علو الله تعالى على خلقه ثابت بالكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، وما يدعيه نفاة العلو من أدلة عقلية أو نظرية تناقض أدلة الإثبات هي في حقيقتها أدلة في خيالاتهم لا أثر لها في الواقع والحس، مع أن شهادة النصوص المتضافرة على إثبات العلو مما يدعم الأدلة العقلية الواقعية التي لا يدفعها إلا مكابر أو جاهل.
[ ٦٠ / ١ ]
الردود على منكري الفوقية
[ ٦٠ / ٢ ]
الردود العقلية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فإن قيل: لا نسلم أنه قابل للفوقية حتى يلزم من نفيها ثبوت ضدها.
قيل: لو لم يكن قابلًا للعلو والفوقية لم يكن له حقيقة قائمة بنفسها، فمتى أقررتم بأنه ذات قائم بنفسه غير مخالط للعالم، وأنه موجود في الخارج، ليس وجوده ذهنيًا فقط، بل وجوده خارج الأذهان قطعًا، وقد علم العقلاء كلهم بالضرورة أن ما كان وجوده كذلك فهو إما داخل العالم وإما خارج عنه، وإنكار ذلك إنكار ما هو أجلى وأظهر الأمور البديهيات الضرورية بلا ريب].
قولهم: (لا نسلم أنه قابل للفوقية) هذا قول أهل الكلام الفلاسفة والجهمية وكثير من المعتزلة وكثير من المتكلمين الذين سايروا الجهمية والمعتزلة في هذه المسألة، كـ الرازي والجويني في أول أمره، فهؤلاء ينكرون الفوقية لله ﷿، ويؤولون ما ورد في النصوص من الفوقية والعلو لله سبحانه بأمور معنوية، وبعضهم ينكرها بالكلية كغلاة الجهمية، ثم اتسعوا بذلك على أوهام ليس لها أصل، ذلك أن مسألة الفوقية والعلو في حق الله ﷿ لا يجوز للإنسان أن يتفلسف فيها؛ لأن القول بأنه قابل للفوقية أو غير قابل مسألة لا ينبغي أن ترد مع النص أبدًا، فنحن نقول بأن الله ﷿ من صفاته أنه علي على خلقه، وكذلك من أسمائه العلي، وأنه القاهر فوق عباده، وأنه في السماء، كل هذه معانٍ جاءت بلسان عربي مبين أراد الله بها حقيقة معناها، وصف الله تعالى بها نفسه ووصفه بها رسوله ﷺ في نصوص كثيرة لا تكاد تحصى، فنقف عند هذه النصوص ونعلم أنها حقيقة، ولا نأتي بأمور تشكل وتلبس، ككلمة قابل أو غير قابل، فمن الذي يفرض القبول أو لا يفرضه؟ فالله ﷿ هو القاهر فوق عباده، ولا تحكم لأحد فيه.
فالشارح جاء بعبارات أطلقها المتكلمون والفلاسفة قد تنطلي على كثير ممن ليس عنده علم بعقيدة السلف، فقولهم مثلًا: القيام بالنفس أو عدم القيام بالنفس، يقصدون به أن الله ﷿ له وجود غير وجود المخلوقات، وأنه غني عن مخلوقاته لا يحتاج إليها، وهذا أمر بدهي فطري، فهو سبحانه الغني، وقد أكد الله ﷿ ذلك وأكده رسوله ﷺ، فلسنا بحاجة إلى أن نعمل العقول الضعيفة في مثل هذه الحقائق الكبرى التي تقتضيها الفطرة ضرورة وورد النص بها قطعًا.
إذًا: فقول الفلاسفة بأنه قائم بنفسه أو غير قائم بنفسه هذا كله خبط وخلط لا يجوز الاعتماد عليه، وإنما اضطر السلف للرد على هذه المسائل من أجل أن يقرروا الحق بمسالك القوم أنفسهم، فيقيموا الحجة عليهم بأدلتهم وبراهينهم.
