة الحسن، ومع ذلك فإن الحكم بأن القدرية هم مجوس هذه الأمة حكم قاطع، بصرف النظر عن ثبوت الأحاديث؛ لأن السلف أجمعوا على أن القدرية مجوس هذه الأمة، وذلك لأنهم عرفوا أن قول القدرية هو قول المجوس، والنبي ﷺ ذكر في الحديث الصحيح المتفق عليه بأن هناك طوائف من هذه الأمة تتبع سنن السابقين: (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة)، في بعض الروايات في البخاري: (شبرًا بشبر وذراعًا بذراع)، وفي بعض الروايات أيضًا وصف هذه المشابهة بوصف يدل على الاحتذاء، فقوله: (حذو القذة بالقذة)، أي: السهم الذي يخرج من القوس أو غيره يحذو السهم الذي سبقه مباشرة، بمعنى: لا يزيد عنه ولا ينقص، وكذلك قوله ﷺ: (حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه)، دل على أن المشابهة حرفية، وأن المشابهة مشابهة مطابقة، وعلى هذا فإن القدرية قالوا بقول المجوس، وقول المجوس مبني على أن الشر لم يكن من خلق الله ﷿ ولا من تقديره، وأن الشر ليس بعلم الله، فمن هنا أثبتوا خالقًا مع الله ﷿ زعموا أنه إله الشر، وقد اختلفوا في خالق الشر هل هو مخلوق لله أو هو أزلي؛ فمنهم من قال: إنه مخلوق لله، لكنه خالق للشر، ومنهم من قال: هو أزلي، فزعموا أن للخلق خالقين.
وهذه المقولة انتشرت بين كثير من الأمم عن المجوسية؛ لأن المجوسية من أقدم الديانات، فانتقل قولها إلى النصارى وإلى طوائف من اليهود وإلى غيرهم، ثم عن المجوس وعن النصارى وعن اليهود انتقلت هذه المقولة إلى طوائف من هذه الأمة، كما أخبر النبي ﷺ بأن طوائف من هذه الأمة ستتبع سنن السابقين، فالقدرية اتبعوا سنن من سبقهم، وقولهم في القدر هو قول المجوس.
إذًا: فالنتيجة أن القدرية هم مجوس هذه الأمة، سواء ثبتت هذه الأحاديث أو لم تثبت، والسلف اتفقوا على ذلك.
[ ٥٦ / ٤ ]
تكذيب القدرية بقدرة الله تعالى على كل شيء
قال رحمه الله تعالى: [وأما قدرة الله على كل شيء فهو الذي يكذب به القدرية جملة؛ حيث جعلوه لم يخلق أفعال العباد، فأخرجوها عن قدرته وخلقه.
والقدر الذي لا ريب في دلالة الكتاب والسنة والإجماع عليه، وأن الذي جحدوه هم القدرية المحضة بلا نزاع هو ما قدره الله من مقادير العباد، وعامة ما يوجد من كلام الصحابة والأئمة في ذم القدرية يعني به هؤلاء، كقول ابن عمر لما قيل له: يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف: أخبرهم أني منهم بريء، وأنهم مني برآء].
يعني: أنهم جعلوا من أفعال العباد ما لا يقدره عليه الله ﷿ وتعالى عما يقولون، أو أنهم أيضًا عمموا ذلك حتى في العلم، فقالوا بأنه لم يعلمه ولم يقدره.
فالمهم أن جملة القدرية يكذبون بتقدير الله تعالى لكل شيء، ويزعمون أن الله لا يقدر بعض أفعال العباد على درجات بينهم.
[ ٥٦ / ٥ ]
ما يتضمنه التقدير المطابق للعلم
قال رحمه الله تعالى: [والقدر الذي هو التقدير المطابق للعلم يتضمن أصولًا عظيمة: أحدها: أنه عالم بالأمور المقدرة قبل كونها، فيثبت علمه القديم، وفي ذلك الرد على من ينكر علمه القديم.
الثاني: أن التقدير يتضمن مقادير المخلوقات، ومقاديرها هي صفاتها المعينة المختصة بها، فإن الله قد جعل لكل شيء قدرًا، قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢]، فالخلق يتضمن التقدير؛ تقدير الشيء في نفسه بأن يُجعَل له قدرٌ، وتقديره قبل وجوده، فإذا كان قد كتب لكل مخلوق قدره الذي يخصه في كميته وكيفيته كان ذلك أبلغ في العلم بالأمور الجزئية المعينة، خلافًا لمن أنكر ذلك، وقال: إنه يعلم الكليات دون الجزئيات، فالقدر يتضمن العلم القديم والعلم بالجزئيات].
الإشارة إلى العلم هنا ينبغي التنبيه على أنها ليس لها مفهوم، وأعني بذلك أن السلف حينما عبروا بوصف القديم في علم الله وفي سائر صفاته لا يقصدون بذلك أن هناك قديمًا وجديدًا في علم الله، فعلم الله ﷿ كله أزلي ولا يتجدد لله علم، إنما قصدهم بالقديم: أن علم الله أزلي لا بداية له، أي: لم يحدث لله علم، ولم يتجدد لله علم، فعلم الله كامل قبل وجود المعلومات.
قال رحمه الله تعالى: [الثالث: أنه يتضمن أنه أخبر بذلك وأظهره قبل وجود المخلوقات إخبارًا مفصلًا، فيقتضي أنه يمكن أن يعلِم العباد الأمور قبل وجودها علمًا مفصلًا؛ فيدل ذلك بطريق التنبيه على أن الخالق أولى بهذا العلم، فإنه إذا كان يعلِم عباده بذلك فكيف لا يعلمُه هو؟! الرابع: أنه يتضمن أنه مختار لما يفعله، محدث له بمشيئته وإرادته، ليس لازمًا لذاته.
الخامس: أنه يدل على حدوث هذا المقدور، وأنه كان بعد أن لم يكن، فإنه يقدره ثم يخلقه].
هنا تنبيه مهم أشار إليه الشارح، وهو مسألة الدليل على أن الله ﷿ عليم بكل شيء، ومن جملة ذلك أفعال الشر من العباد، لا كما تزعم القدرية والمعتزلة وغيرهم، والدليل على ذلك أن النبي ﷺ أخبر بأشياء من أفعال الشر من العباد تقع في المستقبل أعلمه الله بها، وهم يقرون بهذه الأخبار، فإقرارهم بها حجة عليهم، فالله ﷿ أخبر رسوله ﷺ بكثير من الأخبار المغيبة التي هي من أفعال الشر من العباد، كإخباره ﷺ في قصة ذي الخويصرة: أنه سيخرج من ضئضئ هذا الرجل أناس يفعلون كذا وكذا من أمور الشر والبدع، وإخباره ﷺ عن الدجال وما يحدث منه وما يحدث له، والشرور التي تحدث على يديه والمصائب، وأخباره ﷺ بالفتن والشرور التي تحدث من أفراد العباد أو من مجموعاتهم، فهذه شرور يفعلها العباد، وأخبر بها النبي ﷺ قبل وقوعها، والنبي ﷺ لا يعلم شيئًا من الغيب إلا ما أعلمه الله به.
فالله ﷿ أعلم وأخبر بعض عباده بأشياء من أفعال الشر التي يفعلها العباد، والمعتزلة وغيرهم ممن ينكرون علم الله بأفعال الشر وتقديره لها يقرون بصحة هذه الأخبار، ففي ذلك رد عليهم.
[ ٥٦ / ٦ ]