وكذلك قولهم: (غير مخالط للعالم) هذا أيضًا أمر بدهي، وكذلك كونه موجودًا في الخارج، أي: خارج المخلوقات، أي: أن وجوده غير جنس وجود المخلوقات، وأحيانًا يعبر الفلاسفة عن الوجود في الخارج أنه في خارج الأذهان، وهذا أيضًا افتراض فلسفي لا يعقل، فما في الأذهان لا يقبل التحقيق إلا إذا كان له وجود فعلي، والوجود الفعلي إن كان في عالم الشهادة فقد ندركه بحواسنا أو يأتي به خبر الغيب، وإن كان في عالم الغيب فلا ندركه إلا بخبر الغيب.
فإن كان الوجود الذي تتصوره الأذهان يتعلق بأمر وجودي فعلًا وفي عالم الشهادة تدركه الحواس فهذا أمر يصدق ما يرد في الأذهان من تصورات.
وإن كان ما يرد في الأذهان يتعلق بأمر غيبي فإن الأمر الغيبي يقر بما جاء في الخبر لا بما في الأذهان، نعم الأذهان تتصور أشياء قد يكون لها وجود وقد لا يكون لها وجود، فلا سبيل إلى تحقيق وجود الموجودات التي ستتصورها الأذهان إلا بالحواس أو بخبر الغيب، وما تدركه الحواس لا جدال فيه، وما لا تدركه الحواس لا يمكن أن يثبت أبدًا إلا بخبر الغيب، وما تتوهمه الأذهان في الموجودات التي لا تدركها الحواس لا يمكن أن تفهم كيفيته أبدًا، فقولهم: (إنه موجود في الخارج) يقصدون به أن الله ﷿ موجود خالج المخلوقات، وهذا -كما قلت- أمر فطري بدهي؛ لأن الله ليس بحال في مخلوقاته، وهو ﷿ الأحد الصمد، فلا يمكن أن تتصور الأذهان المجبولة على الفطرة ولا العقول السليمة إلا أن الله ﷿ ليس في مخلوقاته، فكلمة خارج وداخل كلمة فلسفية يجب أن نتفاداها؛ لأن معناها مفهوم بالفطرة والضرورة والنص، لكن اللفظ فيه لبس، فالله ﷿ وجوده وجود فعلي بأسمائه وصفاته، وليس وجودًا ذهنيًا كما يتصور الفلاسفة والجهمية.
وقوله: [بل وجوده خارج الأذهان قطعًا] يعني: أنه لا يكون وجوده فيما تتخيله الأذهان.
يقول: [وقد علم العقلاء كلهم بالضرورة أن ما كان وجوده كذلك فهو إما داخل العالم وإما خارجه]، هذا أيضًا افتراض تكلم به المتكلمون، فقالوا: هو إما داخل العالم وإما خارجه، فلما قالوا هذه الكلمة وردت عليهم معضلات كثيرة؛ لأنهم لما قالوا بافتراض أنه خارج العالم اضطروا إلى أن يقولوا بأن له وجودًا حقيقيًا وأسماء وصفات وأفعالًا، فلما اضطروا إلى ذلك نفوا ذلك، فقالوا بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه، تعالى الله عما يزعمون! مع أن هذه مسألة لا تتصور عقلًا، مع أنا نقول: إن هذه الأمور يجب أن لا نخوض
[ ٦٠ / ٣ ]
الردود النقلية
قال رحمه الله تعالى: [فكيف إذا انضم إلى ذلك شهادة العقول السليمة والفطر المستقيمة والنصوص الواردة المتنوعة المحكمة على علو الله على خلقه، وكونه فوق عباده، التي تقرب من عشرين نوعًا: أحدها: التصريح بالفوقية مقرونًا بأداة (من) المعينة للفوقية بالذات، كقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل:٥٠].
الثاني: ذكرها مجردة عن الأداة، كقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨].
الثالث: التصريح بالعروج إليه، نحو: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٤]، وقوله ﷺ: (فيعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم).
الرابع: التصريح بالصعود إليه، كقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠].
الخامس: التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه، كقوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨]، وقوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥].
السادس: التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو: ذاتًا وقدرًا وشرفًا، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣]، ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى:٥١].
السابع: التصريح بتنزيل الكتاب منه، كقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر:١]، ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [غافر:٢]، ﴿تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت:٢]، ﴿تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]، ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل:١٠٢]، ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان:١ - ٥].
الثامن: التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده، وأن بعضها أقرب إليه من بعض، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف:٢٠٦]، ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ [الأنبياء:١٩]، ففرق بين من له عمومًا وبين من عنده من مماليكه وعبيده خصوصًا].
يعني بذلك أن الله ﷿ له الملك كله، لكن فيما يتعلق بالعندية -أي: تخصيص بعض المخلوقات بأنها عنده- فإن هذا خص به بعض المخلوقات، الأمر الذي يدل على أنها أكثر رفعة وأعلى من غيرها.
قال رحمه الله تعالى: [وقول النبي ﷺ في الكتاب الذي كتبه الرب تعالى على نفسه: (أنه عنده فوق العرش).
التاسع: التصريح بأنه تعالى في السماء، وهذا عند المفسرين من أهل السنة على أحد وجهين: إما أن تكون (في) بمعنى (على)، وإما أن يراد بالسماء العلو، لا يختلفون في ذلك، ولا يجوز الحمل على غيره.
العاشر: التصريح بالاستواء مقرونًا بأداة (على) مختصًا بالعرش الذي هو أعلى المخلوقات، مصاحبًا في الأكثر لأداة (ثم) الدالة على الترتيب والمهلة.
الحادي عشر: التصريح برفع الأيدي إلى الله تعالى، كقوله ﷺ: (إن الله يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرًا).
والقول بأن العلو قبلة الدعاء فقط باطل بالضرورة والفطرة، وهذا يجده من نفسه كل داع كما يأتي إن شاء الله تعالى.
الثاني عشر: التصريح بنزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا، والنزول المعقول عند جميع الأمم إنما يكون من علو إلى سفل.
الثالث عشر: الإشارة إليه حسًا إلى العلو، كما أشار إليه من هو أعلم بربه وبما يجب له ويمتنع عليه من جميع البشر، لما كان بالمجمع الأعظم الذي لم يجتمع لأحد مثله، في اليوم الأعظم، في المكان الأعظم، قال لهم: (أنتم مسئولون عني فماذا أنتم قائلون؟)].
هنا يقصد كلام النبي ﷺ في ذلك المكان الذي هو عرفة، في ذلك اليوم العظيم الذي جمع شرف الزمانين: يوم عرفة ويوم الجمعة.
قال رحمه الله تعالى: [(قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت)، فرفع أصبعه الكريمة إلى السماء رافعًا إلى من هو فوقها وفوق كل شيء قائلًا: (اللهم اشهد) فكأنا نشاهد الكريمة وهي مرفوعة إلى الله، وذلك اللسان الكريم وهو يقول لمن رفع أصبعه إليه: اللهم اشهد، ونشهد أنه بلغ البلاغ المبين وأدى رسالة ربه كما أمر، ونصح أمته غاية النصيحة، فلا يحتاج مع بيانه وتبليغه وكشفه وإيضاحه إلى تنطع المتنطعين وحذلقة المتحذلقين! والحمد لله رب العالمين.
ال
[ ٦٠ / ٤ ]
إثبات الفوقية والعلو في كلام السلف رحمهم الله تعالى
قال رحمه الله تعالى: [وكلام السلف في إثبات صفة العلو كثير جدًا، فمنه: ما روى شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري في كتابه الفاروق، بسنده إلى أبي مطيع البلخي: أنه سأل أبا حنيفة عمن قال: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض؟ فقال: قد كفر؛ لأن الله يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وعرشه فوق سبع سماوات، قلت: فإن قال: إنه على العرش، ولكن يقول: لا أدري العرش في السماء أم في الأرض؟ قال: هو كافر؛ لأنه أنكر أنه في السماء، فمن أنكر أنه في السماء فقد كفر.
وزاد غيره: لأن الله في أعلى عليين، وهو يدعى من أعلى، لا من أسفل.
انتهى.
ولا يلتفت إلى من أنكر ذلك ممن ينتسب إلى مذهب أبي حنيفة، فقد انتسب إليه طوائف معتزلة وغيرهم، مخالفون له في كثير من اعتقاداته، وقد ينتسب إلى مالك والشافعي وأحمد من يخالفهم في بعض اعتقاداتهم، وقصة أبي يوسف في استتابة بشر المريسي لما أنكر أن يكون الله ﷿ فوق العرش مشهورة، رواها عبد الرحمن بن أبي حاتم وغيره].
الملاحظ في التاريخ أن أصحاب مذاهب الكلام كان كثير منهم على مذهب أبي حنيفة في الفروع، كمشاهير الجهمية المنتسبين ومشاهير المعتزلة، كما أن كثيرًا من المتكلمين كانوا بين شافعية وأحناف، وهذا لا يضر بأصول المذاهب نفسها، لكن هذا من باب العلم بالواقع، وإلا فالأئمة الأربعة كلهم على مذهب أهل السنة والجماعة، وأوائل تلاميذهم كذلك، لكن إذا أرادنا أن نؤرخ لدخول المذاهب الكلامية على المذاهب فسنجد أن الأحناف هم أول من تأثر بمذاهب الجهمية، وأن الشافعية وجد في أوائلهم من دخل في مذاهب الكلابية الذي هو أصل مذهب الأشاعرة والماتريدية، ثم بعد ذلك انتشرت المذاهب الكلامية في جميع المذاهب في بعض المالكية ثم في بعض الحنابلة.
[ ٦٠ / ٥ ]
الرد على متأول الفوقية
قال رحمه الله تعالى: [ومن تأول (فوق) بأنه خير من عباده وأفضل منهم، وأنه خير من العرش وأفضل منه، كما يقال: الأمير فوق الوزير، والدينار فوق الدرهم؛ فذلك مما تنفر عنه العقول السليمة، وتشمئز منه القلوب الصحيحة، فإن قول القائل ابتداء: الله خير من عباده، وخير من عرشه من جنس قوله: الثلج بارد، والنار حارة، والشمس أضوأ من السراج، والسماء أعلى من سقف الدار، والجبل أثقل من الحصى، ورسول الله ﷺ أفضل من فلان اليهودي، والسماء فوق الأرض، وليس في ذلك تمجيد ولا تعظيم ولا مدح، بل هو من أرذل الكلام وأسمجه وأهجنه! فكيف يليق بكلام الله الذي لو اجتمع الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لما أتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا؟! بل في ذلك تنقص، كما قيل في المثل السائر: ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل إن السيف أمضى من العصا ولو قال قائل: الجوهر فوق قشر البصل وقشر السمك لضحك منه العقلاء، للتفاوت الذي بينهما، فالتفاوت الذي بين الخالق والمخلوق أعظم وأعظم، بخلاف ما إذا كان المقام يقتضي ذلك، بأن كان احتجاجًا على مبطل، كما في قول يوسف الصديق ﵇: «أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ» [يوسف:٣٩]، وقوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل:٥٩] ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:٧٣].
وإنما يثبت هذا المعنى من الفوقية في ضمن ثبوت الفوقية المطلقة من كل وجه، فله ﷾ فوقية القهر وفوقية القدر، وفوقية الذات، ومن أثبت البعض ونفى البعض فقد تنقص، وعلوه تعالى مطلق من كل الوجوه، فإن قالوا: بل علو المكانة لا المكان! فالمكانة تأنيث المكان، والمنزلة تأنيث المنزل، فلفظ المكانة والمنزلة تستعمل في المكانات النفسية والروحانية، كما يستعمل لفظ المكان والمنزل في الأمكنة الجسمانية].
يعني أن المكانة تقال في الأمور المعنوية، والمكان يقال في الأمور الحسية.
قال رحمه الله تعالى: [فإذا قيل: لك في قلوبنا منزلة، ومنزلة فلان في قلوبنا وفي نفوسنا أعظم من منزلة فلان، كما جاء في الأثر: إذا أحب أحدكم أن يعرف كيف منزلته عند الله؛ فلينظر كيف منزلة الله في قلبه، فإن الله ينزل العبد من نفسه حيث أنزله العبد من قلبه.
فقوله: منزلة الله في قلبه: هو ما يكون في قلبه من معرفة الله ومحبته وتعظيمه وغير ذلك، فإذا عرف أن المكانة والمنزلة تأنيث المكان والمنزل، والمؤنث فرع على المذكر في اللفظ والمعنى، وتابع له، فعلو المثل الذي يكون في الذهن يتبع علو الحقيقة، إذا كان مطابقًا كان حقًا، وإلا كان باطلًا.
فإن قيل: المراد علوه في القلوب، وأنه أعلى في القلوب من كل شيء؛ قيل: وكذلك هو، وهذا العلو مطابق لعلوه في نفسه على كل شيء، فإن لم يكن عاليًا بنفسه على كل شيء، كان علوه في القلوب غير مطابق، كمن جعل ما ليس بأعلى أعلى].
الخلاصة: أن الشارح ﵀ سلك في الرد على الذين أنكروا العلو الذاتي لله ﷾ مسلك التفصيل واستقصاء الأدلة والبراهين العقلية والنقلية، وهذا مذهب السلف في الأمور التي تلجّ فيها القضايا بينهم وبين المخالفين، ذلك أن من عادة السلف إذا كانت الشبهات خفيفة أن يردوا عليها بإجمال، وإذا كانت كبيرة ومعضلة ويكثر فيها الكلام وتعم بها البلوى زادوا في التفصيل فيها إلى حد حشر الأدلة العقلية والنقلية بتوسع، كما فعل الشارح تبعًا لمن سبقه، خاصة ابن القيم.
[ ٦٠ / ٦ ]
الأسئلة
[ ٦٠ / ٧ ]
مدى صحة القول بعلم فرعون بفوقية الله ﷻ
السؤال
هل كان فرعون يعلم بفوقية الله ﷿؟
الجواب
قال بعض السلف: إنه فهم بفطرته أن الله ﷿ فوق، وإنه بذلك أراد أن يغالط في مسألة الوصول إلى الله ﷿، وبعضهم فهم العكس، وقال: إنه أراد بذلك أن ينكر دعوى موسى بأن الله فوق السماوات، وهذا بعيد، وفي نظري أن القول الأول أصح، وهو أن فرعون كان يعرف أن الله فوق السماوات، لكنه أراد أن يوهم الناس من حوله بمثل هذا الإيهام ليقول: إنه ليس هناك رب لكم غيري.
وعلى أي حال أقول: إن قصة موسى تحتمل معنيين، وفي كلا المعنيين دليل على إثبات العلو لله ﷿.
[ ٦٠ / ٨ ]
وجه الدلالة على العلو من استفهامه ﷺ الجارية بلفظ (أين)
السؤال
يقول في الدليل الرابع عشر في أدلة العلو: التعبير بلفظ (الأين)، فما المقصود بالاستدلال به؟
الجواب
يقصد به أن النبي ﷺ كان يسأل عند الحاجة بلفظ (أين الله)، كما سأل الجارية: أين الله؟ هذا معنى الأين، ولا يمكن أن يسأل بلفظ (أين الله) إلا إذا كان الله ﷿ موصوفًا بشيء مما يقتضي السؤال، وهو العلو، فلو كان كما يقولون: إن الله وجوده معنوي؛ لما جاز السؤال بـ (أين)؛ لأن الشيء المعنوي الذي يوجد في الأذهان فقط لا يسأل عنه بلفظ: أين هو؟ ثم إنه يقصد بالسؤال بـ (الأين) أن السؤال ترتب عليه جواب أقره النبي ﷺ، فالنبي ﷺ سأل: (أين الله) ثم جاء الجواب بأنه في السماء مع رفع الأصبع بالإشارة إلى العلو، فهذا معنى قوله: (التصريح بلفظ الأين)، أي: السؤال عن الجهة، وهي جهة الفوق والعلو.
والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٦٠ / ٩ ]